|
في مقدمة
الموضوعات التي تثار اليوم حول قضية 'الاصلاح' في العالم
العربي والشرق الأوسط, تبرز قضية: هل يكون الاصلاح
مدفوعا اليه ومبادرا به من الخارج أم من الداخل؟ وقد
تضخمت هذه القضية, وزاد الحديث عنها الي درجة أنها
ربما أخذت قدرا من الاهتمام والجدال يزيد عما يأخذه
معني ومضمون الاصلاح ذاته ! وليس ذلك أمرا غريبا, فواقع
الأمر أن كافة القضايا الكبري التي شغلت مجتمعاتنا
العربية, علي الاقل منذ بدء عصر النهضة الحديثة , كان
السجال فيها بين ماهو آت أو مفروض من الخارج , وبين ماهو
نابع من داخل بلادنا ومجتمعاتنا, سمة ملازمة لها. يصدق
هذا علي قضايا 'التحديث' و'الوطنية' و'القومية' منذ
الانسلاخ عن الدولة العثمانية, والوقوع في براثن الاحتلال
الاوروبي , وحتي قضايا 'التحرر الوطني' 'والحياد' 'والتنمية'
في غمار الاستقلال عن الاستعمار الاوروبي منذ مايزيد علي
نصف القرن, وهو ما ينطبق الآن علي بلادنا ومجتمعاتنا
في مواجهة قضايا 'العولمة' و'الخصخصة' و'الاصلاح' في
غمار تجاوز اخطاء نظم ما بعد الاستقلال وتحت هيمنة
القطب العالمي الأوحد !
من
المنطقي اذن, واتساقا مع تاريخنا المعاصر كله, أن يكون
هناك تأثير لاشك فيه 'للخارج' علي قضية الاصلاح, ولكن
المهم بعد ذلك- ثانيا- أن نعي- ويعي الآخرون- حدود هذا
الدور, ثم يبقي الأهم - ثالثا - أن ندرك نحن ماينبغي
علينا عمله !
من ناحية
أولي, فان التأثير المعاصر 'للخارج' علي قضايا التغيير
والاصلاح 'داخل' بلدان العالم العربي والشرق الأوسط لم
يعد يرتبط فقط بالأسباب التاريخية - الجغرافية القد يمة,
وانما اضيفت إليها أسباب حديثة وجوهرية! فوقوع المنطقة
في قلب العالم القديم, والذي جعلها دائما هدفا
للامبراطوريات الكبري في التاريخ, وممرا لجيوشها , زاد
عليه - في فترة ما بين الحربين ثم ما بعد الحرب
الثانية - اكتشاف النفط تحت أرضها, ووجود الدويلة اليهودية
الجديدة في قلبها, ووقوع العملاق الشيوعي القديم - الاتحاد
السوفيتي - قرب حدودها الشرقية! غير أنه عندما سقط هذا
الأخير - قبل نهاية القرن العشرين بعقد واحد - اعتبرت
الولايات المتحدة (القطب الأوحد الباقي) أن الخطر الاكبر
ضدها, الذي خلف الخطر الشيوعي السوفيتي, انما يأتي من
داخل هذه المنطقة, أي الارهاب, وارهاب التطرف الاسلامي
تحديدا !
وبعبارة
أخري , فان التأثير 'الخارجي' علي قضايا هذه المنطقة -
ونحن في مركزها - لم يخفت , ولكنه يتزايد الآن بقوة
بعد أن اصبحت واقعة , بلا أدني لبس أو غموض, في قلب
السياسة العالمية! ولم يعد سرا ان الاستراتيجية الامريكية,
في مواجهة التهديد الذي كشفته أحداث 11 سبتمبر عام 2001,
انما قامت علي الانتقال من القضاء علي طالبان واعادة
بناء النظام في افغانستان, إلي القضاء علي نظام صدام
حسين, وصياغة عراق جديد , ثم الالتفات الي قضايا
'الاصلاح' و'الديمقراطية' في الشرق الأوسط - أو الشرق
الأوسط الكبير - ببلدانه المختلفة ! وهو مايجري في هذه
اللحظة !
