2005

‏,

يناير


سوريا ولبنان .. حسابات تقليدية وتحديات جديدة

سامح راشد

تعرضت سوريا ولبنان في الآونة الأخيرة إلي ضغوط وتحركات خارجية استهدفت تغيير طبيعة العلاقة بين الدولتين، وكسر عري الترابط الوثيق الذي جمع بينهما علي مدي ثلاثة عقود تقريبا منذ نشبت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، ثم دخلت القوات السورية ضمن قوات حفظ سلام عربية قبل أن تنسحب القوات التابعة للدول الأخري وتبقي القوات السورية بمفردها منذ ذلك الحين. وهي ليست المرة الأولي التي تتعرض فيها الدولتان لضغوط وتحرشات دولية، لكنها كانت دائما ضغوطا تستهدف كلا منهما علي حدة أو تتعلق بمواقف وسياسات كل منهما تجاه مسائل معينة مثل الصراع مع إسرائيل أو المبادئ الحاكمة لعملية التسوية السلمية.

ففي جميع الأحوال لم تكن العلاقة الثنائية بين الدولتين محل جدل أو موضوعا لاحتكاكات وتحركات خارجية، وهذا هو الجديد في التحركات الدولية الأخيرة ضد سوريا ولبنان، ذلك أنها المرة الأولي التي تصبح فيها العلاقات الثنائية المباشرة بين بيروت ودمشق هدفا لاتصالات ومشاورات دولية، ليس علي مستوي الدول الكبري أو القوي المؤثرة في النظام العالمي وحسب، بل أيضا علي المستوي المؤسسي الخاص بالمجتمع الدولي ككل هو ومجلس الأمن الدولي.
من هنا، تكتسب الضغوط علي المحور السوري - اللبناني وأهدافها أهمية متزايدة، ليس فقط بهدف التعرف علي تلك الضغوط وخلفياتها، أو استكشاف ما إذا كانت تلك الضغوط والتحرشات المتعلقة بها تستهدف مسائل وأهدافا أخري ليست متصلة مباشرة بالمسار الثنائي بين الدولتين، وإنما أيضا لرصد وتقييم رد الفعل السوري واللبناني علي تلك الضغوط وطريقة مواجهتهما لها.

مظاهر وطبيعة الضغوط الخارجية :

ظهرت مؤشرات الضغوط الخارجية (الأمريكية تحديدا) علي سوريا ولبنان منذ وقت مبكر، واستهدفت سوريا بالأساس، كونها المتغير المستقل في العلاقة الارتباطية مع لبنان. ومن تطورات مظاهر تلك الضغوط علي سوريا فيما يلي:
- إيواء الولايات المتحدة معارضين سوريين والتلويح لدمشق بتلك الورقة من حين إلي آخر، ثم المضي فعليا نحو دعمهم في تنظيم صفوفهم، ومثال ذلك إنشاء "التحالف من أجل الديمقراطية" الذي يقف وراءه فريد الغادري زعيم حزب الإصلاح المعارض والمقرب إلي الدوائر السياسية الأمريكية، خصوصا الكونجرس، وأنشئ هذا التحالف في نوفمبر 2003.

- قانون محاسبة سوريا الذي أصدره الكونجرس الأمريكي في نوفمبر 2003 ثم أقره الرئيس بوش في ديسمبر من العام نفسه وبدأ تنفيذه في مايو 2004، فهذا القانون كان نقطة البداية الحقيقية في استهداف سوريا، ليس لما تضمنه من عقوبات غير مؤثرة عمليا وإنما لأنه دشن النهج التوثيقي والقانوني في التعامل الأمريكي مع الدول المستهدفة، في ظل اندفاع إدارة بوش نحو استهداف وحصار ثم ضرب وربما تصفية النظم أو حتي الدول المناوئة لمصالحها في المنطقة.

- قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي يطالب بخروج القوات "الأجنبية" من لبنان في إشارة واضحة إلي سوريا، وينص أيضا القرار الذي صدر في 2 سبتمبر الماضي علي استعادة لبنان استقلاليته وسيادته، وأن ينتشر الجيش اللبناني في كافة الأراضي اللبنانية.

وجاء القرار الدولي بعد أشهر من قانون المحاسبة، وواضح أن الصلة بينهما وثيقة رغم الفارق الزمني، فالقرار الدولي أشبه بعملية تفعيل لقانون المحاسبة لكن في إطار دولي وإن كان بحجة غير شرعية تتعلق بشأن داخلي لدولة يفترض أنها ذات سيادة. وتجدر الإشارة إلي أن الأشهر الفاصلة بين قانون المحاسبة وعمليات التصعيد والتربص الأخيرة تبدو مفهومة إذا ما وضعت في سياق ما شهدته المنطقة من تطورات مهمة -عراقيا وفلسطينيا وإيرانيا- شغلت واشنطن أو تشاغلت بها.

