|
تعددت جرائم النظام العراقي السابق, واختلفت
طبيعتها بين جرائم كان ضحاياها هم أبناء العراق أنفسهم
وجرائم امتد نطاق أثرها لتتجاوز الحدود الإنسانية
والجغرافية, فكانت الجرائم ضد الإنسانية وكانت الجرائم
المرتكبة ضد جمهورية إيران الإسلامية وضد دولة الكويت.
وكان طبيعيا أمام هذا النوع أن يثار التساؤل حول أفضل
الآليات لمحاكمة رموز هذا النظام وقادته عما بدر منهم
طوال عقود طويلة, انتهكت خلالها القوانين والأعراف بل
وحتي أبسط مبادئ الإنسانية.
لقد كان أهل العراق هم أولي ضحايا هذه الجرائم
وأكثرهم تضررا لما لحق بهم جسديا ونفسيا وماليا, وما
لحق بدولتهم من دمار, ونمثل لذلك بما يلي:
أولا : قيام النظام السابق بقتل ما يربو علي ثلاثمائة
ألف عراقي بالغ, وذلك دون أي وجه حق ودون أي سند
من شرع أو قانون أو عقل, وهو عدد إذا ما قورن
بعدد سكان العراق الإجمالي - والذي يبلغ أربعة وعشرين
مليونا - يظهر بوضوح حجم الإبادة التي تعرض لها هذا
الشعب حيث يمثل ذلك العدد نسبة ستة بالمائة من
إجمالي عدد رجال العراق البالغين.
ثانيا : تعذيب واعتقال وتشريد عدد يستحيل تقديره طوال
ثلاثة عقود, لم يكتف فيه ذلك النظام بكل صور
الاعتداء علي حقوق الإنسان الجسدية, بل كانت إجراءات
مصادرة الممتلكات وإسقاط الجنسية إجراءات روتينية فيه,
وبالطبع دون أي ضمات قانونية.
ثالثا : استخدام الأسلحة غير المشروعة وعلي الأخص استخدام
الغازات السامة المحرمة دوليا منذ اتفاقية عام 1925 ضد
الأكراد.
رابعا : تجفيف منطقة المستنقعات التي توجد بين العراق
وإيران وما استلزمه ذلك من النقل القصري, وتشريد جميع
سكان هذه المناطق بطريقة لم تراع فيها أية جوانب
إنسانية أو اجتماعية.
إن الدول المجاورة للعراق لم تسلم هي الأخري من
اعتداءات النظام السابق والتي تمثل انتهاكا لكل المواثيق
والأعراف الدولية في زمن الحرب, ولعل أكثر الدول تضررا
في هذا الصدد كانت جمهورية إيران الإسلامية ودولة
الكويت حيث تعرضت كلتاهما إلي :
أولا : اغتيال وتعذيب معاملة أسري الحرب بالمخالفة للحدود
الدنيا التي تنص عليها المعاهدات الدولية في هذا
الصدد.
ثانيا : الامتناع عن تبادل الأسري بعد انتهاء الإلتزامات
المسلحة ورفض الإدلاء بأي معلومات تتعلق بمصير هؤلاء
الأسري, وعدم التعاون مع الصليب الأحمر الدولي في هذا
الصدد.
ثالثا : هذا وقد تميز الاعتداء علي جمهورية إيران
الإسلامية باستخدام النظام العراقي للغازات السامة ضد
العسكريين والمدنيين علي السواء, وهو يمثل في ذاته
جريمة حرب.
رابعا : كما تميز الاعتداء ضد دولة الكويت بقيام قوات
الاحتلال العراقي بأعمال سلب ونهب منظم للممتلكات العامة
والخاصة علي سواء وكذلك علي المستندات والوثائق بهدف
محاولة طمس الهوية الكويتية, وذلك بالإضافة إلي تدمير
آبار البترول الكويتية وما ترتب علي ذلك من تدمير
للبيئة الطبيعية, وجميعها أفعال تكون جرائم حرب نص
عليها في اتفاقيات جنيف وما ينص عليه العرف الدولي
واتفاقيات لاهاي لعام 1907 .
