انشغل الفلسطينيون
لعقود طويلة بالكفاح من اجل الاستقلال وكانت فكرة الوطن اكثر حضورا من
فكرة الدولة ، فلم تشغل مسألة الدولة ككيان قانون وسياسى وكمؤسسات وسلطات
سياسية وحدود وعلاقات دولية كثيرا من المفكرين السياسيين ، ولم توضع ضمن
سلم اهتمامات الفصائل الفلسطينية ، حيث انشغل الجميع بموضوع تحرير الوطن
وإقامة الدولة على حساب الانشغال بالدولة فى حد ذاتها ، وهذا ما يفسر
غياب الدراسات القانونية والدستورية حول الدولة الفلسطينية إلا ما تعلق
بالقانون الدولى كمرجعية لتشريع وجود الدولة .
ففكرة الدولة
الفلسطينية لم تكن حاضرة عند مفجرى الثورة الفلسطينيين بل واجهت معارضة
من جانب بعض الدول العربية - الأردن تحديدا - على تأسيس منظمة التحرير ،
وهو ما دفع حركة فتح كبرى فصائل الثورة الفلسطينية إلى طرح صياغة اعتقدت
أنها ستحظى بموافقة أطراف يهودية عالمية وأطراف دولية تمثلت هذه الصياغة
فى " دولة فلسطين العلمانية " والتى تمنح لليهود المقيمين فى فلسطين نفس
الحقوق التى هى للعرب الفلسطينيين ، ويرجع طرح هذه الصياغة إلى طبيعة
الاحتلال الإسرائيلى باعتباره احتلال استيطانى لفلسطين بما يطرحه ذلك من
إشكالية حول مصير اليهود فى فلسطين ، ولذلك فقد طرحت حركة التحرير الوطنى
الفلسطينية فكرة دولة فلسطين الديمقراطية على امتداد فلسطين التاريخية ،
يعيش فيها العرب واليهود فى وفاق دون أى تمييز .
ولا شك فى أن تحويل
شعار الدولة الديمقراطية العلمانية إلى واقع كان بحاجة إلى تغيير جذرى فى
المواقف والعقليات والى حدوث مصالحة تاريخية ودينية ، وقد استطاعت حركة
فتح وبدعم من قوى فلسطينية أخرى أن تدمج شعار فلسطين الديمقراطية ضمن
قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية والتى بدأت بتبنى فكرة الدولة
الفلسطينية الديمقراطية فى الدورة الثامنة للمجلس الوطنى الفلسطينى فى
مارس 1971 ، حيث ترددت الثورة الفلسطينية فى البداية فى تبنى هدف فلسطين
الديمقراطية بسبب رفض التيارات المحسوبة على الأنظمة العربية لهذا الهدف
، إلا انه بخروج حركة المقاومة الفلسطينية من الأردن ، لم يبق مبرر
للاستمرار فى سياسة الغموض وأصبحت الثورة مطالبة بتوضيح مواقفها تجاه عدد
من القضايا الحيوية من بينها شعار " الدولة الفلسطينية الديمقراطية "
وكانت الدورة الثامنة للمجلس الوطنى فرصة لتبنى شعار " فلسطين
الديمقراطية " .
وقد طرحت حركة فتح
معنى هذه الدولة فى أنها لن تكون جزيرة منعزلة فى بحر العالم العربى بل
أنها ستؤلف جزءا من العالم العربى وستتوحد فى نهاية المطاف مع غيرها من
البلاد العربية كما أنها ستناهض الإمبريالية فى المنطقة وستنضم إلى صفوف
البلدان الثورية التقدمية .
كما أوضحت فتح أن
فلسطين الديمقراطية لن تكون منحة من هذا الطرف أو ذاك ولن تكون محصلة
لحلول سلمية أو تسويات سياسية بل أنها ستأتى تتويجا للكفاح الفلسطينى
المسلح .
