 |
|
ميخائيل
جورباتشوف وريجان في الميدان الأحمر في 1988 |
عملت الولايات المتحدة
إبان الحرب الباردة وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي علي
صياغة الأوضاع الدولية في الأوراسيا لضمان توطيد وحماية
نفوذها في ذلك النطاق الجيو-سياسي الهائل. وكانت أدوات
الولايات المتحدة في ذلك هي تكوين حلف شمال الأطلنطي,
واستمرار الانتشار الاستراتيجي لقواعدها العسكرية في الأوراسيا,
بالاضافة إلي بناء توازنات سياسية تحد من قدرة الأطراف
الدولية في أوروبا وآسيا علي اكتساب هامش متسع
للمناورة.
وتتمتع كتلة الأوراسيا
بأهمية جيوسياسية بالغة, حيث تعتبر من أهم المناطق التي
قد تهدد السلام العالمي. وتقع حدود الأوراسيا غربا علي
ضفاف أوروبا الغربية علي المحيط الأطلنطي, وتمتد نحو
الشرق حتي تبلغ ضفاف الصين علي المحيط الهادي. وتحتوي الأوراسيا
علي ثلثي سكان العالم, وتنتج ثلثي الناتج الإجمالي
العالمي, وبها أكبر دولتين من حيث عدد السكان: الصين
(مليار و281 مليون نسمة) والهند (مليار و50 مليون نسمة)
وأكبر دولة من حيث المساحة: روسيا (17.1 مليون كيلو متر
مربع) ومن حيث عدد الصواريخ النووية بعيدة المدي الموجهة
رأسا إلي الأهداف الحيوية في الولايات المتحدة وأوروبا
الغربية. بينما الاتحاد الأوروبي يمثل ثاني قوة اقتصادية
في العالم بعد الولايات المتحدة; إذ وفق بيانات التقرير
الاستراتيجي للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية
لعام 2004 بلغت نسب مساهمة كل من الولايات المتحدة
والاتحاد الأوروبي واليابان والصين في الناتج الإجمالي
العالمي كالتالي: 32.13%, 27.97%, 12.36%, 3.92%.
وكان نيكولاس سبيكمان,
أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ييل الأمريكية في أثناء
الحرب العالمية الثانية, هو أول من أرسي أسس الفكر
الاستراتيجي الأمريكي تجاه الأوراسيا استنادا إلي خبرات
هذه الحرب. وقد قسم جغرافية الأوراسيا إلي: قلب قاري
هو روسيا التي لها امتداد بري يتجاوز 17 مليون كيلو
متر مربع, وهلال كبير من دول ساحلية وأطلق عليه
(Rimland) أي النطاق الساحلي, ويشمل كل أوروبا وشبه
الجزيرة العربية والعراق وآسيا الوسطي وإيران وأفغانستان
والهند وجنوب شرق آسيا والصين وكوريا. وهي كلها دول
تمتاز بمواردها الطبيعية والاقتصادية المتنوعة, وبأهمية
مواقعها الجغرافية لإطلالها علي البحار والمحيطات. ويرتكز
تحليل سبيكمان علي أن الحرب العالمية الثانية قد حدثت
بهدف السيطرة علي هذا النطاق الساحلي, ومن ثم فهو
منطقة الارتطام (Crush zone) أي المنطقة التي سوف تشهد
الصراع من أجل السيطرة علي مواردها وممراتها المائية.
وبما أن روسيا هي بمثابة الظهير الخلفي لمنطقة الارتطام,
فإنها سوف تسعي إلي التوغل في هذه المنطقة للوصول إلي
البحار والمحيطات, وعلي الولايات المتحدة أن توقف هذا
التوغل من خلال سياسة الاحتواء Containment. ولكي تتمكن
الولايات المتحدة من احتواء المد الروسي السلافي في الأوراسيا,
فعليها أن تتحول إلي قوة بحرية عظمي تحيط بالأوراسيا,
بداية من المحيط الأطلنطي, مرورا بالمحيط الهندي حتي
المحيط الهادي, حيث إنها الطريقة الوحيدة لمواجهة الموقع
الجغرافي الحصين لروسيا, وهنا تبدو الأهمية القصوي لحاملات
الطائرات والغواصات النووية كركيزتين أساسيتين لقوة الولايات
المتحدة.
من الناحية السياسية, دعا
سبيكمان إلي أن تقوم الولايات المتحدة بمنع توحيد دول
هذا النطاق, ويبدو ذلك واضحا من خلال دور الولايات
المتحدة في تشجيع انقسام كوريا وفيتنام إلي دولتين
والوقوف مع إحداهما ضد الأخري, بالاضافة إلي تشجيع قيام
دولتين ألمانيتين, كما دعا سبيكمان إلي قيام أحلاف
عسكرية في هذا النطاق, ولذلك قام حلف شمال الأطلنطي
وحلف جنوب شرق آسيا ليبقي جانبا من النطاق الأوراسي
مفككا إلي دويلات صغيرة تحت سيطرة الولايات المتحدة. وقد
استدعي ذلك بناء قواعد عسكرية أمريكية في الأوراسيا, حيث
أدركت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال خبرات الحرب
العالمية الثانية أن انعدام وجودها في الأوراسيا كان
كفيلا بالسماح للمحور الألماني - الياباني بأن يستمر في
السيطرة علي الأقاليم والموارد بشكل يخل تماما بموازين
القوي لصالحه.
