|
لم تكن الانتخابات العامة السودانية بمستوياتها الثلاثة (الرئاسية والبرلمانية والولائية) مجرد حدث سياسي، أو استحقاق ديمقراطي، أو مطلب من مطالب الإصلاح السياسي في دولة تموج بالتطورات المتسارعة، وتعصف بها أعاصير الخلافات السياسية والتباينات التي تمتد من الخلاف الفكري المجرد علي الهوية، والتوجه إلي الخلاف العسكري المسلح علي السلطة والثروة، بل كانت هذه الانتخابات- وهي الأولي منذ نحو ربع قرن- حدثا نوعيا، وعلامة فارقة في تاريخ الصراع السياسي بين النخب السودانية المتعاقبة، التي أدي تباين موقفها وتعدد رؤاها السياسية إلي التهديد بتمزيق وحدة السودان وتقسيمه إلي دولتين.
واقترنت نتائج هذه الانتخابات بظاهرة أخري هي تباين التقييمات لمسار هذه الانتخابات من حيث مدي شفافيتها ونزاهتها، ليس فقط داخل المجموعات السياسية والحزبية والتيارات السودانية المختلفة، بل امتد هذا التباين في تقييم الأداء الانتخابي إلي الساحتين الإقليمية والدولية. فعلي الرغم من التقييم السلبي الذي أبدته أحزاب المعارضة لهذه النتائج، والاتهامات التي وجهتها للحكومة السودانية التي تقدح في نزاهة الانتخابات وتطعن عليها بالتزوير، إلي الحد الذي جعل هذه الأحزاب ترفض الاعتراف بنتائج هذه الانتخابات، فإن عددا مقدرا من المراقبين المحليين والدوليين الرسميين وغير الرسميين قد اعترف بهذه الانتخابات وقبل نتائجها، باعتبار أن ما شابها من ملاحظات لا ترتقي إلي الحد الذي يطعن في نزاهتها، وأنها خلت من عمليات 'التزوير الممنهج' الذي قد يفسد هذه الانتخابات، ويقود إلي الحكم ببطلان نتائجها.
كما أن أية قراءة موضوعية في نتائج هذه الانتخابات لابد أن تضع في الحسبان الظرف التاريخي والسياق الزمني الذي جرت فيه الانتخابات، لاسيما أن هذا الظرف التاريخي قد ارتبط باستحقاقات أملتها الاتفاقيات السياسية التي جعلت من الانتخابات إحدي الخطوات اللازم اتخاذها قبيل إجراء الاستفتاء علي تقرير مصير أبناء جنوب السودان، وهو الأمر الذي أضفي أهمية كبري علي سير العملية الانتخابية في مختلف مراحلها، بدءا من الإحصاء والتعداد السكاني، ومرورا بمرحلة تسجيل الناخبين، وانتهاء بعملية التصويت وما أفرزته من نتائج.
وقبيل رصد مواقف الأطراف الفاعلة علي الساحة السودانية، ومواقف بعض القوي الإقليمية والدولية من النتائج التي أفضت إليها هذه الانتخابات، لابد من الإشارة إلي أن هذه الانتخابات قد خلفت هواجس مخيفة، وتركت شعورا لا يمكن تجاهله وهو أنها كانت محطة علي طريق انفصال الجنوب، وأنها كرست لهذا الانفصال من خلال ما كشفته من سيطرة شبه كاملة للحركة الشعبية علي إقليم جنوب السودان، وهو الأمر الذي عبر عنه كثير من المراقبين بالقول إن وحدة السودان صارت 'رهنا' بإرادة الحركة الشعبية التي خرجت من هذه الانتخابات وهي أكثر قوة من ذي قبل...(ملخص)
------------------ * باحث في العلوم السياسية.
|