فاذا كانت
الحقيقة الأولي هنا هي ان هذا التأثير 'الخارجي' القوي
هو إحدي السمات التاريخية والسياسية اللصيقة بهذه المنطقة,
قديما وحديثا, فان الحقيقة الثانية هي أن ذلك التأثير
لم يكن أبدا ذا بعد واحد مبسط: سلبا أو ايجابا ,
وانما كان دائما خليطا بينهما , سواء في جوانبه الثقافية
أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية! وعلي المستوي
السياسي - تحديدا - فمثلما تجسد ذلك البعد في التدخل
والنهب الاستعماري , ومناصرة قوي استبدادية ورجعية ومحافظة,
فان هذا الخارج أيضا كان مصدر تأثير علي حركات
المعارضة اليسارية والقومية والاسلامية. فلا يمكن - في
سياق القرن الاخير - الفصل بين ظهور التيارات الليبرالية
في بلادنا وازدهار الديمقراطيات الغربية منذ ما بعد
الحرب العالمية الأولي, أو بين ظهور التيارات والحركات
اليسارية وقيام الاتحاد السوفيتي, أو بين ظهور الحركات
الاسلامية - وفي مقدمتها الاخوان المسلمون - وسقوط الخلافة
في تركيا, أو بين دعم الحركات الانقلابية والثورية بعد
الحرب الثانية والتوجه الامريكي لمحاربة الشيوعية, أو بين
الميل التحرري - الاشتراكي لتلك الحركات في الخمسينيات
وازدهار حركة التحرر الوطني والمعسكر الاشتراكي في
الخمسينيات .. الخ .
في هذا
السياق السياسي - التاريخي العام, لا يمكن الفصل بين
التوجه 'الاصلاحي' الآن في العالم العربي والشرق الأوسط,
وبين الضغط العالمي- بقيادة الولايات المتحدة - تجاه ذلك
الاصلاح, في إطار النظام الدولي الراهن, والذي تسيطر
عليه فكرة المواجهة مع قوي الارهاب والتطرف . والمفارقة
اللافتة هنا تكمن في ذلك التزامن بين الضغوط الخارجية -
والامريكية أساسا - للاصلاح, وبين الضغوط الداخلية في كل
مجتمع تجاه ذلك الاصلاح, والتي تخلق الآن لحظة فريدة
مواتية له . فالضغوط الامريكية للاصلاح 'الديمقراطي' لم
تجئ نتاج احساس 'برسالة' أمريكية لنشر الديمقراطية , وإنما
جاءت نتاجا لتقدير أن قوي 'التطرف الاسلامي' التي سبق
أن استخدمتها الولايات المتحدة في افغانستان , والتي
انقلبت عليها فسددت ضربة 11 سبتمبر إليها في نيويورك
وواشنطن - انما ظهرت نتيجة للاستبداد السياسي, والتخلف
الاقتصادي, والانغلاق الثقافي الذي عانت منه أغلب
المجتمعات العربية والاسلامية , وأن تجفيف منابع تلك القوي
إنما يستلزم اشاعة الديمقراطية والقيم الليبرالية في تلك
المجتمعات. من ناحية أخري , وعلي صعيد تلك المجتمعات
نفسها , فان مرور مايقرب علي نصف القرن في اغلب
المجتمعات العربية والاسلامية - سواء علي فشل تجارب الحكم
'الوطني' و'التقدمي' الذي خلف الحقبة الاستعمارية, أو
علي تعثر الحكم 'التقليدي' و'المحافظ' الذي حظي بالحماية
والدعم الامريكي - خلف اقتناعا متزايدا لدي قواها الوطنية
ونخبتها المثقفة بأن البديل الوحيد أمامها هو التوجه نحو
مزيد من الانفتاح السياسي والاجتماعي والثقافي, أو -
بعبارة أخري - نحو تحقيق الديمقراطية , واحترام حقوق
الانسان. لذلك, ليس من قبيل البالغة القول إن التوجه
نحو 'الاصلاح' في البلاد العربية , والاصلاح السياسي علي
وجه خاص, انما يأتي في واقع الامر نتيجة ضغوط داخلية
وخارجية معا .
