2005

‏,

يوليو


 

رحيل "جون جارنج" نائب الرئيس السوداني..

تساؤلات حول وحدة وسلام السودان

أبو بكر الدسوقى

اتسمت حياته بالإثارة والمغامرة، واكتنف موته الغموض والشكوك. هكذا كان "جون جارانج" (60 عاما) زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهو اللقب الذى ظل يحمله على مدى 22 عاما، ثم أصبح النائب الأول لرئيس جمهورية السودان رسميا فى 9 يوليو 2005 بعد صراع طويل قاده ضد الحكومة السودانية، انتهى بتوقيع اتفاق السلام النهائى فى التاسع من يناير 2005 بعد التوقيع على ثمانية بروتوكولات بدأت فى مشاكوس 2002 وانتهت فى نيفاشا بكينيا فى يناير 2005.

ويبدو أن جارانج قد ق در له أن يتحمل تبعات ومشقة الصراع ضد الحكومة السودانية فى أوقات الحرب، ومشقة المفاوضات أيضا عندما اتجهت الإرادة السياسية للطرفين المتصارعين نحو السلام، لكن القدر لم يمهله ليهنأ بما حققه، إذ سرعان ما أعلن رسميا فى الخرطوم فى الأول من أغسطس 2005 عن وفاة "جون جارانج" بعد سقوط طائرة الرئاسة الأوغندية التى كانت تقله وستة من مرافقيه وطاقم الطائرة فى طريق عودته من رحلة غير رسمية للرئيس الأوغندى موسيفينى - صديق عمره - وذلك مساء 30 يوليو 2005 فى ظروف غامضة.

فلم تكد الخرطوم تستقبل جارانج فى يونيو 2005 استقبال الفاتحين وبدأت تعد نفسها لمرحلة جديدة ينعم فيها الشعب السودانى بالاستقرار والسلام والذى كانت تتوق إليه منذ إعلان استقلال السودان فى يناير 1956، إذا بها تنعى جارانج عدوها السابق وشريكها الحالى فى عملية السلام، وكان ذلك بمثابة الصدمة التى أصابت جميع السودانيين، والتى جددت المخاوف على وحدة وسلام ومستقبل السودان.

وكان جون جارانج المولود فى جونقلى عام 1945 والذى ينتمى لقبائل الدينكا فى جنوب السودان قد نشأ فى أسرة مسيحية ميسورة الحال والتحق بأرقى المدارس السودانية، ثم تلقى تعليمه الثانوى فى تنزانيا، وأكمل دراسته الجامعية فى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم عاد للجنوب لينضم إلى حركة تحرير جنوب السودان "أنانيا" عام 1963، وبعد التوصل لاتفاقية السلام الأولى بين الشمال والجنوب فى أديس أبابا عام 1972 عين "جارانج" ضابطا بالجيش السودانى الذى أوفده فى منحة دراسية عسكرية للولايات المتحدة، ثم حصل أيضا على درجة الدكتوراه فى الاقتصاد الزراعى، عاد بعدها للخرطوم ليعمل كنائب مدير فرع البحوث فى الجيش السودانى، ثم حصل على الترقية لرتبة (عقيد) من الرئيس السوداني جعفر نميرى، الذى أرسله عام 1983 للجنوب لقمع تمرد كتيبة عسكرية مكونة من (500) جندى رفضت تنفيذ الأوامر، إلا أن "جارانج" لم يعد ثانية للخرطوم، وأسس الحركة الشعبية لتحرير السودان، وظل فى صراع متجدد مع الحكومات الشمالية المتعاقبة، حتى استطاع، من خلال ظروف إقليمية ودولية مواتية، التوصل لإتفاق سلام مع حكومة الرئيس عمر البشير، حيث ضمن له هذا الاتفاق اقتسام السلطة والثروة مع إعطاء الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات، وقد دخل الإتفاق حيز التنفيذ بالفعل بتعيين "جارانج" نائبا أول للرئيس والشروع فى تنفيذ باقى مواد الإتفاق.

