الأبعاد الاستراتيجية والآثار القانونية لانضمام المغرب للاتحاد الأفريقي
3-5-2017

سامي السلامي
* باحث في العلاقات الدولية
اختتمت القمة العادية الثامنة والعشرون للاتحاد الإفريقي يوم 31 يناير 2017 بقرار تاريخي يتبنى انضمام المملكة المغربية للاتحاد، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الجفاء المؤسساتي. وكانت الرباط قد تقدمت بطلب الانضمام للاتحاد في 22 سبتمبر 2016، وسط حراك دبلوماسي على أعلى المستويات، تمثل في زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس للعديد من البلدان الإفريقية، وإبرام اتفاقيات تعاون وشراكات إستراتيجية تمهيدا لانضمام المغرب.
 
لم يكن الوصول إلى تفاهمات تمهد الطريق لانضمام المغرب للاتحاد مهمة سهلة بالنسبة للرباط، خصوصا أن الأمر تطلب مراجعة استثنائية لأساليب وأدوات السياسة الخارجية المغربية، وتبني دبلوماسية هجومية في قضية الصحراء الغربية، وهو ما يفتح المجال أمام حسابات معقدة وتحديات مركبة (1).
 
أولا- العلاج بالصدمة:
 
تختلف عملية صنع السياسة الخارجية من بلد لآخر باختلاف المتداخلين، وبتنوع التحديات والتهديدات النابعة من البيئتين الداخلية والخارجية، حيث تلعب هذه التفاعلات دورا مهما في تحديد أهداف السياسة الخارجية، التي تتغير بدورها أو تبقى ثابتة، حسب درجة تحقيق تلك الأهداف، ومرونة وفاعلية أدواتها في إطارها الصلب والناعم.
 
 وتخضع عملية صنع السياسة الخارجية المغربية للبعد الداخلي، الذي يعد محددا أساسيا لأهداف السياسة الخارجية، حيث يرتكز المغرب في سياسته على أربعة مبادئ رئيسية، هي: 
 
1 - مبدأ السيادة باحترام الوحدة الوطنية والترابية المغربية، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للمغرب.
 
2- مبدأ التعاون والتضامن ببناء شراكات تهدف لتحقيق التقدم المشترك، مع التركيز على التعاون في إطار جنوب- جنوب.
 
3- مبدأ الانفتاح بتنويع العلاقات الدبلوماسية، والانفتاح على كل الفاعلين الدوليين.
 
4- مبدأ الشرعية الدولية بالالتزام بالقانون الدولي وبالمواثيق والعهود الدولية التي يعد المغرب أحد أطرافها.
 
وتعد الواقعية البرجماتية أهم السمات الضابطة للسياسة الخارجية المغربية، بينما يمثل الحفاظ على الوحدة الترابية، متمثلا في ملف الأقاليم الجنوبية المتنازع عليها تحت مسمى "قضية الصحراء الغربية"، محددا رئيسيا للسلوك السياسي المغربي على الصعيد الخارجي، والفعل الدبلوماسي. 
 
في هذا الإطار، تتعدد الشروط التي يتخذ المغرب وفقا لها قرارا باستغلال أدوات سياسته الخارجية (الدبلوماسية، والاقتصادية، والعسكرية، والثقافية، والمعرفية والتكنولوجية)، بحسب أولوية كل منطقة من المناطق في التفكير الاستراتيجي المغربي، وأهمية كل قضية من القضايا في سياسته الخارجية.
 
 وعليه، يمثل ملف "الأقاليم الجنوبية المغربية" المتنازع عليها أهم الملفات التي تشغل بال وتفكير صناع القرار في المغرب، نظرا لارتباطه المباشر بمسألة الوحدة الترابية للبلاد، التي تعد أحد المعايير الأساسية للاستقرار السياسي بالمغرب. 
 
ويدفع ذلك الرباط إلى تصويب أدوات سياستها الخارجية في خدمة هذا الملف الحساس، الذي شكل كل من فشل المسار التفاوضي في إيجاد حل نهائي له، وعدم نجاعة سياسة المقعد الشاغر التي تبناها المغرب منذ انضمام جبهة البوليساريو إلى منظمة الوحدة الإفريقية، منطلقا من تبني الرباط سياسة خارجية هجومية في محيطها الإقليمي، وبعدها الإفريقي، في إطار حزمة سياسات (اقتصادية-أمنية- معرفية- ثقافية-دبلوماسية) أبانت قدرتها على تحقيق مكتسبات عدة، من ضمنها قبول انضمام المغرب للاتحاد الإفريقي.
 
