|
لا شئ يكشف عن التطور الجذري الذي لحق
بالصراع العربي- الإسرائيلي في السنوات الأربعين الماضية
أكثر من مقارنة الخطاب السياسي لقمة الدار البيضاء التي
عقدت في سبتمبر 1965-أي بعد شهرين فقط من صدور العدد
الأول لمجلة السياسة الدولية- بمثيله الصادر عن القمة
العربية الأخيرة التي استضافتها الجزائر في مارس 2005- أي
قبل أقل من أربعة أشهر علي لحظة صدور هذا العدد.
في قمة الدار البيضاء التي ضمت ملوكا وأمراء
ورؤساء يمثلون اثنتي عشرة دولة عربية -هي كل الدول
العربية في ذلك الوقت- بالإضافة إلي السيد أحمد الشقيري
رئيس منظمة التحرير الفلسطينية, أشار البيان الختامي إلي
أن المجلس -أي مجلس ملوك ورؤساء دول الجامعة العربية-
قد عالج 'الجوانب المختلفة لقضية فلسطين, واتفق علي
الخطط العربية في سبيل تحريرها, ودعم منظمة التحرير
الفلسطينية وجيش التحرير'.
لايمكن ان نجتزئ هذا الموقف علي أية حال
عن سياقه الأوسع الذي بدأ بدعوة الرئيس جمال عبدالناصر
في ديسمبر 1963 إلي عقد قمة عربية عاجلة لمواجهة خطر
اكتمال المشروعات الإسرائيلية لتحويل مجري نهر الأردن.
عقدت القمة بالفعل في القاهرة في يناير 1964, وأشار أول
قرار لها إلي 'اعتبار أن قيام إسرائيل هو الخطر
الأساسي الذي أجمعت الأمة العربية بأسرها علي دفعه, وبما
أن وجود إسرائيل يعتبر خطرا يهدد الأمة العربية, فإن
تحويلها لمياه الأردن سيضاعف من أخطارها علي الوجود
العربي, لذلك فإن علي الدول العربية أن تضع الخطط
اللازمة لمعالجة الجوانب السياسية والاقتصادية والإعلامية, حتي
إذا لم تتحقق النتائج المطلوبة كان الاستعداد العسكري
العربي الجماعي القائم, بعد استكماله, هو الوسيلة الأخيرة
العملية للقضاء علي إسرائيل نهائيا'.
كان واضحا أن هذه الصياغة قد مثلت محاولة
للوصول إلي 'كلمة سواء' بين كل من المعتدلين والمتشددين
العرب, لكن القمة علي أية حال تحدثت عن 'القضاء علي
إسرائيل نهائيا' كخيار أخير, وأنشأت قيادة عسكرية عربية
مشتركة سمي قائدها ووضعت ميزانيتها ووزعت مساهماتها علي
الدول الأعضاء, وأنشأت كذلك 'هيئة لاستغلال نهر الأردن
وروافده' لتنفيذ المشروعات العربية المضادة للمشروعات
الإسرائيلية, وخصصت لها اعتمادا ماليا تساهم فيه الدول
الأعضاء في الجامعة بنسبة حصتها في ميزانية أمانتها
العامة, وكلفت السيد أحمد الشقيري -ممثل فلسطين لدي
الجامعة آنذاك- بالاستمرار في اتصالاته بالدول العربية
والشعب الفلسطيني' بغية الوصول إلي القواعد السليمة لتنظيم
الشعب الفلسطيني وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه
وتقرير مصيره', وهي اتصالات أسفرت عن مشروع متكامل تقدم
به الشقيري إلي القمة التالية التي عقدت في الإسكندرية
في سبتمبر 1964 وحظي بموافقتها بحيث رحب القرار الثالث
للقمة 'بقيام منظمة التحرير الفلسطينية واعتمادها ممثلة
للشعب الفلسطيني في تحمل مسئولية العمل لقضية فلسطين'.
في قمة الجزائر 'مارس 2005', بدا وكأن سقف
مبادرة قمة بيروت لعام 2002 يوشك أن ينقض. صحيح أنها
نجحت -أي قمة الجزائر- في حمايته في مواجهة مبادرة
أردنية قيل إنها تقترح أن يسبق التطبيع العربي الشامل
مع إسرائيل -أو علي الأقل بعض مظاهره- تنفيذها
لالتزاماتها بموجب مبادرة بيروت, وإن لم يتح للرأي العام
العربي أن يعرف نص تلك المبادرة الأردنية بشكل رسمي.
