|
كان الانفتاح علي حداثة الغرب الذي دشن ما
سمي بعصر النهضة العربية بمثابة الصدمة, نظرا لما كشفه
من اتساع الهوة ما بين واقع العرب والمسلمين من جهة,
وما عليه أوروبا من حضارة وتقدم من جهة أخري. وانشغل
مفكرو تلك المرحلة بالسؤال: لماذا تقدم الغرب وتأخر
العرب والمسلمون وكيف يمكن اللحاق بالركب؟ وهو نفس
السؤال الذي يشغل (المتعولمين) العرب والمسلمين ذوي
النزعة الوطنية منذ العقد الأخير من القرن العشرين.
شكلت تلك المرحلة- نهاية القرن التاسع عشر
وبداية القرن العشرين-إرهاصات منعطف فكري في العالمين
العربي والإسلامي, وكانت تبشر ببداية نهضة تحرر شعوب
المنطقة من حالة التخلف والركود التي تعيشها, 'في تلك
الحقبة لم يعد التحديث يعني إطلاقا الأخذ عن الغرب
للانتفاض علي الشرق, بل أصبح يعني مواجهة الغرب بحداثة
خاصة بالإسلام'(1). إلا أن عوامل داخلية وخارجية لا داعي
للغوص فيها أعاقت مشروع النهضة العربية, بل أجهضت آنذاك
بعض إنجازات الحداثة.
واليوم وبعد قرن من الزمن, وكأن التاريخ
يعيد نفسه, فنفس القضايا التي شغلت مفكري ذلك العصر:
المرأة, الحرية, الإصلاح السياسي, النهضة الاقتصادية, تجديد
الخطاب الديني, وتحديث التراث ... الخ, تتكرر اليوم ولكن
في ظل فجوة معرفية وحضارية بيننا وبين الغرب أكثر
اتساعا, وفي ظل أوضاع سياسية وثقافية أكثر تشرذما
وإحباطا, وفي ظل تعدد للمواقف الفكرية للمثقفين من
العولمة. تساؤلات ما قبل قرن من الزمن كانت تدور حول
الحداثة وهل هي التغريب المهدد لهويتنا وثقافتنا؟,
وتساؤلات اليوم تدور حول العولمة, أهي الأمركة المهددة
لثقافتنا وحضارتنا؟
من هذا المنطلق, يصعب مقاربة ظاهرة العولمة
وانعكاساتها علي العالم العربي دون ربط الموضوع بالثقافة,
سواء بمفهومها الضيق الذي يرتبط بالهوية, أو بمفهومها
الشامل الذي يتطابق مع مفهوم الحضارة. وهذا الربط له
مسوغاته نظرا لتزامن تدافع الأسس النظرية والمؤسسية
للعولمة مع أزمة عميقة تشهدها مجتمعاتنا, تتمثل في أزمة
شرعية مستعصية: أزمة النظم السياسية والاقتصادية والثقافية,
وأزمة في التضامن العربي ولا نقول الوحدة العربية, وفي
ظل مد أصولي لم تعرفه المنطقة سابقا. ومجتمع مأزوم
بهذه الدرجة ينتابه خوف من كل ما هو جديد ووافد من
الخارج, مما يؤدي إلي الانغلاق علي الذات والهوية
والحنين للماضي قبل أي تفكير وتمحيص عقلاني لهذا الوافد
الجديد, ولكن الخوف ليس مبررا للهرب, بل يجب أن يكون
دافعا للتحدي والمواجهة. |