2005

‏,

يناير


القوي السياسية الفلسطينية والانتخابات

الانتخابات الرئاسية ومستقبل الدولة الفلسطينية

أحمد سيد أحمد

 

تأتي الانتخابات الرئاسية الفلسطينية المقبلة في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بمنعطف خطير عقب رحيل الرئيس ياسر عرفات وإذا كانت الانتخابات ليست نهاية المطاف، فإنها علي الأقل يمكن أن تشكل خطوة علي طريق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهذا بدوره يتطلب التغلب علي الصعاب والتحديات وحسن استغلال المتغيرات الجديدة.

أهمية الانتخابات:

- تمثل الانتخابات الرئاسية الفلسطينية نموذجا جيدا لإثبات أن الشعب الفلسطيني قادر علي تقرير مصيره بنفسه وإدارة شئونه، وأن انتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية يفند الحجة الإسرائيلية والأمريكية بغياب شريك فلسطيني قادر علي صنع السلام، ولا يمثل شعبه، خاصة بعد الاتهامات السابقة المتكررة من جانب الطرفين للرئيس عرفات بأنه يعمل ضد مصلحة شعبه، وأن الشعب الفلسطيني في حاجة إلي قيادة جديدة. ومن ثم فإن وجود رئيس فلسطيني منتخب بصورة ديمقراطية وبإشراف دولي، يلقي بالكرة في الملعبين الإسرائيلي والأمريكي، لتنفيذ الالتزامات المقررة علي الجانب الإسرائيلي وفقا لخريطة الطريق.

- برغم أن الانتخابات الرئاسية تجري تحت الاحتلال الإسرائيلي للأراضي، وهو وضع استثنائي فريد بالنسبة للتجارب العالمية في الديمقراطية، إلا أنه يشكل تحديا كبيرا أمام الفلسطينيين.

- تشكل الانتخابات الرئاسية إحياء جديدا للمرجعية السياسية الفلسطينية، القادرة علي جمع الشعب الفلسطيني حولها وقيادة مسيرة النضال الفلسطينية لاستعادة حقوقهم المشروعة. كما أنها تثبت أن القضية الفلسطينية لا تختزل في شخص، وأن رحيل عرفات لا يعني رحيل القضية، وأن الفلسطينيين بما لديهم من كوادر وخبرات وتاريخ قادر علي إنجاب الأبطال والزعماء لقادرون علي استكمال مسيرة النضال.

تحديات ومصاعب:

تواجه الانتخابات الفلسطينية المقبلة العديد من التحديات والمصاعب هي:

- غياب حالة عدم الاستقرار الأمني، حيث إن مظاهر التسليح منتشرة في الشارع الفلسطيني، وكانت محاولة اغتيال "أبو مازن" في خيمة لتلقي العزاء في الرئيس عرفات بعد وفاته بأيام، مثالا واضحا علي حالة الانفلات الأمني التي يعيشها الشارع الفلسطيني، نتيجة لانهيار الأجهزة الأمنية الفلسطينية بفعل التدمير الإسرائيلي، إضافة لوجود العديد من المنظمات والفصائل الفلسطينية المسلحة ولا تنضوي تحت لواء السلطة الفلسطينية، وهذا يشكل تحديا كبيرا أمام تهيئة الأرضية اللازمة لإجراء الانتخابات، خاصة أن الاختلافات السياسية بين الفصائل الفلسطينية غالبا ما تنعكس علي الصراعات المسلحة. وهنا تبرز الحاجة إلي جمع الأسلحة وضبط عملية استخدام هذه الأسلحة.