ومعلوم بطبيعة الحال أن قمة بيروت 2002 كانت قد تبنت
مبادرة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي
التي أصبحت بذلك موقفا عربيا رسميا, وقد نصت المبادرة
علي المطالب العربية التقليدية من قضايا الانسحاب
واللاجئين والدولة الفلسطينية, فإن استجابت إسرائيل لتلك
المطالب فإن الدول العربية تقوم بما يلي:
أ- 'اعتبار النزاع العربي- الإسرائيلي منتهيا,
والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق
الأمن لجميع دول المنطقة.
ب- إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار
هذا السلام الشامل'. وبالإضافة إلي ما سبق لم تشر قمة
الجزائر 2005 بحرف واحد إلي المقاومة الفلسطينية التي كانت
قمة سبتمبر 1964 قد أرست أساسها السياسي والتنظيمي علي
نحو ما سبقت الإشارة إليه.
عن التحول .. دوافعه ومظاهره:
ما الذي حدث بين عامي 1965 و2005 لكي ينتقل
الموقف العربي الرسمي من الحديث عن 'القضاء علي إسرائيل
نهائيا إلي دخول الدول العربية جميعا في اتفاقية سلام,
وإنشاء علاقات طبيعية معها؟ ومن وضع الأسس لحركة التحرر
الوطني الفلسطينية إلي تجاهلها التام؟
لاشك أن مياها كثيرة جديدة قد جرت في
النهرين الإقليمي والعالمي تبرر هذا التحول التاريخي, لكن
المرء لا يمكنه إلا أن يبدأ بالحدث الأساسي في هذا
كله, وهو عدوان إسرائيل علي الدول العربية المحيطة بها
في يونيو 1967, وتمكنها من احتلال أراض تابعة لتلك
الدول. استكملت إسرائيل بموجب ذلك الاحتلال السيطرة علي
مجمل أراضي فلسطين التاريخية, فضلا عن احتلال شبه جزيرة
سيناء المصرية والمرتفعات السورية ومساحات صغيرة من
الأراضي التابعة لكل من الأردن ولبنان, كانت تلك
التطورات فاصلة في تحول جذري طرأ علي تكييف الدول
العربية لعدائها مع إسرائيل من اعتباره ضمن عملية 'تصفية
الاستعمار' ومن ثم النظر إلي السلوك العربي الفلسطيني
فيه كحرب 'تحرر وطني وقومي' إلي اعتباره 'نزاعا بين
دول علي أراض محتلة' ومن ثم فإن التسوية جائزة فيه,
وبموجبها لا بأس من وجهة النظر العربية الرسمية بأن
يتم الاعتراف بدولة إسرائيل والتعايش معها إن هي تخلت
عن الأراضي التي احتلتها في عدوان 1967.
من الواضح أن القادة العرب الذين دشنوا ذلك
النهج الجديد آنذاك قد أدركوا بعد هزيمة يونيو 1967
فداحة الخلل في ميزان القوي الإقليمي بينهم وبين
إسرائيل, ناهيك عن الدعم الأمريكي لها, وجسامة المهمة
الملقاة علي عاتقهم, وتتمثل في تحرير الأراضي العربية
التي احتلت في عدوان يونيو 1967, ومن ثم ارتضوا ذلك
التحول الجذري في مواقفهم.
هكذا, وقف جمال عبدالناصر في نوفمبر 1967 يعلن
في خطابه أمام مجلس الأمة قبوله للقرار 242 الذي صدر
عن مجلس الأمن قبل أيام قليلة في الشهر نفسه, برر عبدالناصر
قبوله للقرار بأنه ينص علي الانسحاب من الأراضي المحتلة
في 1967, وإن كان قد اعترف بأنه -أي القرار- لا يمثل
حلا عادلا لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين, لكن المؤشر بات
واضحا علي التحول الجديد, فديباجة القرار الذي قبلت به
مصر تشير إلي حق جميع دول المنطقة في العيش داخل
حدود دائمة وآمنة ومعترف بها.
في عهد الرئيس أنور السادات, كثرت المؤشرات
علي اتجاه أوضح إلي التسوية, لكن أهمها كان ما ورد
في اتفاقية فض الاشتباك الثاني الموقعة بين مصر وإسرائيل
في سبتمبر 1975 بخصوص إنهاء حالة الحرب بين الدولتين,
وذلك إلي أن حدث زلزال زيارة السادات للقدس في نوفمبر
1977, ثم توصله إلي اتفاقيتي كامب ديفيد مع إسرائيل في
سبتمبر 1978, وصولا إلي توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل في
مارس 1979 كأول خطوة من نوعها في تاريخ الصراع العربي -
الإسرائيلي.
