2005

‏,

يوليو


القمة العربية: قضايا صعبة فى وقت حرج  (مقتطفات)

مالك  عونى

العدد 148 بتاريخ 1/4 /2002

ثارت أزمة حول مشروع مبادرة السلام التى أطلقها الأمير عبدالله ولى العهد السعودى، والتى كانت أحد الملفين الرئيسيين اللذين سيطرا على أروقة قمة بيروت فى 27 مارس 2002 مع الملف العراقى- الكويتى- الخليجى.

 حديث المبادرة السعودية والملف الفلسطينى :

خرج البيان الختامى للقمة يتضمن مبادرة للسلام مع إسرائيل تقوم على أساس :

1- انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضى العربية المحتلة بما فى ذلك الجولان السورى وحتى خط الرابع من يونيو 1967 والأراضى التى مازالت محتلة فى جنوب لبنان.

2- التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا  لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 .

3- قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضى الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو 1967 فى الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون عاصمتها القدس الشرقية وعندئذ تقوم الدول العربية بما يلى :

1- اعتبار النزاع العربى - الإسرائيلى منتهيا  والدخول فى اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة.

2- إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل فى إطار هذا السلام الشامل، وضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطينى الذى يتنافى والوضع الخاص فى البلدان العربية المضيفة.

وطالب البيان إسرائيل بإعادة النظر فى سياستها وأن تجنح للسلم، معلنة أن السلام العادل هو خيارها الاستراتيجى أيضا .

وتنطلق هذه المبادرة من مقترحات السلام التى أعلنها ولى العهد السعودى الأمير عبدالله فى منتصف شهر فبراير 2002 .

ويلزم هنا التنوية إلى أن السعودية لم تلعب دورا  بارزا  فيما مضى فى الجهود المتعلقة بتسوية الصراع العربى - الإسرائيلى، عدا مبادرة سابقة طرحها الملك فهد بن عبدالعزيز، عاهل المملكة العربية السعودية، فى مؤتمر قمة فاس الإسلامية حينما كان وليا  لعهد المملكة. إلا أن موقف المملكة من الصراع كان يتميز عادة بدرجة مرتفعة من الوضوح. فالمملكة كانت داعما  ماليا  للفلسطينيين ومؤيدا  لحقهم فى إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، بحيث يكون المسجد الأقصى والأماكن الإسلامية المقدسة جزءا  من تلك الدولة المستقبلية، وكان يغلب على موقف المملكة المنظور الدينى فى التعاطى مع أبعاد قضية الصراع الفلسطينى - الإسرائيلى، وهو ما يتفق مع الركيزة الدينية أبرز ركائز شرعية النظام السعودى، حيث هو القائم على خدمة الحرمين الشريفين - الكعبة المشرفة والمسجد النبوى. ومن هنا كان تركيز موقف المملكة على ضرورة عودة الأماكن المقدسة إلى السيادة الفلسطينية وإحجامها عن الانخراط بشكل مباشر فى جوانب التسوية السياسية الأخرى، بما قد يفرض عليها مساومات قد تتعارض مع الإطار العام لرؤيتها.

وهنا يثور تساؤل حول أسباب ذلك التطور الجوهرى فى الموقف السعودى من خلال اختيار سبيل التدخل المباشر فى جهود التسوية السلمية. وعلى الرغم من صعوبة تقديم إجابة قاطعة، فيمكن ملاحظة ارتباط ذلك بتطورين مهمين: أولهما، تفاقم مستويات العنف وانسداد سبل التسوية السلمية حتى صارت القضية المحورية هى وقف العنف وليس تسوية الصراع سياسيا . وهو الأمر الذى يمثل من ناحية إضرارا  بالحقوق العربية والفلسطينية حيث ستستمر لتكون عرضة لعمليات تغيير المعطيات على أرض الواقع وفرض معطيات جديدة تفرضها إسرائيل من خلال سياسات من قبيل هدم المنازل وبناء المستوطنات، بحيث يصبح من الصعب تغيير تلك المعطيات مع أية تسوية مستقبلية، كما أنه من ناحية أخرى، يجعل من وقف العنف معضلة فى حد ذاته. فإذا كان العنف هو نتاجا لاستمرار سياسات العدوان وآثارها، فمن غير المتصور وقفه بدون إزالة تلك السياسيات وآثارها، وهو ما تربطه إسرائيل بوقف العنف بل وترى فى استمرار احتلالها والسياسات المرتبطة به ضمانا لعدم تكرار العنف فى حين أنها هى، أى تلك السياسات، سبب وجوده. وقد سعت المبادرة لاختراق دائرة العنف إلى جذورها الأساسية، فمنحت الإسرائيليين حافزا يتمثل فى هدفيها الرئيسيين من الانخراط فى عملية التسوية السلمية وهما الوجود الأمنى السلمى والاندماج فى العالم العربى من خلال علاقات تعاون واعتماد متبادل توفر الضمان الحقيقى لاستمرار هذا الوجود الأمنى والسلمى. وحددت شرطا لذلك هو عودة الحقوق العربية المشروعة وإزالة العدوان الإسرائيلى وآثاره بما يتيح خلق بيئة جديدة تسمح بالتعايش المشترك السلمى، ونفى أسباب الرفض والمقاومة. إلا أن المبادرة ببنيتها تلك واجهت مشكلتين سنحاول أن نعرض لهما لاحقا، هما مدى كفايتها للوفاء بالمطالب العربية، وخاصة فيما يتعلق بإزالة آثار العدوان من ناحية، والتغلب على هاجس الأمن وغرور القوة المسيطرين على العقلية الإسرائيلية.