ويمكن فهم انضمام المغرب للإتحاد، في جزء منه، في بعدين تكتيكي واستراتيجي: 
 
فمن الناحية التكتيكية، يندرج انضمام المغرب للاتحاد، وقبوله الجلوس جنبا إلى جنب البوليساريو كعضو في المنظمة، ضمن باب العلاج بالصدمة، أي اتخاذ مسار مختلف جذريا للممارسات الدبلوماسية المغربية طيلة الـ 34 عاما الماضية، وذلك بـ: 
 
- تعديل أساليب وأدوات السياسة الخارجية المغربية، ونهج دبلوماسية هجومية ترتكز على عنصري المناورة والمفاجأة.
- اختيار المواجهة المباشرة من داخل أجهزة الاتحاد الإفريقي، بهدف خلط الأوراق السياسية لمؤيدي الطرح الانفصالي.
- خلق واقع جديد من داخل الاتحاد، ودفع المنظمة إلى الالتزام بالحياد في هذا الملف الذي يتم تدارسه بمجلس الأمن للأمم المتحدة. 
ومن الناحية الاستراتيجية، يسعى المغرب، بحسبانه قوة إقليمية داخل القارة الإفريقية، لها وزنها السياسي، والاقتصادي، والأمني، والثقافي، والمعرفي، إلى تعزيز دوره باكتساب البعد المؤسساتي الغائب عنه منذ 1984، خصوصا وأن الرباط تعد سادس قوة اقتصادية في القارة السمراء، وهو ما يفرض مواكبة هذا النمط المتسارع في مجال التعاون الاقتصادي، بضمانات مؤسساتية تحافظ على مصالح الرباط وشركائها.
 
ثانيا- جدل  العودة / الانضمام:
 
خلق انضمام المملكة المغربية للاتحاد الإفريقي نقاشا مهما حول الطبيعة القانونية لعضوية المملكة في الاتحاد، ومشروعية طلب انضمام المغرب من عدمه. ولعل ما ميز هذا النقاش أنه فتح مجالا خصبا لتفسير بعض من مقتضيات القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، وبروتوكولي التعديلات الملحق به.
 
1-الطبيعة القانونية لعضوية المغرب: 
 
 كثر الحديث في الأوساط الدبلوماسية المغربية عن عودة المغرب للاتحاد، وهو ما تجلى في تشديد العاهل المغربي الملك محمد السادس، في خطابه الذي ألقاه، خلال المؤتمر الثامن والعشرين للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، على مصطلح "العودة" كتوصيف لقبول عضوية البلاد في الاتحاد، حيث رسخت التسمية نفسها في التقارير الإعلامية للقنوات الرسمية المغربية، وتحليلات الباحثين والأكاديميين المغاربة في تعليقهم على هذا الحدث المهم، والواقع أن هذا المصطلح (العودة) غير مقبول قانونا لمعطيين رئيسيين: 
 
- موضوعيا، المغرب عضو مؤسس لمنظمة الوحدة الإفريقية التي انسحب منها سنة 1984  احتجاجا على  قبول انضمام جبهة البوليساريو، ولم يسبق له الحصول على عضوية في الاتحاد الإفريقي الذي تأسس سنة 2001، وقبول عضوية المغرب في الاتحاد يندرج في إطار الانضمام.
 
- إجرائيا، سلك المغرب مقتضيات المادة 29 من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي المتعلقة بطلب انضمام دولة إفريقية غير طرف للاتحاد، وذلك لكسب الوقت، والإسراع من إجراءات الانضمام، خصوصا أن أي محاولة للجوء لمقتضيات المادة 27 من القانون التأسيسي للاتحاد تتنافى والوضع القانوني للمغرب، حيث تنص على أن "هذا القانون يكون مفتوحا للتوقيع والتصديق عليه من قبل الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الإفريقية، والانضمام إليه طبقا للإجراءات الدستورية المتبعة في كل دولة".
 