وقد أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق ترومان سياسة احتواء
الشيوعية في مارس 1947, ثم جاء إنشاء حلف شمال الأطلنطي,
الذي ضم الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في أبريل 1949
ليكون الوسيلة التنفيذية لهذه السياسة. ورد الاتحاد
السوفيتي بتشديد قبضته علي دول أوروبا الشرقية, فأصبحت
جميع الأحزاب السياسية الحاكمة أحزابا شيوعية. من ناحية
أخري لجأت الولايات المتحدة إلي العديد من القرارات
والإجراءات لمنع حصول الصين الشيوعية علي مقعد مجلس
الأمن الذي كانت تشغله الصين الوطنية (غير الشيوعية) (فورموزا
وتايوان), إذ أدركت الولايات المتحدة خطورة حصول دولتين
شيوعيتين كبيرتين علي مقعدين داخل مجلس الأمن.
في يونيو 1950, اندلعت
الحرب في كوريا باجتياح جيوش كوريا الشمالية الشطر
الجنوبي للبلاد, فتدخلت القوات الأمريكية تحت علم الأمم
المتحدة فأخرجت الشماليين من الجزء الجنوبي من كوريا
وواصلت الضغط والتقدم حتي اجتاحت كوريا الشمالية ذاتها
ووصلت إلي حدودها مع الصين. وقد شعرت الصين بالتهديد
الأمريكي الجسيم علي حدودها, فقامت بكين بإرسال الآلاف
من جنودها لمحاربة الأمريكيين, وانتهت المعارك باستمرار
تقسيم كوريا واعتبر خط عرض 38 هو الفاصل بين كوريا
الشمالية والجنوبية. وفي 27 يوليو 1953 تم توقيع الهدنة.
وكانت إحدي النتائج المترتبة علي هذه الحرب تكوين
القيادة العسكرية للحلف الأطلنطي, وتزويد ألمانيا الغربية
بالسلاح وضمها إلي عضوية الحلف في مايو 1955, بالاضافة
إلي تأسيس اللجنة الأوروبية للدفاع. وقد أدت كل هذه
الإجراءات الغربية إلي قيام الاتحاد السوفيتي بإنشاء حلف
وارسو في 14 مايو 1955.
وقد وضح قبول الولايات
المتحدة بحرية الاتحاد السوفيتي في الحركة داخل نطاق
نفوذه, حيث لم تتدخل واكتفت بالاعتراض الشكلي عندما
اندلعت أعمال عنف وتمرد في المجر خلال أكتوبر ونوفمبر
1956 وسحقها الاتحاد السوفيتي بقسوة.
كما قام خروتشوف بزيارة
تاريخية للولايات المتحدة في سبتمبر 1959, وكان موضوع
التباحث هو وضع برلين وتقاسم النفوذ وتمت تسوية هذا
الوضع في 13 أغسطس 1961 ببناء حائط يقسم ألمانيا إلي جزءين
بغرض منع مواطني ألمانيا الشرقية من الهجرة والتسلل إلي
ألمانيا الغربية.
في أكتوبر 1962, وقعت
أزمة خطيرة بين القطبين ولكن خارج الأوراسيا وهي أزمة
صواريخ كوبا التي أوشكت أن تدفع بالعالم إلي الحرب
العالمية الثالثة, إذ قامت طائرات التجسس الأمريكية
بالتقاط صور تؤكد قيام الاتحاد السوفيتي بتثبيت منصات
صواريخ في كوبا فقط علي بعد 200كم من شواطئ فلوريدا,
فردت الولايات المتحدة بتثبيت صواريخ في تركيا علي مقربة
من الحدود السوفيتية, ثم تحركت الأساطيل الأمريكية لفرض
حصار بحري علي كوبا بهدف منع القطع البحرية السوفيتية
من الدخول إلي المياه الإقليمية الكوبية وانتهت الأزمة
بعد عشرة أيام من توتر بالغ بين القوتين العظميين أوشك
أن يؤدي بالعالم إلي حرب نووية.
ولعل هذه الأزمة بالذات
هي التي دشنت التعايش السلمي بين قطبي النظام العالمي,
إذ لتدارك خطر نشوب حرب نووية تم إنشاء الخط التليفوني
الساخن بين البيت الأبيض والكرملين للتشاور المباشر بشأن
الأزمات العالمية الحادة.
وكانت فيتنام هي نقطة
الصدام الثانية بين الولايات المتحدة والشيوعية في منطقة
النطاق الساحلي للأوراسيا. وبمقتضي اتفاقيات جنيف في يوليو
1954, فقد انقسمت إلي فيتنام الشمالية الشيوعية وفيتنام
الجنوبية الموالية للغرب, إلا أن واشنطن كانت تري أن
عدم تدخلها في فيتنام سوف يؤدي -إن عاجلا أو آجلا-
إلي توحيد شطري الدولة ومن ثم سوف تصبح كل من فيتنام
الشمالية والجنوبية تحت تأثير المعسكر الشيوعي. بناء علي
ذلك, بدأت الولايات المتحدة تتدخل فعليا بإرسال 16 ألف
خبير أمريكي إلي فيتنام الجنوبية في عام 1963, وكان
الهدف هو تحجيم نشاط الجبهة الوطنية للتحرير التي كانت
تقوم بتنفيذ عمليات عسكرية داخل فيتنام الجنوبية بتأييد
وتحريك من فيتنام الشمالية الشيوعية.