- قرار مجلس النواب الأمريكي الذي ركز علي قضية داخلية هي حقوق الإنسان، متهما النظام السوري بانتهاكها، لتكتمل بذلك سلسلة الاتهامات وحلقة الضغوط الأمريكية علي دمشق بموضوع داخلي، لكنه ذو بعد عالمي وإنساني، فضلا عما يعنيه اللعب علي الوتر الداخلي من تحريض للقوي الداخلية السورية وتهيئة الأجواء داخليا لتقبل ما قد يتلو من أعمال ضد النظام.

- لقاء وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مع نظيره السوري فاروق الشرع، وهو اللقاء الذي سبقته زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي ويليام بيرنز لدمشق، فقد تزامنت هذه الزيارة مع قرار مجلس النواب وتالية مباشرة لقرار مجلس الأمن. وذهب بيرنز إلي دمشق برسالة محددة وواضحة، مفادها أن علي دمشق التعامل مع واقع جديد ومواجهة ضغوط متعددة ومتصاعدة لا قبل لها بها ما لم تنصع لمطالب محددة تعلمها جيدا، وتدرك أنها غير قابلة للتسويف ولا للمماطلة. ومن المفهوم أن زيارة بيرنز ومباحثاته في دمشق لم تكن سوي عملية تهيئة وتحضير للعقلية والدبلوماسية السورية قبل لقاء باول-الشرع. وهو ما انعكس بالفعل في ذلك اللقاء الذي لم يعلن عنه الكثير، لكن ما رشح منه يدل علي تفهم سوري لخطورة الموقف وأن مرونة كبيرة ستبديها سوريا بصفة عاجلة في مختلف المسائل المعلقة بين الطرفين.

- دخول أوروبا علي خط الضغوط الأمريكية، وذلك بتحرك فرنسي أساسا، حيث دخلت العلاقات الفرنسية- السورية مرحلة حرجة خلال العام الماضي لاعتبارات متعددة، من أبرزها الدور السوري في لبنان التنسيق مع باريس بشأنه. وقد لعبت فرنسا دورا فاعلا في صياغة ثم تمرير القرار الدولي 1559، ثم بعد ذلك في حث أوروبا علي ممارسة ضغوط ضد دمشق للانصياع للقرار والامتثال له، ومن أحدث مظاهر هذا التوجه من قبل فرنسا تشجيعها واشنطن علي التحرك لدي الأمم المتحدة من أجل تفعيل القرار واستمرار متابعته بصورة حيوية وليس مجرد متابعة روتينية، وهو ما تمثل في البيان الرئاسي الذي صدر عن المجلس في 19 أكتوبر الماضي، وجدد المطالبة بما جاء في القرار 1559، ويدعو الأمين العام للأم المتحدة إلي تقديم تقارير دورية لمجلس الأمن عن مدي الامتثال في تنفيذ القرار، وتم بالفعل بعد ذلك تعيين موفد دولي تابع للأمين العام للأمم المتحدة مختص بمتابعة تنفيذ لبنان (وضمنا سوريا) للقرار. ومن المفارقات أن اليوم الذي صدر فيه البيان الرئاسي لمجلس الأمن، شهد أيضا التوقيع بالأحرف الأولي علي اتفاق الشراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي، وتجدر الإشارة هنا إلي أن فرنسا علي وجه التحديد كانت قد سعت لدي بقية دول الاتحاد من أجل عرقلة هذا الاتفاق وربطه بشكل مباشر وعلني بتنفيذ القرار الدولي.

- داخليا، من الواضح أن الانقسامات والمساجلات الدائرة في لبنان منذ خطوة التمديد مطلع شهر سبتمبر الماضي وحتي الآن تصب جميعها في اتجاه الضغط علي الدولتين السورية واللبنانية، ورغم وجود ارتباطات خارجية معروفة لبعض القوي والتيارات اللبنانية إلا أن الموقف من العلاقة مع سوريا قد تجاوز هذه الارتباطات بدليل أنه امتد إلي جماعات وقوي ليست لها ارتباطات خارجية مناوئة لسوريا وأخري مرتبطة بسوريا ذاتها. والمحصلة أن ثمة زخما داخليا اكتسبته الدعوات لفصم العلاقة مع دمشق أو علي الأقل ترشيدها وإعادة النظر في ثوابتها.

وفي سوريا أيضا، يصعب النظر إلي التطورات الداخلية الأخيرة دون الأخذ في الاعتبار البيئة الخارجية التي تقع في نطاقها تلك التطورات، فقد شهدت دمشق في الأشهر القليلة الماضية وقائع وتطورات غير مسبوقة مثل أعمال العنف والاضطراب التي تكررت مرتين خلال العام الماضي. ورغم أن لتلك الأعمال دوافعها ومعطياتها الداخلية، إلا أن تلك المعطيات قائمة ولم تتغير منذ سنوات. ومع صعوبة الجزم بدور خارجي أو أي ارتباط فعلي بين تلك الأعمال أو مجمل التطورات الداخلية المستجدة في سوريا وأطراف خارجية، إلا أن نفي التسبيب في هذه العلاقة لا ينفي النتيجة، فمع افتراض حيادية العامل الخارجي في هذه التطورات كمسبب لها، فعلي الأقل هو غير محايد في التعامل معها، حيث تصبح هنا العلاقة بين الشأن الداخلي والضغط الخارجي أقرب إلي التغذية المرتدة، خصوصا في ظل الإشارات المتكررة الأمريكية والغربية بشأن حقوق الإنسان ووضع الحريات في سوريا.