عند هذا الحد, كان ممكنا القول إن كافة
المؤشرات الخاصة بتحول الصراع العربي - الإسرائيلي في
اتجاه التسوية مؤشرات 'مصرية', لكن الدول العربية بعد أن
فعلت أقصي ما في وسعها لإثناء مصر عن سياستها الجديدة,
ركبت بدورها قطار التسوية وإن لم تجلس مع مصر في
العربة نفسها, ففي سبتمبر 1982 وافقت قمة فاس علي مبادرة
الأمير فهد بن عبدالعزيز - ولي العهد السعودي آنذاك-
لتسوية الصراع العربي - الإسرائيلي, وتضمنت المطالب العربية
التقليدية من إسرائيل مقابل ضمانات سلام يكون مجلس الأمن
مسئولا عن توفيرها للطرفين.
وحملت السنوات 1987- 1989 مزيدا من الشواهد -وإن
غير المباشرة- علي قبول العرب للتسوية, ففي 1987 أباحت
قمة عمان للدول العربية أن تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع
مصر بقرارات سيادية, وفي قمة الرباط 1989 عادت مصر إلي
ممارسة مسئوليتها بالكامل كعضو في جامعة الدول العربية,
وتم الموافقة علي إعادة الجامعة العربية ومنظماتها
المتخصصة إلي مقارها في مصر, وكانت العلاقات الدبلوماسية
العربية - المصرية قد قطعت من أطرافها العربية -عدا
استثناءات قليلة- وعلقت عضوية مصر في الجامعة ومنظماتها
كنوع من العقاب للسياسة المصرية والضغط عليها كي تحيد
عن موقفها تجاه التسوية مع إسرائيل.
في أكتوبر 1991, تعززت الشواهد العربية علي
قبول مبدأ التسوية, فقد عقد مؤتمر مدريد في ذلك
التاريخ, وحضرته الدول العربية المعنية وغير المعنية أيضا,
وتفرع المؤتمر إلي مسارات تفاوضية ثنائية وفق ما كانت
تطالب به إسرائيل, وتم استدراج الفلسطينيين إلي أوسلو,
حيث وقعت الاتفاقية التي حملت اسم تلك المدينة في
سبتمبر 1993 لتكون شاهدا -علي الرغم من سوءاتها العديدة-
علي التحول الجذري الذي طرأ علي طبيعة الصراع, فمن
المقولة الصهيونية 'شعب بلا أرض .. لأرض بلا شعب' إلي
الاعتراف بشعب فلسطين وبأن منظمة التحرير تمثله, ومن
المقولة العربية بالقضاء علي إسرائيل إلي الاعتراف
الفلسطيني بدولتها, تبدو تحولات الصراع واضحة وضوح الشمس
.. ولم تكد اتفاقية أوسلو تعلن حتي تسارعت خطي المسار
الأردني - الإسرائيلي ليتم في نهاية العام التالي (1994)
التوصل إلي ثاني معاهدة سلام عربية - إسرائيلية, وقطعت
المفاوضات السورية - الإسرائيلية شوطا واسعا إلي أن تم
اغتيال اسحق رابين علي أيدي متطرفين يهود.
وإذا كان العرب قد قبلوا مبدأ التسوية مع
إسرائيل بسبب نتائج عدوان 1967 وإدراكهم الخلل في ميزان
القوي العربي - الإسرائيلي, فكيف نفسر قبول المنتصر
للتسوية؟ في الواقع أنه لابد من الاعتراف بأن الطبيعة
العدوانية التوسعية لإسرائيل لا تمنعها بالضرورة من اتخاذ
قرارات عقلانية, ولابد أن قادة إسرائيل ونخبتها الحاكمة
قد أدركوا أن انتصارهم في 1967 لا يعبر عن حقيقة ميزان
القوي بينهم وبين العرب, ومن ثم فإن التوصل إلي تسوية
معهم في إطار ذلك الانتصار سوف يكون أفضل الخيارات
لإسرائيل مادامت الأمور لابد أن تسير في اتجاه تصحيح
العرب لأخطائهم في 1967.
وقد عزز من هذا التصور دون شك التماسك
السريع للقوات المصرية عقب الهزيمة وأداء تلك القوات,
بدءا بمعركة رأس العش في شهر الهزيمة نفسه 'يونيو 1967'
مرورا بقصف الطيران المصري لمواقع إسرائيلية في سيناء
المحتلة في الشهر التالي 'يوليو 1967', وإغراق البحرية
المصرية للمدمرة إيلات, كبري قطع الأسطول البحري
الإسرائيلي في أكتوبر 1967, ثم بدء حرب الاستنزاف وتصاعدها
علي الجبهة المصرية وصولا إلي الذروة بحرب أكتوبر 1973
التي تمت بعمل مصري - سوري مشترك فضلا عن مساهمات
عسكرية واقتصادية عربية مؤثرة علي نحو ما هو معروف.
