حظيت خطة رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل
شارون للانسحاب من غزة باهتمام العالم. وبرغم ان
هذا الحدث يستحق كل هذه العناية الدولية فيجب
ألا ننسي ان للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي عدة
جوانب في غاية الأهمية, لعل من أهمها مشكلة
القدس وبناء الجدار العازل, لكن جاء قرار انسحاب اسرائيل
من غزة ليسرق الأضواء من هذه القضية المحورية.
من هذا المنطلق, جاءت أهمية التقرير
الصادر عن منظمة
International Crisis Group
(*) تحت عنوان
The
Jerusalem Powder Keg
أو 'برميل بارود القدس' مما يوحي بأن قضية القدس
قضية ساخنة قد تنتهي بالانفجار. فـطبقا للتقرير
الصادر في 2 أغسطس 2005, فإن السياسة الحالية لاسرائيل
تجاه القدس قد تؤدي إلي انهيار عملية السلام
ومبدأ قيام دولتين مستقلتين, حيث تتبني الدولة الاسرائيلية
العديد من السياسات التي تهدف إلي توسيع مساحة
القدس الواقعة تحت سيطرتها علي حساب الفلسطينيين.
وتشمل هذه السياسات بناء الجدار العازل
الذي يهدف إلي فصل الاراضي المحتلة في الضفة
الغربية عن اسرائيل وتكمن المشكلة في ان مسار
الجدار لا يلتزم بشكل اساسي بمسار الخط الأخضر,
حيث ينحني وينحرف في الكثير من المناطق, حتي يضم
مستوطنات اسرائيلية واراضي فلسطينية. وستكون النتيجة
الاستيلاء علي ما يزيد علي 4% من الضفة الغربية
واحتواء عدد كبير من الفلسطينيين من خارج بلدية
القدس وفي نفس الوقت استبعاد ما يزيد علي 50 ألف
فلسطيني وفصلهم من اراضيهم الزراعية.
وتقوم اسرائيل أيضا بتطبيق عدة خطط
لتوسيع المدينة فهناك خطة لبناء حزام مدني يهودي
حول القدس. بالإضافة إلي ذلك, تقوم اسرائيل بتوسيع
مستوطنة معاليه أدوميم الواقعة علي اراضي الضفة
الغربية المحتلة من خلال بناء الاف الوحدات
السكنية في المنطقة الفاصلة بين هذه المستوطنة
والقدس الشرقية. وسيتم هذا من خلال خطة اطلق
عليها اسم 'إي 1' التي ستخلق تواصلا جغرافيا بين
المنطقتين.
ويشير التقرير إلي أن تطبيق هاتين
الخطتين سيؤدي إلي اجتياح الأراضي الفلسطينية ومنع
تواصل الدولة الفلسطينية القائمة علي اراضي الضفة
الغربية. ويشير التقرير إلي أن النتيجة ستكون فصل
القدس الشرقية عن الضفة الغربية, وبالتالي تهدد
هاتان الخطتان امكانية قيام دولة فلسطينية تكون
عاصمتها القدس الشرقية.
ويؤكد التقرير ان هذا السلوك تجاه
القدس له اضرار عديدة ستؤثر علي القضايا الآتية:
1- مصداقية الرئيس الفلسطيني محمود
عباس, حيث يوضح التقرير انه من خلال العديد من
المقابلات التي قامت بها المنظمة مع سياسيين
وناشطين فلسطينيين, كانت هناك عبارة متكررة, هي ان
التطورات في القدس تبطل أي اثار ايجابية من
عملية الانسحاب من غزة, وتصعب التعاون مع
الاسرائيليين فضلا عن انها ستؤدي إلي تآكل سلطة
محمود عباس خاصة ان الجماعات المعارضة لوقف اطلاق
النار ستجد في سياسة اسرائيل حجة فعالة.
2- الكيان الفلسطيني, الذي سيتأثر نتيجة
الخطط الاسرائيلية لتوسيع وزيادة المستوطنات اليهودية
بالقدس وحولها, اذ سيؤدي هذا إلي انقاص الفرص
الاقتصادية للفلسطينيين وتقليص النموالفلسطيني, مؤديا
إلي اكتظاظ سكاني في بلداتهم.
3- عملية السلام, التي سيزداد تعقيدها
بسبب منع تأسيس القدس الشرقية عاصمة للدولة
الفلسطينية ومنع تواصل امتداد الدولة الفلسطينية
القائمة علي أراضي الضفة الغربية.