ما وراء الضغوط :

لم يكن الوجود السوري في لبنان سواء كان -عسكريا أو سياسيا- مثار استياء أو رفض دولي لا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ولا من قبل فرنسا ذات العلاقات الخاصة بلبنان، بل كثيرا ما كان الوجود السوري ونفوذ دمشق لدي بيروت عاملا مواتيا للسياسات الدولية خصوصا فيما يتعلق بضبط الأوضاع وإحكام وتيرة العمل السياسي والمسلح ضد إسرائيل، ونجد لهذا التحليل شواهد ومؤشرات عديدة سواء علي الجانب الأمريكي أو علي الجانب الإسرائيلي ذاته. فعلي مدي ثلاثة عقود كاملة منذ حرب أكتوبر 1973، لم يحدث أن وقعت مواجهة مسلحة إسرائيلية - سورية، ولم يكن الوجود العسكري السوري في لبنان يوما مصدر قلق أو هواجس أمنية أو استراتيجية لإسرائيل، وعلي الجانب الأمريكي كان هذا الوجود دائما بمثابة رمانة الميزان في الوضع العسكري والسياسي علي حد سواء خصوصا علي الجبهة اللبنانية. من هنا ينبغي النظر إلي الضغوط التي تعرضت لها سوريا ولبنان مؤخرا بمنظور المصالح والأهداف الأمريكية والفرنسية، وقبل هذا وذاك المساعي الإسرائيلية إلي تغيير الوضع القائم.

وأول ما يلفت النظر في هذا الإطار سرعة التحرك الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد سوريا ولبنان، وهي دلالة عامل الزمن والتوقيت، فالتوقيت يعد مثاليا بالمنظور الأمريكي، حيث العالم العربي في أضعف حالاته ويلزم صمتا مطبقا إزاء كل ما جري ويجري من فلسطين إلي العراق إلي ليبيا إلي السودان. كما تستغل واشنطن -ومعها باريس- استمرار الانقسام الداخلي في لبنان حول مسألة التعديل الدستوري ومجمل الدور السوري في لبنان.

بيد أن أهداف الضغوط الأمريكية والفرنسية تتجاوز مجرد الضغط علي دمشق للخروج من لبنان، لأن هذا الهدف كان سيتحقق إذا اقتضت الحاجة دون قرار دولي غير ملزم بل ربما غير مشروع من الأساس. إضافة إلي أن الوجود السوري المادي في لبنان أصبح أقل كثيرا من الحاجة إلي قرار دولي بشأنه، وفي المقابل لن يجدي القرار الأممي أو مبدأ تقنين الرفض الخارجي للوجود السوري في لبنان نفعا حيال النفوذ والحضور السوري الفعلي لا الرسمي في سياسات بيروت. إذن نقطة البداية في النظر إلي أهداف الضغوط الخارجية علي سوريا ولبنان أنها تقع في مستوي أعمق من مجرد الإطار الثنائي بين دمشق وبيروت.
وأول ما يستلفت الانتباه بهذا المنظور أن ثمة ترتيبات قانونية ودبلوماسية يجري إعدادها (إضافة إلي تهيئة سياسية وإعلامية) لإحكام الحصار علي سوريا في المستقبل القريب، ولما كان احتلال العراق قد افتقد تماما للشرعية الدولية ولأي سند قانوني، فربما فضلت إدارة بوش هذه المرة تجهيز الحيثيات القانونية والقرارات الدولية اللازمة مبكرا، خاصة أن الخلاف الحاد الذي شهده الملف العراقي عشية وقوع الغزو انحسر -بل تقريبا انقلب- إلي توافق خصوصا من جانب فرنسا.

