ربما لا توجد علاقات ثنائية بين دولتين فى
العالم العربى مثل العلاقات المصرية السودانية سواء فى خصوصياتها وتاريخها
وموروثاتها الثقافية وادراكاتها النفسية ، وإن كانت إحدى المشكلات التى تواجه
العلاقات المصرية السودانية تتمثل فى الفجوات النفسية ، خاصة البعد السياسي
النفسي الذي يعد أخطرها لانه يمثل إعادة إنتاج ارث من المشكلات التاريخية فى
وعى النخبة ، ولا يعنى ذلك التقليل من خطورة المشكلات والأزمات المتراكمة
الأخرى ، ولكن هذا البعد السياسي النفسي يبرز سواء فى لحظات صفو العلاقات بين
البلدين أو فى أزماتها .
فالذاكرة التاريخية السلبية لمرحلة الحكم
المصرى والحكم الثنائى ( الانجلو - مصرى ) وظفت لبناء الشرعية التاريخية
للتسويغ النفسي للاستقلال .
فالعلاقات المصرية السودانية تبدو أسيرة
تصورات مسبقة لدى الصفوتين : الصفوة المصرية لاتزال تتصور العلاقات وفق نموذج
الدولة المصرية المركزية ومن ثم مالت صفوة يوليو - ذوى الأصول العسكرية - إلى
تأييد الصفوات الانقلابية العسكرية ، وهو ما أدى إلى تراجع الخبرات المدنية
والسياسية فى التعامل مع ملف العلاقات وخصوصياته ، ولم يتم التنبية إلى هذا
البعد المحورى إلا مؤخرا بإقامة حوار مع بعض الأطراف الجنوبية الأساسية أمثال
جون قرنق .
كما أن بعض الاختصارات والاختزالات للعلاقات
المركبة المستويات بين البدين كاختصارها فى المياه والأمن من المنظور المصرى
، هو ما يجعل العلاقات أسيرة حلقة دائرية من تحسن نسبى إلى اضطراب ومشكلات
متبادلة .
وهنا يبرز تساؤل لماذا لم تستطع كلا
الصفوتين السياسيتين الحاكمتين تجاوز الإرث التاريخى ومحمولاته السلبية
والأزمات العارضة ؟
ثمة أسباب عديدة تقف وراء الأزمات فى
العلاقات بين البلدين ، يمكننا أن نتناولها فى بعدين أساسيين :
1- تميل الصفوة السياسية المصرية الحاكمة
إلى تغليب الاعتبارات الأمنية فى النظر إلى الملف السودانى ، وهو أمر يخالف
الطابع المركب للعلاقات ، فى حين تنزع الصفوة السودانية إلى استثارة السلبيات
فى اللعبة السياسية الداخلية إزاء مصر ، وفى التلاعب بموضوع الحصص المائية
والمناطق الواقعة فى إطار خط عرض 22.
فالصفوتين الحاكمتين فى البلدين لا تبحث عن
إنماء الجوانب الإيجابية الشعبية ، والبحث عن بناء موحدات جديدة تؤسس على
مصالح تنموية مشتركة فى قضايا الخلاف بين البلدين.
2- اهتمام عرضى ( هامشى ) من جانب الإعلام
والجماعة السياسية المصرية بالسودان والشئون السودانية الداخلية وهو ما يمثل
قطعا وانفصالا مع التقليد الثقافى السياسي التاريخى فيما سبق ، حيث كان
الاهتمام بالسودان جزءا من قائمة اهتمام الصفوة السياسية والثقافية المصرية ،
وقد برز هذا الاهتمام مجددا بعد الاتفاقات الاطارية وخاصة إطار مشاكوس .
ويرجع نقص المعرفة المصرية بالشأن السودانى
فى بعضه إلى أعراض التمركز حول الذات المصرية ، وبعضه الآخر يعود إلى نقص فى
المعلومات والمعروض من الإنتاج الثقافى والسياسى والأدبي والبحثى السودانى .
وقد مثّل إنتاج مركز الدراسات السودانية
والجهود المبذولة فيه ، خطوة نحو تصحيح الصورة وبناء صورة أخرى حول السودان ،
البشر ، المجتمع ، الدولة ، خرائط التنوع والتعقد داخله .
وان ظلت سطوة العقل البيروقراطى الحكومى فى
مصر ، تمثل إعاقة هيكلية فى إدارة العلاقات المصرية السودانية ، إذ تحتاج
البلدين إدارة سياسية وثقافية تتسم برفاهة الحس العملى والخيال السياسي ، فى
حين أن النظرات الفنية فى الأمن والدبلوماسية والاقتصاد يمكن أن تنتج
حساباتها مشكلات ، كما أن قائمة اهتمامات السياسة الخارجية المصرية طيلة
العقود الثلاثة الماضية ركزت على محاور العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب
من جانب ، وتسوية الصراع العربى الإسرائيلي والعلاقات مع النظم السياسية فى
الخليج وشبة الجزيرة من جانب أخر ، كل هذه القائمة الطويلة من الاهتمامات
ساهمت فى تكريس النزعة الاختزالية فى المنظور السياسي لعلاقاتنا مع السودان
وتغليب البعد الأمني والمائى عليها ، إلا أن بعض الاهتمام الرسمى والاهتمام
من جانب الجماعة الثقافية المصرية بالشئون السودانية لوحظ فى أعقاب اتفاق
مشاكوس الإطارى وذلك خوفا من أن يؤدى هذا النمط من الاتفاقات إلى الانعكاس
السلبى على وحدة السودان وتكامله الإقليمي .