واتساقا مع تلك التطورات, لم تتمكن إسرائيل -
علي الرغم من توصلها لمعاهدة سلام مع مصر في 1979- من
الاحتفاظ بسيطرتها علي لبنان بعد أن اجتاحتها بما في
ذلك عاصمتها بيروت في 1982, ولم تتمكن من الاحتفاظ إلا
بما سمته الشريط الحدودي الآمن في الجنوب اللبناني الذي
كانت قد احتلته أصلا في 1978, واضطرت لاحقا إلي الهروب
منه بليل في مايو 2000 بعد أن تصاعدت المقاومة اللبنانية
المسلحة فيه بقيادة حزب الله إلي حد لم تعد إسرائيل
تحتمله سياسيا. من ناحية أخري, وقفت إسرائيل عاجزة علي
المستويين التكتيكي والاستراتيجي معا أمام انتفاضة الحجارة
التي تفجرت في ديسمبر 1987, واستمرت حتي وقوع الغزو
العراقي للكويت في أغسطس 1990 والذي خلط الأوراق كلها.
لذلك كله, بدأت عملية التسوية تاريخيا عقب
هزيمة 1967 واستمرت بشكل أو بآخر حتي الآن, وإن في
إطار مفهومين إسرائيلي وعربي عن التسوية متباينين تمام
التباين, بحيث لا يمكن الادعاء بأن ثمة قواسم مشتركة
حقيقية بينهما حتي الآن. صحيح أن تسوية ما قد تم
التوصل إليها علي المسارين المصري '1979' والأردني '1994'
ولكننا نقصد التسوية الشاملة للصراع .. التي مازال التناقض
بشأنها كاملا في قضايا بالغة الأهمية كقضيتي عودة
اللاجئين ومستقبل القدس علي سبيل المثال. ومن الأمور
اللافتة للنظر أن كافة الأطر التي تم الاتفاق عليها في
محاولة للتوصل إلي تسوية لتلك القضايا الشائكة لم تتضمن
أبعادا محددة لتسويات مقترحة, وإنما ركزت علي الحديث عن
آليات تفاوضية تبحث في مضمون هذه التسويات, وتتوصل إلي
حلول لها باتفاق الأطراف المعنية 'كامب ديفيد 1978- أوسلو
1993- خريطة الطريق 2003', وبالنظر إلي التباين المشار إليه
بين أطراف الصراع والخلل في ميزان القوي لصالح الطرف
الإسرائيلي, فإن إسرائيل قد حاولت دوما -ومازالت تحاول-
فرض تصورها الخاص عن التسوية, وهو تصور لا يستجيب للحد
الأدني من المطالب العربية والفلسطينية, ولذلك كان العقم
صفة مشتركة بين الآليات الثلاث, فلا الحكم الذاتي تم
التوصل إليه في إطار الآلية التفاوضية المصرية -
الإسرائيلية بموجب كامب ديفيد, ولا مفاوضات الوضع النهائي
قد اكتملت في 1999 كما تصورت اتفاقية أوسلو, ولا الدولة
الفلسطينية قامت في 2005 كما قضت خريطة الطريق.
عن خصائص النموذج العام لاتجاه الصراع إلي
التسوية:
يبدو من المهم للغاية في هذا السياق أن
نمعن النظر في تطور جهود التسوية ونموذجها العام منذ
1967 وحتي الآن في محاولة لاستخلاص خصائصه الأساسية التي
لا شك سوف تكون بالغة الدلالة لفهم الحاضر واستشراف
المستقبل, وسوف يتم التركيز فيما يلي علي خصائص ثلاث
دون نفي -بطبيعة الحال- لوجود أخري وإن رئي أنها أقل
دلالة, وتتمثل هذه الخصائص الثلاث في البعد الزمني
لعملية التسوية, وعلاقة التسوية بالعنف في إدارة الصراع,
وطبيعة التنازلات الإسرائيلية.
أما عن البعد الزمني لعملية التسوية, فمن
الواضح أن الأخيرة تتسم ببطء شديد, ففي مدة تقارب
الأربعين عاما يمكن القول إن التسوية لم تنجز إلا علي
المسار المصري - الإسرائيلي باعتبار أن المسار الأردني -
الإسرائيلي الذي تم التوصل بشأنه إلي معاهدة سلام في
1994 لا يتضمن قضايا مهمة تذكر بعد أن اقتطعت منه
الضفة الغربية منذ اعتبرت القمة العربية في 1974 أن
منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب
الفلسطيني, وبصفة خاصة بعد أن صدر القرار الأردني بفك
الارتباط في 1988. أما المساران الفلسطيني والسوري فهما
الآن في المربع الأول علي الرغم مما تم التوصل إليه
من اتفاقات في الحالة الأولي, ومما بذل من جهود
تفاوضية في الحالة الثانية.