ويشير هذا بدوره إلي حزمة أهداف أخري مهمة، ذلك أن الوضع في بطن المشرق العربي مرشح للتصفية قريبا، حيث تتعدد الملفات المعلقة في هذه المنطقة من حزب الله إلي التركيبة الداخلية في لبنان إلي موقف دمشق من التنظيمات الفلسطينية إلي مستقبل الجولان، وسوريا هي كلمة السر في التعامل مع أي من هذه الملفات، بالتالي فحتي إن وجدت بعض التحفظات لدي طرف دولي أو أكثر، فإن هذه التحفظات المرتبطة بتوافقات تقليدية مع دمشق لا تحول دون المضي قدما في تصفية الوضع المتشابك وفض الأوراق المتداخلة في تلك المنطقة الفرعية من العالم العربي، بعبارة أخري ليس لدي أي من روسيا أو الصين استعداد لمجابهة واشنطن فقط لتحتفظ دمشق بنفوذها في لبنان أو ليبقي أي من تلك الملفات معلقا كما هو حاصل، فضلا عن أن أطرافا أخري مثل فرنسا حريصة مثل واشنطن تماما علي تصفية هذه الأوضاع وإعادة تشكيلها بما يتوافق ومصالحها التقليدية المعروفة في لبنان، خصوصا أن دمشق في الفترة الأخيرة ذهبت في ممارسة دورها اللبناني أبعد قليلا من توقعات باريس أو -حسب التقدير الفرنسي- أبعد من المتفق عليه.

والتسلسل المنطقي في هذه الظروف أن تبادر واشنطن إلي انتهاز هذه الفرصة السانحة لتسجيل موقف دولي يكون بمثابة نقطة بداية قابلة للبناء عليها عند توافر الظرف المناسب، وهو ما حدث بالفعل، فكما جاء القرار الدولي 1559 علي خلفية ملفات متعددة ومتداخلة، فإن صيغته عكست هذا التنوع والتشابك، فإضافة إلي مسألة خروج القوات "الأجنبية" من لبنان، أشار القرار إلي تفكيك ونزع أسلحة الميليشيات المقصود بها حزب الله تحديدا. ومع ذكر حزب الله تذكر إسرائيل، واللافت أن الدور الإسرائيلي في الضغوط الدولية جاء بالامتناع لا بالمشاركة، فبمجرد نضوج معطيات التحرك الدولي وبروز مؤشراته، سارعت تل أبيب إلي التراجع عن تهديداتها بل ونفي نيتها ضرب سوريا، وهذه هي المشاركة الحقيقية لإسرائيل في القرار 1559، فقد غيرت موقفها علي الفور، كي لا تشوش علي التحرك الدولي السياسي في وقت لم يكن فيه التهديد العسكري مجديا وغير ضروري.

من هنا، يمكن فهم أن حرص واشنطن وباريس بشأن الحرص علي خروج القوات الأجنبية من لبنان ونزاهة الاستحقاق الرئاسي اللبناني واستعادة بيروت سيادتها واستقلاليتها لم يكن سوي تكئة لاستصدار وثيقة دولية يتم فيها تجميع ملفات معلقة لا صلة مباشرة لها بالاستحقاق الرئاسي أو صيرورة الحياة السياسية اللبنانية.

كذلك تباشر واشنطن ضغوطها علي سوريا ولبنان وعينها علي الجناح الشرقي لمنطقة الشرق الأوسط، ذلك الجناح الفارسي الممثل في إيران، حيث تدرك الإدارة الأمريكية جيدا أن حزب الله في لبنان والعلاقة مع سوريا وشيعة العراق -تلك هي أوراق الضغط والمناورة الإيرانية ضد واشنطن في المنطقة- وتجريد طهران من ورقتي حزب الله والعلاقة مع سوريا (وهما مسألتان مترابطتان) من شأنه إضعاف طهران وخدمة الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية في المنطقة.

وأخيرا، يتوج مشروع "الشرق الأوسط الكبير" أهداف واشنطن من الضغط علي سوريا ولبنان، فالضغوط علي الدولتين تهدف بشكل مباشر لإعادة هيكلة العلاقة بينهما أولا وإعادة هيكلة الأوضاع السياسية والاقتصادية داخل كل منهما ثانيا، وهذه الهيكلة الجديدة بدورها هدفها العمل كجزء من المخطط الأوسع لإعادة هيكلة وبناء منطقة الشرق الأوسط ككل، وإن لم تنجح الضغوط الأمريكية بصفة عاجلة في تحقيق تلك التحولات داخل سوريا ولبنان، فستؤدي علي الأقل إلي تقويض مقاومة دمشق بصفة خاصة لذلك المشروع وتغاضيها عنه ثم انخراطها فيه بشكل فعلي في مرحلة لاحقة. فكما هو معروف، لا تزال دمشق تمثل خط دفاع متقدما ضد المشاريع والمخططات الشرق أوسطية علي اختلاف أشكالها، كما أنها لا تزال تتمسك ببعض بقايا الثوابت العربية في إدارة الصراع مع إسرائيل حتي وإن كانت بعض تلك البقايا رمزية أو معنوية أكثر منها عملية مثل مكتب متابعة مقاطعة إسرائيل التابع للجامعة العربية والموجود مقره في دمشق.