كما واجهت العلاقات بين البلدين أحد اكبر
المشكلات خلال المرحلة ما بعد الانقلاب العسكرى الأخير 1988 والمتمثل فى
طبيعة التحالف السياسي بين الترابى وبين العسكريين بقيادة البشير ، حيث أن
إدخال الإسلام السياسي فى النظام فى وقت كانت مصر تواجه أنماط العنف السياسي
ذو الوجوه الدينية والطائفية من الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية ،
بما خلق إدراكا لدى الصفوة المصرية الرسمية والمعارضة بان السودان أصبحت ملاذ
أمن لقادة وكوادر الجماعات الإسلامية الراديكالية بما ساهم بدوره فى توسيع
الفجوة الادراكية بين الصفوة والنظام السودانى من جانب ، وبين الحكومة
المصرية وغالبية المعارضة المصرية باستثناء حزب العمل من جانب آخر .
بالاضافة إلى ما سبق ، ثمة ملاحظة واضحة حول
العلاقات بين البلدين وهى ذكورية العلاقات السياسية والثقافية بين الدولتين
والثقافتين ويرجع ذلك إلى الثقافة الذكورية فى كلا البلدين ، حيث نادرا ما
نرى حضور للمرأة فى العلاقات بين البلدين ، ويقتصر دورها على مجرد جماليات
الصور وطقوس المراسم الرسمية بين البلدين .
كما أن الصفوة السياسية المصرية والسودانية
يمارسان اللعبة السياسية فيما بينهما على أساس أنها رسمية فى الغالب ، وهو ما
يمثل نقطة الخطر فى علاقات أبناء الوادى الواحد بما يمثله من ارث السلبيات
بين البلدين لانه يوظف العلاقات الشعبية وتفاعلاتها على نحو سلبى نحو مزيد من
الشقاق بديلا من إعادة إنتاج العناصر المشتركة والواحدة بين الشعبين.
فالعلاقات الثقافية الشعبية تعانى من حالة
تراجع المثقفين السودانيين عن المشاركة الفعالة حضورا وإبداعا وحوارا فى إطار
الثقافة المصرية وذلك بالرغم من وجود مبدعين سودانيين فى مصر ، واختصر الحضور
السودانى فى أمثلة محدودة مثل المؤرخ البارز محمد عمر بشير ، البروفسور عبد
الله الطيب أستاذ الأدب العربى ، هذه فجوة نفسية سودانية أمام أبواب مصرية
مفتوحة .
وبناء على ذلك ، يمكن القول أن التفاعلات
الشعبية هى جزء من ماضى العلاقات وحاضرها، وهو ما يجعل مستقبل العلاقات يعتمد
على هذا الإرث الشعبى المشترك لا ليكون بديلا عن البعد الرسمى وانما داعما
وموازيا له ، بل يمثل قاعدة يمكن أن تضبط البعد الرسمى ، وهو ما يحتاج إلى
توافر الإرادة السياسية المشتركة على المستوى الرسمى ، خاصة وان هذه العلاقات
ستتم فى إطار سودانى مختلف وصفوات يعتريها التغيير فى السنوات المقبلة وغير
محملة بإرث الذاكرة التاريخية السلبية ، كما أن بعض الصفوة المصرية الصاعدة
سواء فى بعض الأحزاب أو الجماعة الثقافية أصبحت نظرتها للسودان إيجابية
بتغليب العناصر المشتركة على مواريث الماضى .
فالعلاقات بين الدولتين لا تتم فى فراغ
وانما تجرى فى إطار تغيرات إقليمية وعالمية تتجه نحو إعطاء أدوار بازغة
لمنظمات المجتمع المدنى فى الدولتين وفى المنطقة ، وهو ما يؤسس لأشكال جديدة
من العلاقات الثنائية اعتمادا على ارث شعبى إيجابي نسبيا يعتمد على رأسمال
ثقافى قام على التفاعلات اليومية فى مصر حيث يوجد اكثر من ثلاثة ملايين أو
أربعة ملايين سودانى يعيشون فى مصر ، وهذا الرأسمالى الشعبى لا يكاد نجد له
نظير آخر فى المنطقة .
ومن ثم فان بناء أشكال من التعاون المشترك
بين منظمات المجتمع المدنى المصرية والسودانية وبناء علاقات تشابكية فيما
بينهما أمر ذو أهمية كبرى لانه يخلق مصالح ويبنى خبرات ويبلور تطلعات مشتركة
.
نخلص من ذلك إلى القول بان منظور تطوير
العلاقات بين منظمات المجتمع المدنى المصرية - السودانية يمكن أن تكون مدخلا
جديدا لتجديد العلاقات الثنائية ، خاصة وان هناك بداية فى بعض هذه الأنماط من
العلاقات بين عدد من المنظمات وتحديدا منظمات حقوق الإنسان والتى نجحت فى
بناء علاقات تشابكية وتدريب تكوينى مشترك للنشاط ، وان كانت بداية تحتاج
لمزيد من التوسيع والتطوير ، مع الأخذ فى الاعتبار أن مدخل تطوير العلاقات
الثنائية فى إطار المجتمع المدنى لا يعنى إغفال البعد الرسمى ، ولكن وجود هذا
الإطار الشعبى ليحمى رأسمال التفاعل الشعبى المشترك ، مما قد يتعرض له من
انتهاك رسمى فى أوقات الأزمات
الطارئة بين الصفوتين الحاكمتين .