تطور الجهود القانونية الدولية لمكافحة
الإرهاب
د. عبدالله الأشعل
(العدد
149 بتاريخ 1 يوليو 2002)
الأمم المتحدة ومواجهة الإرهاب
د
. بطرس بطرس غالي (العدد
127
بتاريخ 1 يناير 1997
)
الأبعاد القانونية للإرهاب الدولي
عصام صادق رمضان
(العدد
85 بتاريخ 1 يوليو 1986
)
الإرهاب في الديمقراطية الغربية
محمد الغنام (العدد 107 بتاريخ 1 يناير 1992
الإرهاب والسياسة الدولية
د.
أسامة الغزالي حرب
(العدد
112 بتاريخ 1 أبريل 1993
)
نحو جهد دولي شامل لمواجهة الإرهاب
د.
أسامة الغزالي حرب
(العدد
146 بتاريخ 1 أكتوبر 2001
)
هل استوعب الأمريكيون درس 11 سبتمبر2001 ؟
د. أسامة الغزالي حرب
(العدد
147 بتاريخ 11 يناير 2002)
لحظات حاسمة في الصراع العربي- الإسرائيلي
د. أسامة الغزالي حرب
(العدد
148 بتاريخ 1 أبريل 2002)
أمريكا والإرهاب: عالم جديد .. الشكل الرئيسي
للصراع المسلح في الساحة الدولية
أحمد إبراهيم محمود
(العدد
147 بتاريخ 1 يناير 2002)
الحملة الأمريكية ضد الإرهاب خارج أفغانستان
د . عادل محمد سليمان
(العدد
148 بتاريخ 1 أبريل 2002)
تطور الجهود القانونية الدولية لمكافحة الإرهاب
د. عبدالله
الأشعل
العدد
149 بتاريخ 1 يوليو 2002
لاشك في أن الإرهاب بأي معني من معانيه
ارتبط بالمجتمع الدولي منذ الحضارات القديمة, وتدلنا
اتفاقية قادش, وهي أقدم اتفاقية في التاريخ عام 1281
قبل الميلاد, بين تحتمس الثالث وحاتوسيل أمير
الحيثيين, علي أن الصورة المثلي للإرهاب في ذلك
الوقت هي الاعتداء علي الآلهة, أو المعابد, أو
الممتلكات الإلهية, أي الملوك في بعض العصور, ولذلك
تضمنت هذه الاتفاقية نصا يقضي بالتحالف بين الملكين
لمواجهة هذه الجرائم, وأن يبادر كل منهما إلي تسليم
الجاني إلي صاحبه, حتي يتولي محاكمته, فكان التسليم
والمحاكمة لهذه الجريمة العظمي أمرا سائدا في ذلك
الزمان.
وقد حاولت عصبة الأمم أن تقنن الظاهرة
الإرهابية في اتفاقية تم التوقيع عليها في 16 نوفمبر
1937 ولكنها لم تدخل حيز التنفيذ. وتشير في المادة 1/
2 إلي أن الإرهاب يشمل الأعمال الإجرامية الموجهة ضد
دولة ما, ثم اعتبرت لجنة الأمم المتحدة للقانون
الدولي, في مشروعها المتعلق بالجرائم ضد سلم الإنسانية
وأمنها عام 1954, أن أعمال الإرهاب تقع ضمن هذه
الجرائم الموجهة, وأنها تتضمن قيام دولة بأفعال
إرهابية في دولة أخري, ويلاحظ علي مشروع اللجنة أنها
تعتبر العمل الإرهابي عملا إجراميا موجها ضد دولة
أخري, وأوردت طوائف من هذه الأعمال وركزت علي
الأعمال العمدية الموجهة ضد رئيس الدولة والأشخاص ذوي
الوظائف أو الأعباء العامة, أو تلك التي تستهدف
تدمير الأموال العامة, أو تعرض الحياة الإنسانية
للخطر. ويمكن القول: إن جهود مكافحة الإرهاب في هذه
المرحلة قد اتسمت بالتركيز والاهتمام, كما تعاظمت
الظاهرة الإرهابية واتخذت طابعا عالميا, أو اكتسبت
أبعادا جديدة في الخطورة الإجرامية, ويمكن أن نحدد
بعض القضايا التي انصرف الاهتمام الدولي إليها في
إطار مكافحة الإرهاب.
القضية الأولي: هي المتعلقة بشكل عام
بوسائل تصفية الاستعمار ومكافحة الاحتلال, فما دامت
تصفية الاستعمار حقا مستقرا للشعوب المستعمرة وأن
تكريس هذا الحق قد تصاعد خاصة خلال الستينيات,
واكتملت أركانه, فقد قابله من ناحية أخري التساؤل
حول مدي مشروعية الوسائل التي تسخدمها حركات التحرر
الوطني, وتؤدي إلي الإضرار ببعض المرافق العامة
الدولية, مثل خطف الطائرات, وأخذ الرهائن, وتحويل مسار
الطائرات بالقوة, أو تهديد سلام الطيران المدني
الدولي, أو الاعتداء علي الأشخاص العامة بمن فيهم
الدبلوماسيون والذين يكون لدورهم أهمية في تسيير
العلاقات الدولية, وكذلك القرصنة البحرية وغيرها.
الثابت أن حركة تقنين الجريمة الإرهابية,
بشكل مطرد, قد بدأت في اتفاقية طوكيو في 14 سبتمبر
1963 الخاصة بالجرائم التي ترتكب علي متن الطائرات,
ومعها اتفاقية لاهاي, في 16 ديسمبر 1970, واتفاقية
مونتريال في 23 سبتمبر 1971 والبروتوكول الملحق بها في
10 مايو 1984 فضلا عن اتفاقية نيويورك بشأن حماية
الشخصيات العامة الدولية في 14 ديسمبر 1973 واتفاقية منع
اختطاف واحتجاز الرهائن في 17 ديسمبر 1979 واتفاقية
الأمم المتحدة لقانون البحار خاصة ما تعلق منها
بالقرصنة البحرية لعام 1983 . ويمكن أن نضيف إليها
جرائم إبادة الجنس في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948
.
أما القضية الثانية, فهي نسبية النظر إلي
الجريمة الإرهابية, لابد أن نسلم منذ البداية بأن
مصطلح الجريمة الإرهابية مصطلح نسبي يتأبي علي التعريف
والتحديد, ويفلت من محاولات الضبط والتقنين, ولكن هذه
الجرائم علي الجملة, عند خصائص معينة, لا خلاف
عليها, يكفي أن نشير إلي أن أعمال بعض الجماعات
التي التزمت بأعمال العنف, مثل بادرماين هوف في
ألمانيا, والجيش الأحمر الياباني, والألوية الحمراء في
إيطاليا, والجيش الجمهوري الأيرلندي في أيرلندا, لم
تكن كلها محل اتفاق بين الدول, خاصة فيما يتعلق
بالجيش الجمهوري الأيرلندي, حيث رأت بريطانيا أنه
يستخدم الإرهاب لقهر الحكومة البريطانية علي التوصل
إلي تسوية يريدها هذا الجيش بالقوة, بينما رأت
الولايات المتحدة ودول أخري أن الجيش يدخل في إطار
حركة التحرير الوطني, وأن نضال الجيش في أيرلندا
الشمالية هو استمرار لنضال سكان أيرلندا الجنوبية
للاستقلال عن بريطانيا عام 1922, ومن الواضح أن حركات
رفض المجتمع, وتحديه في الغرب, تتعلق بأزمة
الديمقراطية فيه, ومن ثم, فإن تقييم طرق هذا التحدي
لا تثير صعوبة إذا قررنا أن سلامة المجتمع بأسره
تفوق حق بعض جماعاته في استخدام القوة ضد هذا
المجتمع لإرغامه علي الاستجابة والانسجام مع الرؤي
التي تتمسك بها هذه الجماعات.
القضية الثالثة: هي قضية المرتزقة, التي
فرضت بشدة علي الواقع الدولي في إفريقيا, خلال
السبعينيات والثمانينيات وكانت تعد في نظرنا من أهم
القضايا الإرهابية, لأنها تضمنت قيام حكومة جنوب
إفريقيا العنصرية مع الدوائر الاستعمارية في الغرب
بتنظيم جيوش المرتزقة, وذلك للإغارة علي دول معينة,
لا تتماشي مواقفها مع المواقف الغربية, أو العنصرية,
وكان واضحا أن تشجيع المرتزقة يخدم أهدافا سياسية,
كما يمكن الشركات المتعددة الجنسيات من السيطرة علي
ثروات الدول الإفريقية, بينما يعد هذا العمل انتهاكا
شائنا للسيادة الوطنية والاستقلال السياسي, وتعويقا
متعمدا لحق الشعوب في تقرير مصيرها. ولما كان
الاعتبار الثاني هو الذي غلب في السبعينيات, فقد
تضمنت المادة 47 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف لعام
1949 معالجة خاصة لطائفة المرتزقة باعتبارهم مجرمين
دوليين, كذلك أعدت الجمعية العامة للأمم المتحدة
لمكافحة الارتزاق عام 1989, ولكن المرتزقة في هذه
المرحلة, والنظر إليهم كمجرمين ومهددين للسلام الإقليمي
للدول الإفريقية, قد تغير في النصف الثاني من
تسعينيات القرن العشرين في مرحلة ما بعد انتهاء
الحرب الباردة, حيث شهدنا المرتزقة, وقد أصبح وضعهم
مشروعا والاستعانة بهم مقبولة في صراعات مختلفة, مثل
البوسنة, والكونغو كنشاسا, والكونغو برازفيل, وأنجولا,
بل إن بعض العسكريين الأمريكيين السابقين هم الذين
أداروا عمليات الارتزاق, بما يتفق مع المصالح السياسية
والاقتصادية للولايات المتحدة.