وفي غضون الفترة (1964 -
1968), تفاقم الصراع داخل فيتنام بين الاتحاد السوفيتي
والولايات المتحدة لدرجة أن الرئيس الأمريكي ليندون جونسون
استصدر قرارا من الكونجرس بإرسال نصف مليون جندي أمريكي
إلي فيتنام, وكانت الجيوش الأمريكية مكلفة بمنع سقوط
جنوب فيتنام في أيدي جيوش فيتنام الشمالية الشيوعية
والجبهة الوطنية للتحرير الموالية لها.
ودارت حرب ضروس في
الأدغال والأحراش الفيتنامية, وخسرت الولايات المتحدة الآلاف
من جنودها وبدت أمام العالم كله في صورة قوة غاشمة
تلقي بآلاف الأطنان من القنابل علي شعب بائس فقير,
ولكن عنيد وصلب لا تلين له إرادة. وانقسم الرأي العام
الأمريكي تجاه هذه الحرب التي اعتبرها بمثابة 'حرب قذرة'
يموت فيها صفوة الشباب الأمريكي لمجرد منع التغلغل
الشيوعي في فيتنام. وبمجرد أن وصل ريتشارد نيكسون إلي
الحكم في عام 1968, اعتبر أن مهمته الأولي هي إنهاء
هذه الحرب القذرة التي لم يعد أحد في الولايات المتحدة
يرغب في استمرارها, وأسند هذه المهمة إلي مستشاره للأمن
القومي ثم وزير الخارجية هنري كيسنجر الذي أدار هذا
الملف الشائك بمنطق تقليل الخسائر السياسية إلي أقصي حد
ممكن; إذ اتسم تحليل كيسنجر للموقف بواقعية شديدة مؤداها
أن الاتحاد السوفيتي سوف يستمر في إمداد فيتنام الشمالية
والجبهة الوطنية للتحرير بالأسلحة والخبرة, بحيث تسقط
فيتنام الجنوبية في نهاية المطاف في أيدي الشيوعية, خاصة
أن أمريكا عازمة علي الانسحاب من فيتنام الجنوبية. إذن
إذا كان الأمر سيكون كذلك ولا محالة .. فكيف إذن تنسحب
أمريكا مع حفظ ماء الوجه؟ وكانت خطة كيسنجر ترتكز علي
ما سماه Decent interval أي مهلة زمنية تضمن انسحابا مشرفا
للولايات المتحدة بحيث لا تسقط فيتنام الجنوبية في أيدي
الشيوعيين مباشرة وإنما بعد فاصل زمني.
وكان الهدف من إطالة
أمد سقوط فيتنام الجنوبية هو حفظ هيبة الولايات المتحدة.
وانسحبت الولايات المتحدة من فيتنام الجنوبية في 28 يناير
1973, وفي 30 أبريل 1975 سيطرت فيتنام الشمالية علي الشطر
الجنوبي للبلاد, أي بعد ما يزيد علي عامين من انسحاب
الولايات المتحدة. وكان هذان العامان هما بالنسبة للولايات
المتحدة The decent interval. إلا أنه ما من شك في أن
هذا الملف الشائك كان نقطة تحول جوهرية في السياسة
الخارجية الأمريكية, والذي صاغ نقلات هذا التحول هو
مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي هنري كيسنجر, ومؤدي استراتيجية
كيسنجر أنه ليس من الحكمة أن تدخل الولايات المتحدة
-كما حدث في فيتنام- في عملية تناطح مع الشيوعية, لأن
المد الشيوعي الأيديولوجي أشبه ما يكون بوحش متعدد
الرءوس منتشر في العديد من النقاط, وبالتالي فعملية
التناطح هذه قد تكون عالية الخسائر. ولكن هدف السياسة
الخارجية الأمريكية ينبغي أن يكون التوصل إلي التوازن
علي الساحة العالمية من خلال التفاوض المباشر مع الاتحاد
السوفيتي لإدارة الملفات عالية الحساسية التي تؤثر علي
الاستقرار العالمي كالملف النووي, والأمن الأوروبي, والشرق
الأوسط.
وقد كان التحول الذي
أدت إليه 'عقدة فيتنام' هو أن احتواء الشيوعية بالتناطح
العسكري مع أذيالها وأتباعها في العالم سوف يفقد
الولايات المتحدة هيبتها السياسية والعسكرية, وبذلك عملت استراتيجية
كيسنجر علي احتواء الاتحاد السوفيتي -احتواء سياسيا- في
المقام الأول, من خلال التفاوض المباشر معه حول الملفات
عالية الحساسية, ثم ببناء تحالف استراتيجي مع جاره وخصمه
اللدود: الصين, وبدأ عصر الوفاق وإن جاز القول الاسترخاء
العسكري, إذ عقب سنوات من التناطح في فيتنام, بدأت
صفحة من المفاوضات وجها لوجه بين قطبي النظام العالمي.
ولقناعة كلا القطبين
بإمكانية التدمير المتبادل, بدأت المفاوضات في 17 نوفمبر
1969 في هلسنكي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي
للحد من الصواريخ النووية عابرة القارات (مدي 5000كم)
(Strategic Arms Limitation
Talks)
وفي 26 مايو 1972 في لقاء
تاريخي بين ريتشارد نيكسون وليونيد بريجنيف, تم توقيع
اتفاقية SALT I وانصبت أساسا علي الحد من الصواريخ المضادة
للصواريخ (Anti-Ballistic Missiles). واعتبرت هذه الاتفاقية
بداية عملية إدارة توازن الرعب.