2 ـ مشروعية انضمام المغرب للاتحاد: 
 
وجب تأكيد أن معارضة بعض الدول لانضمام المغرب مفهوم من الناحية الواقعية، فكل دولة تسعى للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في القارة الإفريقية، سواء تعلق الأمر بحسابات داخلية معقدة، أو تطلعات إقليمية، مثلما يحق للمغرب الانضمام للاتحاد، والدفاع عن مصالحه وأمنه القومي من داخل المؤسسات الإفريقية.
 
وفي هذا الإطار، شددت الدول الرافضة لانضمام المغرب للاتحاد على عدم مشروعية طلب الانضمام، الذي يتعارض وأهداف ومبادئ الاتحاد. إذ لا يمكن قبول طلب الانضمام إلى الاتحاد، بينما لا تعترف الدولة المعنية بالحدود الدولية المعترف بها ولا تحترمها، وتحتل الدولة المعنية أجزاء من أراضي دولة عضو في الاتحاد نفسه، على حد تعبير التيار المعارض للانضمام المغربي، في استفسار قانوني تم توجيهه للمستشار القانوني للاتحاد.
 
وفي سعي منه لتعطيل انضمام المغرب، شدد هذا التيار على ضرورة البت في هذا الخلاف الحاصل في تفسير أعضاء الاتحاد للمعاهدة المنشئة، وهو ما تجلى في الرأي الاستشاري الصادر عن المستشار القانوني للاتحاد في 26 يناير 2016 بطلب من 11 دولة عضوا، والذي جاء في طياته تأكيد تعارض في بعض من مبادئ القانون التأسيسي للاتحاد، وطلب المغرب للانضمام. 
 
غير أن هذا الرأي يبقى قاصرا أمام أحكام القانون التأسيسي للاتحاد نفسه، والذي ينص في المادة التاسعة على أن سلطة بحث طلبات الانضمام إلى عضوية الاتحاد  من مهام مؤتمر الاتحاد. 
 
وعليه، يتضح من المادة 29 من القانون التأسيسي توافر المغرب على شروط قبول العضوية في الاتحاد، والمتمثلة في الانتماء جغرافيا وتاريخيا للقارة الإفريقية، حيث تنص على أنه "يجوز لأي دولة إفريقية بعد دخول هذا القانون حيز التنفيذ، وفي أي وقت، أن تخطر رئيس اللجنة بنيتها في الانضمام إلى هذا القانون، وقبول عضويتها في الاتحاد، حيث تتم عملية القبول بأغلبية بسيطة للدول الأعضاء".
 
ووجدت محاولة عرقلة التيار المعارض لعملية تصويت انضمام المغرب للاتحاد، بوضع شرط تقديم الرباط التزاما مكتوبا بالتقيد بالقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، بعضا من حجيتها في نص المادة 18 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تؤكد "ضرورة التزام الدولة الموقعة بعدم تعطيل موضوع المعاهدة أو غرضها". 
 
إلا أن تصويت المؤتمر بقبول طلب انضمام المغرب، سواء بـ 39 صوتا، كما أكد الجانب المغربي، أو بـ 28 كأغلبية بسيطة، دون إلزامه، مرده احترام الرباط لأحكام القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي بالتوقيع والتصديق عليه دون أي تحفظ أو شروط مسبقة عن طريق الظهير الشريف (الذي يصدر عن ملك المغرب لإعطاء الشرعية التنفيذية لقانون صادر عن البرلمان المغربي) رقم 1.17.01 بتنفيذ القانون 01.17 الموافق بموجبه على القانون التأسيسي للاتحاد، الموقع بلومي (توجو) في 11 يوليو 2000، وعلى بروتوكول التعديلات الملحق به، المعتمد بأديس أبابا (إثيوبيا) في 3 فبراير 2003، وبمابوتو (موزمبيق) في 11 يوليو 2003.
 
ثالثا- حسابات معقدة:
 
أفضى قبول المغرب كعضو في الاتحاد الإفريقي إلى وضع قانوني جديد، بآثار قانونية معقدة، بين من يرى هذا الانضمام ورقة رابحة لجبهة البوليساريو للتقدم بطلب العضوية في الأمم المتحدة، ومن يتحدث عن قدرة الاتحاد الإفريقي على إلزام المغرب باحترام أهداف ومبادئ القانون التأسيسي الذي وقعه وصدق عليه.
 