إدراك سوريا - لبنان للضغوط الخارجية :

لعبت التوازنات والتفاعلات السورية - اللبنانية دورا في تشجيع الأطراف الأخري علي المضي قدما في لعبة التدخل في الشأنين الثنائي والداخلي، فمن ناحية تعاملت دمشق مع مسألة تمديد فترة رئاسة الرئيس اللبناني إميل لحود وكأنها شأن سوري خالص ليس حتي لبنانيا، وتجاهلت كل الانتقادات والتحفظات التي خرجت من دوائر لبنانية وخارجية طالبت دمشق بالتروي قبل قرار التمديد أو علي الأقل التشاور مع تلك الأطراف. وبالنهج ذاته، تعاملت الدولة اللبنانية بما فيها الأجنحة المختلفة مع لحود مثل رئيس الوزراء (السابق) رفيق الحريري مع التمديد وكأنه أمر مسلم به أو الخيار الوحيد المتاح في ظروف اللحظة الراهنة. وتم تجاهل مواقف القوي الرافضة للتمديد التي استغلت الفرصة وراحت تنتقد طبيعة الحضور السوري في لبنان إجمالا، وهو ما كان علي الدولتين السورية واللبنانية الانتباه له في ظل حالة التربص الدولي التي وضحت في مواقف عدة سبقت عملية التمديد، سواء من جانب الولايات المتحدة أو فرنسا التي تباعدت المسافة كثيرا بينها وبين دمشق في الأشهر الأخيرة. بمعني أن البيئة الدولية المحيطة بالعلاقات لم تكن مواتية لخطوة غدت استفزازية وبالتالي كفيلة باستثارة الأطراف الداخلية في لبنان. لذا كان من الطبيعي أن تنطلق تلك القوي سريعا من نقطة التمديد والجدل حولها إلي مجمل العلاقات الثنائية وضرورة كسر الطوق السوري القابض علي عنق السياسة اللبنانية.

هذا التسرع أو ما يمكن تسميته سوء تقدير الحسابات السورية وبدرجة ما اللبنانية أيضا، يمكن البحث عن خلفياته في طبيعة التركيبة السياسية القائمة علي الجانبين، خصوصا الجانب السوري، وأول ما يمكن الإشارة إليه في هذا الخصوص هو طبيعة القيادة السورية التي تتسم بقدر عال من الحيوية والشبابية والتفتح، وكلها سمات إيجابية لها ما يقابلها بالضرورة مثل نقص الخبرة والحنكة السياسية، وبالتالي الاعتماد إلي حد كبير علي المستشارين والساسة القدامي خصوصا في الموضوعات والمسائل المرتبطة بالعلاقة التاريخية بين بيروت ودمشق، وهنا يكمن المصدر الأول لأخطاء حسابات دمشق، حيث تتجاوز التوازنات الدولية الجديدة وطبيعة الاستهداف الأمريكي لسوريا في المرحلة الحالية الأطر التقليدية والأساليب القديمة في التحرش والضغط لتحقيق أهداف مرحلية أو مكاسب محددة، إذ لم تعد حالة اللا حرب لا سلم التي تميز الوضع بين دمشق وتل أبيب مرضية أو كافية بالنسبة لواشنطن ولا إسرائيل بالطبع، لذا أصبح المطلوب إسرائيليا وبالتالي أمريكيا كسر هذه الحالة وتحويلها إما إلي مواجهة مسلحة تنكسر فيها الإرادة السورية أو إلي سلام تعاقدي صريح. وهذا مثال فقط علي التغير الحاصل في وضعية دمشق والمطلوب منها إقليميا، وهو ما ينطبق أيضا علي العلاقة بين سوريا ولبنان، فجزء من المنظومة الجديدة التي تسعي إسرائيل -ومن أمامها الولايات المتحدة- أن يكون التعامل مع سوريا ولبنان بشكل منفصل يتيح الانفراد بأيهما علي حدة عند اللزوم. أي أن النظرة الإسرائيلية والأمريكية نحو العلاقة بين سوريا ولبنان قد اختلفت كثيرا عما كانت عليه في السابق، وهذا ما لم تدركه دمشق وهي بصدد تقدير الموقف.

ويرجح هذا التحليل أن سلوك دمشق الخارجي قد تطور بالفعل إلي حد كبير في عهد الرئيس الحالي بشار الأسد، حيث أخذ منحي أكثر براجماتية ومرونة بشكل فعلي وعملي ليس خطابيا وحسب. وتبدت هذه الملامح الجديدة في عدة أشكال ومواقف، لعل أبرزها رد الفعل السوري علي القصف لإسرائيلي لضاحية بدمشق، فضلا عن الردود الهادئة علي الاستفزازات المتكررة من قبل تل أبيب وتحرشاتها المتتالية في جنوب لبنان. كذلك الأمر بالنسبة للتعاطي السوري مع الوضع الجديد في العراق، ليس فيما بعد الاحتلال وحسب بل أيضا من قبله وأثناء تصعيد الأزمة، ووضوح نية واشنطن المبيتة لضرب العراق، فقد تبنت دمشق مواقف وسياسات أقل ما توصف به أنها مرنة وواقعية وتكاد تنفصل تماما عن الخط العام المعروف للسياسة السورية عربيا وإقليميا من عداء شديد لواشنطن ووقوف كامل مع كل ما هو عربي وقومي، وهو الخط الذي التزمته دمشق حتي ما قبل التصعيد الأمريكي مع العراق بأشهر قليلة. ولعل القارئ يتذكر أن سوريا كانت من بين الدول القليلة التي دافعت بقوة عن حق العراق في استعادة مكانته عربيا ودوليا، وطالبت برفع العقوبات عنه وذلك بغض النظر عن الخلافات التقليدية المعروفة بين حزبي البعث في كل من سوريا والعراق. وجاء التحول في الموقف السوري كرد فعل محسوب وذكي علي الجموح الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر وحالة الهياج التي أصابت السياسة الخارجية الأمريكية بوجه عام، وتجاه العرب والمسلمين بوجه خاص.