وبملاحظة تسلسل تواريخ
الزيارات, يتبين أنه قبل زيارة الرئيس الأمريكي للاتحاد
السوفيتي في 26 مايو 1972 قام بزيارة تاريخية كذلك لبكين
في فبراير 1972 لعقد قمة مع ماوتسي تونج زعيم الصين
الشيوعية, وهدفت الزيارة إلي توثيق الصداقة مع الصين في
إطار سياسة كيسنجر وهي أنه لاحتواء الاتحاد السوفيتي,
لابد من خلق تهديد متواصل علي حدوده بانتهاج سياسة
تقارب أمريكي مع الصين.
أما الصين, فقد كانت كل
الظروف الداخلية والخارجية تدفعها دفعا للترحيب بالتقارب
الأمريكي ففي 1960, تم استدعاء الخبراء السوفيت من الصين
لمنعها من تطوير برنامجها النووي وكانت تلك بداية نشوب
الصراع بين العملاقين الشيوعيين, وسعي الاتحاد السوفيتي من
خلال الحركة الشيوعية العالمية ومؤتمرها الذي ضم 81 حزبا
شيوعيا إلي إدانة الصين, وتكرر نفس السيناريو في 1969
حينما سعت موسكو مرة أخري إلي حث 75 حزبا شيوعيا علي
إدانة الصين. وأوشك الأمر أن يتطور من مجرد الإدانة
إلي عمل عسكري شامل, إذ اندلعت في مارس 1969 مناوشات
علي حدود الدولتين وتأهب الاتحاد السوفيتي لتوجيه ضربة
نووية إلي المنشآت العسكرية والصناعية الصينية إلا أنه
تراجع. وفي 11 سبتمبر 1969, التقي رئيس الوزراء الصيني شوان
لاي بوزير الخارجية السوفيتي أليكسي كوسيجين في مطار
بكين, واستقرت الأوضاع بين الدولتين: عداء كامن لا يتطور
إلي أعمال عسكرية. لذا كان التقارب الأمريكي - الصيني
شبه المتزامن مع مفاوضات الحد من الصواريخ النووية دليلا
علي رهافة عالية في الفكر الاستراتيجي الأمريكي وعلي
واقعية هنري كيسنجر الذي لعب بورقة الصين في الوقت
المناسب لإرساء أسس الوفاق والحد من التسلح النووي, وبدأ
الاسترخاء العسكري ولكن لسنوات محدودة!
للتاريخ دائما مفاجآت لا
تكون في حسبان اللاعبين السياسيين مهما بلغت درجة وضوح
رؤيتهم ومهارتهم. إذ في عام 1974 أجبر الرئيس الأمريكي
ريتشارد نيكسون علي تقديم استقالته بعد (فضيحة ووترجيت)
السياسية التي اتهم فيها باستخدام نفوذه كرئيس للتنصت
علي سياسيين أمريكيين في مخالفة جسيمة للأسس والقواعد
الديمقراطية المعمول بها في الحياة السياسية الأمريكية,
وتولي الرئيس الأمريكي الجديد جيمي كارتر إدارة دفة
الأمور, حيث واجهته أزمة جديدة في 27 ديسمبر 1979 عندما
قامت الجيوش السوفيتية بغزو أفغانستان لإعادة النظام
الشيوعي المخلوع إلي الحكم. وكان السوفيت يسعون بوجودهم
في أفغانستان إلي تطويق مزدوج: أولا لمنطقة الخليج خاصة
أنهم موجودون كذلك في البحر الأحمر في إثيوبيا; ثانيا
لاستمرار تدعيم الطوق الآسيوي المعادي للصين والمتكون من
حلفاء موسكو في آسيا: فيتنام, الهند, وهما دولتان تقعان
في ظهير الصين.
ولاشك أن النقلات الاستراتيجية
السوفيتية علي خريطة الصراع العالمي في النصف الثاني من
السبعينيات كانت في الأساس ذات طبيعة جيو-سياسية وجيو-استراتيجية,
لأنها استندت إلي كسب نقاط الارتكاز التي تتيح المزيد
من التطويق السوفيتي للبحار الدافئة ولمنابع البترول ثم
تطويق الصين ذاتها بدول معادية لها.
إن السوفيت وإن كانوا
قد قبلوا التفاوض مع الأمريكيين, إلا أنهم في الحقيقة
لم يتوقفوا أبدا عن التحرك, وهذا هو ما لم تتمكن
إدارة الرئيس جيمي كارتر من إدراكه وتداركه فنشأت فجوة
الصواريخ, إذ تمكن السوفيت سرا من تطوير الصاروخ SS20
المزود بثلاثة رءوس نووية يتجاوز مداها 5000 كم.
أي أن الصاروخ السوفيتي
الواحد يمكنه إصابة ثلاثة أهداف في آن واحد في أوروبا
وآسيا والشرق الأوسط, ولعل هذا الشعور السوفيتي بالتفوق
النووي في مواجهة الغرب في النصف الثاني من السبعينيات
هو الذي شجع الكرملين علي تكثيف نقلاته علي خريطة
الصراع العالمي.
أدي نشوء فجوة الصواريخ
إلي قلق المعسكر الغربي, لأن الاتحاد السوفيتي بنشره
صواريخ SS20 ذات الرءوس الثلاثة يكون قد نبذ التوجه نحو
الوفاق. وفي 14 ديسمبر 1979, قام الحلف الأطلنطي بإقرار
سياسة ذات مسارين Two Track Policy. المسار الأول: استمرار
التفاوض مع السوفيت حتي عام 1983 لإقناعهم بتفكيك صواريخ
SS.20 المسار الثاني: في حالة فشل المفاوضات مع السوفيت
يبدأ الحلف الأطلنطي منذ عام 1983 باستبدال الصواريخ
الأمريكية الموجودة في أوروبا الغربية Euromissiles بصواريخ
جديدة هي Pershing IIوذلك لموازنة صواريخ SS.20
وفي الحقيقة أن سبب
لجوء الحلف الأطلنطي إلي هذه السياسة ذات المسارين هو
أن الرأي العام الأوروبي كان منزعجا للغاية وثائرا علي
نشر أجيال جديدة من الصواريخ النووية الأمريكية في
أوروبا, لأن هذا يعني فيما يعنيه أن أوروبا ستكون ساحة
الصراع النووي وهدفه في حالة نشوب هذا الصراع بين
القطبين.