- الانقسامات داخل حركة فتح: وهي كبري المنظمات الفلسطينية التي تحملت مسيرة النضال الفلسطيني، وقد انعكس هذا الانقسام في مسألة ترشيح عضو الحركة مروان البرغوثي، فبعد أن تخلي عن الترشيح في البداية وأعلن التزامه بوحدة فتح وقرارها بترشيح مرشح واحد هو أبو مازن، عاد في اللحظات الأخيرة ليرشح نفسه كمستقل، وهو ما يمكن أن يهدد الحركة نفسها، خاصة أن هناك العديد من الشباب أعضاء فتح إضافة إلي كتائب شهداء الأقصي، الجناح العسكري لفتح، يؤيدون ترشيح البرغوثي، وبالتالي برز الانقسام بين الحرس القديم المؤيد لأبو مازن والأجيال الشابة المؤيدة للبرغوثي .. ولكن حفاظا علي وحدة الحركة، عاد وسحب ترشيحه، مؤكدا تأييده ل- "أبو مازن".

- مقاطعة حركتي حماس والجهاد للانتخابات: وهو ما سيؤثر بالسلب علي العمل السياسي الفلسطيني في المرحلة المقبلة، وبررت الحركتان مقاطعتهما بعدة مبررات:

- الأول: إن الانتخابات الرئاسية تجري في إطار اتفاقات أوسلو، التي لم تعترف بها الحركتان حتي الآن، وتعتبران أن مفعولها قد انتهي بعد أن ألغاها شارون عام 2002.

الثاني: إن المقاومة المسلحة هي الخيار الوحيد أمام الشعب الفلسطيني لتحرير الأرض، وإن الحديث عن أية خطوات سياسية لابد أن يتبع التحرير، وتري أن الأحداث السابقة أثبتت أن اتفاقات السلام السابقة وفي مقدمتها اتفاقات أوسلو كانت حبرا علي ورق، ولم تؤد إلي إقامة الدولة الفلسطينية، وقد قتلت إسرائيل خلال الانتفاضة 3800 فلسطيني منذ بدء الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000 وبالتالي مادام الاحتلال باقيا فستظل المقاومة هي الخيار الوحيد.
الثالث: إن الانتخابات تجري بطريقة غير ديمقراطية، فنتيجة لأن أغلب أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني من أعضاء حركة فتح، فبالتالي لا يمكن لأي رئيس قادم للسلطة الفلسطينية أن يكون من خارج فتح، حيث من الصعب علي أي رئيس حكومة من خارج فتح أن يحصل علي ثقة أغلبية المجلس التشريعي لتشكيل حكومته، ومن ثم تطالب الحركتان بإجراء الانتخابات البلدية والتشريعية أولا ثم الانتخابات الرئاسية، أو تتم كلها في نفس التوقيت. وتريان أن الإصرار علي إجراء الانتخابات الرئاسية أولا يهدف إلي انتخاب رئيس من فتح يكون أكثر تجاوبا للمطالب الأمريكية والإسرائيلية.

وأيا ما كانت مبررات الحركتين للمقاطعة، فالأخطر أنهما أعلنتا بكل صراحة عدم التزامهما بوقف العمليات الانتحارية داخل إسرائيل، وعدم اعترافهما بأية اتفاقات للسلام، كما حدث في السابق مع اتفاقات أوسلو، وهذا من شأنه أن يخلق ازدواجية في الموقف الفلسطيني، وتكرار السيناريوهات السابقة من عدم وجود موقف فلسطيني موحد سواء فيما يتعلق بأسلوب المقاومة أو طريقة التفاوض، وهو ما أضر كثيرا بالقضية الفلسطينية.

- معوقات فنية، وتتمثل في صعوبة حركة الفلسطينيين بين مدن وقري الضفة وغزة وداخلها نتيجة لوجود الحواجز الإسرائيلية التي يزيد عددها علي الـ 400 حاجز وتشكل معاناة نفسية يومية للفلسطينيين في التنقل بين بيوتهم وأعمالهم ومدارسهم ومزارعهم. وبرغم الوعود الإسرائيلية بتسهيل حركة الفلسطينيين والمساعدة في إجراء الانتخابات، إلا أن الحكومة الإسرائيلية طرحت حلولا بديلة لإزالة الحواجز تتمثل في إقامة طرق خاصة تربط بين المستوطنات اليهودية، وأن تتحمل الجهات الدولية المانحة نفقات تمويل هذه الطرق، وهو ما رفضته تلك الدول.