لكن يبدو أن بقية الحسابات السورية قامت علي معادلة مخالفة لما في التصورات والرؤي الأمريكية والإسرائيلية، حيث اعتبرت دمشق أن المرونة التي تبديها للتعامل مع الاستفزازات الإسرائيلية ستعفيها من ضغوط أخري، وجاء احتلال العراق والمطالب الأمريكية المتتالية والمتلاحقة علي سوريا بالتعاون لضبط الأمن علي الحدود لتشير إلي عكس ذلك، إذ اتسعت دائرة المطلوب من سوريا رغم مرونتها، ووضح أن المسألة تتجاوز الصراع مع إسرائيل أو التأكد من نوايا دمشق بعدم الرغبة في خوض حرب جديدة مع تل أبيب. وبعد مناورات ومماحكات سورية، أخذت أشكالا عدة، اكتشفت دمشق أن المطالب الأمريكية غير قابلة للتسويف أو حتي للتفاوض، فكان الخيار السوري للمرة الثانية بتقديم تنازلات التعامل بواقعية ومرونة مع الوضع الجديد علي الحدود الملاصقة، وكان هذا النهج هو عنوان المحادثات التي أجراها مسئولون سوريون وأمريكيون أكثر من مرة علي مدي الأشهر الثلاثة الماضية، أهمها مباحثات وليم بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكي والتي مهدت بدورها لمحادثات الشرع - باول التي توجت النقلة السورية في التعاطي مع الوضع الأمني في العراق وطريقة إدارة دمشق للحدود مع العراق.

لكن ونظرا لأن مباحثات باول - الشرع وقبلها زيارة بيرنز لدمشق قد تضمنتا عدة موضوعات كثيرة ربما كان العراق أهمها، فإن السياسة السورية بدت كأن لم تستوعب رسالة واشنطن في القرار 1559 الذي سبق اللقاءات والمباحثات، فجاء التعامل السوري (واللبناني بالطبع) مع القرار وكأنه مجرد ضغط مؤقت لتلبية مطالب محددة بعيدة تماما عن مضمون القرار نفسه. ظنت دمشق أن تلبية مطالب واشنطن في العراق، أو ما أعلنته الدولة السورية غير مرة من استعدادها للتفاوض مع إسرائيل يكفي لتلافي ضغوط واشنطن أو فرنسا في الشأن السوري- اللبناني. وهنا يكمن الخطأ الأكبر في حسابات دمشق وبيروت، فما لم تنتبه إليه العاصمتان أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تسير باتجاه دمشق بخطي حثيثة وواثقة، تتبع نهجا تدريجيا، فقد انتقلت من العام إلي الخاص، ومن الخارجي إلي الداخلي، فقانون محاسبة سوريا تذرع بحجة عامة واتهام غامض غير محدد هو رعاية الإرهاب، رغم أن المطالب الفعلية كانت -ولاتزال- معروفة ومحددة وهي ملف حزب الله ودعم الفصائل الفلسطينية والموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق، وأخيرا إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل رسميا وبشكل تعاقدي غير قابل للتراجع أو التسويف.

أما القرار 1559 فقد استهدف دائرة أخري مختلفة تماما، وإن كانت تصب أيضا في اتجاه أهم الملفات السابقة، وهي دائرة الرباط السوري - اللبناني الوثيق وذلك بوجهه العسكري الذي يجسده الوجود السوري العسكري الفعلي في لبنان، أو الوجه السياسي عبر التأثير والنفوذ السوري علي بيروت، ممثلا في تعديل مسار الاستحقاق الرئاسي بتعديل دستوري عكس رغبة سورية بالأساس، والخطوة الأمريكية هذه استهدفت سياسة سوريا الخارجية ودورها الإقليمي وعلاقتها الوثيقة بلبنان، أي أن واشنطن اتجهت إلي ضرب المجال الحيوي لدمشق في صميمه، بل في حبله السري الممتد في طريق بيروت - دمشق.