وبالفعل بدأت المفاوضات
الأمريكية - السوفيتية في 30 نوفمبر 1981 في جنيف, إلا أن
السوفيت استغلوا اندلاع المظاهرات في أوروبا الغربية
المناهضة للصواريخ الأمريكية ولم يقدموا إلا تنازلا
محدودا, هو أنه في مقابل ألا يضع الأمريكيين صواريخ برشنج
2 في أوروبا يقوم الاتحاد السوفيتي بتجميد نشر صواريخ إس
إس 20 تجميدا مؤقتا, وتوقفت تماما المفاوضات في هذا
الصدد في نوفمبر 1983 بعد أن تأكد إصرار السوفيت علي
عدم تفكيك صواريخهم وإنما فقط تجميد نشرها تجميدا
مؤقتا.
ولكن الفترة من بدء
المفاوضات في نوفمبر 1981 حتي 1983 شهدت ضغوطا سياسية قوية
من جانب الأمريكيين لإثناء السوفيت عن تشبثهم بنشر
صواريخهم ثلاثية الرءوس التي تسبب فجوة الصواريخ التي
تقلق الحلف الأطلنطي.
ومن ناحية أخري, بدأ
الاتحاد السوفيتي يواجه مشاكل داخل دائرة نفوذه. ففي صيف
1980, بدأت الاضطرابات في أحواض بناء السفن في جدانسك
ببولندا وقاد هذه الاضطرابات ليش فاليسا رئيس نقابة
تضامن العمالية. وبدأ الكرملين يشعر بوطأة المأزق: كيف
يتدخل الجيش الأحمر؟ هل بعملية غزو عسكري لسحق التمرد
كما حدث في المجر في 1956 وفي تشيكوسلوفاكيا في 1968؟
لكن الوقت لم يعد كما كان! فالجيوش السوفيتية تعاني
ويلات حرب مريرة في جبال أفغانستان, واتجه القرار
السوفيتي إلي أن يعلن الجنرال جاروزلسكي الأحكام العرفية
في بولندا في 13 ديسمبر 1981, وتم إلقاء القبض علي ليش فاليسا
والمئات من أعوانه.
وكان رد فعل الولايات
المتحدة هو قيام الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بدعوة
زعماء الدول الأوروبية إلي معاقبة الاتحاد السوفيتي
اقتصاديا بإلغاء عقود توريد الغاز السوفيتي من سيبريا
إلي أوروبا.
لاشك أن ملامح المشهد
العالمي كانت قد بدأت تتغير جذريا, ففي حين سكت الغرب
عن التدخل السوفيتي في أزمتي المجر وتشيكوسلوفاكيا
باعتبارهما داخل منطقة نفوذ السوفيت, فقد ثار لمجرد
إلقاء القبض علي ليش فاليسا وأعوانه. ومن الجدير بالذكر
أن بولندا تاريخيا تعتبر معقلا من معاقل الكاثوليكية وهو
مما أجج غضب الدوائر الغربية.
لم تستجب أوروبا الغربية
لنداء رونالد ريجان وذلك لحرصها علي تنويع مصادر الطاقة
بعد أزمة البترول العالمية الأولي عقب حرب أكتوبر 1973
وقطع إمدادات النفط عن أوروبا, ثم الأزمة الثانية عقب
سقوط شاه إيران الموالي للغرب في 1979.
وبدأت الحرب الباردة
تسيطر مرة أخري علي الأجواء بين قطبي النظام العالمي
بسبب فجوة الصواريخ التي أقلقت بعمق زعماء الغرب; فهي
من جانب أخلت بالتوازن الاستراتيجي بين المعسكرين, ومن
جانب آخر أثارت وبشدة رأيا عاما أوروبيا غربيا رافضا
لوضع صواريخ برشنج 2 الأمريكية في أوروبا. والإذعان
السياسي للرأي العام الأوروبي مثل للحلف الأطلنطي إشكالية,
لأنه كان يعني استراتيجيا تكريس فجوة الصواريخ!
في 23 مارس 1983, أعلن
رونالد ريجان في خطاب شهير إلي الشعب الأمريكي اعتزام
الإدارة الأمريكية البدء في مشروع 'حرب الكواكب' والذي
مؤداه تدريع الفضاء الأمريكي بحيث لا يجتاز هذه الدرع
أي صاروخ سوفيتي, فتصبح بذلك الولايات المتحدة قلعة
حصينة بإمكانها رصد وتدمير أي صواريخ تحاول اجتياز
سمائها. ولكن ظلت نقطة ضعف المشروع وثغرته الأساسية أنه
في حالة قيام الصاروخ المعادي بسلوك ممر جوي منخفض,
ومع تشويش متقدم علي الرادارات يصبح المشروع غير ذي جدوي
إطلاقا في صد أي هجوم مضاد مفاجئ, إذ من المستحيل
التكهن بالممر الجوي الذي سيسلكه الصاروخ المنخفض.