القضية الرابعة: التقنين المباشر للجريمة
الإرهابية : يجب أن نميز بين التقنين علي المستوي
الإقليمي, والتقنين علي المستوي الدولي, سواء اتخذ
التقنين شكل الاتفاقية الدولية, التي تركز علي الجرائم
الإرهابية أم لا.
1- تقنين الجريمة الإرهابية علي المستوي
الوطني:
عمدت معظم دول العالم إلي معالجة الظاهرة
الإرهابية في تشريعاتها الوطنية, خاصة تلك الدول التي
عانت من الإرهاب, مثل بريطانيا, والولايات المتحدة,
ومصر, التي عدلت قانون العقوبات فيها عام 1992, بإضافة
المادة 86 بشأن الإرهاب رغم أن هذه التشريعات لم
تقدم تعريفا منضبطا للإرهاب.
2- تقنين الظاهرة الإرهابية علي المستوي
الدولي:
تنبهت الأمم المتحدة والمنظمات المختلفة إلي
خطورة الظاهرة الإرهابية, فقدمت معالجة خاصة لها, وقد
سبقت الإشارة إلي أن الأعمال الإرهابية المختلفة قد
لقيت اهتماما خاصا, عندما عالجتها اتفاقيات دولية ركزت
علي كل عمل إرهابي علي حدة مثل: خطف الطائرات,
واحتجاز الرهائن, وغيرهما.
لا شك أن شيوع الثقافة القانونية المتعلقة
بالإرهاب من خلال قرارات الأمم المتحدة كان لها أثر
كبير في مكافحة الظاهرة الإرهابية في شكل الاتفاقيات
الدولية الخاصة, حيث تضمنت هذه القرارات إشارات محددة
إلي الأعمال الإرهابية, التي تمارسها الأنظمة
الاستعمارية والعنصرية الأجنبية, بإنكارها حق الشعوب في
تقرير مصيرها, كما أشارت إلي أسباب الإرهاب, مثلما
عنيت المنظمات الإقليمية بهذه الظاهرة علي الأقل, منذ
منتصف الثمانينيات من القرن العشرين, وتجد الإشارة إلي
أن الطابع النسبي للظاهرة الإرهابية قد عبر عن نفسه
في مظاهر ازدواجية المعيار, وهو ما أشارت إليه
اللجنة الخاصة لمكافحة الإرهاب الدولي منذ عام 1979,
وأدانه الفقه الدولي.
الأمم المتحدة
ومواجهة الإرهاب
د . بطرس بطرس غالي
العدد 127 بتاريخ 1 يناير 1997
بالإضافة إلي اهتمامي الخاص كأمين عام
للأمم المتحدة بموضوع مكافحة الإرهاب, فإن لدي دافعا
شخصيا يعطي لهذا الاهتمام أبعادا خاصة, فلقد عانيت
شخصيا من الإرهاب وأحسست بوقعه الرهيب عندما اغتالت
يده الآثمة الرئيس أنور السادات, وعندما روعت أساليبه
الغادرة كل مصرية ومصري إبان محاولة الاغتيال التي
تعرض لها الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا في
يونيو 1995, هذا كله بالإضافة إلي أن اسمي كان ضيفا
دائما علي قائمة المستهدفين من بؤر الإرهاب.
وفي السنوات الأخيرة, أخذ الإرهاب أبعادا
دولية وأصبحت يده تضرب في مختلف أنحاء العالم ولم
يعد يقتصر علي منطقة بذاتها أو علي شعوب بعينها...
وتعرضت مصرنا العزيزة وشعبها المسالم الآمن لغدر
الإرهاب وضرباته الغاشمة ترويعا للمواطنين وتهديدا
لأمنهم وإهدارا لحياتهم, فضلا عن استهداف الجماعات
الإرهابية لاقتصاد مصر وتدمير أحد أهم مصادر دخلها
القومي وهو السياحة. وبرغم أن الإرهاب ليس أمرا
جديدا وأعمال الإرهاب قديمة قدم التاريخ نفسه, فإن
الإرهاب في عصرنا قد اتسع نطاقه وتحول من إرهاب
محلي أو وطني إلي إرهاب دولي بل إلي إرهاب عالمي,
والإرهاب في سراييفو هو الذي أشعل نار الحرب
العالمية الأولي في عام 1914, وفي السبعينيات, أصبح
التوسع في السفر الجوي الدولي هدفا للإرهاب عن طريق
اختطاف الطائرات المدنية واحتجاز المسافرين كرهائن
وإزهاق أرواحهم إذا لم تتم الاستجابة إلي مطالبه.
وإذا عدنا إلي سنوات الحرب الباردة,
لوجدنا أن الأيديولوجية كانت المحرك الأساسي للإرهابيين,
وكان الإرهابيون يمارسون الإرهاب ليدعوا أنهم حققوا
شيئا ما وليكسبوا اهتماما بقضيتهم أو ليفرضوها علي
الرأي العام, وأما اليوم فإن الإرهابيين الذين يحركهم
التطرف الديني قد يكونون في بعض الأحيان غير مهتمين
بالدعاية فنجدهم يلتزمون الصمت فلا يعلنون مسئولية
منظماتهم المختلفة مما يجعل تحديد مواقعهم أمرا بالغ
الصعوبة, وعصرنا هو عصر العالمية المتزايدة, ولكنه
أيضا عصر التفتت المتزايد, وهاتان القوتان تساعدان علي
انتشار الإرهاب, فالتفتت يعصف بالتضامن الاجتماعي ويدفع
الجماعات المتطرفة إلي تعميق معارضتها للمدنية, كما أن
العالمية تؤثر في قدرة الحكومات علي حفظ النظام,
واتساع نطاق ثورة الاتصالات, والتطور التكنولوجي المذهل
وخصخصة الاقتصاد العالمي, وزوال الحدود بين الدول
للقيام بأعمال إرهابية, كل هذه التطورات ساهمت في
توفير المناخ المواتي للقيام بأعمال إرهابية, نتيجة
لذلك كله أصبح الإرهاب خطرا عالميا, فالإرهابيون يزيد
نشاطهم في الظروف الدولية المفتوحة إلا أن ذلك لا
يعني أن القيود الدولية تحد من الأنشطة الإرهابية,
وليس هناك أية منطقة أو أية دولة أو أي شعب أو
أي شخص في مأمن من الإرهاب, لأن النشاط الإرهابي
قد انتشر علي المستوي الدولي, فالإرهابيون لهم شبكات
تحالفاتهم واتصالاتهم وتمويلهم الدولية, وهم يتلقون
التدريب والتعليمات والأسلحة من الخارج. كذلك فإن
الإرهابيين يلجأون إلي الخارج بعد أن يرتكبوا جريمتهم,
بالإضافة إلي أنهم اكتسبوا مهارات في الهروب من خلال
الثغرات الموجودة في النظام الدولي, وقد تصاعدت
الأنشطة الإرهابية لأن الإرهاب قد تواءم بنجاح مع
العالمية, في حين أن الجهود الرامية لمكافحة الإرهاب
لا تزال جهودا إقليمية ووطنية, ولم تتبلور بعد
بالشكل الكافي علي المستوي الدولي.
واتخاذ إجراءات فردية, بل وثنائية, لا
يكفي لمواجهة التهديد الذي يواجه العالم كله, فالتعاون
والتنسيق الدوليان لهما أهمية بالغة بل وجوهرية, ويجب
أن يكبح جماح الإرهاب علي المستوي الدولي, كما أن
هناك حاجة إلي اتباع نهج عالمي في هذا الشأن.
ونتيجة للأحداث الأخيرة, فإن الدول قد أصبحت تدرك
أهمية اتباع نهج عالمي في سعيها إلي التغلب علي
الإرهاب.
إن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد
اضطلعت بدور رائد في مكافحة الإرهاب علي الصعيد
العالمي, باعتمادها في 9 ديسمبر 1994 الإعلان المتعلق
بالتدابير الرامية إلي القضاء علي الإرهاب الدولي, وهو
الإعلان الذي أكدته الجمعية العامة من جديد في السنة
الماضية في القرار 53/50 . والتزام الجمعية العامة
بالقضاء علي الإرهاب جري تأكيده من جديد في الإعلان
الصادر بمناسبة مرور خمسين عاما علي إنشاء الأمم
المتحدة في أكتوبر 1995, وهو الإعلان الذي أكد أهمية
التعاون الدولي في القضاء علي الإرهاب.