وجدير بالذكر أن
شعار فلسطين الديمقراطية ، قد شهد انقساما فى مواقف الأطراف الفلسطينية
المختلفة ، ففى الوقت الذى أيدته بعض المنظمات الفلسطينية منها الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية ، تعرض هذا الشعار من ناحية
أخرى لانتقادات عديدة خاصة من قبل المنظمات القومية منها جبهة التحرير
العربية .
إلا انه فى أعقاب
حرب أكتوبر 1973 رغم ما تحقق من انتصار عسكرى نسبى ، إلا أنه من ناحية
أخرى أثبت عدم القدرة ليس فقط على القضاء على إسرائيل بل عدم القدرة على
استعادة الأراضى العربية المحتلة عام 1967 عن طريق الحرب ، وقد أدركت
الثورة الفلسطينية ذلك ، فبدأت تتحرك على مستويين : الأول تجنب محاولات
تهميشها ومحاصراتها محليا وعالميا ، الثانى تليين مواقفها السياسية وذلك
ببعث رسائل علنية وسرية تعبر عن استعدادها لأنصاف الحلول وذلك من خلال ما
يسمى بسياسة المراحل أو المرحلية ، وقد وجدت هذه السياسة استحسانا من
جانب الأنظمة العربية التى سارعت بعقد قمة عربية اعتبرت فيها منظمة
التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطينى، وكذلك استحسانا
عالميا حيث تم استقبال أبو عمار فى الجمعية العامة للأمم المتحدة .
واعتبرت الثورة
الفلسطينية أن المرحلية كحلقة وسط فى الطريق إلى تحقيق الهدف النهائى لا
تتناقض مع استراتيجية الثورة ما دامت لم تتخل عن هدفها النهائى ، ودافع
"أبو أياد" أحد قادة فتح عن المرحلية باعتبارها سياسة واقعية تنطلق من
الأخذ بعين الاعتبار موازين القوى وتطور الأحداث ، بل اعتبر أن إقامة
سلطة وطنية فلسطينية تشكل ضربة قاسمة للأيديولوجية الصهيونية القائمة على
رفض وجود الشعب الفلسطينى لان الإقرار بهذه السلطة يعنى الاعتراف بوجود
الشعب الفلسطينى .
فإذا كانت حرب
أكتوبر قد أكدت على أن إسرائيل ليست القوة التى لا تقهر ، إلا أنها أكدت
كذلك على أن الاقتناع بان القضاء النهائى على دولة إسرائيل أمر غير ممكن
فى المدى المنظور ، ولذلك فقد أعطت فترة ما بعد أكتوبر 1973 الأولوية
للعمل السياسى على حساب العمل العسكرى ، وأصبحت مسألة الانسحاب مطروحة
وكان المطلوب من الثورة الفلسطينية أن تعبر عن موقفها من هذا الموضوع ،
حيث أن الانسحاب الإسرائيلى سيضع هذه الأرض أمام ثلاث خيارات : عودة
الأرض إلى طرف عربى وضمها إليه ، أو تقدم طرف فلسطينى خارج منظمة التحرير
لينصب نفسه باسم الفلسطينيين ، أو أن تتقدم الثورة الفلسطينية باعتبارها
الممثل الشرعى للشعب الفلسطينى وهو الخيار الذى اتخذته منظمة التحرير .
وإذا كان القبول
بالمرحلية اصبح مبدأ أقرته منظمة التحرير ، إلا أن الخلاف استمر حول
علاقة المرحلى بالاستراتيجى ، وآلية المفاوضات وكيفية الوصول لهذا الهدف
المرحلى والصيغة التى يتم بها ، وهو الجدل الذى احتدم فى الساحة
الفلسطينية ومازال إلى اليوم بعد توقيع اتفاقية أوسلو وما تلاها ، ويرجع
جزء من هذا الغموض إلى إحساس قادة حركة المقاومة بأنه فى الوقت الذى لا
يمكن فيه أن يؤدى التوازن الحالى للقوى إلى تحقيق أى هدف مقبول فلسطينيا
وغير متناقض مع الميثاق الوطنى الفلسطينى ومقررات المجالس الوطنية ، وانه
إذا ما حدث أن أجبرت إسرائيل لتقديم تنازلات ، فان هذا سيكون مقابل
الاعتراف بها ووضع حد للكفاح المسلح وهو ما رفضته منظمة التحرير خلال هذه
المرحلة لأنه لا أحد من قادة المقاومة الفلسطينية كان يجرؤ على الإعلان
صراحة عن الاستعداد للاعتراف بإسرائيل بسبب الرفض الشعبى العارم لمثل هذه
الخطوة .