وقد يكون لهذا الأمر دلالته المهمة بالنسبة
لمستقبل عملية التسوية, فعندما تم التوصل إلي معاهدة
سلام مصرية- إسرائيلية في 1979 قيل إن تكرار النموذج
المصري - الإسرائيلي بات ممكنا وسهلا علي أساس إمكان
تطبيق القواعد ذاتها علي المسارات الأخري والتوصل إلي
نتائج مشابهة, والواقع أن هذا القول قد لا يكون دقيقا,
فالأمر الذي لا شك فيه أن إسرائيل كانت أكثر استعدادا
لتقديم تنازلات حقيقية علي المسار المصري لأسباب تتعلق
بالأمن المصري في الصراع, ومن هنا فإن التسوية علي هذا
المسار تحقق لإسرائيل هدفا مزدوجا: من جانب تفادي عبء
التحسب لمواجهة عسكرية مع مصر, ومن جانب آخر تحييد مصر
في الصراع العسكري مستقبلا مع إسرائيل .. بل إنه علي
العكس من القول المشار إليه, يمكن طرح مقولة مضادة
مؤداها أن التسوية علي المسار المصري - الإسرائيلي قد
مكنت إسرائيل من أن تكون أكثر تشددا علي باقي
المسارات.
ويرجع بطء عملية التسوية إلي تعقد الصراع
وتشابك أبعاده من جانب, وتعمد إسرائيل هذا البطء من
جانب آخر, كي تخلق حقائق جديدة علي الأرض بتكثيف
عمليتي الهجرة إلي إسرائيل والاستيطان داخل الأراضي
الفلسطينية المحتلة, وأهمية هذه السمة من سمات نموذج
التسوية, الذي أخذ في التبلور اعتبارا من عام 1967, أن
أي حديث عن تسوية قادمة في غضون سنوات قليلة مقبلة
هو نوع من اللغو, وأنه من الأفضل الحديث عن هذه
التسوية في عقود وليس سنوات قادمة, علما بأن المقصود
هنا بالتسوية هو تلك المعادلة المتوازنة التي تحقق الحد
الأدني من المطالب العربية والفلسطينية الذي لا يمكن
النزول إلي ما دونه, لأن 'إملاء' الإرادة الإسرائيلية
علي الفلسطينيين أو غيرهم لن يكون تسوية, وإنما قنبلة
موقوتة تمهد لمراحل أخري من الصراع.
ويعني ما سبق أن التخطيط الاستراتيجي العربي
لمستقبل الصراع يجب أن يبني علي أن هذا الصراع لن
يحل أو يسوي في ظل موازين القوي الحالية, وأن إدراك
هذه الحقيقة بداية هو الذي سيمكننا من حسن التخطيط
للمستقبل, ويشير في الوقت نفسه إلي فداحة الخطأ الذي
ارتكبه نفر من العرب, بمن فيهم عدد من كبار المسئولين
حين أخذوا يركزون في العقد الأخير من القرن الماضي علي
'ما بعد السلام' بدلا من الاهتمام بمتطلبات التوصل إلي
مثل هذا السلام.
أما علاقة التسوية بالعنف في إدارة الصراع,
فهي علاقة تبدو أهميتها من اعتقاد البعض -بمن فيهم
مسئولون للأسف- بأن سلوك التسوية يعني الخلود إلي السكون
التام وإيقاف أي صورة من صور مقاومة الاحتلال, ناهيك
عن أن تكون مقاومة مسلحة.والواقع أن كافة خبرات التحرر
الوطني تشير إلي عكس هذا المعني تماما, فلم تحدث
التسويات في حروب التحرر إلا بسبب مقاومة الاحتلال, وقد
هدأ الفلسطينيون سنوات طويلة بعد اغتصاب وطنهم فلم
يحصدوا إلا مزيدا من التجاهل, وأخلصوا لعملية التسوية
عقب أوسلو فأظهرت لهم إسرائيل شتي صنوف المماطلة
والتسويف, ثم انقلبت علي نهج أوسلو أصلا.