مع ذلك, كان لخطاب ريجان أصداء واسعة النطاق في المجتمع
الأمريكي وكذلك علي مستوي دوائر القرار, واعتبر مشروع
حرب الكواكب متسقا تماما مع سياسة ريجان الخارجية التي
عبر عنها بشعاره في حملته الانتخابية America is back أي
أن أمريكا سوف تعود وبقوة علي ساحة الصراع العالمي مع
الاتحاد السوفيتي الذي أطلق عليه ريجان 'إمبراطورية
الشر'.
في مارس 1985, تقلد
جورباتشوف مقاليد الحكم في الاتحاد السوفيتي, ومنذ البداية
كان يدرك تدهور وضع الاقتصاد السوفيتي واستشراء
البيروقراطية والفساد في المجتمع السوفيتي, لذا أعلن عن
فلسفته الإصلاحية Glasnost أي الشفافية والمصارحة ثم
Perestroika أي إعادة الهيكلة والتنظيم لجميع الأجهزة
والمؤسسات القائمة. وعلي مستوي السياسة الخارجية, اتخذ
العديد من القرارات بالغة الأهمية, إذ في ديسمبر 1987
عقد مع واشنطن اتفاقية الـ Euromissiles وقبل تفكيك
الصواريخ التي يتراوح مداها بين 500 و5000 كم وأدت تلك
الخطوة من جانب جورباتشوف إلي ترحيب الغرب به ترحيبا
بالغا.
إلا أن أكثر الأحداث
دلالة ورمزية في عهد جورباتشوف بدأت في أكتوبر 1988
حينما زار المستشار الألماني هلموت كول موسكو, وفي يونيو
1989 زار جورباتشوف بون. وجاء خريف 1989 ليفاجئ زعماء
العالم بأحداثه وتطوراته الجارفة التي أكدت أنه متي بدأت
عجلة التاريخ تدور فإنه يستحيل وقفها. إذ بدأ الآلاف
من الألمان الشرقيين يهربون من ألمانيا الشرقية بعبور
الحدود المجرية مع النمسا بعد أن تم رفع الأسلاك
الشائكة متجهين إلي ألمانيا الغربية, فقد كانت الشعوب
أسبق إدراكا من زعمائها بأن عصر الشيوعية والستار
الحديدي قد ذهب وولي إلي غير رجعة.
ثم جاءت المفاجأة الكبري
بقيام انقلاب ضد جورباتشوف نفسه في الفترة من 19 إلي 22
أغسطس 1991, منفذوه هم رجال الحرس القديم الذين رأوا في
إصلاحات جورباتشوف تهديدا لمصالحهم الشخصية والحزبية.
وأخمد الانقلاب بوريس يلتسين
الذي دعا إلي انتخابات رئاسية فاز بها واستقال جورباتشوف
من منصبه في 25 ديسمبر 1991.
وباستقالة جورباتشوف
المسبوقة بتفكيك حلف وارسو في أول يوليو 1991, يكون تفكك
الإمبراطورية السوفيتية قد اكتمل!
الاستراتيجية الأمريكية
تجاه الأوراسيا في عالم ما بعد القطبية الثنائية :
في عام 1998 أصدر زبجينيو
بريزنسكي مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي مؤلفه الشهير
The Grand Chessboard 'رقعة الشطرنج الضخمة' بما يعني خريطة
الصراع العالمي, وفي هذا العمل يقوم بريزنسكي بإعادة
بلورة الفكر الاستراتيجي الأمريكي تجاه الأوراسيا بما يتفق
مع المعطيات الجديدة التي نشأت عن تفكك الاتحاد
السوفيتي. بادئ ذي بدء, يؤكد بريزنسكي أن الساسة
الأمريكيين عليهم أن يتوقعوا تماما -كما في لعبة
الشطرنج- تحركات مضادة من جانب دول أوراسية. وهو في
تحليله لطبيعة اللعبة الدولية يصطنع تقسيمين:
(1) اللاعب الاستراتيجي,
(2) نقطة الارتكاز الجيو-سياسي.
ويقصد باللاعب الاستراتيجي
الدولة التي لا تدور في فلك الولايات المتحدة, ولكن
لديها مشروعها السياسي والتي يتوافر لديها بعض أو كل
القدرة علي تنفيذه. والمثال البارز علي هذا اللاعب
الاستراتيجي: فرنسا وألمانيا مهندسا الاتحاد الأوروبي أو
المغامرة الأوروبية الكبري وفق تعبير بريزنسكي.
أما نقطة الارتكاز الجيو-سياسي
فهي دولة لا تتوافر لديها مقومات اللاعب الاستراتيجي من
حيث المشروع السياسي والمهارة اللازمة لتنفيذه, ولكنها مع
ذلك دولة مهمة إما بحكم موقعها الجغرافي أو بحكم
مواردها الطبيعية. ومفهوم الدولة الركيزة هو في غاية
الأهمية في الاستراتيجية العالمية; إذ إن بناء القوة
الإقليمية أو الدولية لا يتم عادة إلا من خلال قيام
لاعب استراتيجي بالتأثير علي عدة دول ركائز كما حدث
بالنسبة لبناء الاتحاد الأوروبي, وكما حدث بشكل جلي
بالنسبة للاتحاد السوفيتي.
وبالتالي فإن الولايات المتحدة إذا أرادت أن تعوق عملية
بناء قوة روسيا كلاعب استراتيجي مؤثر في سياسات الأوراسيا,
فإن علي الولايات المتحدة أن تعمل بكل قوة علي حرمان
روسيا من ثلاث دول ركائز هي: أوكرانيا, أوزبكستان,
أذربيجان.