والمغزي أن دمشق أخطأت عندما اعتبرت لبنان منطقة خارج الحسابات والضغوطات وأن تنازلاتها أو مرونتها في ملفات أخري ستبعد الملف اللبناني عن مائدة التفاوض والمقاصات السياسية، وفات دمشق أن مواقفها تجاه الملفات المهمة المرتبطة بعلاقتها مع لبنان، وهي ملفات حزب الله والمقاومة الفلسطينية والوضع النهائي مع إسرائيل، ليست مرضية أو بالأحري لم تعد الآن مرضية لا لتل أبيب ولا -بالتبعية- لواشنطن، لذا كان عليها أن تتوقع ممارسات وضغوطات أبعد من مجرد تحرشات سياسية أو مطالب دبلوماسية أو مناوشات عسكرية.

لكن لابد من الأخذ في الاعتبار أن البيئة المحيطة بالموقف السوري ساعدت على أن تئول الأمور إلي ما آلت إليه، فالموقف الفرنسي علي سبيل المثال جاء مخيبا لآمال دمشق وبيروت معا، وذلك لاعتبارات خاصة بالمسار السوري- الأوروبي، والعثرات التي مر بها في الفترات الأخيرة. كذلك الأمر بالنسبة للموقف العربي الذي أصبح من الضعف والاهتراء بما يكفي لأن تنفرد واشنطن أو حتي أي من الدول الكبري في العالم بأي دولة عربية دون خشية أو حساب لرد فعل عربي ولو محدودا أو علي استحياء.

تحولات الموقف السوري - اللبناني:

في ظل استمرار الضغوط الأمريكية والفرنسية علي دمشق وبيروت، وعلي ضوء النتائج غير الإيجابية التي نجمت عن الأسلوب المشار إليه في التعامل مع تلك الضغوط، فإن الأسابيع الأخيرة من عام 2004 حملت معها مؤشرات قوية إلي إدراك دمشق وبيروت دلالات وعبر تلك النتائج، لذا لوحظ أن السياستين السورية واللبنانية بدأتا تسيران حثيثا باتجاه التهدئة مع مصادر الضغوط الخارجية بل والتجاوب معها إلي حد كبير، ويتجسد هذا التوجه في عدة مظاهر، بعضها يتعلق بالمسار الثنائي للعلاقات، بينما يمكن تلمس البعض الآخر في مسائل وموضوعات أخري.

علي الصعيد الأول (المسار الثنائي المباشر) بادرت دمشق إلي إعلان نيتها إجراء مرحلة جديدة من مراحل إعادة انتشار القوات السورية في الأراضي اللبنانية، وهو ما يعني استجابة مباشرة لمتطلبات القرار الدولي 1559 ويدل في الوقت نفسه علي تجاوب فعلي مع الضغوط والمطالب الخارجية من جانب كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بشأن الوجود العسكري السوري في لبنان.
علي صعيد المسائل غير الثنائية، فإن دمشق أقدمت علي بادرة تعد الأولي من نوعها في السياسة الخارجية السورية تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي، حيث أعلنت استعدادها لاستئناف التفاوض مع إسرائيل دون قيد أو شرط، وهو موقف جديد تماما علي السياسة السورية التي طالما تمسكت، سواء في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد أو في العهد الحالي، بأن يكون استئناف المفاوضات مع إسرائيل من النقطة التي انتهت عندها، والتي عرفت باسم "وديعة رابين" التي اتفق بين الطرفين بموجبها وبضمانة أمريكية في عهد بيل كلينتون علي أن تستعيد سوريا الجولان مقابل إقامة سلام كامل مع إسرائيل.. وهو الشرط الذي طالما أيضا رفضته تل أبيب بعد اغتيال رابين أواخر عام 1995، فبعد أن تجنب شيمون بيريز الذي خلف رابين لبضعة أشهر الحديث عن هذه الصفقة (الوديعة) تمسك كل من بنيامين نيتانياهو ثم إيهود باراك وأخيرا آرييل شارون بأن يكون التفاوض دون قيد أو شرط. والشاهد أنه ورغم التصريحات السورية التي حاولت التخفيف من وطأة إعلان رغبة دمشق في تجديد التفاوض عبر تأكيد أن المفاوضات ستبدأ من حيث توقفت، إلا أن مجرد مبادرة دمشق إلي هذه الخطوة، إضافة إلي الوضعية الصعبة التي تعاني منها إقليميا ودوليا، فضلا عن المناخ العربي غير المساند لأي توجه متشدد أو متمسك بالثوابت السورية أو العربية التقليدية بوجه عام، كلها اعتبارات تشير إلي أن التحرك السوري ليس سوي استجابة للضغوط الأمريكية، وهو ما يؤكده تطور السلوك السوري تجاه الملف العراقي، سواء علي الصعيد السياسي في المؤتمرات والمحافل المعنية بالشأن العراقي وآخرها المؤتمر الدولي الذي عقد في شرم الشيخ بمصر 22 و23 نوفمبر من العام الماضي ثم مؤتمر وزراء داخلية دول الجوار العراقي الذي عقد في طهران نهاية الشهر نفسه.