4- إسرائيل, طبقا للتقرير, تشكل هذه
السياسة تناقضا في المصالح الاسرائيلية, وهي أولا
الرغبة في قدس آمنة وهذا عن طريق توسيع المحور
الشرقي وضم كم اكبر من الأراضي. أما المصلحة
الثانية فهي تكوين مدينة يهودية مضادة للنموالسكاني
الفلسطيني. ويكمن التناقض في ان الاراضي التي
تضمها اسرائيل بها مئات الالاف من الفلسطينيين.
ويري الفلسطينيون هذا الموقف غريبا حيث ترفض
اسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينيين بحجة حماية
التعداد السكاني اليهودي ولكن في نفس الوقت تضم
حوالي 150 ألف فلسطيني لاراضيها.
لهذه الأسباب الأربعة, تري منظمة
International Crisis Group
ان قضية القدس اصبحت كالبارود الذي اوشك علي
الانفجار. ومن هذا المنطلق تطرح في تقريرها توصيات
لمنع تدهور القضية, حيث طالب التقرير الحكومة
الاسرائيلية بالالتزام بخريطة الطريق التي تشترط وقف
بناء المستوطنات واخذ الاجراءات التشريعية والادارية
اللازمة لتحقيق هذا الهدف.
كما أوصي التقرير بضرورة وقف بناء اي
مستوطنات يهودية جديدة في القدس الشرقية, وإنهاء
عمليات توسيع مستوطنة معاليه أدوميم, ووقف اتجاه
الحكومة الاسرائيلية في التجريد من الملكية وشراء
ممتلكات في القدس خاصة في المدينة القديمة.
وحث التقرير الحكومة الاسرائيلية علي أن
تضع في الاعتبار ان المسارالحالي للجدار العازل
في الاراضي المحتلة يمثل انتهاكا للقوانين الدولية
وطالبها باحترام حدود 1967 وعدم ضم اراض واسعة تضم
اعدادا هائلة من الفلسطينيين. وفي حالة فعل هذا,
علي الحكومة الاسرائيلية ان تضمن ان يكون الجدار
العازل حول المناطق التي يسكن فيها الفلسطينيون
مؤقتا وان تؤكد بطريقة واضحة ان هذا الجدار لا
يمثل خطا سياسيا وان مساره لا يضر الترتيب
النهائي المخطط للمدينة.
واكدت توصيات التقرير ان علي الحكومة
الاسرائيلية وقف بناء الجدار العازل في المناطق
حول مستوطنة معاليه أدوميم وتحسين مستوي المعيشة
للفلسطينيين المقيمين في القدس, مؤكدة ان هذا متسق
مع الهدف الاسرائيلي في الحد من التهديدات
الامنية, ويطبق هذا عن طريق تسهيل مرور الاشخاص
والسلع عبر الجدار العازل والحد من تقييد الحركة
من وإلي الضفة الغربية.
وأخيرا, أوصي التقرير الحكومة الاسرائيلية
بالالتزام بخريطة الطريق والسماح للفلسطينيين بأن
يقيموا مؤسسات في القدس الشرقية.
ولم ينف التقرير الدور المحوري الذي
يمكن ان تلعبه المجموعة الرباعية (الولايات المتحدة
والجمهورية الروسية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة)
في التخفيف من حدة هذه القضية, فأوصاهم بما
يلي:
- الإصرار والضغط علي اسرائيل لوقف
بناء مستوطنات جديدة في القدس الشرقية
- التأكيد علنا وصراحة علي ان جميع
عمليات البناء بما فيها بناء الوحدات السكنية في
منطقة الـ 'إي 1' وتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم
تنافي الالتزامات المنصوص عليها في خريطة الطريق
والتعهدات الأخري لأمريكا
- علي المجموعة الرباعية, بما فيها
الولايات المتحدة الأمريكية, أن تضغط علي اسرائيل لوضغ
الجدار العازل حول خطوط 1967 حتي تطوق اكثر عدد
ممكن من الاسرائيليين بدلا من ان تضم مساحات
واسعة من الاراضي التي يسكنها الفلسطينيون.
- وأخيرا, عليها ان توضح
لإسرائيل أنها لن تسمح بالتغييرات الناشئة عن
الجدار العازل وبناء المستوطنات اليهودية الجديدة
بالتأثير علي نتائج المفاوضات المتعلقة بوضع مدينة
القدس, وانه اذا لزم الأمر فإن المجتمع الدولي
سوف يصر علي ان تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة
الفلسطينية عندما تبدأ الاطراف
المعنية في المفاوضات الخاصة بإقامة الدولتين.