فأوكرانيا تطل علي البحر
الأسود الذي يفضي إلي المضائق التركية, إضافة إلي أن
تعدادها السكاني كبير, إذ يتجاوز الخمسين مليون نسمة.
ومن ثم فإن النفوذ الأمريكي في أوكرانيا سوف يعيق
روسيا في محاولتها لنشر أساطيل للتأثير علي أوروبا
وآسيا.
أما أوزبكستان فهي دولة
بالغة الأهمية في آسيا الوسطي, فهي الأكبر من حيث
التعداد السكاني وهي بمثابة مركز الدائرة في آسيا الوسطي
ودولة غنية بإمكانياتها الهيدروليكية والزراعية. أما
أذربيجان فهي تطل علي بحر قزوين وهي دولة جوار لروسيا
التي تطل كذلك علي البحر الأسود, ومن ثم فإن الوجود
الأمريكي في أوكرانيا وأذربيجان هو في حقيقته وجود علي
البحر الأسود الذي يمثل منفذ روسيا إلي البحر الأبيض
المتوسط, وكذلك وجود علي بحر قزوين الذي هو مستودع
البترول في آسيا الوسطي. ولكن الوجود الأمريكي -وفق
تحليل بريزنسكي- لا ينبغي أن يسعي فقط إلي تطويق
البحرين الأسود وقزوين وإنما كذلك الوجود في العمق البري
لآسيا الوسطي وتحديدا في أوزبكستان, إذ إن ترك هذه
الدولة الحبيسة في عزلتها القارية سوف يعيدها بالضرورة
إلي الفلك الروسي مرة أخري. يتجه بعد ذلك بريزنسكي إلي
تحليل موقف الولايات المتحدة من توسيع الاتحاد الأوروبي
وتوسيع حلف الناتو, وهو في هذا الصدد يقول بالنص: 'إن
توسيع أوروبا وحلف الناتو هو مما يخدم أهداف السياسة
الأمريكية علي المدي القصير وعلي المدي الطويل. إذ إن
أوروبا أكثر اتساعا هو أمر يزيد من طائلة النفوذ
الأمريكي. فقبول أعضاء جدد من وسط أوروبا هو من جانب
سوف يزيد من عدد الدول المؤيدة لأمريكا داخل المجالس
الأوروبية, ومن جانب آخر سوف يحول دون بناء أوروبي
متماسك سياسيا بالقدر الذي يصبح فيه منافسا حقيقيا
للولايات المتحدة في بعض المناطق التي لدي الاتحاد
الأوروبي مصالح مهمة فيها كالشرق الأوسط', كذلك 'إنه لمن
الحيوي جدا للولايات المتحدة أن تتعاون بشكل وثيق مع
فرنسا وألمانيا بهدف التوصل إلي بناء أوروبي يتسم
بالحيوية السياسية ولكنه يظل مرتبطا بالولايات المتحدة.
فالولايات المتحدة تعتقد أنه بدون هاتين الدولتين لا
يوجد بناء أوروبي. وبدون بناء أوروبي فلن يمكن بناء
منظومة تعاون 'أوراسي-أطلنطي', لا شك أننا في مواجهة
أوروبا جديدة آخذة في البزوغ والتشكل. وإذا ما كنا
نريد أن تصبح أوروبا الجديدة تلك جزءا من الحيز الجيو-سياسي
الأورو-أطلنطي, فإنه لابد حتما من القبول بتوسيع حلف
الناتو. فبدون توسيع حلف الناتو سوف ينهار البناء
الأوروبي ذاته, لأن منطقة أوروبا الوسطي بأكملها سوف
تتفتت إلي كيانات صغيرة. كذلك إن عدم توسيع حلف الناتو
سوف يكون مدعاة إلي استيقاظ الطموح الجيو-سياسي الروسي
تجاه أوروبا الوسطي', 'وبذلك فإنه إذا كان علي الولايات
المتحدة أن تختار بين بديلين: الأول هو بناء نظام أوراسي-أطلنطي
من خلال آليتي توسيع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو
والثاني: الحفاظ علي علاقات طيبة مع روسيا, فإن الولايات
المتحدة عليها أن تختار البديل الأول'.
أما فيما يتعلق بتركيا,
فتتجه الاستراتيجية الأمريكية إلي تأييد انضمامها بقوة إلي
الاتحاد الأوروبي وذلك لأن تركيا يتوافر لديها نفوذ
إقليمي كبير في آسيا الوسطي, والولايات المتحدة بحاجة
إلي هذا النفوذ التركي. وفي هذا الصدد يقول بريزنسكي:
'إذا ما تبين لتركيا أنه قد تم استبعادها من البناء
الأوروبي الذي تسعي للانضمام إليه, فسوف تغضب, وسوف تؤيد
تصاعد تيار الإسلاميين في سياساتها الداخلية, وهو ما سوف
يعني رفض تركيا التعاون مع الغرب في منطقة آسيا
الوسطي. ومن ثم فإن علي الولايات المتحدة أن تستخدم
نفوذها في أوروبا لصالح انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
من جانب آخر, فإن مفاوضات متصلة مع أنقرة بشأن مستقبل
بحر قزوين وآسيا الوسطي سوف تخلق شعورا بالشراكة الاستراتيجية
التركية - الأمريكية, فالولايات المتحدة تؤيد بقوة الطموح
التركي الذي يسعي لبناء خط أنابيب بترولي يربط باكو في
أذربيجان بمدينة سيهان علي الساحل التركي علي البحر
الأبيض المتوسط, فعبر خط باكو-سيهان سيتم نقل الجانب
الأكبر من بترول بحر قزوين'.