1ـ تنازع السيادة:
 
بالرجوع إلى الدستور المغربي، نجده ينص على أن "المملكة المغربية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية". واستنادا إلى المادة 4 الفقرة أ من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، الذي وقع وصدق عليه، يعد المغرب دولة متساوية في العضوية مع ما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية (جبهة البوليساريو).
 
وفي هذا الإطار، نحن أمام وضع قانوني يتعارض مع القانون التأسيسي للاتحاد، فهل يعد التصديق المغربي على القانون التأسيسي اعترافا ضمنيا بالبوليساريو؟، وهل ستتمكن الحركة من استغلال هذه الورقة للحصول على عضويتها داخل الأمم المتحدة؟
 
ويرفض المغرب، عبر قنواته الدبلوماسية، ربط انضمامه للاتحاد بالاعتراف بجبهة البوليساريو. ولعل الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس للقمة الـ 27 في كيجالي تثبت ذلك بجلاء، إذ أكد أن "الاتحاد الإفريقي في وضعية تعارض مع الشرعية الدولية". وبالعودة للدستور المغربي، نجده ينص على سمو الاتفاقيات الدولية، كما صدق عليها المغرب في نطاق الهوية الوطنية الراسخة.
 
ويعني ذلك أنه ربط الاتفاقية بشرط عدم التعارض مع الهوية الوطنية التي تعد السيادة الوطنية في صلبها، إلا أن نص المادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات ينسف هذا الشرط، بتأكيده عدم جواز تذرع الدولة بنصوص قانونها الداخلي عندما تخفق في تنفيذ المعاهدة. 
 
وفي هذا الإطار، فإن اختيار المغرب التوقيع والتصديق على قانون الاتحاد، بالرغم من إمكانية تأويل البعض له بالاعتراف الضمني، يندرج ضمن باب التحول التكتيكي بغية طرد البوليساريو من المنظمة، وهو ما تأكد في تصريح وزير خارجية المغرب على هامش القمة الـ 28 بأن مسألة إقصاء البوليساريو من الاتحاد تهم الأفارقة والاتحاد، وأن الرباط ستتعامل مع كل شيء بوقته وأدواته ووسائله.2
 
غير أن القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي لم يتضمن أي بند ينص على طرد أي عضو من الاتحاد، باستثناء تعليق مشاركة الحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية المنصوص عليه في المادة 30، وتخلي الدولة عن العضوية في المادة 31. وفي هذا الخصوص، تضمن بروتوكول مابوتو لتعديل القانون التأسيسي بندا بإلغاء المادة 31 المتعلقة بالانسحاب بشكل فردي.
 
وعليه، يكون المغرب ملزما بالرفع من أدائه الدبلوماسي، وتحمل تبعات انضمامه للاتحاد بخوض معركة دبلوماسية داخل أروقة الاتحاد،  تهدف، على المدى المتوسط، إلى: 
 
1 ـ إجبار جبهة البوليساريو على الانسحاب الفردي من الاتحاد، خصوصا أن بروتوكول مابوتو لم يدخل بعد حيز التنفيذ، لارتباط ذلك بتصديق ثلثي الدول الأعضاء كما هو منصوص عليه في المادة 13 من البروتوكول نفسه. ويبقى هذا الانسحاب أمرا مستبعدا إلى حد كبير.
 
2 ـ العمل على تعديل القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي بما يجعله يتضمن بندا ينص على إنهاء عضوية دولة في الاتحاد بالإجماع، أو بثلثي أصوات الدول الأعضاء. وفي هذا الخصوص، تنص المادة 32 من القانون التأسيسي على أنه "يجوز لأي دولة تقديم مقترحات لتعديل أو مراجعة هذا القانون، على أن يتم إقرار التعديلات أو المراجعة من جانب مؤتمر الاتحاد بالإجماع، أو بأغلبية الثلثين في حال تعذر ذلك". 
 
ويتضح من نص هذه المادة غياب أي إشارة للتحفظ، مما يجعل أي تعديل ملزما لأطراف القانون التأسيسي. غير أن  أي تعديل سيتطلب سنوات من التفاوض لإقرار نصه، ودخوله حيز التنفيذ، ولعل بروتوكول مابوتو خير مثال على ذلك.
 
