|
أدت تداعيات اغتيال الرئيس الحريري إلي تزايد حالة الاحتقان
الداخلي في لبنان، وتزايد حدة الضغوط الخارجية علي سوريا لإنهاء وجودها
العسكري في لبنان، كما تصاعدت مظاهرات الشارع اللبناني بين متضامن مع الدور
السوري ورافض له، وبدت البلاد وكأنها علي حافة تصعيد جديد
يشبه في مظهره الخارجي الذي سبق اندلاع الحرب الأهلية عام
5791.
والواقع أن ردود الفعل الغاضبة التي صاحبت عملية اغتيال
الرئيس الحريري بدت مشروعة، خاصة أنها امتدت لتشمل معظم ألوان الطيف
السياسي والمذهبي في لبنان، وحملت فيها السلطتين اللبنانية والسورية
مسئولية ما حدث باعتبارهما المسئولتين عن الأمن في البلاد.
والواقع أن الأخطاء الكثيرة التي وقع فيها النظام السوري
جعلت القطاع الأكبر من اللبنانيين يرفض هذا الوجود العسكري، دون أن يرفض
وجود علاقة متميزة ومستقرة مع سوريا، خاصة أن بقاء القوات السورية في لبنان
قد ضرب بعرض الحائط اتفاق الطائف الذي نص علي ضرورة أن تنسحب القوات
السورية عام 1991، ولكنها بقيت حتي 2005، أي بعد الانسحاب الإسرائيلي بما
يقرب من 5 سنوات وبدا تدخلها في تفاصيل الشأن اللبناني مسار انتقاد قطاع
كبير من اللبنانيين، والذي امتد ليشمل فرض التمديد للرئيس لحود عن طريق
تعديل الدستور اللبناني بضغوط سورية كبيرة .
وصار التأكيد علي ضرورة تصحيح هذه العلاقة محل توافق من
الغالبية العظمي من الشعب اللبناني، أما المسكوت عنه لدي البعض فقد عكس
رغبة غير معلنة لقلب هذه العلاقة وتغيير بوصلة لبنان من دمشق إلي تل أبيب.
والواقع أن مسار الأزمة اللبنانية يمثل صورة نقية للتدهور
الذي أصاب الوضع الرسمي العربي، وأيضا دور التدخلات الخارجية في رسم مستقبل
المنطقة، حيث مثل الواقع الديمقراطي -ولو غير المكتمل- أحد الأسباب
الرئيسية التي جعلت المشهد اللبناني مليئا بتلك الحيوية والقدرة
علي التأثير في الأحداث رغم سلبيات النظام في الداخل وضغوط
الخارج علي السواء.
وإذا كان من المؤكد أن هناك تفاوتا في مواقف اللبنانيين
الداخلية تجاه سوريا والعالم العربي، فإن من المؤكد أن المسار الذي اتخذته
العلاقات اللبنانية - السورية منذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989، يعكس حجم
الخلل في طبيعة العلاقات العربية - العربية ويعكس أزمة أعمق تتعلق بعجز
العالم العربي عن تحويل الثوابت التاريخية والثقافية وواقع الجغرافيا
والجوار إلي طاقة تترجم سياسيا بشكل صحي في علاقات اقتصادية متكافئة وتفاعل
سياسي قائم علي المصلحة المشتركة، وعدم هيمنة طرف علي آخر، وفي احترام
خصوصية كل بلد دون تعال أو استهانة.
والحقيقة أن ثوابت التاريخ والجغرافيا في علاقة سوريا
بلبنان تمثل حالة نموذجية في العالم العربي يفترض أن تكون نقطة انطلاق
ملائمة لبناء وضع سياسي واقتصادي صحي يضمن أفضل علاقات ممكنة بين الشعبين،
خاصة في ظل التربص الإسرائيلي تجاه البلدين.
|