|
|
||||||
|
سوباتشاي بانيتشباكدي السكرتير العام لمنظمة التجارة العالمية:
|
|||||
د. سوباتشاي بانيتشباكدي Supachai Panitchpakdi مناضل اقتصادي من تايلاند، حارب معركته الانتخابية بقوة ومرونة ليصبح أول رئيس لمنظمة التجارة العالمية من العالم النامي. وقفت معظم الدول الآسيوية إلي جانبه، وساندته العديد من الدول الإفريقية، وصوتت دول أوروبية كثيرة لصالحه، واعتبرته الدول النامية المدافع الأول عن قضاياها الاقتصادية. عارضته الولايات المتحدة، ووقفت الي جانب منافسه مايك مور Mike Moore رئيس وزراء نيوزيلاند السابق، انتخب د. سوباتشاي عام 1999، وتولي مهام منصبه في سبتمبر 2001 . درس د. سوباتشاي في جامعات بانكوك، وعرف بدفاعه المستمر عن تحرير التجارة منذ أن كان طالبا. حصل علي الماجستير في الاقتصاد والتخطيط التنموي، وأعد رسالة الدكتوراه في نفس الموضوع تقريبا تحت إشراف عالم الاقتصاد الشهير البروفسور يان تينبرجن Jan Tinbergen الحائز علي جائزة نوبل في الاقتصاد. بدأ حياته العملية في بنك تايلاند، وتنقل بين أقسامه المختلفة، بما في ذلك قسم التمويل الدولي وإدارة الإشراف علي المؤسسات المالية، وعرف بخبرته الواسعة ومهارته في الشئون الاقتصادية والمالية. وفي عام 1986 انتقل الي العمل السياسي، وعين نائبا لوزير المالية، وقام بالعديد من الإصلاحات الاقتصادية التي أدت إلي زيادة الفائض في الموازنة، وسمحت لتايلاند بتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفع لسنوات كثيرة. في عام 1992، عين د. سوباتشاي نائبا لرئيس الوزراء ومسئولا عن السياسة الاقتصادية والتجارية للبلاد، فقام بوضع أسس الإدارة السياسية للاقتصاد العام والتجارة، وساهم مساهمة فعالة في إقالة تايلاند من عثرتها الاقتصادية التي دامت قرابة النصف قرن، كما لعب أيضا دورا محوريا علي الساحة الدولية، وساعد في تحرير التجارة في منطقة جنوب شرق آسيا، مما أدي إلي توثيق العلاقات بين دول المنطقة ودعم موقفها كمجموعة اقتصادية متحدة (آسيان ASIANلها صوت قوي في المفاوضات الدولية. كما أنه كان أول من نادي بتشكيل المجموعة الأوروبية الآسيوية (ASEMالتي ضمت رؤساء الحكومات من آسيا وأوروبا مما ساعد علي توثيق العلاقات بين القارتين. قام، بعد توليه وزارة التجارة عام 1997، بتخفيف القيود المفروضة علي الاستثمار الخارجي، وحق التملك، وعدل القوانين التي تحكم قطاع الأعمال الخارجية، وارتفع بمستوي الأداء الاقتصادي للبلاد الي المستوي العالمي لتأكيد شفافية النظام الاقتصادي في تايلاند. وقد ركز د. سوباتشاي منذ توليه منصبه علي أولوية توسيع المنظمة، والتأكيد علي توزيع مكاسب التجارة الحرة بشكل عادل بدلا من تكدسها في الاقتصادات المتقدمة، والتصدي