|
لقد قفز مصطلح المجتمع المدني من جديد إلي
صفحات الدوريات العلمية, والصحافة العالمية والإقليمية,
وأصبح موضوعا للحوار في العديد من الملتقيات العلمية
المتخصصة والاجتماعات السياسية, وذلك منذ أواخر السبعينيات,
وقد كان بروز هذا المصطلح من جديد انعكاسا من ناحية
للتطورات التي جرت في دول أوروبا الشرقية أولا ثم دول
أمريكا اللاتينية بعد ذلك.
لقد واجه النظام الشيوعي في بولندا تحديا
من جانب تجمعات كونها المثقفون البولنديون, وبعد ذلك من
جانب نقابة عمال مستقلة تساندها الكنيسة الكاثوليكية, وكان
نجاح منظمة تضامن العمالية في تحدي الحزب الشيوعي في
بلدها أول شرخ في جدار النظم الشيوعية في شرق أوروبا,
وما لبث أن أعقبه بعد ذلك سقوط النظم الشيوعية الأخري
في ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وغيرها بعد أن مهد
لذلك جورباتشوف زعيم الحزب الشيوعي السوفيتي منذ سنة 1985
عندما أعلن أن الاتحاد السوفيتي لن يتدخل عسكريا ضد
أرادة شعوب شرق أوروبا. ومن المعروف أن بداية ظهور
حركة تضامن كان في أواخر السبعينيات, وإن كان تحديها
للنظام الشيوعي لم يسفر عن سقوطه إلا في آخر
الثمانينيات بعد أن كانت القيادة قد تغيرت في الاتحاد
السوفيتي. وهكذا, فقد بدا أن قوي المجتمع المدني لم
تختف تحت وطأة أكثر من ثلاثة عقود من الحكم الشيوعي
في بولندا ولا في غيرها من دول أوروبا الشرقية التي
توالي سقوط نظمها تحت تأثير حركات جماهيرية قادها مثقفون
كما كان الحال في تشيكوسلوفاكيا أو جمعيات أهلية كما
كان الحال في بلغاريا, أو منشقون عن الحزب الشيوعي
مثلما جري في رومانيا. وتوالي في أمريكا اللاتينية سقوط
النظم العسكرية كذلك أمام انتفاضة قطاعات من المجتمع
المدني مثل جماعات حقوق الإنسان والكنيسة والتنظيمات
العمالية في البرازيل والأرجنتين وشيلي, وتبعتها دول
القارة الأخري حتي لم يعد فيها في أوائل التسعينيات
نظام عسكري واحد.
لقد لفت هذا التطور أنظار الباحثين
الأكاديميين والمراقبين السياسيين إلي أن المجتمع المدني
قد أصبح هو القوة الأساسية وراء التغير السياسي في دول
شرق أوروبا ودول الجنوب بصفة عامة, خاصة وقد أدت
تطورات مشابهة إلي سقوط نظم سلطوية في شرق وجنوب شرق
آسيا, وتحديدا في الفلبين وكوريا الجنوبية, وبدا أن ذلك
المصطلح الذي اختلف حول مضمونه الفلاسفة الغربيون - من
جون لوك, وهيجل, وآدم, فرجيسون, وآدم سميث, وماركس, وجرامشي
- يعكس واقعا جديدا, ومالبثت الحكومات الغربية المحافظة
ومن ورائها المنظمات المالية الدولية أن رحبت بهذا
التطور, الأولي باعتبار أن المجتمع المدني قد نجح فيما
أخفقت في تحقيقه الدول الرأسمالية المتقدمة نفسها مباشرة
وهو إسقاط غريمها في الحرب الباردة, وفي تحقيق الانتقال
إلي أوضاع أكثر ديمقراطية في دول الجنوب في وقت لم
يكن فيه مثل هذا التحول واحدة من أولوياتها, أما
الثانية فقد رحبت بهذا التحول علي أنه يفتح الباب أمام
انتقال هذه المجتمعات إلي اقتصاد السوق الذي تدعو إليه,
ودون أن تكون حركات المجتمع المدني هذه قد رفعت أصلا
شعار استعادة اقتصاد السوق أو بدت متحمسة للانتقال إلي
الرأسمالية.
وليس هذا المقال هو المجال المناسب لاستعراض
المناقشات الفكرية حول مفهوم المجتمع المدني, ولا استعراض
امتداد هذا النقاش إلي العالم العربي, فقد أفاض الكاتب
في ذلك في مواضع أخري, ولكن المناسب هنا هو تقديم
لمحة مختصرة عن بروز المجتمع المدني علي سطح السياسة
الدولية, وتحوله إلي فاعل رئيسي علي مسرحها, ثم الإلمام
بملامح تبلوره في الوطن العربي, وتقويم آفاق تطوره, ذلك
أن تطور المجتمع المدني لم يقتصر علي الصعيد الوطني,
وإنما أصبحت له امتدادات خارجة علي كل من الصعيدين
الاقليمي والدولي, فما هو هذا المجتمع المدني العالمي؟
وفيم يختلف عن المجتمع المدني الوطني؟ وما هي أسباب
ظهوره؟ وما هي مظاهر وجوده خارج الوطن العربي وداخله؟
وماهي الأدوار التي قام بها؟ وكيف امتد ذلك إلي الوطن
العربي؟ |