والواقع أننا إذا ما بحثنا فيما قامت به
الأمم المتحدة علي مدي العقود الأخيرة في هذا
المجال, فسوف نجد أن هناك أساسا صلبا يمكن البناء
عليه يتمثل في مجموعة من الصكوك القانونية الدولية
التي توفر في مجموعها أساسا قويا وخطوة مهمة علي
طريق مكافحة الإرهاب, وقد تطورت تلك الصكوك لتصبح
عنصرا مهما في المعركة الدائرة ضد الإرهاب.
وحتي الآن, يبلغ عدد الاتفاقيات الدولية
التي تتعلق بالجرائم المرتبطة بالإرهاب, والتي أودعت
في الأمم المتحدة, إحدي عشرة اتفاقية, وتتناول كل
اتفاقية من تلك الاتفاقيات جانبا محددا من جوانب
الجهود الرامية إلي القضاء علي الإرهاب كما يلي:
- اتفاقية دولية للقضاء علي الإرهاب
الموجه ضد السفارات وضد الدبلوماسيين وضد الأشخاص
الدوليين الآخرين المشمولين بالحماية, وهذه الاتفاقية
دخلت حيز النفاذ, وبلغ عدد الدول التي صدقت عليها
أو انضمت إليها 91 دولة 'انظر البند 1 من التذييل'.
- اتفاقية دولية لمناهضة أخذ الرهائن,
وهذه الاتفاقية دخلت حيز النفاذ وبلغ عدد الدول التي
صدقت عليها أو انضمت إليها 77 دولة 'البند 2'.
- الاتفاقية المتعلقة بسلامة موظفي الأمم
المتحدة والأفراد المرتبطين بها لم تدخل بعد حيز
النفاذ, إذ إن عدد الدول التي صدقت عليها أو انضمت
إليها لم يزد علي 9 دول في حين أن دخولها حيز
النفاذ يحتاج إلي 22 تصديقا أو انضماما 'البند 3'.
- الاتفاقية الخاصة بالجرائم وبعض الأفعال الأخري
المرتكبة علي متن الطائرات دخلت حيز النفاذ وبلغ عدد
الدول التي صدقت عليها أو انضمت إليها 156 دولة
'البند 4'.
- اتفاقية مكافحة الاستيلاء غير المشروع
علي الطائرات دخلت حيز النفاذ, وبلغ عدد الدول التي
صدقت عليها أو انضمت إليها 156 دولة 'البند 5'.
- اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة
الموجهة ضد سلامة الطيران المدني دخلت حيز النفاذ,
وبلغ عدد الدول التي صدقت عليها أو انضمت إليها 156
دولة 'البند 6'.
- الاتفاقية المتعلقة بقمع أعمال العنف
غير المشروعة في المطارات التي تخدم الطيران المدني
الدولي دخلت حيز النفاذ, وبلغ عدد الدول التي صدقت
عليها أو انضمت إليها 65 دولة 'البند 7'.
- اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية
دخلت حيز النفاذ وبلغ عدد الدول التي صدقت عليها
أو انضمت إليها 55 دولة 'البند 8'.
- اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة
الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية دخلت حيز النفاذ
وبلغ عدد الدول التي صدقت عليها أو انصمت إليها 33
دولة 'البند 9'.
- الاتفاقية المتعلقة بحماية منصات الحفر
والبحث البحرية دخلت حيز النفاذ, وبلغ عدد الدول
التي صدقت عليها أو انضمت إليها 31 دولة 'البند 10'.
- الاتفاقية المتعلقة بالكشف عن المتفجرات
البلاستيكية لم تدخل بعد حيز النفاذ وبلغ عدد الدول
التي صدقت عليها أو انضمت إليها 23 دولة في حين
يحتاج دخولها حيز النفاذ إلي 35 تصديقا أو انضماما
'البند 11' .
إن كل هذه الاتفاقيات التي تم التفاوض
عليها وإبرامها في إطار الأمم المتحدة لتعد أرضية
أساسية متاحة لدينا لتستند إليها الجهود في مكافحة
الإرهاب, فالمجتمع الدولي لن يبدأ من الصفر بل له
رصيد يدعمه في هذه المعركة الضارية ويحدد معالم طريق
مواجهة هذه الظاهرة العالمية التي أصبحت تهدد الجميع
بلا استثناء.
وبالإضافة إلي هذا الجهد الدولي, فقد جري
اعتماد اتفاقيات إقليمية مهمة من جانب منظمة الدول
الأمريكية, ومن جانب أوروبا وجنوبي آسيا, وهي اتفاقات
يمكن أن تكون لها أهمية خاصة في مواجهة أعمال
الإرهاب التي تحركها دوافع أيديولوجية وعرفية وأعمال
الإرهاب التي لها صلة بالمخدرات, وهذه الاتفاقيات
الإقليمية نافذة المفعول.
وانطلاقا مما سبق, فإنني أوجه اليوم نداء
إلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لإبرام اتفاقية
دولية لمكافحة الإرهاب, وهذا النداء إنما هو في
الواقع دعوة لوضع إطار قانوني شامل لمكافحة الإرهاب
الدولي بجميع جوانبه.
وكما سبق أن أوضحت, فإن الأمم المتحدة
تمثل مركزا لا غني عنه لتنسيق وضع النهج العالمي
موضع التنفيذ. وكما أظهرت مبادرات مكافحة الإرهاب في
السنوات الأخيرة, فإن الأمم المتحدة لها الولاية
الدولية وعدد الدول الأعضاء فيها, والذي يبلغ 185 دولة
يعطيها صلاحية فريدة ويوفر لها الغطاء العالمي لتسهيل
تحقيق توافق دولي في الآراء وتعبئة الجهد العالمي
لمكافحة الإرهاب, وذلك مثلما عبأنا توافقا عالميا في
الآراء ضد الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
والواقع أن مناقشة السياسات في الأمم
المتحدة واعتماد القرارات الجماعية في الجمعية العامة
إنما يتيح للدول الأدوات الضرورية لمكافحة الإرهاب
باعتباره خطرا عالميا, كذلك فإن اعتماد الجمعية العامة
للإعلان المتعلق بالتدابير الرامية علي القضاء إلي
الإرهاب الدولي لعام 1994 أظهر بجلاء أن الأمم المتحدة
هي المحفل الوحيد الذي عملت الدول معا في إطاره
لمكافحة الإرهاب الدولي.
الأبعاد القانونية
للإرهاب الدولي
عصام صادق رمضان
العدد 85 بتاريخ 1 يوليو 1986
شهدت منطقة الشرق الأوسط, خلال النصف
الأول من أكتوبر الماضي, عدة أحداث جسيمة ومترابطة,
بصورة أو بأخري, بدأت بالغارة الإسرائيلية علي مقر
منظمة التحرير الفلسطينية في ناحية حمام الشط علي
بعد نحو 35 كيلو مترا جنوب تونس, والتي أعلنت
إسرائيل أنها قامت بها انتقاما لمقتل ثلاثة إسرائيليين
بأيدي المخابرات الفلسطينية قبل الغارة ببضعة أيام.
وما أعقب هذه الغارة من اختطاف السفينة
الإيطالية 'أشيل لورو' بمعرفة مسلحين فلسطينيين, وما
ذكره قبطان السفينة من مقتل الراكب الأمريكي ليون جنجر
بوفر بمعرفة المسلحين الفلسطينيين قبل استسلامهم للسلطات
المصرية.
ثم حادت اعتراض الطائرات الحربية الأمريكية
للطائرة المدنية المصرية التي كانت تقل مختطفي السفينة
الإيطالية, وإجبارها علي الهبوط في قاعدة سينجوبلا
التابعة لحلف الأطلنطي في جزيرة صقلية.
لقد فتحت تلك الأحداث الباب علي مصراعيه
لموجة من التساؤلات في مختلف المجالات, سواء كانت
السياسية أو الدبلوماسية أو العسكرية أو القانونية.
وسيكون جل اهتمامنا في هذه الدراسة هو
إبراز بعض التساؤلات القانونية, وإلقاء بعض الضوء
عليها في إطار قواعد القانون الدولي. ومن أبرز
التساؤلات ما أثير حول مدي مشروعية ما قامت به
إسرائيل من انتهاك حدود تونس أرضا وسيادة, ومدي صحة
ما أعلنته إسرائيل من أنها قامت بهذه الغارة انتقاما
لمقتل ثلاثة من الإسرائيليين علي متن يخت إسرائيلي
في قبرص قبل الغارة بعدة أيام وأنها تمارس حق
الدفاع الشرعي, وهل يعتبر ما تصر عليه إسرائيل من
وصف المنظمة بالإرهاب وصفا سليما في صحيح القانون؟
وما هو الوضع بالنسبة لما أعلنه البيت الأبيض
الأمريكي من إقرار الغارة الإسرائيلية علي مقر القيادة
العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها إجراء
انتقاميا مشروعا ضد أعمال الإرهاب وردا مشروعا عن
النفس؟ وما هو مفهوم الإرهاب الدولي؟ وهل هناك إطار
قانوني للحد من الإرهاب الدولي؟ وما هو التكييف
القانوني لأعمال حركات التحرير الوطنية؟
يمكن القول, إذا توافرت النظرة الموضوعية,
إن التكييف الذي تصر عليه إسرائيل, وتؤيدها الإدارة
الأمريكية وبعض الدول الغربية, في وصف أعضاء منظمة
التحرير الفلسطينية بالإرهابيين, يجانبه الصواب في صحيح
القانون الدولي المعاصر.