وهناك عقبات فنية أخري مثل إجراءات تسجيل المواطنين الفلسطينيين في العملية الانتخابية، وهو أمر صعب ويحتاج إلي موارد مالية هائلة لا تمتلكها السلطة، خاصة أنه لم يجر إحصاء سكاني منذ سنوات.
إضافة إلي ذلك، تبرز مشكلة نقص الأموال لدي السلطة الفلسطينية وعجزها عن دفع رواتب الموظفين وقوات الشرطة، وقد أعلن أحمد قريع رئيس الوزراء أن السلطة بحاجة إلي 1.5 مليار دولار بشكل عاجل لمواجهة الالتزامات المتعددة التي تواجهها.

خريطة الانتخابات:

هناك أكثر من عشرة مرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية أبرزهم محمود عباس "أبو مازن" رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ومصطفي البرغوثي مرشح المبادرة الوطنية الفلسطينية، وبسام الصالحي مرشح حزب الشعب، وتيسير خالد مرشح الجبهة الديمقراطية، وطلال سدر وزير الرياضة والشباب السابق وهو مرشح إسلامي مستقل، وحسن النوراني، والصحفية ماجدة البطش.

ويعد أبو مازن الأوفر حظا في الفوز بالانتخابات، فهو من جيل الرواد في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية، إضافة إلي أنه يحظي بقبول جميع الأطراف، خاصة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل والدول العربية، إضافة إلي تمتعه بشعبية كبيرة في الشارع الفلسطيني. ويساعده علي فوزه ذكاؤه وشخصيته المعتدلة وابتعاده عن تبني المواقف المتطرفة أو الانحياز لطرف أو أيديولوجية معينة، فلم تكن له مواقف مضادة ضد أي نظام عربي كما فعل الرئيس الراحل ياسر عرفات، وقد انعكس ذلك في الترحيب الكبير الذي وجده في سوريا وكذلك الكويت، وهما الدولتان اللتان اتخذتا موقفا متشددا من الرئيس عرفات نتيجة لمواقفه السابقة من سوريا ومن حرب الخليج الثانية.

وتتباين البرامج السياسية للمرشحين، فمحمود عباس "أبو مازن" يركز علي وقف عسكرة الانتفاضة وإنهاء فوضي السلاح المنتشرة بين الفصائل والمنظمات الفلسطينيية، إضافة إلي دعمه للعودة مرة أخري إلي طاولة المفاوضات والسير في إطار العملية السياسية.

ويطرح طلال سدر في برنامجه أهمية تعزيز ثقة المواطن بالقيادة إضافة لقضية الأسري والمعتقلين، وتركز ماجدة البطش علي قضية القدس.
وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي أن غالبية الفلسطينيين سيشاركون في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فذكر أن 80% منهم سيشاركون بينما عبر 3.8% عن عدم مشاركتهم، ولم يقرر 11.2 المشاركة من عدمه.

وفيما يتعلق بالمرشحين فقد حصل أبو مازن مرشح فتح علي 39.6% يليه مروان البرغوثي قبل سحب ترشيحه 21.9%، ثم جاء المرشح المستقل مصطفي البرغوثي في المركز الثالث بنسبة 13.6%.

وأظهر الاستطلاع أن 25.5% من الناخبين يعتقدون أن البرنامج السياسي للمرشح هو الذي سيؤثر عليهم، بينما رأي 30.6 أن الانتماء السياسي هو المؤثر، وقال 14.6 إن البرنامج الاقتصادي للمرشح هو الأهم في التصويت لصالحه.

المواقف الدولية:

تحظي الانتخابات الفلسطينية باهتمام دولي كبير وغير مسبوق، ويمكن القول إن هناك قاسما مشتركا في المواقف الدولية جميعها يتمثل في أمرين:

- الأول: هو الرغبة في إنجاح الانتخابات الرئاسية الفلسطينية، وتقديم كافة التسهيلات لها، باعتبارها خطوة مهمة علي طريق إعادة إحياء عملية السلام التي تجمدت لسنوات.

