|
الكتابة عن الأعوام الأربعين الماضية هي نوع
من التأريخ وكتابة التاريخ .. التاريخ المعاصر. ويقول لنا
المؤرخون إن التاريخ متصل الحلقات. ولكن هذه الحلقات
المتصلة تكونها أحداث, والأحداث - الكبيرة خاصة - تصبح
علامات طريق في حياة الأفراد كما هي في حياة الدول
والشعوب.
علي المستوي الفردي, من منا لا يتذكر اليوم
الذي ذهب فيه إلي المدرسة الابتدائية أو تخرج في
الجامعة؟ وعلي المستوي السياسي الجماعي, هناك أحداث مماثلة
تترك بصماتها علي حياة الشعوب وعلي هيكل التفاعلات
الدولية : حرب عام 1967, أو أكتوبر عام 1973, زيارة
الرئيس السادات للقدس عام 1977, منظر الهجوم الانتحاري
علي برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في سبتمبر
عام 2001, غزو العراق في عام 2003 .. أهمية هذه الأحداث
الكبيرة - علامات الطريق في التاريخ المتصل الحلقات - أنها
تفصل 'قبل' عن 'بعد', فنقول مثلا قبل أو بعد اغتيال
الحريري, أو انسحاب سوريا من لبنان ..
إن ظهور العدد الأول من مجلة السياسة
الدولية يعتبر علامة علي طريق الفكر السياسي العربي,
خاصة مع استمرارية هذه المجلة لمدة 40 عاما في منطقة
تتسم بعدم المؤسسية في الفكر كما في الممارسة. بالطبع
هناك اختلاف في نوعية المقالات وكتابها, وحتي توجهات
المجلة, ولكن المهم أن هذه المجلة استمرت في الظهور
بصفة منتظمة لمدة 40 عاما. ولكن ماذا عن الهيكل الأساسي
للنظام الدولي وتفاعلاته في عام 1965, عام صدور المجلة,
وأين نحن الآن؟
مقولتي الأساسية في هذه المقالة - الاحتفالية
هي أن أهم سمة لهذه التفاعلات الدولية خلال الأعوام
الأربعين الماضية هي التغير والتحول : من نظام دولي (أي
تفاعلات بين الدول ومؤسساتها الرسمية والتمثيلية) إلي نظام
عالمي 'أي كثافة التفاعلات بين الشعوب والأفراد', بحيث
إننا فعلا في طور ظهور مجتمع مدني عالمي.
يبدأ الجزء الأول باستخلاص سمات عام 1965, في
ضوء سيطرة الحرب الباردة وأجواء الثنائية القطبية, خاصة
بعد الخروج من حافة الهاوية الخطيرة التي مثلتها بحق
أزمة الصواريخ الكوبية. أما الجزء الثاني, فيركز علي ديناميكات
هذه القطبية الثنائية, وأثر ظهور العالم الثالث لكي
تتحول هذه القطبية الثنائية الجامدة إلي قطبية مرنة.
ويتعرض الجزء الثالث للانفراج الدولي الذي
سيطر علي مقادير العالم في فترة السبعينيات, ويركز
اهتمامه علي عملية هلسنكي ومغزاها. أما الجزء الرابع,
فيواجه نهاية الحرب الباردة بإثارة السؤال الأساسي : هل
نحن فعلا انتقلنا إلي نظام عالمي جديد؟ ولكي يجيب علي
هذا السؤال, ينتقل بين الفكر والسياسة لاستخلاص السمات
الأساسية للتفاعلات الدولية منذ بداية التسعينيات, وسيطرة
النظام العالمي أحادي القطبية, ثم - في الجزء الخامس -
الآثار السياسية للعولمة خاصة فيما يتعلق بدعائم ثلاث
للتفاعلات العالمية المعاصرة : وضعية الدولة (الفاعل
التقليدي منذ معاهدة وستفاليا), مفهوم السيادة الوطنية, ثم
مفهوم الأمن القومي. ثم تحاول الخاتمة التأكيد علي الصفة
الأساسية للتفاعلات العالمية في الوقت الحاضر وآفاق
المستقبل. |