والواقع أن خبرة عملية تسوية الصراع العربي -
الإسرائيلي نفسها اعتبارا من 1967 وحتي الآن تؤكد المعني
السابق بيانه, فمن الواضح أن مسيرة التسوية منذ 1967
وحتي الآن قد تخللتها عمليات عسكرية متفرقة وحرب استنزاف
وجولة جديدة من جولات الصراع المسلح بين العرب وإسرائيل,
وحلقات متتالية من حركة مقاومة الاحتلال في فلسطين
ولبنان, آخرها مازال مستمرا حتي الآن, وهي انتفاضة
الأقصي التي غلب عليها الطابع العسكري, ويعني ذلك أن
من يدعون الفلسطينيين إلي الهدوء والسكينة إنما يدعونهم
في الوقت نفسه إلي الاستسلام والقبول بتسوية مملاة
ومذلة.
أما الخاصية الثالثة في نموذج تسوية الصراع
العربي - الإسرائيلي منذ 1967 وحتي الآن والمتعلقة بطبيعة
التنازلات الإسرائيلية, فتشير إلي أن إسرائيل لم تقدم
للعرب أي تنازلات في غمار عملية التسوية إلا بعد أن
أعملت القوة ضدها, وللقوة صورها المختلفة بطبيعة الحال,
فقد قبل الرئيس جمال عبدالناصر القرار 242 في نوفمبر 1967
بعد صدوره مباشرة, لكن أحدا لم يعره التفاتا حتي بلغت
حرب الاستنزاف ذروتها في يونيو 1970, فتقدم ويليام روجرز
وزير الخارجية الأمريكي آنذاك بمبادرته لوقف إطلاق النار
والبدء في مفاوضات التسوية, وأعلن الرئيس أنور السادات
في فبراير 1971 عن مبادرته لإعادة افتتاح قناة السويس
التي كان من شأنها إنهاء حالة الحرب من الناحية
الفعلية بين مصر وإسرائيل, فلم يسأل فيه أحد حتي تفجرت
حرب أكتوبر 1973, فولدت زخما لعملية التسوية انتهي بتحرير
سيناء, وانسحبت إسرائيل من كافة الأراضي اللبنانية دون
أن يطلب منها أحد ذلك, والتي كانت قد اجتاحتها في 1982
بفعل المقاومة المسلحة, ولم تبق سوي علي احتلالها للشريط
الحدودي الجنوبي الآمن الذي اضطرت بدورها للانسحاب منه
في مايو 2000 كما سبقت الإشارة بعد احتلال دام اثنين
وعشرين عاما بفضل تصاعد المقاومة المسلحة فيه بقيادة حزب
الله, واضطرت إلي الاعتراف بشعب فلسطين ومنظمة تحريره في
اتفاقية أوسلو 1993 بعد النضال السلمي البطولي للشعب
الفلسطيني في إطار ما عرف بانتفاضة الحجارة, وها هي
تعرض إخلاء قطاع غزة ومستوطناته بعد أن أخفقت في كسر
مقاومة أبنائه علي الرغم من كل ما وظفته من قوة
باطشة ضدهم.
يبدو الدرس واضحا إذن: لاتقدم علي طريق نيل
الحقوق دون توظيف للقوة أيا كانت صورتها, وهو درس بالغ
الاتساق مع الخبرات الماضية لحركات التحرر الوطني بدءا
بالنضال السلمي في الهند ومرورا بالنضال المسلح في
فيتنام والجزائر, وانتهاء بالمزج بين أدوات النضال
وأساليبه كما في تجربة التحرر الوطني في الجنوب
الإفريقي.
عن المرحلة الراهنة:
اعتبارا من النصف الثاني من العقد الأخير من
القرن الماضي, شهد الصراع العربي - الإسرائيلي عددا من
المتغيرات بالغة الأهمية علي كافة الصعد, محلية, وإقليمية,
وعالمية, عقدت دون شك من عملية التسوية, وإن لم تقض
عليها.
فعلي صعيد الأطراف المباشرة للصراع, عاد
اليمين الإسرائيلي إلي الحكم في إسرائيل في عام 1996
لينقلب علي مسيرة أوسلو ويتناقض مع نهجها القائم علي
الفصل بين مرحلة انتقالية ومرحلة نهائية, ويطرح من خلال
رئيس وزرائه المتطرف بنيامين نيتانياهو فكرة 'الحزمة
الواحدة', فلا تفرقة بين مرحلة مؤقتة وأخري نهائية,
وإنما ثمة أفكار إسرائيلية للحل النهائي علي الفلسطينيين
أن يقبلوها أو يرفضوها, وكان من الحتمي أن ترفض
فلسطينيا, سواء لأنها عكست فكر اليمين الإسرائيلي المتشدد,
أو استندت إلي الخلل الفادح في ميزان القوي علي أرض
الواقع.