وكما ذكر السيد الرئيس حسني مبارك في
خطابه أمام الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي
ستراسبورج يوم 28 يناير الماضي, فإنه من الخطأ الجسيم
أن تلصق تهمة الإرهاب بالشعب الفلسطيني, خاصة أن
منظمة التحرير الفلسطينية قد أثبتت التزامها بمباديء
الشرعية الدولية حين أصدرت إعلان القاهرة في 7 نوفمبر
1985, وضمنته تفرقة واضحة بين الأعمال الإرهابية ومقاومة
الاحتلال الأجنبي.
كما أنه لا خلاف علي أن واقعة خطف
السفينة الإيطالية تعتبر عملا إرهابيا يستحق مرتكبوه
العقاب, وهو الأمر الذي كان محل إدانة المجتمع
الدولي بأسره. وقد لمس الجميع الآثار السلبية لهذه
العملية علي الرأي العام العالمي بالنسبة للتعاطف مع
القضية الفلسطينية. ولا نكون مغالين إذا قلنا إن
عملية خطف السفينة الإيطالية قد محت, وبدون أي جهد
من قبل إسرائيل, السخط والاستنكار العالمي حيال الغارة
الإسرائيلية علي قواعد المنظمة في تونس, وينطبق هذا
القول من حيث استحقاق العقاب علي من قام بارتكاب
والإعداد والاشتراك في عمليتي الهجوم علي مطاري فيينا
وروما وخطف الطائرة المصرية.
أما بالنسبة لحادث اعتراض الطائرات الحربية
الأمريكية للطائرة التي كانت تحمل مختطفي السفينة
الإيطالية ومعهم اثنان من منظمة التحرير الفلسطينية
واللذان شاركا في عملية التفاوض مع المختطفين, فإنه
لا يمكن القول في ضوء التحليل السابق إنها عملية
إرهابية خاصة أنه لم يرد بخلد واضعي الاتفاقيات
الخاصة بسلامة الطائرات, والسابق عرضها, أن يتم
الاستيلاء من قبل دولة, بل أشارت جميع الاتفاقيات
إلي من يقوم بالاستيلاء علي الركاب الذين علي متن
الطائرة, كما لا يمكن القول إنها عملية قرصنة جوية,
حيث إن المادة 101 من اتفاقية قانون البحار قد حددت
مفهوم القرصنة عندما نصت علي أن القرصنة هي عمل
غير قانوني من أعمال العنف أو الاحتجاز أو أي عمل
سلب يرتكب لأغراض خاصة من قبل طاقم أو ركاب سفينة
خاصة أو طائرة خاصة .. أو أي عمل من أعمال
الاشتراك الطوعي في تشغيل سفينة أو طائرة, مع العلم
بوقائع تضفي علي تلك السفينة أو الطائرة صفة
القرصنة.
وليس هناك أدني شك في عدم وجود غرض
خاص لدي من قام باعتراض الطائرة المصرية, ولذلك فإن
التكييف القانوني السليم, في ظل قواعد القانون الخاصة
بحظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات بين
الدول, والسابق استعراضها, هو أن حادث اعتراض الطائرة
المصرية يعد عدوانا بغض النظر عن الباعث, خاصة وإن
المادة الخامسة من قرار تعريف العدوان قد نصت علي
أنه لا يوجد ما يبرر العدوان.
وليس أدل علي أن ما قامت به الطائرات
الأمريكية يعتبر انتهاكا للقانون الدولي مما أثاره
الحادث من موجة استنكار وتنديد بالسياسة الأمريكية.
اجتاحت عواصم العالم, حيث خرجت الصحف تصف التصرف
الأمريكي بأنه نوع من القرصنة الجوية, وتتهم الحكومة
الأمريكية بانتهاك القانون الدولي وبمواجهة الإرهاب
بالإرهاب. ويكفي أن نشير إلي ما ذكره ديفيد أوين
وزير الخارجية البريطاني السابق وزعيم الحزب الاشتراكي
الديمقراطي المعارض من معارضته للتصرف الأمريكي, وقال
إن الإرهاب الدولي لا يمكن أن يبرر أن تنتهك دولة
القانون الدولي مهما يكن الاستفزاز والإحباط.
ومن الواضح أن هذه الموجة الاستنكارية
تعتبر الوسيلة المتاحة لدي المجتمع الدولي في ظل
آلية نظام الأمن الجماعي الواردة بالميثاق, والتي أعطت
الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن وضعا متميزا.
الإرهاب
في الديمقراطية الغربية
محمد
الغنام
العدد
107 بتاريخ 1 يناير 1992
الإرهاب ظاهرة قديمة عرفتها البشرية منذ
قرون بعيدة, ولكن الأمر المثير حقا هو الأبعاد
الخطيرة التي اتخذتها تلك الظاهرة في الآونة الأخيرة.
ولقد شملت الموجة الإرهابية الأخيرة -التي
بدأت تظهر بصورة كثيفة منذ الستينيات- مناطق عديدة
من العالم, وإن بدت أكثر حدة في مناطق معينة مثل
أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط.
وفي تلك الدراسة سوف نحاول أن نلقي بعضا من الضوء
علي ظاهرة الإرهاب في الديمقراطيات الغربية التي شهد
واحدة من أشد الحملات الارهابية عنفا وضراوة.
فقد عرفت أوروبا الغربية أنواعا وأشكالا
متعددة من الإرهاب, إذ شهدت الارهاب العقائدي وهو ما
يمكن أن يندرج في إطاره إرهاب اليمين وإرهاب اليسار,
كما عرفت الارهاب الانفصالي الذي يسعي إلي تحقيق
انفصال اقليم أو جزء معين عن الدولة أو الحصول علي
درجة ما من الحكم الذاتي, فضلا عن الإرهاب الأجنبي
المتمثل في العمليات التي تقوم بها عناصر أجنبية.
ونعرض فيما يلي بإيجاز بعض جوانب الإرهاب
في أوروبا الغربية, مقسمين دراستنا إلي أقسام ثلاثة:
القسم الأول: الارهاب العقائدي, القسم
الثاني: الإرهاب الانفصالي, القسم الثالث: الإرهاب
الأجنبي.
القسم الأول: الإرهاب العقائدي :
نستطيع أن نرصد هذا النوع من أنواع
الإرهاب بصفة خاصة في إيطاليا, وفي دولة ألمانيا
الموحدة, وفي فرنسا.
- في فرنسا :
أولا- إرهاب اليمين :
يتسم إرهاب اليمين بالعنصرية, ويتميز
بكراهيته الشديدة للأجانب والأقليات وبالذات اليهود حيث
كان ولاؤهم لفرنسا دائما موضع شك.
ولقد أضفي ظهور
اليمين الجديد Nouvelle Droite - كاتجاه فكري حديث - رداء
من الاحترام أمحي ارتكاب جماعات العنف لجرائمها ضد
الأقليات في فرنسا. ويأتي في مقدمة جماعات اليمين
الجديد جماعة أطلقت علي نفسها اسم 'جماعة البحث
والدراسات من أجل الحضارة الأوروبية'
'Groupement De Recherche Et Detudes Pour La
Civilesation Europeene (GRECE)'
ولقد عملت
تلك الجماعة علي نشر أفكارها من خلال مجلة الفيجارو,
ومن خلال مطبوعاتها ونشراتها الخاصة, وتهدف تلك
الجماعة- مثلها في ذلك مثل الجماعات الأخري المشابهة
لها - للوصول إلي دائرة صنع القرار في فرنسا, وإلي
نشر أيديولوجية قائمة علي فكرة تفوق العنصر الأوروبي,
وأن أفراد الأقليات المنتمين لأجناس أخري مثل العرب
والسود هم من مستوي أدني.
نرصد أيضا في
إطار اليمين المتطرف في فرنسا جماعات تعتنق فكر
'الفاشية الجديدة Neo - Fascism', مثل 'اتحاد العمل القومي
الأوروبي
Federation European
D'action Nationale
الذي ظهر عام
1966, وعمد إلي نشر أفكاره من خلال جريدة 'أوروبا
لنا Notre Europe', وتدور تلك الأفكار حول ضرورة طرد
المهاجرين وإعادتهم إلي بلادهم, وأن المسيحية 'هي دعوة
موجهة لكل الجنس البشري', وأن 'هتلر' كان محقا في
اعتقاده بتفوق جنس علي الأجناس الأخري, وأن العنصر
هو أفضل أساس لتكوين الأمة.
ويعتبر 'اتحاد
العمل القومي الأوروبي (Fane)' مسئولا عن العديد من
الاعتداءات التي وقعت ضد المنشآت والمكاتب اليهودية أو
المرتبطة بإسرائيل, ولقد تم حظر نشاط 'اتحاد العمل
القومي الأوروبي' عام 1980, وقدم زعيمه للمحاكمة, إلا
أن حل الاتحاد لم يحل المشكلة, إذ حلت محله منظمات
أخري استمرت في عملياتها الموجهة ضد الأقليات, فوقعت
اعتداءات علي معابد ومقابر اليهود وعلي المطاعم التي
يرتادونها, كما وقعت اعتداءات -بدرجة أقل- علي بعض
أبناء الأقليات الأخري ومن ضمنهم العرب.