- الثاني: هو تأييد مرشح حركة فتح "أبو مازن"، باعتباره يجسد نموذج القيادة الفلسطيني الذي يتسم بالاعتدال والقدرة علي قيادة شعبه خلال الفترة المقبلة.

لكن دوافع الاهتمام تختلف من طرف لآخر:

الموقف الإسرائيلي: يرتكز بصورة أساسية علي الرغبة في تولي محمود عباس "أبو مازن" للسلطة الفلسطينية، وإيجاد خليفة لعرفات الذي اتهمته بأنه يقف وراء العمليات الانتحارية التي وقعت داخل إسرائيل خلال السنوات الماضية، كما أن عرفات لم تكن لديه القدرة علي اتخاذ مواقف حاسمة، مما دفع الحكومة الإسرائيلية لطرح خطتها بالانسحاب الانفرادي من قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية، وذلك لغياب شريك فلسطيني قادر علي صنع السلام. لذلك أبدت حكومة أرييل شارون مرونة واضحة تجاه الانتخابات، تمثلت في موافقتها علي مشاركة سكان القدس الشرقية في عملية التصويت، إضافة إلي إعلان شاءول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي أن القوات الإسرائيلية ستنسحب من الأراضي الفلسطينية لمدة 72 ساعة أثناء الانتخابات لتوفير حرية التنقل للفلسطينيين وتسهيل إجراء العملية الانتخابية. بل إن إسرائيل -وفي إشارة واضحة لتأييدها لـ "أبو مازن"، الذي تتضح مواقفه في رفض عسكرة الانتفاضة - قامت بالتضييق علي مرشحي الرئاسة الآخرين، مثل مصطفي البرغوثي حيث اعتدت عليه بالضرب، واعتقال بسام الصالحي مرشح حزب الشعب لعدة أيام.

وتعتبر إسرائيل أن مواقف "أبو مازن" السابقة ضد الانتفاضة المسلحة ودعوته إلي انتهاج أسلوب المقاومة السلمية، يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي لوقف دوامة العنف بينهما، خاصة أن العمليات الانتحارية قد تسببت في إلحاق الضرر بإسرائيل، خاصة اقتصادها وانتشار حالة الهلع وغياب الأمن لدي المواطنين الإسرائيليين، وبالتالي فإن نجاح "أبو مازن" في وقف العمليات الفلسطينية المسلحة من شأنه أن يعزز موقف شارون داخليا في ظل الأزمة السياسية التي يواجهها وانهيار ائتلافه الحكومي ولجوئه إلي الائتلاف مع حزب العمل. كذلك يري شارون أن فوز "أبو مازن" يمكنه من تنفيذ خطته بالانسحاب من قطاع غزة.

* الموقف الأمريكي: عبرت الولايات المتحدة عن تأييدها للانتخابات الفلسطينية، خاصة أنها تطالب بها منذ فترة طويلة، حيث دعا الرئيس بوش صراحة الفلسطينيين في أكثر من خطاب، الشعب الفلسطيني إلي اختيار خليفة آخر لعرفات الذي اتهمته بالفساد، وتضييع فرص كثيرة لتحقيق السلام، واتخذت ذلك ذريعة لتجميد علاقاتها مع السلطة الفلسطينية، كما أنها عبرت عن تأييدها ل- "أبو مازن" الذي تربطه بالمسئولين الأمريكيين علاقات قديمة، فقد استقبلته في البيت الأبيض عندما كان رئيسا للوزراء، وهي تدرك جيدا أن "أبو مازن" هو الشخص الذي يمكن معه إعادة تفعيل الدور الأمريكي في عملية السلام.
وقد تجسد التأييد الأمريكي لـ "أبو مازن" في زيارة وزير الخارجية كولين باول للأراضي الفلسطينية في 23 نوفمبر 2004 ومحادثاته مع "أبو مازن" و"أبو قريع"، كما أعلنت تقديم 20 مليون دولار للسلطة الفلسطينية لدعم العملية الانتخابية.

