شهد شهر مايو الماضى توقيع ثلاث برتوكولات
مهمة فى عملية السلام السودانية ، أولها لتقاسم السلطة ، والثانى لمنطقة ابيى
، والثالث لمنطقتى جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق .
وقد تم جمع هذه البرتوكولات وضمها إلى
الاتفاقيات الاطارية الثلاث التى تم توقيعها من قبل لتشكل جميعا إعلان نيروبى
الموقع فى العاصمة الكينية فى 5 يونيو 2004 لتكتمل بذلك الملامح الأساسية
لعملية السلام فى السودان ، وان كان ذلك لا يعنى انتهاء الحرب بشكل تام
انتظارا لجولة المفاوضات المقبلة حول التفاصيل الإجرائية المتعلقة بتفاصيل
وقف إطلاق النار وتطبيقات اتفاق الترتيبات الأمنية من حيث قواعد إعادة تجميع
وانتشار القوات وآليات تنفيذ اتفاقية السلام بما فيها وضعية قوات السلام
الدولية .
ورغم أن هذا الاتفاق يعد تطورا إيجابيا
ومهما بل ونقطة تحول كبيرة فى الحياة السياسية فى السودان ، إلا انه لم يقابل
بالابتهاج الشعبى الذى كان متوقعا ، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها : طول فترة
المفاوضات التى استغرقت ثلاثة وعشرين شهرا من توقيع بروتوكول ماشاكوس الاطارى
- غياب معظم القوى السياسية عن المفاوضات - تصاعد أزمة دارفور .
وقد نظمت هذه البروتوكولات الثلاث القضايا
الخلافية بين الطرفين على نحو يحقق الحد الأدنى من مطالب الطرفين .
فقد تناول بروتوكول اقتسام السلطة النصوص
الجوهرية حول توزيع السلطة ، حيث أشار إلى أن هناك أربع مستويات للحكم فى
السودان خلال الفترة الانتقالية الممتدة لست سنوات ، المستوى القومى للحكومة
، ومستوى حكومة جنوب السودان ، وولايات السودان وأخيرا مستوى الحكم المحلى فى
السودان ، على أن يكون نظام الحكم لا مركزى بتوزيع معين للسلطات ، وان تكون
العلاقة بين الحكومة القومية وولايات جنوب السودان عبر حكومة الجنوب .
وتتكون الهيئة التشريعية من مجلسين : مجلس
قومى ، ومجلس ولايات ، على أن تخصص مقاعد المجلس التشريعى القومى بحيث يكون
لحزب المؤتمر الوطنى الحاكم 52%، الحركة الشعبية لتحرير السودان 28% ، القوى
السياسية الشمالية الأخرى 14% ، والقوى السياسية الجنوبية الأخرى 6% ، مع
الأخذ فى الاعتبار أن أى تشريع يؤثر على مصالح الولايات يستلزم الحصول على
أغلبية 66% من أعضاء مجلس الولايات .
أما السلطة التنفيذية تتكون من رئاسة
الجمهورية ومجلس الوزراء على أن تكون هناك شراكه وعملية جماعية لصنع القرار
داخل مؤسسة الرئاسة التى تتكون بدورها من رئيس ونائبين له شريطة أن يكون
النائب الأول هو رئيس الحركة الشعبية أو من يمثله .
وفيما يتعلق بحكومة جنوب السودان ، فقد نص
البروتوكول على أن تتولى هذه الحكومة السلطة فيما يتعلق بولايات جنوب السودان
وتعمل كحلقة وصل مع الحكومة القومية ، مع الأخذ فى الاعتبار أن مجلس الوزراء
التنفيذى لجنوب السودان يكون مسئولا أمام رئيس حكومة الجنوب ومجلس جنوب
السودان .
والبروتوكول الثانى والخاص بجبال النوبة
والنيل الأزرق والذى شهد خلافات حادة بين الجانبين سواء فيما يتعلق بالحاكم
أو نسبة كل طرف فى السلطة التشريعية ، إلا انه بعد ضغوط ووساطات أمريكية توصل
الطرفين إلى الاتفاق على أن يتم منح الحكومة 55% من مقاعد المجلس التشريعى
و45% للحكومة الشعبية ، على أن يكون الحاكم فى إحدى الولايتين من الحكومة وفى
الولاية الثانية من الحركة الشعبية .
وفيما يتعلق ببروتوكول منطقة ابيى ، فقد نص
على أن المواطنون فى تلك المنطقة يعتبرون مواطنين فى كل من غرب كردفان وبحر
الغزال وان يكون لهم ممثلون فى المجالس التشريعية فى الولايتين ، على أن يتم
إجراء استفتاء فى نهاية الفترة الانتقالية على إحدى الخيارين :
أن تكون ابيى جزءا من بحر
الغزال .
ورغم ما أثاره الاتفاق من ردود فعل إيجابية
باعتباره افضل من الاستمرار فى الحرب ، إلا انه أثار كذلك ردود فعل سلبية
تحفظت على العديد من النقاط التى شملها الاتفاق ، فقد رأى مؤيدى الاتفاق انه
افضل من الاستمرار فى الحرب ، بل أن تطبيقه سيفتح بابا عريضا لتغيير سياسى لم
يشهد مثله السودان من خلال الآلية التى نص عليها الاتفاق وهى إجراء
الانتخابات فى منتصف المرحلة الانتقالية بإشراف ورقابة دولية ، وتمثلت أولى
ملامح هذا التغيير فى انه يضع الخطوة الأولى لإنهاء عصر الأيديولوجية فى
الحياة السياسية السودانية ، والملمح الآخر يتمثل فى أن هذه البروتوكولات من
شانها أن تضع الأسس التى تصب فى صالح التعددية والحريات من خلال اللجوء
للوسائل السلمية لحل الخلافات والنزاعات .
على الجانب الآخر ، رأى المتحفظون على
الاتفاق أن الاتجاه لخلق سودان جديد إنما هو تهديد لوحدة السودان ، فقد رأوا
هؤلاء أن هذه البروتوكولات قد منحت سلطات اكبر للولايات وللجنوب وأفرغت
الدولة المركزية من محتواها ، وان هذه الترتيبات الجديدة ستكون مدخلا لكثير
من الفساد وعدم الفعالية .
وفى هذا الإطار برزت رؤى ووجهات نظر حذرت من
أن يؤدى ذلك إلى تفكك السودان ، ومن ابرز هؤلاء المفكر السودانى أبو القاسم
حاج حمد والذى أوجز رؤيته فى أن التوصل لاتفاق يحقق السلام فى السودان يتطلب
من الأطراف المعنية أن تكون على علم بعمق المشاكل الإقليمية وخلفياتها ، ولذا
فان المرحلة المقبلة قد تشهد تفكيك السودان من كل أطرافه نظرا لغياب مركزية
الشمال ، وان الحل الوحيد الذى قد يحفظ التوازن بين الشمال والجنوب فى إطار
وطنى ديمقراطى هو قيام نظامين مستقلين فى دولة وطنية واحدة وفق صيغة
كونفدرالية بين الشمال والجنوب طبقا للحدود الإدارية لعام 1956 .