ولكن ما
هو اكثر أهمية من ذلك وما ينبغي التشديد عليه أن
الأولوية في تحقيق ذلك الاصلاح لا يمكن أن تكون إلا
للقوي والضغوط الداخلية . ولا يمكن تصور أن يفلح ضغط
خارجي - أيا كانت قوته - في إحداث تحول سياسي - ديمقراطي
حقيقي, مالم تكن هناك قوي داخلية نشيطة وفعالة قادرة
علي المبادرة بالتغيير. واذا كانت الخبرة التاريخية
للغالبية العظمي من حركات التحرر الوطني (ضد الاستعمار
الاجنبي) أو حركات الثورة والتغيير الداخلي (ضد قوي
الاستبداد المحلي) قد استندت - بشكل أو بآخر - إلي الدعم
الخارجي بأشكاله المختلفة, فإن تلك الخبرة نفسها تقطع
بأن الأثر الحاسم يظل في النهاية للعناصر الداخلية, وانه
لاتوجد قوي خارجية - أيا كان وزنها وتأثيرها - تغني عن
وجود ذلك العنصر الداخلي.
غير أن
الضغط الامريكي الراهن لتحقيق 'الاصلاح الديمقراطي' -والذي
يتسم بدرجة عالية من 'الاستعجال', الذي يغذيه قدر عال
من الثقة بالنفس أو حتي 'الغرور' - يبدو انه يدفع
'لاصطناع' قوي داخلية قادرة علي تنفيذ الاهداف المطلوبة.
وربما يلفت النظر هنا تعليقان نشرا- مؤخرا - للمعلق
الامريكي الاشهر 'توماس فريدمان' (في 'نيويورك تايمز' يومي
21 فبراير , و10 مارس 2005) يأسف فيهما لغياب قيادات جديدة
في العالم العربي مثل فاسلاف هافيل (التشيكي) أو ليخ
فاولسا (البولندي), قادرة علي قيادة التحرك الجماهيري في
الشارع العربي. .
ولاشك ان
الخبرة الامريكية - خاصة في أمريكا اللاتينية - يمكن أن
تغري, ليس فقط بتصنيع 'قيادات', وإنما ايضا بتصنيع
'جماهير' من خلال صرف أموال طائلة, وتدخلات خفية للتأثير
علي المجتمعات المقصودة.
ولسنا هنا
في حاجة للقول: إن مثل هذا النهج , خاصة في ظروف
المجتمعات العربية, يمكن أن تكون له آثار كارثية علي
قضية الاصلاح الديمقراطي. ففي حين أن الدعم والتشجيع
المعنوي, والعلني , من الولايات المتحدة والعالم الخارجي
عموما لقضية التغيير الديمقراطي يمثل عنصرا ايجابيا ,
وعاملا مساعدا ومحفزا لهذا التغيير, فان التدخل 'الثقيل'
ومحاولات اصطناع القيادات والتحركات الشعبية يمكن أن تنسف
ذلك الأثر الايجابي وتسممه !
في ضوء
ذلك , يصبح من الضروري علي قوي وحركات الاصلاح في
العالم العربي ألا تضيع وقتها وتبدد جهدها في مقارنات
عقيمة بين أن ينبع الاصلاح من الداخل أو من الخارج ,
أو في أن تستنزف جهودها لمقاومة 'التدخل' الخارجي علي
حساب جهدها المطلوب داخليا, أو أن تتحدث وتتناقش وتتجادل
حول مفاهيم وموضوعات الاصلاح أكثر مما تركز علي تحقيق الاصلاح
فعليا باجراءاته وسياساته وتشريعاته. عليها - بالدرجة الأولي
, وبدون أي لبس أو خلط - أن تحدد أولوياتها للاصلاح,
وان تحشد كل قواها لتنفيذه, وتذليل مايقف امامها من
عقبات , وكشف القوي المعارضة للاصلاح أو المعوقة له .
عليها -
بعبارة واحدة - ان تتقدم علي طريق الانجاز الفعلي للاصلاح,
وان تغتنم كافة الفرص التي تتاح أمامها لتحقيقه .
إن الانجاز الفعلي والملموس هو الهدف الاساسي
المطلوب الوصول إليه, وهو فقط ما سوف يلبي نداءات واشواق
الاصلاح لدي القوي الوطنية والشعبية بمختلف فئاتها . وهذا
الانجاز أيضا سوف يتدعم ويستفيد من التشجيع 'الخارجي' له
, إلا أنه ايضا - وفقط - ماسوف يوقف هذا التشجيع عند
حدوده المفترضة, ويمنع تحوله الي أداة للتدخل المريب
والمرفوض ! |