* الاتحاد الأوروبي: أعلن عن تقديم دعم مالي للفلسطينيين يصل إلي 19 مليون دولار، إضافة إلي أنه قرر إيفاد بعثة أوروبية مكونة من 260 شخصا لمراقبة الانتخابات، برئاسة ميشيل روكار رئيس الوزراء الفرنسي السابق. كذلك ع قد مؤتمر للدول المانحة في أوسلو يوم 29 أكتوبر 2004 لتقديم الدعم المالي والفني لتسهيل إجراء الانتخابات.

ولاشك أن الاتحاد الأوروبي يريد أن يلعب دورا فاعلا في العملية السلمية خلال الفترة المقبلة، بعد أن ظل مهمشا طوال الفترة الماضية، نتيجة لقيام إسرائيل بتحجيمه، وانفراد الولايات المتحدة بملف التسوية السلمية، حيث قامت بتهميش دور اللجنة الرباعية، التي تعد أوروبا أحد أعضائها.

كما تجسد الاهتمام الأوروبي في الاهتمام بعملية السلام، في إعلان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير مبادرته لعقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط، يعقد في لندن، يشكل مرجعية جديدة لإعادة المفاوضات بين الجانبين وفقا لخريطة الطريق.
* الموقف العربي: أعلن بدوره تأييده لإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها،

حيث تري الدول العربية أن الفرصة سانحة الآن بعد رحيل عرفات لاختيار قيادة جديدة قادرة علي توظيف الظروف الدولية والاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية، لإعادة إحياء عملية السلام وفق المرجعيات الدولية، وتفنيد الحجج الإسرائيلية والأمريكية بغياب شريك فلسطيني قادر علي صنع السلام. وقد أعلنت الدول العربية، خاصة مصر، تأييدها ل- "أبو مازن" باعتبار أن البديل يمكن أن يكون حركة حماس أو الجهاد، الأمر الذي يؤدي إلي تعقد الأوضاع وتدهورها. وتجسد هذا التأييد في الترحيب الكبير الذي وجده أبو مازن في القاهرة ودمشق والكويت والسعودية في أثناء جولته العربية الأخيرة .

نحو توظيف الانتخابات الفلسطينية:

الواقع أن الانتخابات الرئاسية الفلسطينية وانتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية لن يكون المخرج أو نهاية المطاف لحل القضية الفلسطينية واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فالمسألة أعقد من ذلك في ظل تشابك الظروف الإقليمية والدولية، ووجود أطراف أخري ضمن معادلة الصراع، وعلي رأسها إسرائيل. فانتخاب رئيس فسطيني لن يؤدي إلي إقناع حكومة شارون بالتخلي عن منهجها أو سياستها، أو يدفعها لتقديم تنازلات حقيقية بشأن الحقوق الفلسطينية، وعلي رأسها الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإزالة الجدار العازل الذي أقامته، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية والسماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلي أراضيهم ومنازلهم.

وأقصي ما يمكن أن تقدمه حكومة شارون هو الانسحاب من قطاع غزة فقط في إطار التنسيق مع السلطة الفلسطينية الجديدة، إضافة إلي تخفيف الحصار اليومي علي الشعب الفلسطيني والسماح للعمال الفلسطينيين بدخول إسرائيل.
ومع ذلك، فإن إجراء انتخابات فلسطينية ديمقراطية ونزيهة لاختيار رئيس جديد للسلطة الفلسطينية يمكن أن يشكل خطوة مهمة علي طريق إقامة الدولة الفلسطينية وإعادة تحريك عملية السلام مرة أخري، لكن هذا يتوقف علي:

- أن يقوم الفلسطينيون فعلا بإجراء انتخابات نزيهة لاختيار ممثل لهم يرتكز علي الشرعية الشعبية وليست الشرعية التاريخية، وأنهم بذلك يقدمون مثلا حيا أمام العالم في قدرتهم علي إدارة شئونهم بأنفسهم وامتلاكهم لمؤسسات سياسية قوية تمكنهم من إقامة دولتهم.