ثانيا- إرهاب
اليسار :
يرتبط تصاعد إرهاب
اليسار في فرنسا بظهور منظمة العمل المباشر
Action Directe
(AD):
منظمة العمل
المباشر :
تكونت المنظمة
نتيجة اندماج جماعتي: العمل الثوري الدولية
Groupe D'action
Revolutionnaire Internationaliste (GARI)
والنوات المسلحة
للحكم الذاتي الشعبي
Noyaux Armes Pour
I'autonomie Populaire (NAPAP)
ولقد كان الهدف الأساسي لجماعة 'العمل
الثوري الدولية', الاطاحة بنظام فرانكو في إسبانيا,
أما جماعة 'النوات المسلحة للحكم الذاتي الشعبي' فقد
كانت جماعة مئوية صغيرة من رجال حرب العصابات تتبع
نفس منهج الألوية الحمراء الإيطالية وترتبط بها بروابط
قوية.
إلا أن منظمة 'العمل المباشر' لم تقصر
عضويتها علي هاتين الجماعتين, بل اتسعت لتشمل أعضاء
ينتمون إلي اليسار المتطرف, وهو ما استتبع تغييرا في
أهداف المنظمة لتقريب كثير من أهداف واتجاهات اليسار
المتطرف. فعملت المنظمة علي ضرب - ما اعتبرته - صورا
من الدول التي كانت تستعمرها سابقا, فأعلنت المنظمة
الكفاح ضد الإمبريالية السياسية الفرنسية في إفريقيا.
كما اهتمت منظمة 'العمل المباشر' بمشكلة
البطالة في فرنسا, وعبرت عن غضبها ورفضها لمعدلات
البطالة المرتفعة من خلال اعتداءات عديدة شنتها علي
وزارة العمل وعلي اتحاد العمال الفرنسي.
وتبنت المنظمة اتجاها معاديا للولايات
المتحدة الأمريكية ولإسرائيل, فضربت العديد من الأهداف
الأمريكية والإسرائيلية (مثل المدرسة الأمريكية والبنوك
الأمريكية, والاعتداء علي بعض الوفود الإسرائيلية التي
زارت باريس, وعلي بعض الدبلوماسيين الإسرائيليين). ولقد
عبرت المنظمة في وثائقها بوضوح عن رفضها وإدانتها
للاضطهاد وعمليات الإبادة التي يتعرض لها الشعب
الفلسطيني علي أيدي الإسرائيليين.
عنيت أيضا المنظمة بتوجيه ضرباتها للمؤسسات
العاملة في مجال الكمبيوتر, حيث قامت بعمليات لتخريب
أجهزة الكمبيوتر - سواء من خلال نسفها أو باستخدام
وسائل فنية وعلمية - وبررت المنظمة تلك العمليات بأن
أجهزة الكمبيوتر تستخدم للاحتفاظ بالأسرار العسكرية, وأن
تلك الأجهزة تمثل الأداة المهمة لمن يقبعون علي قمة
السلطة, حيث يستخدمونها كأداة للاستغلال والسيطرة
والرقابة.
ولقد عكست عمليات منظمة 'العمل المباشر'
مدي عنف المنظمة واستهانتها بالأرواح, ومدي تعدد وتشعب
أهدافها, كما قامت المنظمة بالعديد من الاعتداءات
الانتقامية ضد رجال الشرطة عقب عمليات الشرطة للقبض
علي أعضائها.
وفيما يتعلق ببناء وهيكل المنظمة, نستطيع
أن نلاحظ أن عضوية المنظمة تختلف إلي حد كبير عن
المجموعات الإرهابية الأخري العاملة في فرنسا, إذ تضم
بين أعضائها نسبة كبيرة من الأجانب والنساء, كذلك
تضم عددا كبيرا من صغار السن والعاطلين (وإن كانوا
في معظمهم من المثقفين).
وترتبط المنظمة بعلاقات قوية مع العديد من
المنظمات الإرهابية الأوروبية الأخري مثل جماعة الجيش
الأحمر الألمانية, والألوية الحمراء الإيطالية, ومنظمة 'أيتا'
الإسبانية, وهو الأمر الذي ترك آثاره علي بنية
المنظمة وهيكلها, حيث لا تبدو كمنظمة مترابطة, بل إن
كثيرا من أعضائها يتمتعون 'بعضوية مزدوجة' ففضلا عن
عضويتهم بمنظمة العمل المباشر 'ينتمون -في نفس الوقت-
لمنظمات أو مجموعات إرهابية أخري.
أما علي الصعيد الأيديولوجي, فتتسع المنظمة
لمجموعة كبيرة من الاتجاهات الفكرية التي تقوم أساسا
علي فكر اليسار المتطرف, وإن كانت المنظمة تضم فضلا
عن ذلك بعض الاتجاهات الأيديولوجية التي يصعب أن
تتفق مع فكر اليسار المتطرف.
وفيما يتعلق بالتمويل المالي, لم يشكل
الحصول علي المال أو العتاد مشكلة في أي وقت
للمنظمة; إذ حصلت علي أموال كافية من خلال عملياتها
ضد البنوك, كما حصلت علي كميات كبيرة من السلاح من
مصادر خارجية متعددة.
الإرهاب والسياسة الدولية
د.
أسامة الغزالي حرب
العدد
112 بتاريخ 1 أبريل 1993
إذا كان تعبير الإرهاب قد استخدم لوصف
بعض أنواع العنف السياسي الفردي المبكرة في مصر, علي
سبيل التجاوز أو المبالغة اللغوية, فلا شك أن ما
نشهده الآن- في عام 1993- هو إرهاب بالمعني الحرفي
للكلمة, وأن هذا الإرهاب له خصائصه المميزة, التي
تجعل منه إرهابا سياسيا منظما وظاهرة تستلزم التكيف
مع مستوي خطورتها.
- فالإرهاب الذي نشهده الآن هو أداة
لصراع سياسي, تمليها إمكانات وظروف القوي التي تلجأ
إليه, وهذا يعني أنه إذا ما توافرت ظروف وإمكانات
أكبر, فإن تلك القوي سوف تكون مستعدة لتطوير أدواتها
وأساليبها, وهذا الإرهاب منظم, ومخطط, وذو أهداف محددة
ومتراكمة, أي أنه جزء من استراتيجية معدة سلفا, يجري
تنفيذها علي امتداد الوطن كله.
- وبهذه الصفات, فإن افتراض وجود علاقات
خارجية للقوي الضالعة في هذا النوع من العنف السياسي
لا يعكس ميلا للتفسير التآمري, بل هو التفسير الأكثر
منطقية والذي يتناسب مع حجم وخطورة الظاهرة, كما
نراها الآن.
إن هذا السعي للتوصيف الدقيق والسليم
للأعمال الإرهابية, التي تشهدها مصر الآن, ليس ترفا
نظريا, وليس مجرد مطلب علمي أو أكاديمي, بل هو
ضرورة موضوعية وعملية لتحديد الوسائل للمواجهة الأكثر
فاعلية وكفاءة. وفي هذا السياق, فإن الحديث عن أسباب
اللجوء إلي الإرهاب في مصر الآن, أو عن العوامل
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تساعد
علي انتشاره في التربة المصرية.., لا يغني عن الرؤية
الأعمق والأشمل لطبيعة الظاهرة ودلالاتها البعيدة, ولذلك
فلا مفر- عن هذا المستوي من التحليل- من دراسة
وتحليل الإرهاب, ليس فقط علي صعيد السياسات الداخلية,
وإنما علي صعيد السياسات العالمية, والعلاقات بين
الدول, ومن غير الممكن الآن الفصل بين ما تشهده
مصر من أعمال إرهابية, وبين عديد من التطورات
السياسية المهمة إقليميا ودوليا, مثل تصاعد حدة
المواجهة بين بعض الحركات الإسلامية السياسية في بعض
البلاد العربية, وبين الحكومات القائمة فيها, وسعي بعض
النظم السياسية -التي تسبغ علي نفسها شرعية دينية-
للتأثير خارج حدودها سواء لتحقيق مكانة إقليمية تطمح
إليها, أو للتغطية علي مشاكل داخلية تعاني منها, كما
لا يمكن تجاهل أثر التغيرات الكبري علي صعيد السياسة
الدولية, وما يرافقها من خلق تحالفات جديدة, وعداوات
جديدة, وأساليب جديدة للصراع, تنتشر علي كافة بقاع
المعمورة, من الهند ويوغوسلافيا والصومال.. حتي نيويورك
ولوس أنجلوس!
نحو جهد دولي شامل لمواجهة الإرهاب
د.