فقد راحت دمشق تتخذ تدريجيا مواقف أكثر مرونة وتجاوبا مع المطلوب أمريكيا وعراقيا، أو علي الصعيد الأمني إذ بدأت دمشق بالفعل في القيام بإجراءات عملية لضبط الحدود مع العراق، وباشرت تنسيقا أمنيا مع الولايات المتحدة بهذا الخصوص. وكذلك علي الصعيد الإعلامي، إذ خفت حدة الانتقادات السورية للاحتلال الأمريكي للعراق والممارسات التي تقوم بها قوات الاحتلال هناك.
كل هذه التطورات في السياسة السورية تصب في اتجاه تجنب الضغوط الأمريكية وتفادي تربصات واشنطن إن لم يكن استرضاءها. ويمكن بسهولة في ظل هذه الأجواء توقع استمرار حرص دمشق علي التوافق مع متطلبات تلك الضغوط. وفيما يتعلق بالمحور السوري - اللبناني، فإن تحولات السياسة السورية لن تكون منفصلة عن المسار الثنائي للعلاقات السورية- اللبنانية.

لبنانيا، المعتاد تقليديا أن الانقسامات والتنويعات اللبنانية متعددة المحاور تعكس نفسها في تعاطي الدولة اللبنانية مع المستجدات الداخلية والخارجية، لكن الثابت أيضا أن العلاقة بين لبنان وسوريا تعد من الدوائر المغلقة التي لا تتأثر بتلك الانقسامات الداخلية اللبنانية، بل إن خصوصية تلك العلاقة ووثوقيتها طالما كانت محل قبول لبناني عام ينطوي علي مواقف فرعية تتراوح من التمسك بها إلي الصمت عنها.

بيد أن ما أثير حول مبادرة دمشق إلي التدخل في مسألة الرئاسة اللبنانية عبر تعديل الدستور لتمديد فترة رئاسة الرئيس الحالي إميل لحود ثلاث سنوات أخري أدي إلي اتساع نطاق الجدل حول الدور السوري في لبنان بما يتجاوز مجرد الحديث عن الوجود العسكري الفعلي لقوات سورية علي الأراضي اللبنانية، إلي الحضور السياسي والتأثير السياسي والأمني السوري في الحياة اللبنانية. كما وصلت تأثيرات هذا التطور إلي حد أن قوي وأطرافا لبنانية موالية لدمشق ومعروفة بتأييدها للدور السوري في لبنان قد أبدت تحفظا بل استياء من خطوة التمديد.

والشاهد أن الخطوة السورية - اللبنانية أوجدت -علي عكس المرجو منها بالقطع- مناخا غير موات لمزيد من التأثير السوري في الحياة اللبنانية، وفتحت المجال واسعا أمام مناقشة هذا التأثير من مختلف الزوايا وبشتي الدرجات والأشكال، خاصة أن البعد الخارجي بدوره فرض أجواء مساندة وداعمة لهذه الأفكار والتطلعات النازعة إلي التخلص من التأثير السوري.
ومن شأن هذه الأجواء أن تفرض أعباء إضافية علي الدولة اللبنانية أولا وعلي دمشق ثانيا، حيث سيكون علي سياسة بيروت الرسمية مواجهة الداخل والخارج معا لدي التعامل مع العلاقة مع دمشق، وستعاني الدولة اللبنانية من هذا العبء المزدوج قريبا، وتحديدا مع اقتراب الاستحقاق النيابي القادم، حيث ستتقدم مسألة العلاقة مع دمشق إلي صدارة القضايا الانتخابية فضلا عن أن الانتخابات نفسها بجوانبها الموضوعية والتنفيذية ستكون بمثابة اختبار عسير لمدي صلابة وتماسك محور بيروت- دمشق داخليا وخارجيا.

الخلاصة :

لم يعد محور العلاقات السورية - اللبنانية ثنائيا خالصا، وهو وإن لم يكن كذلك بالفعل منذ سنوات طويلة، فإن ظاهره كان كذلك وكان مستقرا وثابتا برضا وتوافق إقليمي ودولي. الوضع الآن مختلف، وقد رفع الغطاء عن التدويل الذي كان مخفيا. وربما تكون دمشق وبيروت قد اكتشفتا (وإن في وقت متأخر نسبيا) أن إدارة العلاقة بينهما لم تعد مباشرة، وأن الطريق السريع من بيروت إلي دمشق والعكس أصبح يمر بتقاطعات وعواصم كثيرة، وأن عليهما بدلا من فصل الملفات واعتبار بعضها محصنا أو خارج نطاق المناورات والضغوطات، أن تنظرا لكل القضايا والموضوعات بنفس الاهتمام بل والقلق. فشواهد الحاضر ومؤشرات المستقبل تنبئ بقوة عن أنه لن يظل في منطقتنا باب مغلق، وأن الطرق سينال كل الأبواب بعنف وبلا هوادة.

بداية الصفحة