- أن يوظف الفلسطينيون الانتخابات لإلقاء الكرة في الملعبين الإسرائيلي والأمريكي، وإثبات أن إسرائيل هي المعوق الأساسي لأي سلام وليس الفلسطينيين الذين نفذوا التزاماتهم، وهذا من شأنه أن يساهم في إعادة دفة الرأي العام العالمي باتجاه الضغط علي الحكومة الإسرائيلية وإقناعها بالدخول في مفاوضات سلام حقيقية وفقا لقرارات الأمم المتحدة والاتفاقات المبرمة بين الجانبين. كما أنه يساهم في إعادة تشكيل الصورة المشوهة عن الجانب الفلسطيني والتي رسمتها إسرائيل والإعلام الصهيوني العالمي المؤيد لها، فيما بعد أحداث 11 سبتمبر، وتقوم علي الربط بين الإرهاب والمقاومة الفلسطينية وأن الشعب الفلسطيني تحكمه قيادة فاسدة وديكتاتورية متمثلة في الرئيس عرفات، وكانت تطالب بإزاحته، واتخذت ذلك حجة لتبرير عدم تحركها بفاعلية في تحريك عملية السلام.

ويزيد أهمية ذلك أن هناك اهتماما عالميا بالقضية الفلسطينية صاحب وفاة الرئيس عرفات، انعكس في تدفق العديد من المسئولين الأجانب علي الأراضي الفلسطينية والاجتماع مع المسئولين في السلطة، وكل هذا يمكن توظيفه لإظهار عدالة ومشروعية الحقوق الفلسطينية، وعزل إسرائيل وحصارها إعلاميا ودبلوماسيا.

- أيضا يتوقف نجاح الانتخابات الفلسطينية كخطوة علي طريق إقامة الدولة في توحيد الصف الفلسطيني، والتوصل إلي رؤية مشتركة بين جميع الفصائل ومنظمة التحرير حول أسلوب العمل المستقبلي، بما لا يؤدي إلي تضارب المواقف، كما حدث في السابق بين السلطة من ناحية وحركتي حماس والجهاد، بالتحديد، من ناحية أخري.

إضافة لذلك، فمن الضروي إحداث مراجعة شاملة للمقاومة الفلسطينية وأسلوب عملها، بعد أن تمت عسكرتها واختزالها في العمليات الانتحارية داخل إسرائيل واستهداف المدنيين الإسرائيليين والتي أضرت كثيرا بالقضية الفلسطينية من ناحية فقدان تعاطف الرأي العام العالمي معها نتيجة للتوظيف الإسرائيلي الجيد لها، وكذلك فقدان الكثير من قيادات ورموز الصفين الأول والثاني للمقاومة مثل الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي وغيرهما.

وهذا يدفع إلي ضرورة تعلم الفلسطينيين من دروس التجربة الماضية والاتفاق علي وسائل المقاومة، بحيث تجمع بين المقاومة المسلحة والمشروعة التي تستهدف بالأساس الجنود الإسرائيليين والمستوطنيين، وبين العمل السياسي من خلال المفاوضات، وكلما كان الفلسطينيون قادرين علي إجادة لعبة تبادل الأدوار، كما يفعل الإسرائيليون، نجحوا في تحقيق أهدافهم والتواؤم مع المتغيرات الإقليمية والعالمية الجديدة، وأبرزها إعادة انتخاب الرئيس جورج بوش لفترة ثانية، بما يعني استمرار سيطرة المحافظين الجدد علي السلطة هناك، وهم معروفون بولائهم ودعمهم الكامل لإسرائيل واليمين الليكودي الحاكم فيها.
- كذلك من الضروري أن يسبق الانتخابات الرئاسية إجراء إصلاحات حقيقية داخل السلطة ومؤسساتها ومحاربة الفساد، إضافة إلي الإعداد الجيد للانتخابات التشريعية والبلدية وضمان إجرائها بطريقة نزيهة.

ولاشك أن الظروف الحالية يمكن توظيفها من جانب الفلسطينيين والعرب للقيام بحملة إعلامية ودبلوماسية عالمية ومخاطبة المجتمع الدولي والقوي الكبري، خاصة الولايات المتحدة، لممارسة دور فاعل وحيوي في عملية السلام، يتجاوز حدود الأقوال إلي أفعال ملموسة علي أرض الواقع.