إلا انه بعد العديد
من الضغوط العربية والدولية على منظمة التحرير الفلسطينية خاصة فى ضوء
اتفاقيات فصل القوات على الجبهة السورية 1974 والجبهة فى سيناء 1975 ،
أدى كل ذلك إلى تراجع فى مواقف منظمة التحرير وتم عقد مؤتمر فاس أو ما
سُمى مبادرة السلام العربية وفيها اعترفت الأنظمة العربية بوضوح بقرارات
الشرعية الدولية وما استتبع ذلك من اعتراف بإسرائيل واستعدادها لحل
الصراع بالطرق السلمية .
وبعد عشرات
اللقاءات والمؤتمرات و الاتفاقات العلنية والسرية حول السلام وما صاحبها
من أحداث جسام كالانتفاضة الأولى وحرب الخليج الثانية وانهيار النظام
الإقليمى العربى والاتحاد السوفيتى ، أجبرت الولايات المتحدة الطرفين على
الجلوس على طاولة المفاوضات والتوصل لاتفاق إعلان المبادئ بين الجانبين
والذى قامت على أساسه منذ 1994 سلطة الحكم الذاتى فى مناطق الحكم الذاتى
فى الضفة والقطاع ، وبعد مرور المدة المحددة لهذا الاتفاق وهى الخمس
سنوات فى 1999 بدأ التفاوض على قضايا الوضع النهائى ، إلا أن إسرائيل لم
تلتزم بما تم الاتفاق عليه حيث فشلت كافة المفاوضات التى أعقبت ذلك حتى
اندلعت انتفاضة الأقصى لتؤكد فشل السلام على الطريقة الأمريكية
الإسرائيلية .
وأصبحت السلطة
الفلسطينية فى موقف صعب خاصة بعد الاجتياح الإسرائيلى للضفة فى نهاية
فبراير 2002 ، فقد كشف الاجتياح عن أن السلطة ليست سلطة سياسية كاملة
الصلاحيات بل سلطة مقيدة بشروط تعرقل قيامها بمهامها كسلطة سياسية ،
فالدولة لا تأتى إلا بعد تحقق ركنين أساسيين هما : الأرض والشعب ، حيث
تأتى الدولة لتمارس السيادة على الأرض والشعب إلا انه فى الحالة
الفلسطينية ، فقد وجدت السلطة أولا فى ظروف معقدة وبصلاحيات محدودة تنتظر
استكمال عناصر الدولة .
والواقع أن بناء
الدولة مسئولية مزدوجة : مسئولية السلطة ومسئولية المواطن ، فالمواطن
الفلسطينى عليه أن يدرك أن تأسس دولة لا يكون إلا بوجود سلطة وطنية لها
صلاحيات للقيام بمهامها بما فى ذلك ممارسة القسر والإكراه ، فالسلطة لا
يمكنها أن تقوم بعملها بدون قوانين يجب أن تحترم فإذا كان الاختلاف يجوز
حول الشأن السياسى ، فلا يجوز حول ضرورة بناء وتأسيس الدولة ، ومن ثم
فيجب على قوى المعارضة أن تربى أعضاءها على احترام مؤسسات ورموز السلطة
الوطنية ، فإذا كان الشعب الفلسطينى يرفض الخضوع لسلطة الاحتلال ، فعليه
أن يقبل بسلطة وطنية لان ما بينهما هو الفوضى والخراب والحرب الأهلية .
من ناحية أخرى ،
فانه فى ظل الظروف الدولية والإقليمية الراهنة ، يمكننا القول بان الدولة
الفلسطينية لن تقوم بمجرد الإعلان عن قيامها ، بل الأمر يحتاج إلى إرادة
فلسطينية جماعية والى برنامج وحدة وطنية مرحلى يكثف العمل فلسطينيا
وعربيا دوليا .