وعندما خسر اليمين الإسرائيلي الانتخابات
التشريعية التالية وعاد حزب العمل إلي قيادة الائتلاف
الحاكم, وتم الترويج لقيادته الجديدة إيهود باراك ولقدرته
علي إنجاز التسوية, تأكدت حقيقة غياب أي فارق جوهري
بين صقور إسرائيل وحمائمها. صحيح أن باراك قد عرض
أفكارا جديدة في قمة كامب ديفيد 2000, وكان أول مسئول
إسرائيل يجرؤ علي فتح ملف القدس بحديث عن إشراف عربي
علي بعض أحيائها, وكذلك علي المقدسات الدينية العربية,
وعن عودة لأعداد محدودة من اللاجئين الفلسطينيين في أمد
زمني طويل نسبيا, لكن المشكلة أنه كان يريد إبراء ذمة
نهائيا من الجانب الفلسطيني بانتهاء الصراع, ولذلك فإن
أولئك الذين لاموا الرئيس ياسر عرفات علي أنه لم يقبل
التنازلات الإسرائيلية المطروحة آنذاك وفقا لنهج 'خذ
وطالب' فاتهم أن الطرح الإسرائيلي كان منافيا تماما لهذا
النهج, وإنما بني علي منطق 'قسمة الغرماء'.
وعلي الصعيد العالمي, تولت الإدارة الأمريكية
الراهنة المستندة إلي فكر اليمين المحافظ مقاليد السلطة
في مطلع 2001, ولم تمض سوي شهور قليلة إلا ووقعت أحداث
الحادي عشر من سبتمبر التي اتخذتها هذه الإدارة نقطة
انطلاق لتنفيذ مخططها في الهيمنة علي العالم بدعوي
محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية, وكان للصراع العربي -
الإسرائيلي نصيبه الفادح من تداعيات هذه الانطلاقة. فمن
ناحية, تم للمرة الأولي في تاريخ السياسة الأمريكية تجاه
الصراع إعادة تكييفه بحيث يوضع في إطار الحرب علي
الإرهاب, وليس باعتباره حالة احتلال عسكري غير مشروع,
وهكذا اعتبر الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطابه في
يونيو 2002 أن السلام في الشرق الأوسط مرتهن بيد حفنة
من الإرهابيين -أي المقاومة الفلسطينية- وأن التقدم علي
طريقه مستحيل دون اجتثاثهم, وأنه لابد من تغيير قياداتهم
-أي الرئيس ياسر عرفات- اتساقا مع المشروع الأمريكي لنشر
الديمقراطية في العالم, وفيما بعد أضاف الرئيس بوش في
أبريل 2004 لهذا التحول الجذري تحولا آخر في موقفه من
حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة, ومن تفكيك الكتل
الاستيطانية الكبري في الضفة الغربية, إذا اعتبر كلا
منهما -أي حق العودة وتفكيك المستوطنات- غير عملي في
ارتداد واضح عن مواقف تقليدية لم تفارق السياسة
الأمريكية منذ 1967 علي الرغم من تحيزها الصارخ لإسرائيل.
لم يتوقف تأثير المتغيرات الأمريكية عند الحد
السابق, وإنما كان لها مردودها غير المباشر علي الصراع
بعد إقدام الولايات المتحدة علي احتلال العراق في مارس -
أبريل 2003 وحتي الآن, إذ أحدث هذا الاحتلال تأثيرات
بالغة السلبية علي النظام العربي الذي كيف نفسه مع
واقعة الاحتلال, وبدأ يتحسب للموقف الأمريكي المعادي لأي
دعم من أي نوع 'للإرهاب' في فلسطين, وهكذا ازداد موقف
النظام العربي من النضال التحرري في فلسطين ترديا, وبعد
أن كانت المقاومة الفلسطينية المسلحة هي وحدها المحرومة
من الدعم العربي الرسمي, امتد هذا الحرمان إلي المساعدات
الاقتصادية للشعب الفلسطيني, بل مضي أحيانا إلي مواقف
المساندة اللفظية لمقاومته.