ويمكن للولايات المتحدة بما لديها من علاقات قوية مع الدولة العبرية أن تضغط عليها للتخلي عن منهجها العدواني ضد الشعب الفلسطيني والعودة مرة أخري لطاولة المفاوضات والبدء فعليا في تنفيذ خطة خريطة الطريق التي تبنتها الولايات المتحدة وترعاها اللجنة الرباعية، وهنا يمكن توظيف تصريحات الرئيس بوش عقب انتخابه بالسعي لإقامة دولة فلسطينية بحلول عام 2009، لترجمتها إلي دور أمريكي قوي، من خلال إقناع الإدارة الأمريكية بأن تحقيق تسوية عادلة وشاملة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يصب في مصلحتها بالأساس، خاصة بعد تزايد كراهية الشعوب العربية لسياساتها في العراق وانحيازها لإسرائيل، كما أن ذلك يساهم في القضاء علي العنف والإرهاب، باعتبار أن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية هو السبب الرئيسي لانتشار الإرهاب وعدم الاستقرار.

أيا ما كان الأمر فإن إجراء الانتخابات الفلسطينية وانتخاب رئيس جديد للسلطة خطوة مهمة علي طريق إقامة الدولة الفلسطينية، واستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه، لكن كما سبق فإن هذا مشروط بقدرة الفلسطينيين علي توحيد صفوفهم وتحديد أهدافهم وتنسيق عملهم وتوظيف الظروف الحالية التي أعقبت وفاة الرئيس عرفات.

الانتخابات الفلسطينية:

بدأت لجنة الانتخابات المركزية عملية تسجيل الناخبين في شهري سبتمبر وأكتوبر 2004، واستكملتها بعد وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر الماضي، حيث تم فتح باب التسجيل أمام الذين لم تسنح لهم الظروف بتسجيل أسمائهم وذلك استعدادا لإجراء انتخابات الرئاسة التي تم تحديد التاسع من شهر يناير 2005 موعدا لها.

حسب بيانات اللجنة، بلغت نسبة الذكور المسجلين للانتخابات نحو 53.54%، أما نسبة الإناث فقد بلغت نحو 46.44%، في حين بلغت نسبة الشباب المسجلين للانتخابات في الفئة العمرية بين 17و30 عاما نحو 46% من العدد الكلي للناخبين المسجلين، وأما نسبة المسجلين في الفئة العمرية بين 31و40 عاما فقد بلغت نحو 22.5%، وفي الفئة العمرية بين 41و60 عاما فقد بلغت النسبة 23.5%، وفي الفئة العمرية بين 61و123 عاما فقد بلغت 7.7%.

جرت عملية تسجيل الناخبين من خلال شبكة تضم نحو 1000 مركز تسجيل غطت كافة أرجاء الضفة وقطاع غزة. وتمت العملية تحت إشراف لجان رقابة محلية ودولية، وقد شارك في عملية الرقابة علي عملية تسجيل الناخبين نحو 6775 مندوبا، بينهم 2600 مراقب محلي يمثلون 83 مؤسسة فلسطينية، و 3 مؤسسات دولية، ونحو 41.3 وكيل حزبي يمثلون 10 هيئات حزبية فلسطينية.

كانت نسبة المسجلين حتى 13/01/2004 قد وصلت إلي 67% من الناخبين المتوقعين، وزادت النسبة بعد انتهاء أسبوع التسجيل الاستكمالي لتصل إلي 71%، حيث سجل 1.282.524 مواطن فلسطيني أسماءهم في سجل الناخبين.

يجدر بالذكر أن أعداد الناخبين في الخارج قدرت بـ 180.000 مواطن مؤهل للتسجيل، وفي حالة استثناء هذا العدد من عدد الناخبين المقدر الكلي، تصبح نسبة المجموع الكلي للمسجلين من عدد الناخبين المقدرين في الداخل 78.8%.

نقلا عن دائرة العلاقات القومية والدولية في منظمة التحرير الفلسطينية.

بداية الصفحة