وجدير بالذكر أن
الحديث الأمريكى الإسرائيلى عن دولة فلسطينية ضمن خريطة الطريق أو فيما
ورد فى وثيقة جنيف التى وقعها الوفدين الفلسطينى الإسرائيلى غير الرسميين
فى أكتوبر 2003 ، يعد خطوة متقدمة فى هذا المجال ، إلا انه يجب الحذر من
فهم وتفسير مفهوم الدولة ، حيث نصت الوثيقتين على دولة دون سيادة ومنزوعة
السلاح ، فإذا كانت دولة منزوعة السلاح أمر مفهوم وربما يكون مقبول ،
فانه ما يعد خطير وغير مفهوم هو الدولة دون سيادة حيث يتخوف من أن طرح
إسرائيل فكرة الدولة ثنائية القومية ليس على مستوى فلسطين التاريخية أو
إسرائيل ، بل على مستوى الضفة والقطاع بما يعنى إضفاء شرعية على الوجود
الاستيطانى على الأرض التى يقيمون عليها .
وفى هذا الإطار
كذلك ، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلى فكرته أو تصوره للانسحاب الأحادى
الجانب من غزة ، والذى قوبل بحذر شديد من جانب كافة الفلسطينيين خشية من
الهدف الإسرائيلى وراء هذا التصور الذى لا يحظى بموافقة جميع الأطراف
الإسرائيلية أنفسهم ، ويرجع هذا التخوف من ألا يكون الانسحاب من غزة خطوة
نحو إقامة الدولة الفلسطينية إلى عدة أسباب منها :
- الخروج من غزة
يأتى ضمن مخطط شارون لفك الارتباط مع الفلسطينيين من طرف واحد وخطورة ذلك
تكمن فى تهرب شارون من كل الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين ومن قرارات
الشرعية الدولية التى تتحدث عن دولة فلسطينية .
- هزال الحصاد
السياسى مقارنة بحجم التضحيات والمعاناة طوال الـ 42 شهرا منذ اندلاع
انتفاضة الأقصى فى سبتمبر 2000 .
- عدم تبلور قرار
نهائى للخروج من غزة مما يشكك فى مصداقية شارون .
- الخشية من أن
يكون الانسحاب من غزة فقط دون أن يستتبعه الانسحاب من بقية الأراضى
المحتلة .
- أن الخطة لا
تتحدث بوضوح عن الانسحاب من كل غزة ، بل من مستوطنات غزة مما يحافظ على
وجود عسكرى فى غزة وبالتالى استمرار مصادر التوتر .
- الخوف من تردى
الوضع الاقتصادى إذا ما تم الفصل مع إسرائيل من طرف واحد خاصة وان اقتصاد
غزة ضعيف وهش .
- لم تتضمن الخطة
أى إشارة لموضوع الدولة هل ستسمح إسرائيل للسلطة الفلسطينية بان تقيم
دولة ذات سيادة فى غزة تكون منطلقا لاستكمال استعادة ما تبقى من غزة
والضفة .
- ضعف السلطة فى
غزة ووجود حالة من عدم الاستقرار الأمنى يثير شكوك حول قدرة السلطة
الفلسطينية على ضبط الوضع الداخلى .
نخلص من ذلك إلى
القول بان الدول لا تؤسس بقرارات أو إرادات خارجية فقط ، بل بارادات
الشعب المتطلع للاستقلال وهذا يعنى أن على الفلسطينيين وخصوصا على السلطة
الفلسطينية أن تقيم مؤسسات دولة وتفعّل ما هو قائم منها ، سواء داخل
الوطن أو خارجه ، كما أن على السلطة أن تضع حدا لكل حديث يروج عن الفساد
فى داخلها وفقدان مصداقيتها داخليا وخارجيا ، وذلك بإصلاحات حقيقية ترد
لها الاعتبار ، فالسلطة ضمن معطيات المرحلة هى العمود الفقرى الذى من
حوله وبه ستؤسس الدولة .