أما جبهة البوليساريو، فستسعى جاهدة إلى الاستفادة من ورقة انضمام المغرب للاتحاد، والتقدم بطلب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، وهو أمر مستبعد للسببين الآتيين، الأول: عدم توافر الجبهة على المقومات الموضوعية لقيام الدولة، وهي الشعب، والإقليم، والسيادة.
 
 أما السبب الآخر، فينص الميثاق الأممي في مادته الرابعة على أن "قبول عضوية الدول في الأمم المتحدة يتم بقرار من الجمعية العامة بثلثي الأعضاء، بناء على توصية من مجلس الأمن"، وهو ما يضع توصية مجلس الأمن كشرط أساسي. وبما أن هذا الأمر يندرج ضمن باب المسائل الموضوعية، فإن توصية المجلس تتطلب، حسب نص المادة 27 من الميثاق الأممي، موافقة تسعة أعضاء، من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة، وهو أمر صعب التحقق لحجم العلاقات الدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية التي تجمع الرباط بالأعضاء الدائمين.
 
 بيد أن الأمر الأقرب بالنسبة للبوليساريو هو الحصول على صفة "كيان مراقب غير عضو"، والذي يتطلب قرارا من الجمعية العامة بأغلبية بسيطة دون أي توصية من مجلس الأمن. 
 
2 ـ تعارض الصلاحيات:
 
ينص القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي في مادته الثالثة على "الدفاع عن سيادة الدول والأعضاء ووحدة أراضيها واستقلالها"، و"تعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة"، وتنص المادة الرابعة على "حق الدول الأعضاء في طلب التدخل من الاتحاد لإعادة السلام والأمن"، حيث يلعب الاتحاد دورا رئيسيا في "تسوية الخلافات بين الدول الأعضاء في الاتحاد بوسائل مناسبة يقررها المؤتمر". 
 
ويلجأ الاتحاد، كلما تطلب الأمر، إلى فرض عقوبات على الدول الأعضاء التي لا تلتزم بقرارات وسياسات الاتحاد، بما في ذلك حرمان الدول المعاقبة من إقامة روابط النقل والاتصالات مع دول أعضاء أخرى، أو أي إجراءات ذات طابع سياسي أو اقتصادي، يحددها المؤتمر حسب بنود المادة 23.
 
وتثير هذه المواد إشكالا حقيقيا حول ماهية قدرة الاتحاد الإفريقي على تفعيلها تجاه المغرب كطرف في القانون التأسيسي، خصوصا أن العديد من المقررات الصادرة عن الاتحاد تصف النزاع القائم بين المغرب وجبهة البوليساريو بقضية تصفية استعمار، وهو ما يضع الرباط مجددا أمام حسابات معقدة، بحسبان أن أي تدارس لقضية الصحراء الغربية داخل الاتحاد لن يصب في مصلحة المغرب في الوقت الحالي.
 
وعليه، استنادا إلى بنود الفقرتين الأولى والثانية من المادة 52 من ميثاق الأمم المتحدة، يحق للوكالات والتنظيمات الإقليمية، بما فيها الاتحاد الإفريقي، معالجة النزاعات المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين عن طريق الحل السلمي في إطارها المحلي، بما يتلاءم ومقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، على أن يتم ذلك قبل عرضها على مجلس الأمن، وهو ما يعني أنه لا يحق قانونيا للاتحاد الإفريقي معالجة نزاع معروض على مجلس الأمن.
 
كما لا يمكن لدول الاتحاد، التي ليست طرفا في النزاع، أن تتقدم بطلب توصية لمجلس الأمن عن طريق الجمعية العامة لإحالة النزاع إلى الاتحاد، إذ تنص المادة 12 من الميثاق على أنه "عندما يباشر مجلس الأمن، بصدد نزاع أو موقف ما، الوظائف التي رسمت في الميثاق، فليس للجمعية العامة أن تقدم أي توصية في شأن هذا النزاع أو الموقف إلا إذا طلب منها ذلك مجلس الأمن".
 
