|
تتلاحق
أحداث المشهد العراقي علي نحو مثير، وتتزاحم آمال إعادة البناء مع
مخاوف الفشل في إيجاد عراق مستقر وآمن. ويبدو الأمر وكأننا أمام عراق
جديد لم نألفه، يختلف كليا عن العراق "القديم" من حيث البنية السياسية
والهوية وعلاقات القوة بين أطرافه المختلفة. ولم يكن لأكثر المتشائمين
أن يتوقع انفراط عقد الدولة العراقية علي هذا النحو الدراماتيكي، إلي
الدرجة التي تصبح فيها استعادة العراق بهيكله المعروف أمرا صعب المنال.
أسئلة
كثيرة تتقاذفها أذهان المهتمين والمراقبين للشأن العراقي، يغلفها تساؤل
كبير، هو: هل فشل المشروع الأمريكي في بناء العراق? ذلك أن الولايات
المتحدة تبدو إلي الآن عاجزة عن تحقيق قدر من التماسك السياسي في
العراق، يؤهل لإعادة إنتاج مفاهيم المواطنة والحرية والمساواة بين
طوائف العراق، ويؤصل لمشروع ديمقراطي "نموذجي" يصبح بمثابة "حصان
طروادة" ينثر بذور الديمقراطية في المنطقة العربية، كما تم الترويج له
عشية وقوع الغزو. وعلي العكس من ذلك، يشي ما يحدث في العراق بأن ثمة
صراعا طائفيا وعرقيا قد يظهر في مناطق أخري في العالم العربي في إطار
ما يعرف بسيناريو "الفوضي البناءة".
أخطاء
المشروع الأمريكي في العراق عديدة، ولكن أهمها علي الإطلاق، الفشل في
تقدير البعد الطائفي - التاريخي للعراق، وهو كفيل -في حالة مثل العراق-
بتدمير أي مشروع لبناء الدولة لا يراعي حساسية هذا الوضع وإفرازاته
التاريخية.
وهو وضع
تبدو إلي جواره الخلافات الطافية علي السطح الآن مجرد قمة جبل "الثلج"
وسط تاريخ طويل من العنف المكتوم والاستنفار ليوم الخروج. وهو خطأ
تراكمت فوقه أخطاء أخري كثيرة، ليس أقلها الاستخفاف بالتوازنات القبلية
والسياسية، والإعلاء من النبرة الانتقامية لدي الطوائف المختلفة من
خلال سياسة "المحاصصة" الطائفية، وحل الجيش العراقي ومؤسسات الحكم في
النظام السابق، والتدخل لدعم طرف علي حساب الآخرين في قانون إدارة
الدولة المؤقت.
والمحصلة
الآن: فقدان الأمل في بناء وطن عراقي موحد، ذي طبيعة اتحادية تتحكم في
الأطراف وتشدها بإطار المركز في بغداد. وهي أخطاء لم تبدأ بعد احتلال
العراق، ولكنها بدأت منذ التخطيط للحرب عليه، حيث غش ي خيار التخلص من
صدام حسين كل الخيارات الأخري خصوصا المرتبطة بإعادة بناء وتأهيل
العراق. وقد هيئ للولايات المتحدة أن إقامة انتخابات نيابية في العراق،
كتلك التي جرت أواخر يناير 2005، وتشكيل حكومة جديدة تحظي بشرعية
الانتخابات، كفيل بوضع العراق علي الطريق الصحيح في بناء كيانه من
جديد. بيد أن ما حدث هو العكس، فقد بدت هذه الانتخابات كمن فتح أبواب
الانقسام علي مصراعيها أمام كل الرغبات الطائفية التي ظلت مكتومة لعقود
طويلة، وبدأ شبح النزاع الأهلي يطل برأسه بين مختلف الطوائف العراقية
وداخلها، وهو ما وضح جليا خلال معركة وضع الدستور العراقي، التي بدت،
كطفل صغير يسبح في بيئة حبلي بالأمراض الطائفية والعنصرية.
لذا، لم
يكن غريبا أن ترتفع أصوات كثيرة في الولايات المتحدة تطالب بإعادة
الحسابات من جديد، ليس فيما يخص بناء العراق، فهذا لم يعد خيار أمريكا
وحدها، ولكن فيما يخص التكييف السياسي والقانوني للوجود الأمريكي هناك.
"عقدة
الذنب" لدي الولايات المتحدة، فيما آل إليه الوضع بالعراق، ليست في عدم
إقامة النموذج الديمقراطي المأمول، ولكن في كيفية العودة بالعلاقة بين
الطوائف العراقية من حيث التوازن إلي ما قبل سقوط العراق في التاسع من
أبريل 3002. فالإدارة الأمريكية، التي أخذت علي عاتقها مهمة حفظ الأمن
والسلم في العراق، بنت استراتيجيتها علي حسابات غير واقعية، ليس أقلها
أن استبدال صدام حسين بأي زعيم آخر مثل أحمد الجلبي كفيل بتحقيق الأمن
والاستقرار في العراق، وبدء تدشين (الدولة - النموذج) بدون الحاجة
للوجود الأمريكي هناك.