كذلك يري بريزنسكي كقارئ
لخريطة الأوراسيا أن هدف الولايات المتحدة ينبغي أن يكون
دائما هو الحفاظ علي التعدديات الجيو-سياسية في الأوراسيا
بكل ما تعنيه من خصوصيات ثقافية وخطوط تماس عقائدي,
فالحفاظ علي هذه التعدديات الجيو-سياسية يمنع نشوء تحالف
كيانات معادية للولايات المتحدة. من جانب آخر, علي
الولايات المتحدة أن تبحث عن شركاء استراتيجيين يساعدونها
في بناء نظام أمني أوراسي-أطلنطي. وعلي المدي الطويل
أي ما يزيد علي عشرين عاما, فإن علي الولايات المتحدة
بأن تكون مستعدة لتقبل المشاركة المسئولية والقرار فيما
يتعلق بنظام أمني أوراسي-أطلنطي. وهو اعتراف ضمني من
مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق بأن الأوراسيا سوف
تشهد في خلال ربع القرن القادم نشوء الأقطاب الجدد
للنظام العالمي. وهو ما يفسر هذا الانتشار الأمريكي
الاستراتيجي الواسع النطاق من خلال عدد كبير من القواعد
العسكرية الجديدة في أوروبا وآسيا الوسطي رغم انهيار
الاتحاد السوفيتي! وما من تفسير لهذا الانتشار الأمريكي
الواسع في الأوراسيا إلا أنه الاستباق لما هو قادم ..
أي تطويق الأقطاب الجدد!.
إعادة هيكلة القواعد
العسكرية الأمريكية في أوروبا وآسيا :
في تقرير صادر من بكين
عن أ.ش.أ بتاريخ 2 مايو 2005, حذرت صحيفة 'إنترناشيونال
هيرالد' الصينية من أن وزارة الدفاع الأمريكية -البنتاجون-
أعدت تقريرا سريا للعرض علي الكونجرس الأمريكي بشأن
تعزيز النفوذ الأمريكي داخل منطقة سميت (ملتقي طرق) تقع
فيها الصين وروسيا وعدة دول أخري في أوروبا الشرقية
وآسيا الوسطي, إذ إن واشنطن تخطط لإقامة ثلاث قواعد
خاصة لاعتراض الصواريخ في أوروبا وذلك قبل نهاية العام
المقبل, وقد تم اختيار بريطانيا وبولندا ورومانيا كمواقع
مرشحة لبناء هذه القواعد مع الإبقاء علي خيارات أخري
في إيطاليا وجمهورية التشيك. وإلي جانب القواعد الجديدة,
تخطط واشنطن كذلك لنقل عدد من قواعدها السابقة في
أوروبا الغربية والجنوبية إلي أوروبا الشرقية, وقد حصلت
علي موافقات مبدئية من كل من بولندا وبلغاريا والمجر
والتشيك.
من جانب آخر, نجحت
الولايات المتحدة في إقامة 13 قاعدة في تسع دول في
آسيا الوسطي بما فيها أفغانستان, وذلك بهدف مواجهة
التهديد الصيني العسكري المتنامي, علي ضوء سلسلة من
الحقائق, منها انتهاء الصين من نشر 725 صاروخا باليستيا
قبالة سواحل جزيرة تايوان بما يضمن تفوقها العسكري حال
نشوب صراع عسكري محتمل في منطقة المضيق, وقيام الصين
كذلك بإنتاج الجيل الجديد من الغواصات المزودة بالرءوس
النووية مما يجعلها تمتلك قوة الهجوم المعاكس في الحرب
النووية, وتجاوز أهداف القوة العسكرية الصينية نطاق منع
استقلال تايوان إلي حماية المواقع المنتجة للبترول ومعابر
نقله بحرا وبرا.
وقد اعتبر الجانب
الأمريكي هذه التطورات أسبابا كامنة وكافية لنشوب صراع
عسكري بين بكين وواشنطن, الأمر الذي يتعين أخذه بعين
الاعتبار وإعداد الخطط الكافية لمواجهته.
ومن المعروف أن دونالد رامسفيلد
وزير الدفاع الأمريكي لا يكف عن التحذير من تنامي
القوة العسكرية الصينية إلي حد تأكيده أن الجيش الصيني
لم يعد مجرد قوة عسكرية متفوقة علي صعيد العالم
النامي, بل أصبح كذلك علي الصعيد العالمي!!
كما قام الاتحاد الأوروبي
مؤخرا برفع الحظر علي تصدير تكنولوجيا السلاح المتقدم
إلي الصين, وهو ما يعني أن أنظمة التسليح في الصين
سوف تشهد خلال السنوات القادمة نقلة نوعية كبري تقلل
من الفجوة التكنولوجية بين القوة العسكرية الصينية والقوة
العسكرية الأمريكية.
يتزامن مع هذا التطور بدء بريطانيا وفرنسا وألمانيا في
إنتاج طائرة نقل عسكرية ضخمة مما يتيح للقوات الأوروبية
التدخل بشكل حاسم في مناطق الصراع الدولي.
وكلا التطورين يؤكد أن
هناك نظاما عالميا جديدا آخذا بالفعل في التشكل دون أي
حروب كبري وإنما بفعل التطور التكنولوجي والتراكم
الرأسمالي اللذين يغيران بعمق وبهدوء موازين القوي
القائمة.
|