|
أطلق توقيع اتفاق ماشاكوس الإطاري في 20 يوليو 2002 موجة
هائلة من الأفعال وردود الأفعال داخل السودان، وكذلك في المحيطين الإقليمي
والدولي، خاصة مصر. وبات واضحا للجميع أن السودان منذ تلك اللحظة لم يعد هو
ذلك السودان الذي عهدناه طوال الأعوام الخمسين الماضية، بل سيكون هناك
سودان جديد مازالت ملامحه وقسماته في إطار التشكيل والتكوين، ولم تطل علينا
من رحم الغيب بعد.
وبدا أن مصر، التي انشغلت علي الدوام بحدودها الشمالية
وبقضية الصراع العربي - الإسرائيلي ولَّت وجهها شطر المشرق العربي، قد
بوغتت بأن هناك تغيرات هيكلية بدأت تفصح عن نفسها في جنوب الوادي، وسوف
تؤثر هيكليا علي أمنها القومي بالمعني الواسع للكلمة فأهمية السودان
بالنسبة لمصر لا يمكن اختزالها في قضية المياه، بل هو جزء من القلب والجسد،
وإذا حدث وتحول السودان إلي منطقة اضطرابات وعدم استقرار، فإن هذا سيعني بلا
شك تقوقع مصر وحصارها داخل حدودها الجغرافية وانكماش دورها الإقليمي
وفقدانها، ربما، للفرصة الأساسية التي مازالت متاحة أمامها لإعادة صياغة
نظرتها إلي نفسها وإلي دورها في هذه المنطقة.
إن الانفصال لو حدث في جنوب السودان فلن يتوقف عند حدود
الجنوب بل سيتعداه إلي تفكيك الشمال نفسه إلي دويلات وكانتونات متصارعة
فقيرة الموارد ومنحبسة في أزماتها الداخلية، وهذا السيناريو يمثل خطرا
حقيقيا ماثلا، وربما تمثل أزمة دارفور التي مازالت مشتعلة حتى الآن
المثال علي ذلك، كما يمكننا تلمس وطأة هذا الخطر في الخطاب
السياسي الذي عبر عنه الفريق عمر البشير، حيث أكد -من خلال الأزمات
المتلاحقة في المفاوضات الجارية بكينيا- أن وحدة الشمال خط أحمر لا يمكن
تجاوزه. لقد تراجع الدفاع عن وحدة السودان إلي الدفاع عن وحدة شمال
السودان، فما هي الخطوة المقبلة؟
إن تحول السودان إلي التفكك سيؤدي إلي تحول منطقة القرن
الإفريقي إلي منطقة اضطرابات وسيؤثر سلبا علي أمن البحر الأحمر وقناة
السويس، كما سيؤثر أيضا بشكل سلبي علي الأمن المباشر لمصر علي حدودها
الجنوبية، وسوف ينقل قضية حاجة مصر إلي المياه إلي مرحلة جديدة تحتاج إلي
استراتيجيات مختلفة للتكيف مع الأوضاع المستجدة.
لقد تعرض الدور العربي لمصر الذي صاغه الرئيس عبد الناصر،
وكذلك مكانتها الإقليمية، لنكسات عديدة أصبحت معالمها واضحة للعيان،
ولايتسع المجال هنا لنقاشها، وربما جاءت عملية تسوية الأزمة السودانية التي
أطلقها بروتوكول ماشاكوس، والتي حملت معها شبح الانفصال بشكل مجسد يمكن
لمسه باليد، بمثابة جرس انذار هائل بأهمية وضرورة الالتفات إلي مشروع مصر
القديم المتعلق بوحدة وادي النيل، ومحاولة احيائه وظيفيا، واعطائه من الجهد
والاهتمام والرعاية ما يستحقه بوصفه مشروع المستقبل. |