غير أن نص الفقرة الثالثة من المادة 52 يضع إمكانية لمعالجة منظمة إقليمية عن طريق الحل السلمي نزاعا محليا معروضا على مجلس الأمن، إما بطلب من الدول التي يعنيها الأمر، أو بالإحالة إليها من مجلس الأمن. ويتعزز هذا الاتجاه ببنود المادة 36 من الميثاق الأممي، التي تنص على أنه "يحق لمجلس الأمن في أي مرحلة من مراحل النزاع من النوع المشار إليه في المادة 33، أو موقف شبيه به، بأن يوصي بما يراه ملائما من الإجراءات وطرق التسوية"، بما ذلك اللجوء إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية، أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختياره.
 
وفي المقابل، تربط الفقرة الثانية من المادة 36 ضمنيا توصية مجلس الأمن تلك برضا الأطراف المتنازعة، إذ تنص على أنه "على مجلس الأمن أن يراعي ما اتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع". وبما أن الإجراءات المتخذة، وفقا للفصل السادس، تفتقر لآليات التنفيذ المتاحة للمجلس، تبعا للفصل السابع، فإن الدول الأطراف في النزاع تستطيع تجاهل أي توصية وقرار لمجلس الأمن بشأن إحالة النزاع إلى منظمة إقليمية، طبقا للفصل السادس، بحسبانه مقترحا لها الحرية في قبوله أو رفضه.
 
وعليه، تبقى إمكانية إحالة مجلس الأمن ملف قضية الصحراء الغربية إلى الاتحاد الإفريقي رهنا برضا المغرب ونيته طلب الإحالة، واستعداده وقدرته على تدبير تبعاتها دبلوماسيا، للسببين الآتيين:
 
الأول: مجلس الأمن جهاز سياسي، ينظر في النزاعات التي تهدد السلم والأمن الدوليين من منظور سياسي، ويغلب في معالجته لها الحسابات التي من شأنها أن تحافظ على نسق تدبيرها، وأي توصية بإحالة النزاع أعلاه إلى الاتحاد الإفريقي، وسط رفض من المغرب، ستعني إخلالا بالوضع التفاوضي للرباط، وفشلا للجهود الأممية في إيجاد حل سلمي متوافق عليه، وستنمي من محفزات الصدام بين الأطراف المتنازعة.
 
أما السبب الآخر، فيهدف الاتحاد الإفريقي إلى تحقيق وحدة وتضامن أكبر بين البلدان والشعوب الإفريقية، وتعزيز مواقف إفريقية موحدة، حسب المادة الثالثة من القانون التأسيسي. ولأجله، ليس لهذا الاتحاد القدرة على جر قضية الصحراء الغربية إلى داخل أروقة المنظمة القارية، لما سيكون لها من تبعات على وحدة الصف بين أعضائه، وعلى تعطيل عمل أجهزته. وفي هذا الجانب، يمكن القول إن المغرب لعب ورقة مهمة من أوراقه الرابحة بالانضمام إلى المنظمة، وسيسعى لمراقبة الوضع بروية وعقلانية، وإتباع نهج تصعيدي وهجومي في الوقت والزمن المناسبين.
 
ختاما، على المغرب أن يدرك جيدا حجم التحديات التي سيواجهها، ودرجة الحسابات المعقدة التي عليه تخطيها، جراء انضمامه للاتحاد الإفريقي، وعلى من يضع إستراتيجية أن يتوافر، إلى جانب التخطيط الدقيق، على المرونة التكتيكية، وأن يمتلك النفس الطويل لخوض معارك دبلوماسية طاحنة على المديين المتوسط والبعيد، يكون فيها الحسم لمن يمتلك المعلومة الصحيحة، ويستغل التفاصيل الدقيقة، ويدرك طبيعة المواجهة القائمة، وحجم التناقضات التي تحرك باقي الأطراف، وتسهم في صناعة قراراتها.
 
-----------------------------
(1) هذه الورقة التي تعالج الاستراتيجية المغربية تجاه الاتحاد الإفريقي تعاطت مع المستجدات في هذا الشأن حتى السادس من فبراير 2017.
 
(2) تصريح وزير خارجية المغرب لقناة فرانس، 24 بتاريخ 31 يناير 2017،https://www.youtube.com/watch?v=-pZCLi17k7s.

رابط دائم: