2005‏, يناير

الجوانب الاصطلاحية لمفهوم "منطقة خالية من الأسلحة النووية"

د . محمد عبد السلام

عادت مشروعات إنشاء"المناطق الخالية من الأسلحة النووية" Nuclear Weapon Free Zones إلي الظهور مرة أخري في عدد من أقاليم العالم، كأحد المداخل المطروحة للتعامل مع مشكلة انتشار الأسلحة النووية المتفجرة في أكثر من منطقة، فقد أسفرت جولات المفاوضات السداسية المتعلقة بمشكلة البرنامج النووي لكوريا الشمالية عن تفاهم حول إقامة NWFZ في شبه الجزيرة الكورية في إطار الحل النهائي، عندما يتم التوصل إليه. وظهرت أصوات داخل الهند وباكستان تقرر أن استقرار الإقليم قد يتطلب التفكير بجدية أكبر في الفكرة القديمة الخاصة بإنشاء NWFZ في جنوب آسيا، لكن الأهم هو الاتجاه عمليا لتطبيق بعض جوانب المفهوم بعد تفكيكه في ظل حالة "الانتشار النووي" القائمة، فيما يمثل تطورا مهما في التعامل مع الفكرة بعيدا عن إطارها التقليدي.

لكن الأهم هو أن التطورات الخاصة بما تكشف حول عدم وجود أسلحة تدمير شامل لدي العراق بعد حرب 2003، وتخلي ليبيا من جانب واحد عن برامجها النووية، وما ظهر بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي تجري محاولات مكثفة لوقف تطور عمليات تخصيب اليورانيوم المتضمنه فيه، يضاف لذلك أن ما أثير بشأن قدرات ومواقف إسرائيل النووية خلال زيارة د. محمد البرادعي لها في منتصف عام 2004، قد أدي إلي إعادة تنشيط المشروع العربي الخاص بإقامة مثل هذه المنطقة في الشرق الأوسط، في ظل ظروف تبدو عمليا وكأنها مواتية أكثر مما سبق للبدء في التفاهم حول إقامة تلك المنطقة، وهو الخيط الذي التقطته عدة مراكز أبحاث ومؤسسات مهتمة علي المستوي الدولي لإعادة إثارة تلك المسألة، لاستكشاف ما إذا كان ثمة شئ قد تغير بشأنها أم لا.

وعلي الرغم من أن تبلور تلك التطورات في الوقت الحالي يعتبر استمرارا لظاهرة معتادة ارتبطت بتلك "الفكرة" منذ منتصف السبعينيات، وهي تكرار ظهورها واختفائها بشكل متقطع في فترات تاريخية مختلفة، دون أن يعني ذلك بالضرورة اقترابها من دائرة التطبيق الفعلي، إلا أن اللافت للانتباه هذه المرة هو أن تلك المشروعات يعاد طرحها في وقت بدا فيه بوضوح أن أهمية الأطر الإقليمية لضبط التسلح قد تقلصت في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر بفعل حالة التدويل العامة لقضايا الأمن في ظل نظام القطب الواحد، وهو ما يشير إلي احتمالات عودتها مرة أخري -كمدخل رئيسي- إلي ساحة النظام الدولي لمنع الانتشار النووي.

لكن بعيدا عن ذلك، يظل هناك سؤال لم يطرح كثيرا وكأنه من المسلمات، رغم أنه يحمل كثيرا من التعقيدات، وهو : ما الذي يعنيه بالضبط مصطلح "منطقة خالية من الأسلحة النووية"؟ ويتمثل الهدف الرئيسي من طرح ذلك السؤال والإجابة عنه في هذا التقرير، في محاولة توضيح بعض جوانب المسألة فيما يتعلق بمجرد "اسمها"، فلعل ذلك يثير الانتباه إلي تعقيداتها، علي نحو يخلق اهتماما جادا بها، حتي لا تكون الموجة الحالية مجرد موجة سياسية إعلامية أخري، أثبتت خبرة 30 سنة ماضية أنها لا تسفر في النهاية عن شيء سوي إثارة الرأي العام.

لقد ظهر مفهوم "المناطق الخالية من الأسلحة النووية" لأول مرة في منتصف الخمسينيات، من خلال مقترح بولندي، بالأمم المتحدة، كأحد التدابير المكملة لمحاولات إقامة نظام عالميGlobal Regime" لمنع انتشار الأسلحة النووية، لكن سرعان ما اكتسب هذا المفهوم أبعاده الذاتية، كمدخل (إقليمي) مستقل، تتم من خلاله إقامة ترتيبات أمنية اختيارية بين دول إقليم معين، لتحقيق أهداف ترتبط بطبيعة المشكلات النووية المطروحة في ذلك الإقليم، متميزا عن النظام الدولي (المستند عليNPT ) لمنع انتشار الأسلحة النووية، بأنه يشتمل علي قيود إضافية علي الدول غير الحائزة للأسلحة النووية، والدول المالكة لتلك الأسلحة، علي حد سواء، إضافة إلي اتساع الأهداف المرتبطة به لتتجاوز مشكلة التسلح النووي، إلي مشكلات نووية أخري، وفقا لطبيعة القضايا النووية المثارة في كل منطقة.

بداية الصفحة