أسامة الغزالي حرب
العدد
146 بتاريخ 1 أكتوبر 2001
في واقعة تفوق أي خيال, صباح يوم 11
سبتمبر 2001, اختطفت أربع طائرات مدنية أثناء رحلاتها
الداخلية, في الولايات المتحدة الأمريكية, لتقتحم اثنتان
منها برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك وتحطماهما
عن آخرهما, وتسقط الثالثة فوق البنتاجون, في حين
سقطت الطائرة الرابعة فوق بيتسبرج بولاية بنسلفانيا
فيما يبدو أنها قد فشلت في الوصول إلي هدفها, الذي
يرجح المحققون أنه ربما كان البيت الأبيض أو
الكونجرس, ولم يبالغ الذين قدروا أن تلك الساعة
الرهيبة في ذلك الثلاثاء من سبتمبر سوف تكون -
لمرحلة طويلة - نقطة فاصلة بين عنصرين, ليس فقط في
الولايات المتحدة الأمريكية, وإنما في العالم كله,
إنها نقطة يختلف ما بعدها عما قبلها تمام الاختلاف,
أو هي في حقيقة الأمر البداية الفعلية- الدامية
والمأساوية- للقرن الحادي والعشرين! إنها بداية ترتبط
بتلك النقلة النوعية في نطاق وأساليب الإرهاب الدولي,
والتي أصبح يمكن بمقتضاها لعدد محدود من الأفراد,
المنخرطين في منظمات إرهابية سرية, أن يوجهوا ضربات
مؤثرة لأهم رموز القوة: السياسية والاقتصادية والعسكرية
في أقوي بلاد العالم, مستفيدين من نقاط الضعف في
الحضارة الصناعية المعاصرة, بدءا من الطائرات وشبكات
الكمبيوتر.. إلي محطات الطاقة والمنشآت النووية, ولكنها
أيضا بداية تحث كافة أمم العالم, وعلي رأسها
الولايات المتحدة بالذات, للإجابة عن السؤال: ما هي
الأسباب, وما هي الظروف, التي تؤدي إلي ظهور هذا
الطراز من البشر, الذين بلغ بهم التهور واليأس, ليس
فقط حد الانتحار, وإنما الاستهتار بحياة آلاف الأبرياء
وقتلهم عشوائيا بلا رحمة؟
لقد كان من الطبيعي, وسط دوامة الصدمة
والفزع اللذين سيطرا علي الولايات المتحدة بعد تلك
العقبات, أن ينشغل المسئولون الأمريكيون بالتفكير في
كيفية القيام برد حاسم علي تلك العمليات! وكان في
مقدمة الأفكار التي ظهرت بسرعة الاقتراح بتشكيل 'تحالف
دولي' يتولي مهمة الرد القوي والفوري علي هذا الهجوم
المباغت, وليس من الصعب أن نتصور أن ما ساعد علي
الظهور السريع لتلك الفكرة هو أن واشنطن تحت قيادة
الرئيس بوش الأب سبق أن جربت ما يشبه هذه الصيغة
بنجاح عندما بلورت 'ائتلافا دوليا' لمواجهة الغزو
العراقي للكويت في مطلع أغسطس 1990, وليس هناك مجال
للشك في أن من حق الولايات المتحدة- بعد إجراء
التحقيقات الكافية والتوصل إلي نتائج قاطعة بشأن تحديد
مرتكبي هذه العمليات- أن تتخذ الخطوات للرد علي
مرتكبيها.
وأحكام القانون الدولي تعطي الدول التي
تتعرض لعدوان صارخ كهذا حق اتخاذ أي إجراءات للرد
عليه وردعه بمجرد التحقق من مصدره, وهو ما يندرج-
من الناحية القانونية- تحت الأعمال الانتقامية
Retaliation
أو
Reprisal
. أما من الناحية السياسية, فمن الطبيعي أن يحظي
الرد الأمريكي بقبول واسع النطاق من المجتمع الدولي,
مادام اقتنع العالم بأن ذلك الرد موجه إلي مرتكبي
تلك الأعمال.
غير أن هذا الجهد الأمريكي لبناء تحالف
دولي قوي للقضاء علي مرتكبي تلك الأعمال الإرهابية,
وتعقب مصادر دعمهم السياسي والمالي, لا يغني عن
الحاجة علي المدي الطويل- وبعد أن يؤدي ذلك التحالف
مهمته- إلي بناء تعاون دولي شامل, واسع النطاق, يضم
كافة بلاد العالم, لمواجهة تلك الظاهرة الخطيرة,
والصيغة الكفيلة بتوفير هذا القبول علي كافة المستويات
الرسمية والشعبية هي وضع هذا الرد تحت مظلة الأمم
المتحدة بصورة أو بأخري.
هل استوعب الأمريكيون درس 11 سبتمبر2001 ؟
د.
أسامة الغزالي حرب
العدد
147 بتاريخ 11 يناير 2002
الإرهاب في أي مكان في العالم, من
الولايات المتحدة إلي أوروبا وآسيا والشرق الأوسط,
يعزي بالضرورة للتعصب الديني أو الأيديولوجي والحكم
الديكتاتوري والمصاعب الاجتماعية والاقتصادية. أما الإرهاب
الذي واجهه بالتحديد في 11 سبتمبر 2001, فهو يرتبط
أيضا, وقبل ذلك كله وبعده, بالسياسة الأمريكية في
الشرق الأوسط, المتحيزة, طوال نصف قرن من الزمان,
لإسرائيل ليس فقط علي حساب المبادئ التي يفترض أن
الأمة الأمريكية نفسها تقوم عليها, أي مبادئ الحرية
وحق تقرير المصير, وإنما في مواجهة المجتمع الدولي
كله في كثير من الأحيان!
إن تلك السياسة أسهمت, بامتياز تحسد عليه,
في تغذية مشاعر من الكراهية والمرارة واليأس, تسود
العالم الإسلامي بشكل عام, والعالم العربي بشكل خاص,
وفلسطين والمجتمعات العربية المحيطة بها بشكل أخص,
تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كانت النخب في
تلك المجتمعات 'أي النخب السياسية والاقتصادية
والثقافية' قادرة علي أن تكبح جماح مشاعرها وأن تسعي
للفهم المتعقل والرشيد لتعقيدات السياسة الأمريكية ودينامياتها
الداخلية, فإن الرأي العام, ورجل الشارع في العالمين
العربي والإسلامي ليس مقيدا بهذا كله, إن ما يراه
هو تحيز أمريكي فج لإسرائيل يغطي علي أي حقيقة
أخري, حتي ولو كانت مساعدات بمليارات الدولارات أو
كلمات مجاملة معسولة للعرب والإسلام من المسئولين
الأمريكيين!.
لحظات حاسمة في
الصراع العربي- الإسرائيلي
د. أسامة الغزالي حرب
العدد 148 بتاريخ 1 أبريل 2002
قبل ساعات قليلة من طباعة هذا العدد من
'السياسة الدولية', وقع حدثان لا يمكن التقليل من
أهميتهما بالنسبة لتطور الصراع العربي - الإسرائيلي.
أولهما: صدور المبادرة العربية للسلام عن
مؤتمر القمة العربي في بيروت في 28 مارس 2002, ثم
بعده الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق علي رام الله في
الضفة الغربية وتحطيم واحتلال مقر الرئيس عرفات في
صباح اليوم التالي 29 مارس 2002'!!'. المبادرة العربية
للسلام تمخض عنها ما يفترض أنه واحد من أهم
مؤتمرات القمة العربية, لأسباب متعددة:
أولها: إنها أول قمة تعقد بعد أحداث 11
سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة, التي دشنت أهم
الصراعات في النظام العالمي الجديد في بداية القرن
الحادي والعشرين, أي الصراع بين الولايات المتحدة, و
'الإرهاب' الذي يتمثل أساسا- وفق الرؤية الأمريكية- في
قوي 'التطرف الإسلامي'!
ثاني هذه الأسباب: إنها تزامنت مع أعلي
مد شهدته حرب الاستقلال الفلسطينية في المواجهة مع
أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفا, في وجود واحدة من
أكثر الإدارات الأمريكية إحجاما عن التدخل في الصراع
وتحيزا لإسرائيل.
ثالث هذه الأسباب: إنها قمة واجهت احتمالا
جادا بأن تتعرض إحدي الدول العربية, أي العراق,
لضربة عسكرية من الولايات المتحدة وحلفائها بتهمة
انتمائها 'لمحور الشر' '!' ومحاولته امتلاك أسلحة
للدمار الشامل.
غير أن وجود هذه الأسباب أو القضايا
'الثلاث', لم يعن أنها منفصلة عن بعضها بعضا, بل
هي- علي العكس- مترابطة عضويا. وفق ذلك, فإن القضية
'المفتاح' فيها أي التي حكمت القضيتين الأخريين, من
وجهة النظر العربية, هي القضية الفلسطينية, والتداعيات
المرتبطة بها, وآفاق التسوية لها.
لذلك لم يكن غريبا أن أكد بيان القمة-
لدي إدانته للإرهاب- علي مسألة قديمة ارتبطت دائما
بمعضلة تعريف الإرهاب في المحافل الدولية, بما فيها
الأمم المتحدة, أي الفصل بين 'الإرهاب' وبين الكفاح
المشروع لمقاومة الاحتلال الأجنبي. وحتي إذا جاز وصف
أعمال العنف العشوائي التي تصيب المدنيين في إسرائيل
بأنها 'إرهاب', فإن ذلك لا يبرر وصف المنظمات
الفلسطينية المكرسة للدفاع عن تراب وطنها, وحقوق
شعبها, بأنها منظمات 'إرهابية'.