لقضايا أخري خطيرة مثل البطالة وتدهور حجم التجارة، وذلك من خلال عملية تحرير التجارة الدولية. ألف د. سوباتشاي العديد من الكتب في الاقتصاد والتنمية، أهمها كتاب "العولمة والتجارة في الألفية الجديدة" (2000. "Globalization and Trade in the New Millenium (2000 وكتاب "الصين ومنظمة التجارة العالمية : الصين المتغيرة والمنظمة المتغيرة" "China and WTO : Changing China and Changing WTO. * لقد لعبت دورا محوريا في إخراج تايلاند من أزمتها الاقتصادية التي استمرت قرابة النصف قرن .. هل يمكن أن تحدثنا عن هذه التجربة؟ - في الواقع إن هذه الأزمة لم تستمر كل هذا الوقت تقريبا، ولكن من المؤكد أنه كان وقتا عصيبا للغاية، وقد مارسنا سياسة إصلاحية لفترة طويلة كانت ناجحة إلي حد كبير، ولكننا كنا عرضة للتأثر بالصدمات الخارجية بسبب بعض الجمود الذي كان يسيطر علي سياساتنا الاقتصادية العامة، وبعض هذه الصدمات كانت بسبب السوق العالمية، وبعضها الآخر كان نتيجة لقرارات سياسية اتخذت في دول أخري. هذا بالإضافة إلي أن الكثير من مشاكلنا الاقتصادية حدثت بسبب افتقارنا في ذلك الوقت إلي بنية تحتية تنظيمية قادرة علي التعامل مع تقلبات السوق. * كيف يمكن أن تستفيد دول نامية أخري من تجربة الشفاء الاقتصادي التي تمت في تايلاند؟ - أول نقطة يجب أخذها في الاعتبار هي أن الإصلاحات مهمة وضرورية، خاصة في مجال تدعيم آليات السوق والنظام المالي. ولولا الإصلاحات الاقتصادية التي أقدمنا عليها في تايلاند، لما بلغت البلاد هذا النمو الضخم الذي تعرفه اليوم، ولكن الإصلاح يجب أن يكون عملية هادئة ومرحلية، فإذا أرادت دولة أن تقوم بتحرير اقتصادها، فيجب عليها أولا تأسيس البنية التحتية اللازمة لذلك. * إنك أول رئيس لمنظمة التجارة العالمية جاء من العالم النامي، لذلك توقعت كثير من دول العالم الثالث أن تكون البطل الذي يدافع عن قضاياها .. فهل تشعر بأنك نجحت في تحقيق هذه الآمال؟ - فعلا أنا أول مدير عام لمنظمة التجارة العالمية من دولة نامية، ولكنني لست المدير العام للدول النامية، أنا المدير العام لجميع الدول الأعضاء في المنطقة وعددها 147 دولة. وبصفتي زعيما لإدارة محايدة، لا يمكن أن أنحاز أو أكون بطلا يدافع عن قضايا بعينها. حقا إن لي تجارب واسعة فيما يتعلق بقضايا التنمية، ولكن ذلك لا يجعلني متفردا، فالحقيقة أن جميع الحكومات - أعضاء المنظمة - قد أظهرت ميلا وانحيازا لصالح قضايا التنمية، كما اتضح ذلك في نوفمبر 2001، عندما وافقت هذه الحكومات علي تطبيق أجندة الدوحة، والبدء في مفاوضات التجارة الشاملة، وتتضمن هذه المفاوضات عنصرا تنمويا قويا. وقد ساندتها بقوة الدول النامية. حقا، هناك بعض الاحباطات الناتجة عن عدم قدرتنا علي الدفع قدما بهذه المفاوضات إلي المدي الذي كنا نتمناه، ولكن ظهرت أخيرا بعض المؤشرات الإيجابية التي تبشر بإمكان التوصل إلي إنجاز شيء تستفيد منه الدول النامية استفادة حقيقية. * ماذا كان رد فعل الدول المتقدمة، خاصة الولايات المتحدة، لانتخابك مديرا عاما لمنظمة التجارة العالمية؟ - لقد كان من الخطأ تصوير الحملة لاختيار المدير العام للمنظمة كما لو كانت عملية مواجهة بين الدول النامية والدول المتقدمة، وقد وقع كثير من الصحفيين في هذا الخطأ. والحقيقة أن كثيرا من الدول المتقدمة ساندت ترشيحي مثل اليابان وبريطانيا واستراليا وهولندا، كما ساندت كثير من الدول النامية المدير العام الذي سبقني مايك مور. وقد تم اقتراح حل وسط يسمح لكل منا، مايك وأنا، بتولي الإدارة لمدة ثلاث سنوات، وقد ساندت الولايات المتحدة هذا الاقتراح بقوة، واستمرت في مساندته منذ بدأت أمارس مهام منصبي. * هل يمكنك أن تفسر لنا سبب اعتبار منظمة التجارة العالمية أقوي المنظمات العالمية رغم أنها أحدثها؟ - هذا يشكل لغزا بالنسبة لي، ويجب أن أعترف بذلك. فنحن منظمة لا تملك سوي 600 موظف وميزانية نحو 120 مليون دولار، أي منظمة صغيرة جدا، ولا نمتلك قوة عسكرية ولا نستطيع أن نقدم قروضا أو منحا. كما أننا كإدارة لا نستطيع أن نتخذ قرارات كبيرة ملزمة، نحن فقط نقدم إطارا للمناقشة تستطيع من خلاله الحكومات الأعضاء إجراء مفاوضاتها وحل خلافاتها ومناقشة السياسات التجارية لكل دولة. ربما يكون السبب في اعتبارنا أقوي منظمة دولية هو امتلاكنا آلية فريدة لفض النزاعات، فإذا رأت الهيئة المكلفة بحل الخلافات داخل المنظمة أن حكومة من الحكومات لا تفي بالتزاماتها، فإنها تطالب هذه الحكومة بإجراء التعديلات اللازمة، فإذا رفضت تنفيذ قرارات الهيئة، فإن من حق الدولة التي تقدمت بالخلاف إلي المنظمة أن تتصرف وفقا لما تراه، وأن تفرض العقوبات التي تقررها ضد الحكومة غير الملتزمة. وهذا لا يحدث كثيرا في الواقع، فقد نظرنا في نحو 300 حالة نزاع، ولم تسفر الحلول عن فرض عقوبات إلا في بعض الحالات القليلة. ولكن عندما تفرض مثل هذه العقوبات فإنها تحدث دويا شديدا، وتحتل العناوين الرئيسية في الصحف. * هل تتعاون منظمة التجارة الدولية مع الأونكتاد؟ - بالطبع، فنحن من أهم مؤسسي "مركز التجارة الدولية"، وهو مركز مهم جدا يقوم بإرشاد شركات القطاع الخاص في الدول النامية حول كيفية الإسهام بشكل أكثر فعالية في نظام التجارة العالمي، ونحن نعمل مع الأونكتاد في وضع الأطر المتكاملة للتجارة المرتبطة بالمساعدات الفنية للدول النامية، كما تتعاون منظمة التجارة العالمية ومركز التجارة الدولي تعاونا وثيقا مع الأونكتاد في وضع البرامج المشتركة للمساعدات الفنية المتكاملة.
