|
شهد شهر يناير الماضي احتفالات في أوروبا بذكري مرور ستين
عاما علي تحرير القوات السوفيتية لمعسكر الاعتقال النازي المعروف باسم "أوشفيتس".
ومن جانبها عقدت الأمم المتحدة جلسة خاصة - لأول مرة- لإحياء هذه الذكري.
ومعسكر "أوشفيتس" يقع جنوب مدينة كراكاو الواقعة جنوب غرب
بولندا، وكان من أكبر معسكرات الاعتقال التي أقامتها قوات الجيش النازي
إبان الحرب العالمية الثانية، وتذكر التقديرات الدولية أن نحو مليون ونصف
مليون إنسان قد لقوا حتفهم في هذا المعسكر قبل أن تحرره القوات السوفيتية
في نهاية الحرب العالمية الثانية وتحديدا في 27 يناير 1945 . ويذكر أيضا أن
ضحايا المعسكر ينتمون إلي أعراق وأديان وجنسيات مختلفة، فحسب السجلات
المتوافرة لدي الجهات المختصة كان من ضحايا المعسكر يهود وغجر وبولنديون
وغيرهم يتبعون نحو عشرين جنسية.
وقد جري الاحتفال بالذكري في ألمانيا، حيث اقيم احتفال في
برلين في 25 يناير الماضي حضره المستشار الألماني جيرهارد شرودر الذي ألقي
كلمة أعرب فيها عن عمق الإحساس بالخجل من الماضي الألماني النازي. كما عقدت
الأمم التحدة جلسة خاصة لإحياء الذكري ألقي فيها وزير الخارجية الألماني
يوشكا فيشر كلمة وصف فيها الإبادة الجماعية لليهود في المعسكر بأنها أكثر
اللحظات سوادا في التاريخ الألماني علي الإطلاق. وقال " نحن اليوم أمام
ضحايا الحكم النازي الإرهابي، ونحن إذ نحيي ذكراهم هذا اليوم، فاننا نشعر
بعظيم الأسي". وأضاف فيشر " أن حق إسرائيل في الوجود وأمن مواطنيها سيظل
إلي الأبد موقفا ثابتا للسياسة الألمانية". أما أمين عام الأمم المتحدة
كوفي أنان فقال " إن العالم فشل منذ كارثة أوشفيتس فشلا ذريعا في منع
الكثير من عمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبت في بقاع أخري من العالم مثل
كمبوديا ورواندا ويوجوسلافيا السابقة". وأضاف " إن مأساة الشعب اليهودي هي
مأساة فريدة من نوعها ". وجري أيضا احتفال في بولندا شارك فيه نحو 40 من
قادة دول العالم.
والحقيقة أن جرائم النازي بحق الإنسانية جمعاء جرائم ثابتة،
ولا يمكن الجدال حولها، مثلما لا يجوز- من منطلق قانوني وسياسي و إنساني
وأيضا أخلاقي- التشكيك في أية رواية من الروايات التي تتحدث عن الجرائم
التي ارتكبت إبان الحرب العالمية الثانية علي أي يد جيش من جيوش الدول
المتحاربة، وتحديدا من دول المحور التي جمعت ألمانيا النازية مع إيطاليا
الفاشية إضافة إلي اليابان، فمعظم هذه الجرائم موثقة من قبل أطراف مختلفة
هي بالأساس الأطراف التي وقعت علي أراضيها الجرائم، أو ارتكبت من قبل
قواتها، أو من قبل الجماعات والدول والأعراق التي ينتمي إليها الضحايا.
ولكن القضية الجوهرية التي ينبغي التركيز عليها هنا هي غاية
وأهداف الاحتفال بالذكري، هل الغاية تكون تذكير العالم بالجرائم التي وقعت،
ومن ثم استخلاص الدروس والعبر من ناحية، والعمل علي تطوير البني القانونية
والأجهزة السياسية الدولية من أجل منع تكرار ما جري وتحصين البشر في مواجهة
عمليات الإبادة والتطهير العرقي ؟ أم أن الغاية الوقوف عند حدود ما جري
وتأميم ما جري لمصلحة طرف واحد من أطراف المأساة، ومن ثم يتم احتكار الذكري
والألم من جانبه، وبعد ذلك استخدام ما جري من أجل تبرير ارتكاب جرائم بحق
شعوب أخري أو سلبها حقوقها الجوهرية؟ |