وفي
الوقت الذي حاولت فيه إدارة الحكم الانتقالي في العراق بقيادة الحاكم
الأمريكي السابق بول بريمر إعادة خلط الأوراق السياسية لكسب فصيل علي
حساب آخر، كانت النزعات الطائفية تزداد توحشا، وتوشك أن تودي بالوجود
الأمريكي ذاته. فتقريب الأكراد وإعطاؤهم أولوية واضحة علي حساب طوائف
أخري أكثر تمثيلا، والتلاعب بالزعامات الشيعية وتأليبهم ضد بعضهم بعضا،
ومعاداة السنة وتحجيم دورهم في إدارة العراق الجديد، كل ذلك من شأنه
رفع سقف الطموحات لدي الفصيلين الأولين، ورفع حالة الرفض والتحدي لدي
الفصيل الأخير.
لم يحل
إخفاق الولايات المتحدة في بناء عراق جديد دون بروز مشروعات أخري
للبناء، حيث بات لكل طائفة مشروعها الخاص بالعراق، وكل مشروع يؤكد
أحقية أهله في التمتع بالوضع الجديد في البلاد، ولا يتقاطع مع نظرائه
إلا في إطار تأكيد السمو والترقي لطائفته علي حساب الآخرين. ورغم نقاط
التلاقي الظاهري التي دشنها الدستور الجديد، إلا أنها في الواقع تعبر
عن محاولة لتجاوز نقاط الاعتراض علي الدستور أكثر منها رغبة في التعايش
الحقيقي في إطار بلد موحد. فالأكراد، علي سبيل المثال، يحلمون بيوم
تعلن فيه دولتهم المستقلة بعد طول أمل، وهم علي يقين بأن الوقت قد حان
لتحقيق حلم الانفصال عن العراق، وتبدو مسألة الفيدرالية بمثابة الخطوة
الأخيرة في هذا الإطار. وإذا كان من المنطقي أن يحكم الأكراد أنفسهم في
إطار كيان ذاتي خاص بهم ،كما هو الحال الآن في إقليم كردستان، فإنه من
غير المقبول أن يكون ذلك علي حساب العراق "الوطن".
موقف
الشيعة فيما يخص الفيدرالية اقترب صراحة من نظيره الكردي، ورغم صعوبة
تخيله، نظرا لعوامل عديدة أهمها عدم توافر التوافق الشيعي عليه، إلا
أنه كشف عن حجم التقزم السياسي لفكرة الدولة الواحدة في أذهان أكبر
طائفة في العراق، بينما لا يلام الآخرون علي طرح أي مشروع انفصالي
جديد.
من
جهتهم، يقبع السنة خلف رفض مطلق لأفكار المواطنة والحداثة السياسية
التي يفرضها الوضع الجديد في العراق. ورغم أحقيتهم في الحصول علي وضع
مناسب لمكانتهم التاريخية، إلا أن مطالبهم تنطلق من إنكار لحقوق
الآخرين في التمتع بما تمتع به السنة في العقود الغابرة.
ملامح
الصورة العراقية الآن تبدو أقرب للوحة سوريالية، قد يعاد ترتيب أركانها
لتخرج بنفس النتيجة: الفوضي وعدم الثقة والقفز فوق الحقائق التاريخية.
يزيد من غشاوة الصورة ضبابية التقييم الأمريكي للبعد الإقليمي للمسألة
العراقية، وهو البعد الذي لم يتم التعاطي معه بنفس قدره، حيث انطلق من
نظرة استعلائية يدعمها منظور مثقوب لا يري في اللاعبين الإقليميين سوي
"جرذان" مرتعدة لا تقوي علي صد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في
المنطقة، ومن مصلحة أي منهم أن يسير وفق ما ترسمه الولايات المتحدة
وليس وفق مصالحه.
وهو ما
أضاف دوافع ورغبات إقليمية جديدة لإفشال النموذج الذي تحاول الولايات
المتحدة زرعه في العراق، بل ووصل الأمر إلي حد التدخل لتعطيله علي غرار
ما تفعل إيران وسوريا، كل حسب رؤيتها ووفق أهدافها، وهي حقيقة لا
تغفلها عين ثاقبة تنظر لتطورات الأوضاع من منظور واسع.
كان
منطقيا، والحال كذلك، أن تتشعب الرؤي الداخلية والإقليمية لبناء
العراق، وأن تختلف عناصرها كي تصل أحيانا إلي حد التضارب، وفي كل رؤية
يتم "سلخ" أحد عناصر العراق "الوطن"، كي تبقي هذه الرؤي خير شاهد علي
عقود عجاف خلت من التلاقح الطائفي، لم يكن فيها مفهوم الدولة حاضرا إلا
بالقدر الذي يلبي طموحات كل طائفة.
أين أخطأ المشروع الأمريكي في بناء العراق? وما مصير
مشاريع بناء الدولة العراقية التي تطرحها الأطراف المختلفة? وهل ثمة
رؤية موضوعية يمكن أن تعيد العراق إلي أهله? أسئلة عديدة يجتهد هذا
الملف لتقديم أجوبة ومقاربات منطقية لها. |