وقد حضر أعضاء الأونكتاد جميع
مؤتمراتنا الوزارية، وشاركوا كمراقبين في أهم اجتماعاتنا في جنيف، كما نحضر نحن
أيضا مؤتمراتهم المهمة، وقد أرسلت وفدا من منظمتنا إلي ساوباولو لحضور مؤتمر
الأونكتاد الحادي عشر. وقبل ذلك قمت أنا برئاسة المؤتمر العاشر للأونكتاد الذي
عقد عام 2000، وهو المؤتمر الذي أعاد الثقة بالنظام التجاري متعدد الأطراف بعد
نكسة مؤتمر سياتل. - لدينا في الوقت الحالي إحدي عشرة دولة عربية في المنظمة، ويجري التفاوض حاليا بشأن انضمام خمس دول عربية أخري، بعض هذه المفاوضات تتقدم أكثر من غيرها. وفي الواقع، فإن مفاوضاتنا مع لبنان تتطور بشكل إيجابي جدا، وكذلك مفاوضاتنا مع السعودية بدأت تتقدم هي الأخري. حقا إن بعض القضايا مازالت في حاجة إلي حلول، ولكن حدث تطور إيجابي ملموس خلال العام الماضي، وأتوقع أننا سندخل المرحلة الأخيرة من المحادثات في المستقبل القريب. * ماذا كان أثر أحداث 11 سبتمبر علي منظمة التجارة العالمية؟ - عندما وقعت هذه الأحداث، لم أكن قد توليت مهام منصبي بعد، ولكن نمي إلي علمي أن التأثير كان قويا جدا، بلا شك إن هذه الأحداث شكلت صدمة كبري للجميع وأثارت مشاعر حزن عميق. وفيما يختص بعملنا، فقد ساد اتجاه قوي لدي الجميع عقب هذه الأحداث بضرورة العمل الجماعي من أجل إيجاد الحلول للمشكلات المشتركة، وسأعطيك مثالين علي ذلك : الأول عندما تزامن الوقت الذي حدث فيه هجوم سبتمبر مع الأسبوع الأخير من مفاوضات قبول الصين في المنظمة، وكانت هذه المفاوضات شاقة وعسيرة للغاية، ولكن بعد الهجمات بدأت روح التضامن الحقيقي تسود بين المفاوضين، واقتنع الجميع تماما بأن انضمام الصين إلي المنظمة هو التصرف السليم الذي يجب عمله لأسباب عديدة. والمثال الثاني وقت انعقاد مؤتمرنا الوزاري الرابع في الدوحة في نوفمبر، أي بعد شهرين من أحداث سبتمبر، وهنا أيضا شعر الجميع بأن الدول كلها ملتزمة بالعمل معا. إنني لا أستطيع القول إن النتائج الناجحة للمفاوضات تعود كلية إلي رد الفعل الجماعي للهجمات، ولكن شعور التضامن الحقيقي الذي أثارته هذه الأحداث ساهم كثيرا في هذا النجاح.
* ولكن من الصعب
القول إن المنظمة قد تغيرت نتيجة لهذه الأحداث، فنحن علي عكس بعض المنظمات
الأخري لا تحكمنا الأيديولوجيات، وإنما نحن منظمة واقعية وعملية تأتي إليها
الحكومات للتفاوض بشأن اتفاقياتها التجارية. بالتأكيد لدينا سياسات، ولكن
تركيزنا ينصب أكثر علي إيجاد حلول عملية للمشكلات التجارية. - لا يمكن لأي شخص يفهم جيدا عمل منظمة التجارة العالمية أن يوجه إليها مثل هذه الاتهامات، يجب أن يفهم الجميع أن هذه المنظمة يتم اتخاذ القرارات فيها علي أساس الإجماع، وقد يقول البعض إنها ليست الطريقة المثلي لاتخاذ القرارات، ولكن لا يمكن القول إنها غير ديمقراطية، فأصغر عضو يمكن أن يثير خلافات مع أكبر عضو هنا ويخرج منتصرا، وهذا يحدث كثيرا وبصفة منتظمة. إن المفاوضات التي باشرناها ويطلق عليها "مفاوضات أجندة الدوحة للتنمية" تركز أساسا علي التنمية، وإذا كانت الدول النامية غير راضية عن الطريقة التي تطورت بها هذه المفاوضات، فإنها تستطيع، ليس فقط إبداء رأيها، وإنما تستطيع أن تشن حملة واسعة لتغيير مسار المفاوضات. وقد رأينا ذلك يحدث في كانكون في سبتمبر عام 2003 . * لماذا رفضت الولايات المتحدة مبادرة المنظمة لتزويد الدول النامية بالمستحضرات الطبية والأدوية بأسعار رخيصة؟ - إن ما حدث بالفعل هو أننا توصلنا إلي إبرام اتفاقيتين للحصول علي الأدوية بأسعار معتدلة، الاتفاقية الأولي تمت في الدوحة عام 2001، وتناولت معظم القضايا المتعلقة بهذا الموضوع، والاتفاقية الثانية تمت في جنيف في أغسطس 2003، وتناولت بالذات مسألة تزويد الدول التي لا تملك القدرة علي إنتاج الدواء بهذه المستحضرات. وقد وقعت الولايات المتحدة الاتفاقيتين بالرغم من أنها بالفعل كان لديها بعض التحفظات خلال المفاوضات التي تمخضت عن اتفاقية أغسطس، وتتمثل هذه التحفظات في خوف الولايات المتحدة من أن عدم احترام حقوق الملكية الفكرية وتسجيل الأدوية سيؤدي إلي نقص في الموارد اللازمة لإجراء البحوث لتطوير أدوية جديدة، مما سيؤدي إلي توقف هذه العملية. وقد تم عرض هذه التحفظات بشكل قبلته جميع الحكومات. * لماذا توجد دائما خلافات في الرأي بين الولايات المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، وما هي الخطوات التي اتخذتها المنظمة في هذا الصدد؟ - المسألة ليست مسألة خلافات في الرأي بين الولايات المتحدة والمنظمة، إن منظمة التجارة العالمية كمؤسسة ليس لها رأي خاص بها، وإنما لها آراء متعددة لحكومات كثيرة يبلغ عددها 147 حكومة أعضاء في المنظمة. وفي معظم الأحيان، تثور خلافات في آراء هؤلاء الأعضاء، سواء كان الأمر يتعلق بالمفاوضات أو بمناقشة السياسات التجارية أو بتسوية النزاعات، ربما تقصدين هنا عدد الخلافات التي تثار ضد الولايات المتحدة. مرة أخري أقول إنه في حالة وجود حالة تسوية نزاع ما، فإن المنظمة ليست هي التي تثير هذا النزاع ضد هذه الدولة أو تلك، وإنما الذي يثيره هو إما أحد أعضاء المنظمة أو مجموعة من الأعضاء. حقا إن الولايات المتحدة تعتبر أكثر دولة تثار ضدها الخلافات، وسجلت أكبر عدد من الحالات التي قدمت إلي لجنة فض المنازعات أكثر من أي عضو آخر. ولكن لا شك في أن هذا يعود في جزء كبير منه إلي حجم معاملاتها التجارية، فكلما زادت تجارتك وكثرت القطاعات التي تتاجرين فيها، زاد احتمال الخلاف. وهذا هو السبب في أن الولايات المتحدة - وأيضا الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وكوريا والهند - تتورط أكثر من غيرها في حالات نزاع علي عكس الدول ذات التجارة المحدودة. * حدثنا عن التقدم الذي أحرزته المنظمة في مجال تحرير النظام التجاري العالمي، خاصة في القطاع الزراعي؟ - لقد أحرزنا تقدما جوهريا في هذا المجال، ونحن الآن بصدد إبرام اتفاقية مؤقتة تمهد الطريق أمام إلغاء الدعم المالي للصادرات الزراعية، وهذا النوع من الدعم يعد من أكثر أنواع الدعم تشويها للنظام التجاري. وقد تفهم أعضاء المنظمة الحاجة إلي الخفض الحاد في هذا الدعم المحلي الذي يضر بالتجارة، كما تفهموا أيضا ضرورة فتح أسواقهم أمام الواردات. وهناك الكثير الذي يجب عمله لتأمين الصفقات في هذه المجالات الحيوية. أولا نحن في حاجة إلي إحراز التقدم في مجالات أخري من أجندة مفاوضاتنا، بما في ذلك تجارة الخدمات وتجارة البضائع المصنعة، وأيضا لسنا في حاجة إلي تأكيد أننا سنعطي اهتماما خاصا للدول النامية والدول المستوردة للغذاء والدول الأقل نموا، وبالطبع كل هذا سيتطلب جهدا كبيرا، ولكن وزراء التجارة قد أبدوا استعدادا طيبا منذ بدأنا المفاوضات، وأكدوا علي فعل كل ما هو ضروري من أجل التوصل إلي اتفاق ومواصلة العمل بأجندة الدوحة للتنمية. * هل زادت نسبة مشاركة الدول النامية في التجارة الدولية منذ توليت منصبك؟ - الأمر لا يحتاج إلي سؤال، فالأداء القوي والحاسم لمجموعة العشرين من الدول النامية، والتي كانت مصر ضمنها في مؤتمر كانكون، هو مؤشر واضح علي ذلك. إن الدول النامية قد انتزعت لنفسها بمهارة مكاسب كبيرة في مجال الزراعة والوصول إلي الأسواق غير الزراعية، وكذلك في قضايا التنمية مثل المعاملة الخاصة والتفضيلية للدول النامية، وتهدئة مخاوف هذه الدول من تنفيذ الاتفاقيات القائمة، كما تساهم الدول الأكثر نموا في ذلك من خلال شبكة من القضايا المتنوعة بشكل غير مسبوق. دعيني أضرب لك مثلا علي ذلك : تقدمت أربع دول من غرب إفريقيا هي : تشاد ومالي وبوركينا فاسو وبنين بطلب خاص إلي لجنة المفاوضات التجارية للمنظمة من أجل إجراء مفاوضات مكثفة حول إلغاء الدعم المالي الذي يضر بالتجارة، وهذا الدعم يمنح لمنتجي الأقطان، وقد أصبحت هذه القضية واحدة من أهم القضايا التي تتضمنها أجندة مفاوضاتنا، ويبدو أن هذه الدول ستكون لديها فرصة في الحصول علي اتفاق في هذا الصدد، وهو اتفاق سيعود عليها بفائدة عظيمة. إن فكرة أن تتقدم هذه الدول الأربع الفقيرة بقضيتها إلي منظمة التجارة العالمية بهذه الطريقة كانت أمرا غير وارد علي الإطلاق، حتي منذ خمسة أعوام مضت. هل تقوم منظمة التجارة العالمية بمنح الدول النامية أي نوع من المعاملة التفضيلية؟ - بالتأكيد، فكل دولة تحدد لنفسها جدول وقيمة التعريفة الجمركية التي تطبقها، وبشكل عام فإن قيمة التعريفة الجمركية تكون أعلي نسبيا في الدول النامية عنها في الدول المتقدمة. ونحن نمنح هذه الدول فترة سماح أطول من أجل تطبيق بعض الاتفاقيات التجارية، فالمعايير هنا تختلف، لأن ما يمكن أن تتحمله الدول النامية يختلف عما يمكن أن تتحمله الدول المتقدمة، وذلك في جميع المجالات. إن كثيرا من وفود الدول النامية يعتقد أن بإمكاننا فعل المزيد في هذا الشأن، وعلي كل حال فهي تتفاوض لتصل إلي النتائج التي تريدها في مفاوضات الدوحة. إنه بالتأكيد أمر حيوي أن نقوم بتطوير قدرات الدول النامية علي الاشتراك الفعال في هذه المفاوضات، وقد قمنا بزيادة الاعتمادات المالية المخصصة للمساعدات الفنية المتعلقة بالتجارة، وذلك بنسبة كبيرة جدا. وأنا أواصل البحث عن أساليب تزيد من فعالية برامجنا لتحسين قدرة الدول النامية علي التفاوض. * ما مدي التقدم الذي أحرزته منظمة التجارة العالمية في جهودها من أجل فتح أسواق الدول المتقدمة أمام البضائع والخدمات من العالم النامي؟ - حسنا .. كما قلت سابقا فإن هذه الجولة من المفاوضات تدور تحديدا حول التنمية، وهذا يعني مناقشة المجالات ذات الأهمية الخاصة بالنسبة للدول النامية، ربما يكون المجال الزراعي هو المجال الذي يصبح فيه الانفتاح علي السوق العالمية مفيدا جدا بالنسبة للدول النامية. ولكن الحقيقة أن الانفتاح سيفيد المجال الصناعي أيضا. حقا إن الدول المتقدمة تفرض جمارك عالية نسبيا علي المنتجات المصنعة في الدول النامية، ولكن يجب أيضا أن نذكر أن الدول النامية تفرض هي الأخري جمارك علي المنتجات المصنعة في دول نامية أخري، إن 60% من الجمارك التي تدفعها الدول النامية علي صادراتها من المنتجات الصناعية مدفوعة في الواقع إلي دول نامية أخري، وبالتالي فإن تخفيض الجمارك علي المنتجات المصنعة في الدول النامية سوف يكون له تأثير فعال في تنشيط التجارة بين بلاد الجنوب وبعضها. وتعتبر التجارة بين بلاد الجنوب أسرع شرائح التجارة العالمية نموا في الوقت الحالي، حيث تقدر بنحو 30% من الحجم الكلي للتجارة العالمية، ومازالت مستمرة في النمو. إن زيادة التجارة بين دول الجنوب يمكن أن تساهم بدرجة ملموسة في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية في العالم النامي. * هل استطاعت المنظمة إقناع العالم المتقدم بمساعدة الدول النامية في برامجها للإصلاح الاقتصادي حتي يمكنها الانضمام إلي نظام التجارة العالمي؟ - نعم، لقد نجحنا إلي حد ما في هذا الصدد، إننا لم نحقق فقط نجاحا في مجال الزراعة كما سبق أن أشرت من قبل، ولكن أيضا عندما توصل أعضاء منظمة التجارة العالمية إلي اتفاق في أغسطس قبل الماضي حول تحسين فرص وصول الأدوية الأساسية إلي الشعوب التي تعيش في دول تفتقر بوجه عام إلي القدرة علي تصنيع مثل هذه الأدوية، كما حاولت الدول المتقدمة أيضا تهدئة مخاوف الدول النامية، وذلك عن طريق زيادة التمويل المخصص للمساعدات الفنية المرتبطة بالتجارة. هل نستطيع أن نفعل أكثر من ذلك، بالتأكيد نستطيع .. فهناك قضايا أخري كثيرة تهم الدول النامية، حيث لم نصل بعد إلي اتفاق بشأنها، ولكن دعيني أذكرك بأن مفاوضاتنا لم تنته بعد. * هل تعتقد أن التنمية يجب أن تسبق تحرير التجارة؟ - سؤالك يفترض أن تحرير التجارة يجب أو يتعارض مع تحقيق التنمية، ولكن من الثابت تاريخيا أنه لا توجد دولة فقيرة استطاعت أن تحقق نموا اقتصاديا قويا ودائما دون تنشيط التجارة، وهذه حقيقة مؤكدة. حقا إن كل دولة يجب أن تضع سياساتها التجارية علي ضوء مستواها التنموي وسياساتها الاقتصادية العامة، بالإضافة إلي وضعها السياسي، ولكن المناقشات حول تحرير التجارة التي تدور في إطار المنظمة تنصب أساسا علي توقيت ومدي الانفتاح علي السوق العالمية، ولا تتطرق إلي موضوع ما إذا كان يجب أن يحدث هذا الانفتاح أم لا. * ما هو الأسلوب الأمثل - في رأيك - لتخفيف التوتر في العلاقات التجارية بين الدول المتقدمة؟ - إن التوتر موجود وسيستمر دائما بين الشركاء التجاريين، ولكن إذا نظرنا إلي حجم تجارة البضائع بين الولايات المتحدة وأوروبا وبالعكس والذي يبلغ 270 بليون دولار، فسنجد أن أقل من 5% من هذه التجارة كان موضعا للخلاف. إن الموقف كالآتي : عندما تحدث هذه الخلافات رغم قلة عددها، فإنها تحدث ضجة كبيرة، وتحتل العناوين الكبري في الصحافة، بصراحة إن لجان فض النزاعات المنبثقة عن منظمة التجارة العالمية قد خففت كثيرا من التوترات التجارية، فقد كانت الحكومات في الماضي تهدد بعضها بعضا بفرض عقوبات تجارية من جانب واحد، ولكن اليوم تأتي إلينا هذه الحكومات بخلافاتها، وفي معظم الحالات فإنها تقبل بالأحكام التي تصدرها لجان التحكيم وهيئة الاستئناف. ماذا تفعل المنظمة لتحارب الركود الاقتصادي العالمي وتراجع معدلات التنمية؟ - إن أكبر مساهمة يمكن أن نقوم بها في هذا الصدد هي تطبيق أجندة الدوحة للتنمية، إن التطبيق الناجح والطموح لهذه الأجندة سيؤدي فورا إلي الحد من التشوهات التجارية التي كانت سببا في تعطيل دول كثيرة، وتقليل فرص مشاركتها في السوق العالمية، كما أن محصلة ناجحة لتطبيق أجندة الدوحة ستكون بمثابة رسالة ثقة قوية موجهة إلي مجتمع الأعمال عبر العالم. * ما هو تفسيرك لفشل مؤتمر كانكون 2003 في إقرار النص الوزاري الذي تم إعداده، وهل كان لأحداث العراق أي دور في هذا الفشل؟ - الجزء الثاني من سؤالك سهل الإجابة عليه بأن أحداث العراق لم تلعب أي دور في نتائج مؤتمر كانكون المخيبة للآمال .. أما فيما يتعلق بأسباب عدم تمخض المؤتمر عن نتائج أفضل فأقول إن الانتظار الطويل وتردد الحكومات في التخلص من أوضاع مستقره منذ زمن بعيد هما سبب هذا الفشل. إن أسلوب الانتظار حتي يبدأ الآخرون لم يعد مجديا في الوقت الحالي، إن لدينا 147 دولة أعضاء في منظمة التجارة العالمية، وبالنسبة لكثير من الدول النامية يشكل تغيير الأوضاع في آخر لحظة أمرا بالغ الصعوبة. إن الدول النامية تفتقر إلي القدرة علي تحليل آثار تطبيق منهج مختلف، وبالتالي تفتقر إلي القدرة علي التصرف السريع. تأتي بصيغ معدة سلفا، فيصبح التحرك بعد ذلك أمرا شاقا.. لذلك يجب أن يعلن المفاوضون عن رغباتهم بوضوح منذ البداية. وأعتقد أن الجميع قد تعلم هذا الدرس جيدا، ونحن نشهد اليوم التزاما أفضل وفي توقيت مبكر علي عكس ما حدث في كانكون. * ما هو أهم التحديات التي واجهتك منذ توليت إدارة منظمة التجارة العالمية؟ - هذا سؤال صعب، لأن هناك تحديات كثيرة تواجه المدير العام للمنظمة، ربما كانت أهم هذه التحديات تتمثل في مواصلة العمل بأجندة الدوحة للتنمية بعد فشل كانكون .. ومعني ذلك التركيز والاهتمام بجميع الدول الأعضاء في المنظمة، ومحاولة إقناعها بتبني منهج مختلف لتضييق فجوة الخلافات بينها. * ما هو الأمل الذي تتمني تحقيقه في المستقبل؟ - أولا : أتمني أن أدفع قدما بدورة الدوحة لتحقيق أحسن نتائج يمكن الوصول إليها .. أما بالنسبة لما سأفعله بعد ترك المنظمة، فأنا لم أفكر بعد. أحد الاحتمالات أن أقوم بتأليف كتاب عن المنظمة والنظام التجاري، احتمال آخر أن أعمل أستاذا للعلوم الاقتصادية، ولكن اهتمامي ينصب في الوقت الحالي علي أجندة الدوحة للتنمية ومنظمة التجارة العالمية. |