وبالمثل, فإن الموقف العربي إزاء الخطط
الأمريكية لضرب العراق كان واضحا في صلته بتطورات
المواجهة العربية - الإسرائيلية, فضلا عن رفض القادة
العرب المطلق لضرب العراق أو تهديد أمن وسلامة أي
دولة عربية باعتباره تهديدا للأمن القومي لجميع الدول
العربية. كان من المهم أيضا التذكير بأن سعي
الولايات المتحدة لتحطيم أي إمكانيات محتملة لأسلحة
دمار شامل في العراق, في الوقت الذي تغض فيه الطرف
عن الترسانة النووية الإسرائيلية, وغيرها من أسلحة
الدمار الشامل, لن ينتج سوي المزيد من مشاعر
الكراهية والمرارة لدي الشعب العربي كله.. وهي المشاعر
التي أخذ الأمريكيون مؤخرا يتساءلون عن أسبابها
ومبرراتها! في هذا السياق, قدم العرب مبادرتهم للسلام
مع إسرائيل, بناء علي مقترحات ولي العهد السعودي
الأمير عبدالله بن عبدالعزيز كرؤية عربية لتسوية
تاريخية بعيدة المدي للصراع العربي - الإسرائيلي.
بعد أقل من أربع وعشرين ساعة, علي صدور
مبادرة القمة العربية, وعقب اجتماع طويل للحكومة
الإسرائيلية برئاسة أرييل شارون, اجتاحت القوات
الإسرائيلية مدينة رام الله, وانتهكت مقر الرئاسة
الفلسطينية, مستهدفة 'عزل' الرئيس الفلسطيني, الذي اعتبر
'عدوا لإسرائيل' وفق التعبيرات التي استخدمها رئيس
الوزراء الإسرائيلي. لقد بررت الحكومة الإسرائيلية
تصرفها ذلك بأنه رد علي العملية الانتحارية الكبيرة
التي تمت في أحد فنادق ناتانيا شمال تل أبيب, يوم
27 مارس, ومع ذلك, وأيا كانت الانفعالات التي تترتب
علي مثل هذا الحدث, فلا يصح أن يكون مبررا لتجاهل
ورفض, بل وتدمير, أقوي إعلان عربي للسلام مع
إسرائيل, ولذلك لم تكن مصادفة أن لقي الاجتياح
الإسرائيلي لرام الله وغيرها من المدن الفلسطينية
والمحاصرة المهينة للرئيس عرفات, استنكارا عالميا واسعا,
ومطالبة بالانسحاب الإسرائيلي السريع.
وبرد الفعل هذا من جانب إسرائيل, المغرق
في حماقته وقصر نظره, يدخل الشرق الأوسط, بل والعالم
بأسره, لحظات حاسمة, لا يعرف أحد إلي أي نهاية سوف
تصل. ومع ذلك, تظل الحقيقة الأساسية التي يتجاهلها
الإسرائيليون هي أن الاستخدام المفرط والمتعجرف للقوة
في مواجهة الشعب الفلسطيني, والرئيس عرفات, لن يفلح ..
كما لم يفلح طوال مراحل الصراع السابقة في كسر
إرادة الشعب الفلسطيني, وكل ما سوف يحدثه هو المزيد
من القتل والدمار والخسائر للشعبين الفلسطيني
والإسرائيلي معا!
وكل ما نأمله, هو ألا يطول الوقت كثيرا,
وتتضاعف أعداد القتلي والمصابين, قبل أن تدرك إسرائيل,
وتدرك معها الولايات المتحدة, أن أقصر السبل لتحقيق
السلام, وللقضاء علي 'الإرهاب' هو التوجه المباشر
والجاد نحو مفاوضات سياسية شاملة, لإقرار الحل
النهائي, والاستجابة لعرض السلام الذي قدمه العرب في
قمة بيروت في مارس 2002 !
أمريكا والإرهاب:
عالم جديد .. الشكل الرئيسي للصراع المسلح في الساحة
الدولية
أحمد إبراهيم محمود
العدد 147 بتاريخ 1 يناير 2002
تمثل هجمات 11 سبتمبر ذروة تطور طويل في
ظاهرة الإرهاب, وهو تطور لا يقتصر فقط علي مضمون
وطبيعة العمل الإرهابي بحد ذاته, ولكنه يمتد أيضا
إلي متغيرات البيئة الدولية التي يتحرك فيها, والتي
تعتبر العامل الرئيسي وراء التحول في أشكال الإرهاب
الدولي. فعلي الرغم من أن جوهر الإرهاب يظل واحدا
من حيث هو استخدام العنف أو التهديد باستخدامه من
أجل إثارة الخوف والهلع في المجتمع, من خلال استهداف
أفراد أو جماعات أو مؤسسات أو نظام الحكم ككل في
المجتمع, لتحقيق هدف سياسي معين, فإن أشكال الإرهاب
وأدواته وتكتيكاته تختلف وتتطور بسرعة مع الزمن, كما
يتأثر الإرهاب إلي حد كبير بخصائص النظام الدولي
وتوازناته, والتي تترك بالضرورة تأثيرا جوهريا علي
ظاهرة الإرهاب من حيث الأهداف والآليات.
من هذا المنظور, فإن الإرهاب الجديد يمثل
في واقع الأمر الجيل الثالث في تطوير الظاهرة
الإرهابية في العصر الحديث, فالجيل الأول كان عبارة
عن موجات الإرهاب ذات الطابع القومي المتطرف التي
اجتاحت أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر, وحتي عقد
الثلاثينيات, وكان القائمون بالإرهاب في الأغلب من
الوطنيين المتطرفين, واعتمدوا علي أسلحة خفيفة مثل
الأسلحة النارية والقنابل اليدوية. أما الجيل الثاني,
فهو عبارة عن موجات الإرهاب ذات الطابع الأيديولوجي
في أثناء الحرب الباردة, وكانت في جوهرها أداة من
أدوات الصراع بين الشرق والغرب, حيث نشأ العديد من
الحركات الإرهابية اليسارية في أوروبا الغربية واليابان,
مثل بادر ماينهوف الألمانية, والعمل المباشر الفرنسية,
والألوية الحمراء الإيطالية, والجيش الأحمر الياباني,
ومارست شكلا من العنف الأيديولوجي ضد مجتمعاتها,
واعتمدت أيضا علي الأسلحة الخفيفة والمتفجرات.
أما الجيل الثالث الحالي, فهو إرهاب يتسم
بخصائص متميزة ومختلفة عن إرهاب العقود السابقة من
حيث التنظيم والتسليح والأهداف. فمن حيث التنظيم, تتسم
جماعات الإرهاب الجديد بغلبة النمط العابر للجنسيات,
حيث تضم أفرادا ينتمون إلي جنسيات مختلفة, ولا
تجمعهم قضايا قومية, ولكن تجمعهم أيديولوجية دينية أو
سياسية محددة, كما تنتقل هذه الجماعات من مكان إلي
آخر, مما يجعل من الصعب متابعتها أو تعقبها أو
استهدافها. أما من حيث الأهداف, فإن الإرهاب الجديد
يركز علي إيقاع أكبر عدد من الخسائر ماديا وبشريا,
وليس فقط مجرد لفت النظر إلي المطالب السياسية
والعقائدية, علي غرار إرهاب السبعينيات والثمانينيات,
وكانت هناك العديد من الدول المتضررة من هذا الشكل
الإرهابي الجديد, ولم تكن العمليات الإرهابية موجهة
فقط ضد الأهداف الوطنية داخل الدول المتضررة, وإنما
كان يتم تنفيذها في الخارج أيضا, فإن الإرهاب الجديد
أصبح قادرا علي استخدام منظمات تسليحية أكثر تطورا
وتعقيدا, بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل الكيماوية
والبيولوجية والنووية والإشعاعية.
ويتسم الإرهاب الجديد بكثافة التعبير عن
الكراهية والرفض الشديد للآخر, من خلال استهداف رموز
بارزة لديه, جنبا إلي جنب مع التركيز علي تحقيق
أكبر كمية ممكنة من القتل ضد المعسكر الذي تم
تصنيفه باعتباره العدو من جانب الجماعة الإرهابية, كما
يتسم الإرهاب الجديد بقدر كبير من العشوائية وعدم
القابلية للتنبؤ.
ويؤكد تقرير لجنة بريمر, التي شكلها
الكونجرس الأمريكي لدراسة ظاهرة الإرهاب, علي أن من
أبرز التحولات التي شهدتها هذه الظاهرة أن جماعات
الإرهاب الجديد تتسم بغموض الهدف السياسي, حيث من
الصعب الوقوف علي هدف سياسي محدد يحكم عمل جماعات
الإرهاب الجديد, ويبدو أن الهدف هو الانتقام من
الولايات المتحدة, حكومة وشعبا, من خلال إيقاع أكبر
عدد من القتلي والضحايا في صفوفهم بهدف معاقبتهم علي
ما تراه تلك الجماعات تحفظات علي السياسة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه, تميل جماعات الإرهاب الجديد إلي حد
كبير إلي الاعتماد علي الشكل العنقودي كنمط لتنظيم
الجماعات الإرهابية التابعة للتنظيم من أجل تأمينها,
ويقوم هذا الشكل علي بناء مجموعات صغيرة العدد غير
مترابطة بين بعضها بعضا, مع الاعتماد علي مصادر
متنوعة للتمويل والمساندة اللوجيستية, بما يجعل رصدها
أو اختراقها أو التنبؤ بحركاتها أو ردود أفعالها
أمرا صعبا.