علي الصعيد الفلسطيني, كانت وفاة ياسر عرفات
علامة علي نهاية مرحلة, ولم تكن مصادفة أن يصل إلي
سدة الرئاسة من بعده رجل يؤمن صراحة بضرورة الاعتماد
علي الأساليب السلمية وحدها لتحقيق الأهداف الفلسطينية,
ويعارض من ثم ما يسمي بعسكرة الانتفاضة, وهو موقف من
شأنه أن يدخل مزيدا من عناصر عدم الاستقرار في الساحة
الداخلية الفلسطينية, نظرا لأن فصائل المقاومة المسلحة
أصبحت أقوي من أن تهمش, ولأن السياسة الإسرائيلية لا
يمكن أن تفي بالحد الأدني من مطالب الشعب الفلسطيني في
أقصي حالاتها اعتدالا, ومن الأمانة أن نشير إلي أن
الرئيس الفلسطيني لم يعمد في أي وقت من الأوقات إلي
تنفيذ ما جاءت به خريطة الطريق بخصوص 'اجتثاث البنية
التحتية للإرهاب', وإنما اعتمد أسلوب الحوار مع الفصائل,
لكن نهجه السلمي والعقم البنيوي لهذا النهج يهددان كما
سبقت الإشارة بإدخال مزيد من عناصر عدم الاستقرار إلي
الساحة الداخلية الفلسطينية التي يعد تماسكها دون شك هو
الورقة الأولي بيد الفلسطينيين في نضالهم الممتد من أجل
نيل حقوقهم بعد أن حرموا من الدعم العربي, وواجهوا
متغيرات عالمية عاتية في غير صالحهم.
خاتمة:
في أربعين سنة, تحول الصراع العربي-
الإسرائيلي من قضية 'تصفية استعمار' من وجهة النظر
العربية إلي 'نزاع بين دول' يمكن تسويته, واعتبارا من
1967 بدأ هذا الصراع مسيرة طويلة باتجاه التسوية لم تحقق
الكثير حتي الآن, وما زال أمام هذا الصراع وقت طويل حتي
تنضج الظروف المواتية لتسوية حقيقية, ذلك أن الخلل
الراهن في ميزان القوي العربي - الإسرائيلي يحول حتي
الآن دون التوصل لمثل هذه التسوية, ولن يكون تصحيح هذا
الخلل ممكنا بإبداء 'حسن الأدب' العربي والفلسطيني تجاه
الإسرائيليين, فليس هكذا تدار الصراعات الدولية, وإنما
يكون التصحيح ببناء عناصر القوة الفلسطينية والعربية
وتوظيفها ضد إسرائيل, وليست هذه دعوة لإعلان الحرب علي
إسرائيل, ففضلا عن أن الواقع العربي يجعل من مثل هذه
الدعوة عملا مستحيلا, فإن المواقف العربية الرسمية غير
مستعدة الآن حتي لمعارضة سياسية حقيقية لنهج إسرائيل,
وإنما الغرض من هذه السطور هو لفت النظر إلي أن
للقوة وللنضال أشكالهما ووسائلهما المختلفة, وأن النضال
الفلسطيني يواجه وحده الآن بمسئولية تصحيح الخلل في
ميزان القوي مع إسرائيل ولو نسبيا. وقد يعجب البعض من
مثل هذا القول أو حتي يسخرون منه, لكن تجارب التحرر
الوطني كافة -ودون استثناء- بدأت جميعها في ظل خلل
فادح لموازين القوي بينها وبين خصومها الاستعماريين, ولأمر
ما فإنها -جميعها- قد صمدت وطورت من أساليبها وعمقت
إيمانها بقضيتها وخرجت من المحن منتصرة محققة لأهدافها,
وكان آخرها تجربة التحرر الوطني في جنوب إفريقيا التي
كثيرا ما سخر الكثيرون من المراقبين والأكاديميين من
إمكانية انتصارها. لم يكن مطلوبا من قوي التحرر في أي
وقت من الأوقات أن تهزم القوة الاستعمارية عسكريا, فلم
يهزم الفيتناميون الولايات المتحدة في حرب شاملة, ولم
يفعل الجزائريون ذلك أيضا في مواجهتهم لفرنسا, أو
اليمنيون في حرب تحررهم من الاحتلال البريطاني لجنوب
اليمن, ولم يهزم الشعب في جنوب إفريقيا جيش المستوطنين
البيض, أو يهزم حزب الله الجيش الإسرائيلي, وإنما كل
ما حدث في هذه التجارب هو أن حركات التحرر الوطني قد
نجحت في رفع تكلفة العملية الاستعمارية ماديا وبشريا إلي
حد لم يعد ممكنا للقوة الاستعمارية تحمله سياسيا, فاضطرت
إلي تغيير توجهاتها, أو عجزت عن ذلك فحدث التغيير في
داخلها لينتهي النضال التحرري في كل الأحوال بتحقيق
غاياته. وإن أي متابع لحركة التحرر الفلسطيني في تطورها
عبر الزمن في الأعوام الأربعين الماضية لن يجد سببا
واحدا يبرر أن تكون استثناء من 'قانون التحرر الوطني'
الذي يشير إلي حتمية بلوغها لأهدافها مهما مرت الأعوام,
أو تعاظمت التضحيات.
|