|
في
يوم رأي فيه اليابانيون الجحيم بعينه ،
قصفت الولايات المتحدة مدينة هيروشيما
نوويا في السادس من اغسطس من عام 1945،
أعقبته بهجوم مماثل علي مدينة نجازاكي في
التاسع من الشهر نفسه ، ولعلها من مفارقة
القدر أن تمر اليوم الذكري الستون لإطلاق
أول قنبلة ذرية انشطارية في الوقت الذي
تثير فيه واشنطن جدلا مفتعلا حول الملف
النووي لايران وكوريا الشمالية، وهي
صاحبة أول ضربة نووية مدمرة في التاريخ
البشري، استسلمت بعدها اليابان صاغرة
للقوات الامريكية في الخامس عشر من اغسطس
من العام نفسه لتضع الحرب العالمية
الثانية أوزارها.
وبينما
كانت التصريحات الدبلوماسية تتوالي بين
طهران وواشنطن وعواصم الترويكا
الاوروبية الوسيطة، فضلا عن فيينا حيث
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية ،
أحيا سكان هيروشيما ونجازاكي ذكري
الدمار الشامل الذي لحق بهما من جراء
الهجمتين، حيث وقف الاهالي دقيقة صمت
حدادا علي الضحايا، وتكريما لارواحهم ،
فالولايات المتحدة الامريكية التي "أنقذت"
العالم من خطر النازية و"انتشلت"
الاقتصاد الاوروبي من الانهيار بعد ذلك
بمشروع مارشال، هي نفسها البلد الاول -
والوحيد- في العالم الذي استخدم سلاحا
نوويا فتاكا ، مرسخة بذلك سياستها في
انتهاج "دبلوماسية المدفع".
الاهالي
الذين احتشدوا في منتزه السلام التذكاري
علي بعد بضع مئات من الأمتار من مركز
الانفجار في نجازاكي ، وكان بينهم مئات
المسنين الناجين، استغلوا تلك المناسبة
لمطالبة المجتمع الدولي بفرض حظر عالمي
علي الاسلحة النووية، ووجه عمدة المدينة
كلمة شديدة اللهجة لزعماء القوي النووية
- لاسيما الولايات المتحدة - قال فيها "نحن
نتفهم غضبكم وقلقكم بشأن أهوال الهجمات
الارهابية في الحادي عشر من سبتمبر ،
ولكن تري هل ازداد امنكم بفضل سياسات
حكومتكم المتمثلة في الاحتفاظ بعشرة
آلاف من الأسلحة النووية ?"، كما دعا
رئيس البلدية الي ادانة السياسة النووية
الأمريكية، وتشجيع نزع الأسلحة ، منتقدا
مواصلتها بناء ترسانتها النووية واجراء
تجاربها الذرية .
أما
رئيس الوزراء الياباني جونيتشيرو
كويزومي الذي حضر مراسم الاحتفال بذكري
الهجوم، الذي أودي بحياة 115 ألف شخص علي
الأقل بخطة قلم من الرئيس الامريكي
الديمقراطي هاري ترومان، فقد تعهد
بمواصلة السعي في جميع انحاء العالم من
أجل نزع الاسلحة النووية علي الصعيد
الدولي ، وقدم كويزومي التعازي الي
الضحايا في نجازاكي ووعد باحترام "المبادئ
الثلاثة غير النووية" التي تعهدت بها
اليابان في ديسمبر عام 1967 بعدم إنتاج أو
امتلاك أو إدخال اسلحة نووية الي اراضيها
.الاحتفال جاء بعد ايام قليلة من مراسم
مماثلة جرت في مدينة هيروشيما التي تعرضت
للهجوم النووي أولا عندما ألقت طائرة
حربية امريكية قنبلة ذرية أطلقت عليها
اسم "الولد الصغير Little Boy "، تفكها ،
حيث كانت من نوع يورانيوم 235 المخصب،
وتقدر زنتها ب- 13 ألف طن من مادة "تي إن
تي" ، بخلاف القنبلة الثانية التي
اطلقتها بعد ذلك بثلاثة ايام، وتحمل ا سم
"الرجل السمينFat Man " من نوع
البلوتونيوم، وتعادل قوة انفجارها 20 طنا
من مادة "تي إن تي" علي مدينة
نجازاكي التاريخية - بالخطأ - حيث كان من
المفترض ان تضرب القنبلة مدينة كوكورا .
وتشير
الاحصاءات - كما يؤكد النجاة - إلي أن "واحدا
بالمئة فقط من القتلي كانوا جنودا"،
بينما كان باقي الضحايا من المدنيين ،
ولم يقتصر عدد القتلي علي اليوم الاول
فقط، بل عاني آلاف آخرون من الموت البطئ،
وتضاعفت محصلة الضحايا بسبب وفاة البعض
فيما بعد بسبب الحروق والاشعاعات السامة
التي تعرضوا لها، والتي مازالت تؤثر علي
السكان والناجين من الحادث، بل وتنتقل
آثارها وراثيا جيلا بعد جيل كاللعنة حتي
يومنا هذا من جراء ماوصف ب- "الطاعون
الذري" .
وعلي
الرغم من مرور ستين عاما علي انتهاء
الحرب العالمية الثانية، لاتزال ذكري
القصف النووي الاول في التاريخ عالقة في
أذهان كل من شهدها. ففي كلمة مؤثرة، روت
إحدي الناجيات، خلال احتفالية نجازاكي-
كيف عاشت اليوم الذي وقع فيه القصف عندما
أصيبت بحالة من الهذيان، بينما عاني
اخرون من تساقط شعرهم فجأة ومن اعراض
تشوهات غريبة ظهرت في انتفاخات وجوه بعض
المصابين، واحتراق وجوه آخرين، وشوهد
البعض وهم يستغيثون بينما كانت جلود
وجوههم تتدلي من سخونة درجة الحرارة التي
ارتفعت لتصل الي "الفين وثلاثة الاف
درجة مئوية" بفعل الانفجار، في صورة
كفيلة بتحطيم قلوب الملايين، كما وصفها
من رأوها .
المشهد
كان مأساويا، والصورة لن تمحي من
الأذهان، فالانتقام الامريكي من هجوم
الطيران الياباني المباغت علي ميناء
بيرل هاربور الأمريكي في ديسمبر 1941 كان
قويا وقاضيا، وان كان غير مبرر، والتوقيت
جاء في ساعة الذروة بمركز المدينة، وهو
أفضل نقطة يمكن من خلالها ضرب المرفأ
العسكري للامبراطورية اليابانية. وفي
لحظات معدودة - اعتبرها الناجون ساعات -
برقت السماء وارتفعت درجة الحرارة بصورة
مفزعة لينخفض ضغط الجو فجأة، لدرجة أن
الاعضاء الداخلية لأجساد بعض المواطنين
انفجرت بفعل الصدمة، أما البيوت
الخشبية، التي كانت تمثل المساكن
التقليدية لليابانيين، فقد انهارت في
دائرة - نصف قطرها كيلو متران ، وخلال
ساعة واحدة امتلأت المستشفيات والمدارس
بالجرحي الذين عجز الأطباء - ومازالوا -
عن تشخيص حالات التشوه الرهيبة التي
أصيبوا بها من جراء القنبلة النووية . |