وقد اعتبر "جارانج" إتفاق السلام مع الحكومة بمثابة فرصة تاريخية نادرة لا تعادلها فرصة فى تاريخ السودان الحديث إلا إعلان الاستقلال، وأن هذه الفرصة قد جاءت لخلق مناخ إيجابى يعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية، وكان دائما ما يعلن "إننا نقاتل ليس من أجل فصل الجنوب عن الشمال، ولكن من أجل سودان جديد"، ولكن ما إن استطاع أن يحقق هدفه بتحقيق السلام حتى جاءت الرياح بما لا تشتهى السفن بمقتله فى حادث سقوط الطائرة.

وقد تباينت التفسيرات والاحتمالات حول مقتل "جارانج"، التفسير الأول، وهو ما أعلن عنه رسميا من أن سقوط الطائرة مرجعه سوء الأحوال الجوية فى هذه المنطقة على وجه الخصوص، وتعدد كوارث الطيران فى السودان بصفة عامة. لكن الأرجح أنه سوء حظ السودان شماله وجنوبه والذى أهدرت ثرواته وقتل الآلاف من أبنائه فى حرب أهلية مريرة وطويلة.

التفسير الثانى، وهو ما ألمح إليه الرئيس الأوغندى موسيفينى فى تصريحات له يوم 5/8/5002 بأن تحطم طائرة جارانج قد لا يكون ناجما عن حادث وربما يكون مدبرا، ومن هذا التفسير اجتهد المراقبون فى تقديم عدة احتمالات :

أولا: أن يكون وراء الحادث الخلافات والصراعات الداخلية فى حركة جارانج طمعا فى الثروة والسلطة بعد التوصل لاتفاق السلام.

ثانيا: أن الحادث ربما يكون نتيجة للصراع القبلى فى جنوب السودان بين قبيلة "الدينكا" التى ينتمى إليها جارانج والتى تهيمن على المواقع القيادية فى حكومة الجنوب والقبيلتين المتنافستين "النوير" و "الشلك".

ثالثا: أن تكون قوات جيش الرب الأوغندى المتمردة على حكم الرئيس موسيفينى هى التى أقدمت على هذا الحادث بسبب عدائها لجون جارانج الذى أعلن فى يونيو 2005 أن من أولويات الحكومة الوطنية إخراج قوات جيش الرب من منطقة شرق الاستوائية جنوب السودان، بل إنه قد أ علن أن سبب زيارة جارانج لكامبالا كان من أجل التنسيق لتحقيق هذا الهدف.

رابعا وأخيرا: فقد شكك البعض فى امكانية أن تكون الحكومة السودانية وراء تدبير هذا الحادث، لكن هذا الاحتمال يقف ضد المنطق والعقل، فالمتابع لتطورات الأوضاع فى السودان يدرك أن الخاسر الأكبر من رحيل جارانج هو السودان حكومة وشعبا بعد أن أعلن الرجل عن قناعاته بوحدة السودان، وبوصفه شخصية سياسية كاريزمية قد يستطيع جمع كل الجنوبيين وراءه فى اتجاه وحدة السودان . الأكثر من ذلك، أن الحكومة السودانية قد اعتبرته بمثابة ضمانة أساسية لاستمرار السلام فى إطار وحدة الدولة السودانية، فى حين يبدو خليفته المرشح لمنصب نائب الرئيس "سلفاكير" كرجل عسكرى أكثر تطرفا وأكثر قناعة بانفصال الجنوب السودانى عن الشمال وهو السيناريو الأسود الذى يخشاه الجميع.

أيا  كانت التفسيرات، فإن النتيجة المؤكدة هى أن رحيل جارانج سوف يترك وراءه العديد من التساؤلات والشكوك والمخاوف حول مستقبل ومصير السودان، فهل يستمر السلام الذى بناه جارانج مع إخوانه الشماليين؟ وهل تعصف الأيام القادمة بوحدة السودان؟ أيا  كان الأمر، فإن السلام والوحدة قد تصنعهما القيادات ولكن لا تحميهما إلا الشعوب المؤمنة بوحدة المصير.

الأيام القادمة ربما تفصح عن مزيد من التفاصيل، وربما نجد إجابات للتساؤلات الحائرة فى نفوس الجميع

اقرأ أيضا

بداية الصفحة