أما التطور الثانى الذى ارتبطت به المبادرة، فهو تزايد حدة الانتقادات الأمريكية للنظام السعودى، ضمن أنظمة عربية أخرى.

كانت المبادرة السعودية لذلك موضوعا لنقاش وجدال عربيين واسعين سيطرا على أروقة السياسة العربية طوال الشهر الذى سبق انعقاد القمة. ففى حين رفض الرئيس الليبى معمر القذافى المبادرة، فقد تحفظت كل من سوريا ولبنان عليها عقب محادثات أجراها الرئيسان السورى بشار الأسد واللبنانى إميل لحود فى بيروت فى مطلع شهر مارس 2002 . وقد دعت الدولتان إلى ضرورة التأكيد على حق الفلسطينيين فى مقاومة الاحتلال وعلى الالتزام بحق اللاجئين الفلسطينيين فى العودة فى إطار أية تسوية مستقبلية، وربما يلزم هنا التنويه إلى أن نحو 3.6 مليون فلسطينى قد تشتتوا عقب قيام دولة إسرائيل عام 1948 واعتداءاتها المتوالية على الأراضى الفلسطينية، يتركز أغلبهم فى الأردن ثم لبنان وسوريا. وفى المقابل فقد حازت المبادرة على دعم مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وذكر الرئيس المصرى حسنى مبارك صراحة أن مصر تتعامل مع المبادرة باعتبارها فرصة جديدة للسلام ولا ننظر إليها فى إطار أى تنافس إقليمى أو عربى مع المملكة العربية السعودية.

أعقب تلك المواقف المبدئية جهود دبلوماسية للتوفيق بين المواقف المتباينة حولها، ولعلنا نستطيع تحديد ثلاث محطات رئيسية سمحت بتحقيق هذا التقارب فى المواقف وتطوير المبادرة لتخرج فى تلك الصورة النهائية التى عرضناها بها. أولاها، كانت زيارة قام بها السيد عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية لليبيا فى مطلع شهر مارس، أقنع خلالها القيادة الليبية بضرورة المشاركة فى القمة المزمع عقدها والتخلى عن أى دعاوى خاصة بالانسحاب . أما ثانيتها فكانت زيارة الرئيس السورى بشار الأسد للسعودية خلال نفس هذا الأسبوع الأول من شهر مارس، والتى أعرب فيها بالتأكيد عن تحفظاته على المبادرة ومطالب سوريا بضرورة تضمينها نصا عن الانسحاب الإسرائيلى من هضبة الجولان، وكذلك ضمانات واضحة لحق اللاجئين الفلسطينيين فى العودة. وأخيرا، كان اجتماع وزراء الخارجية العرب فى القاهرة يومى 9 و10 مارس 2001 لوضع أول صياغة مكتوبة للمبادرة لعرضها على القمة، وفى هذا الاجتماع طلبت سوريا أن تنص المبادرة صراحة على حق الفلسطينيين فى العودة الى أراضيهم التى طردوا منها لإقامة دولة إسرائيل عليها عام 1948، تماشيا مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 . ووافقت السعودية على هذا المطلب السورى. أما ليبيا فطلبت وضع شروط للاعتراف العربى بإسرائيل من بينها حق اللاجئين فى العودة وإزالة أسلحة الدمار الشامل.

كانت تلك هى المواقف العربية من المبادرة ومحطات تطورها حتى وصلت إلى صيغتها النهائية. ويلزم هنا الإشارة إلى أن المبادرة حظيت بتأييد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، فى حين تحفظ الجانب الإسرائيلى على إمكانية الانسحاب الكامل الى حدود 4 يونيو 1967 وحق اللاجئين فى العودة إطلاقا، واستمر فى سياساته القمعية ضد المقاومة الفلسطينية بل والشعب الفلسطينى كله.

بداية الصفحة