الحملة الأمريكية ضد
الإرهاب خارج أفغانستان
د . عادل محمد سليمان
العدد 148 بتاريخ 1 أبريل 2002
إن حربنا ضد الإرهاب تبدأ بتنظيم القاعدة
في أفغانستان, لكنها لا تنتهي هناك, إنها لن تنتهي حتي
يتم العثور علي كل مجموعة إرهابية في العالم,
وحصارها وهزيمتها, وعلي كل أمة وكل منطقة أن تتخذ
قرارها الآن, إما أنكم معنا أو مع الإرهابيين, فمن
اليوم وصاعدا, كل أمة تواصل إيواء الإرهاب ستعتبر من
قبل الولايات المتحدة نظاما معاديا.
أغلقوا فورا وبصفة دائمة أي معسكر إرهابي,
وإلا فإنكم ستشاركونهم نفس المصير.
تلك الكلمات وردت بالنص في خطاب الرئيس
جورج بوش أمام الاجتماع المشترك لمجلسي الكونجرس
الأمريكي يوم 20 سبتمبر 2001, بعد 9 أيام من الهجمة
الإرهابية المدمرة التي تعرضت لها الولايات المتحدة,
حيث حدد أبرز ملامح الاستراتيجية الأمريكية الشاملة
التي ستنطلق علي أساسها الحملة ضد الإرهاب, والذي
يتضح من نص كلمة الرئيس بوش أنها ترتكز علي محورين
رئيسيين هما الاستمرارية والشمول.
وفي 7 أكتوبر 2001, بدأت بالفعل فعاليات
الحملة العسكرية في أفغانستان ضد تنظيم القاعدة
وطالبان.
بدأت العمليات العسكرية في أفغانستان, ودارت
علي مستويات ومراحل مختلفة أدت إلي تدمير القوة
العسكرية للقاعدة وطالبان وشل حركتها ودفعها إلي
التخلي عن قواعدها وعن المدن الرئيسية وتمكين قوات
تحالف الشمالي الأفغاني من فرض سيطرتها, وتمت إعادة
ترتيب الأوضاع السياسية داخل أفغانستان تحت المظلة
العسكرية الأمريكية والرعاية الشكلية للأمم المتحدة, حتي
تكتسب السلطة الأفغانية الجديدة الشرعية الدولية وهو
ما أسفر عن مؤتمر بون وتم تشكيل حكومة مؤقتة بدأت
في ممارسة سلطاتها اعتبارا من 22 ديسمبر 2001.
وبدأت الحرب الأمريكية ضد الإرهاب في
الانتقال إلي مرحلة جديدة طبقا للاستراتيجية الشاملة
التي أشرنا إليها في البداية. فبالنسبة لأفغانستان,
أصبح لديها حكومة تتمتع بشرعية دولية وتمتلك قوات
مسلحة وطنية 'تحالف الشمال والعناصر البشتونية التي
انضمت إليها في ظل حكومة قرضاي' وعليها أن تستكمل
مهمة تعقب عناصر القاعدة وطالبان التي لجأت إلي
الجبال الوعرة والكهوف في شرق وجنوب البلاد, وذلك
بدعم مباشر من القوات الأمريكية, يتمثل في عناصر
محدودة من القوات الخاصة وتوفير الغطاء الجوي
والمعاونة الميدانية وتجري عملياتها تحت الإشراف المباشر
للقادة من قوات التحالف.
وهكذا, أصبح الموقف في أفغانستان متسقا مع
المطالب الأمريكية التي أعلنها الرئيس بوش يوم 20
سبتمبر أمام الكونجرس الأمريكي.
وبعد أن تم الاطمئنان لموقف كل من
باكستان وأوزبكستان وطاجيكستان, وهي الدول التي تربطها
بأفغانستان حدود برية ممتدة, وتعتبر الملاذ الآمن
لعناصر القاعدة التي تحاول الهرب, اتجهت أنظار
الولايات المتحدة بعد ذلك إلي المناطق والبلاد الأخري
التي يمكن أن توجد بها قواعد لمنظمات إرهابية أو
تتوافر بها ملاجئ آمنة لعناصر القاعدة من أفغانستان,
حيث يمكنها إعادة تنظيم كوادرها واستجماع قوتها مرة
أخري أو التخطيط لتنفيذ عمليات إرهاب مدمرة جديدة
بأي شكل من الأشكال, وتم بالفعل تنفيذ المخطط
الأمريكي.
كانت البداية في الفلبين, حيث بعث
البنتاجون بقوات عسكرية قوامها 650 فردا تضم عناصر مخابراتية
وقيادية وعناصر من القوات الخاصة والمدربين العسكريين
لمعاونة وتوجيه القوات الفلبينية لمطاردة مقاتلي جماعة
أبو سياف التي يعتقد بوجود روابط بينها وبين تنظيم
القاعدة.
ثم اتجهت أمريكا إلي جمهورية جورجيا, إحدي
جمهوريات دول الكومنولث الروسي, وبدأت في إنشاء قاعدة
عسكرية محدودة تضم عناصر مشابهة لتلك التي أرسلتها
إلي الفلبين, ووصلت بالفعل طلائع القوات الأمريكية
التي تقدر بحوالي 200 فرد إلي جورجيا للتنسيق مع
السلطات والقوات الجورجية وتوجيه عملياتها ضد قواعد
ومراكز التنظيمات التي يعتقد أيضا بوصول أعداد من
كوادر القاعدة إليها.
وكانت المحطة الثالثة دولة عربية هي
اليمن, حيث وصلت إليها بشائر القوات الأمريكية في
إطار تدريب القوات اليمنية وتوجيه عملياته ضد قواعد
العناصر المتطرفة والتي يحتمل أن تكون ملاذا لأسامة
بن لادن 'وهو من أصول يمنية' أو لأفراد من تنظيمه.
ويذكر أن المجموعة الانتحارية التي دمرت المدمرة كول
في أغسطس 2000 انطلقت من عدن في اليمن.
وهنا تجدر الإشارة إلي أن بداية الانتشار
العسكري الأمريكي في دول عديدة من العالم كانت
باليمن, ولكن بدأ بعيدا عن المنطقة العربية وفي دول
غير إسلامية في محاولة أمريكية لتأكيد أن ذلك
الانتشار يتم في إطار خطة مكافحة الإرهاب في أي
مكان وليس مقصورا علي منطقة ودولة معينة, ومازالت
خطة الانتشار أو ما يمكن أن نسميه سياسة الانفتاح
العسكري أمام الوجود الأمريكي
Military
open Doors Policy
سارية المفعول, وهناك في القائمة دول عديدة تنتظر
دورها, في مقدمتها ماليزيا وإندونيسيا والسودان والصومال
والشيشان.
عندما نراجع الدول والمناطق التي تم
اختيارها لبدء تنفيذ خطة الانتشار والوجود العسكري
الأمريكي, فسنجد أنها تمثل محاور ارتكاز تمهيدا لمد
المظلة الأمريكية علي المنطقة بأسرها.
الفلبين قاعدة الانتشار في جنوب شرق آسيا,
وجورجيا قاعدة مهمة بالنسبة لجمهوريات الكومنولث الروسي
المستقلة خاصة الشيشان التي تمثل أهمية خاصة بالنسبة
لتأمين مسار خطوط أنابيب الغاز والبترول من بحر
قزوين ووسط آسيا, وهذه المرحلة ستتم غالبا بتعاون
وثيق مع روسيا الاتحادية, واليمن هي مفتاح السيطرة
علي الساحل الإفريقي للبحر الأحمر وخليج عدن, وأما
السودان فهي قاعدة مناسبة للارتكاز عليها بالنسبة
لإفريقيا.. ويتضح أن التوجه كوني وكأن أمريكا هي
مركز العالم الذي يجب أن يدور في فلكه الجميع,
ويصاحب تنفيذ هذه الخطة حملة اعتقالات دولية مستمرة
لكل العناصر المشتبه في انتمائها أو علاقاتها
بالقاعدة, أو بأي تنظيمات مصنفة كتنظيمات إرهابية.
كذلك مازالت حملة تجميد الأرصدة للأفراد
أو الهيئات أو الجمعيات أو المؤسسات التي يشتبه في
تقديمها العون المادي لأي من تلك التنظيمات مستمرة,
والإجراءات المختلفة لمحاربة الإرهاب ستتوالي وتتتابع في
تنسيق وتعاون بين الولايات المتحدة وعدد من حلفائها.
ونشير في هذا المجال إلي أنه تم عقد قمة سرية
حول مكافحة الإرهاب في الأسبوع الأول من مارس الماضي
في منتجع ملبروك في مدينة كوينز تاون في نيوزيلاند,
ضمت أكثر من 20 مسئولا قياديا في المخابرات المركزية
CIA
ورئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي
FBI
روبرت مولر ومندوبين للمخابرات البريطانية
M 16
وكان محور المناقشات متابعة استراتيجية وتكتيكات الحرب
ضد الإرهاب.