إن ذلك التنوع بين جرائم كان الصعيد الوطني مسرحا
لها, وجرائم امتد نطاق أثرها إلي الصعيد الدولي سواء
لخروجها عن النطاق الجغرافي لدولة العراق أو لكون
العقاب عليه يجد سنده في أحكام القانون الدولي
الإنساني, دفع الباحثين إلي التفكير في آلية المحاكمة
عن هذه الجرائم حيث تردد وجه النظر بين:
أولا : تشكيل محاكمة دولية بمعرفة مجلس الأمن ووفقا
لأحكام القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي الإنساني,
علي نفس نهج ما تم في كل من محكمة رواندا
ويوغوسلافيا السابقة, ذلك أن الجرائم ضد الإنسانية
وجرائم الحرب والإبادة البشرية هي بطبيعتها جرائم تستعصي
المحاكمة عنها علي النصوص والإمكانيات التي تتوافر علي
الصعيد الوطني, وذلك بالإضافة إلي إشكالية وجود دول
أخري ذات سيادة كانت محلا للضرر الذي رتبته هذه
الجرائم.
ثانيا : تشكيل محكمة وطنية بمعرفة السلطة الوطنية ويكون
قضاتها وطنيين, وتقوم بتطبيق النصوص الوطنية القائمة في
الدستور وفي قوانين العقوبات والإجراءات الجزائية, وهو
ما سوف يساعد كثيرا علي إضفاء أكبر قدر ممكن من
الشرعية علي أحكام هذه المحاكم من خلال تفادي العديد
من العقوبات الفنية والقانونية.
ثالثا : تشكيل محكمة وطنية بمعرفة السلطة الوطنية قضاتها
وطنيون ولكن تحت إشراف دولي غير مباشر من خلال
مراقبيين دوليين وعلي أن تطبق مباشرة بطريق غير مباشر
المعاهدات والمواثيق الدولية.
وأمام وجهات النظر المختلفة, كان قانون 'إنشاء المحكمة
الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية' والصادر
بتاريخ 2003/12/10 من قبل مجلس الحكم المعين بمعرفة
الإدارة المدنية لقوات التحالف والذي انتهج الخيار
الثالث وذلك للأسباب الآتية :
1- تفادي اللجوء إلي مجلس الأمن لتشكيل محكمة جنائية
دولية, لخطورة رفض المجلس لهذا الطلب, استنادا إلي عدم
وجود أي وجود للأمم المتحدة علي الواقع المعاصر
للعراق, وخشية أن يؤدي إنشاء هذه المحكمة إلي إضفاء
شرعية علي مجلس الحكم ذاته.
2- خشية إنشاء محكمة دولية تطبق المبادئ الحاكمة
للقانون الجنائي علي المستوي الدولي, وأخطر هذه المبادئ
هو عدم وجود عقوبة إعدام, وهي العقوبة التي قد تكون
أكثر ملاءمة من وجهة نظر مجلس الحكم لنوعية الجرائم
المرتكبة إذا تقرر نسبتها إلي أشخاص بعينهم.
3- صعوبة الاستناد إلي نصوص قانون العقوبات العراقي كما
هو قائم وحده ودون نصوص المعاهدات الدولية, حيث قد
يؤدي ذلك إلي إفلات العديد من الجرائم دون عقاب.
4- محاولة إرضاء دول الجوار المتضررة التي تسعي إلي
محاكمة ذات طابع دولي.
ومع قبولنا واتجاهنا إلي أن تكون المحكمة المسئولة عن
العقاب علي جرائم النظام العراقي السابق هي محكمة
وطنية عراقية تستعين بالجهود والخبرات الدولية, فإن لنا
بعض الملاحظات التي يمكن تقريرها في هذا الصدد, والتي
يجب أن يضع القارئ وهو يتأملها ما سبق أن أسلفناه,
وكذلك حقيقة أن الإدارة المدنية لقوات التحالف والتي
قامت بتعيين مجلس الحكم المعين مصدر قانون إنشاء
المحكمة إنما تعد في ضوء القانون الإنساني الدولي في
حكم قوات الاحتلال, والتي لا يجوز لها وفقا للوارد
بالاتفاقية الرابعة من اتفاقيات جنيف بشأن سلطات قوات
الاحتلال أن تغير في النظام القانوني الوطني.
وكذلك ما
يتوقع من أن تكون هذه المحكمة هي التي يقدم أمامها
الرئيس السابق صدام حسين وكبار مسئولي النظام البعثي
علاوة علي القيادات العسكرية والأمنية والحزبية.
أولا : في خصوص الشكل :
1- اسم المحكمة باللغة العربية هو المحكمة المختصة وذلك
في حين أن اسم المحكمة الوارد في النص المحرر باللغة
الإنجليزية هو المحكمة الخاصة 'Special Courtس , ولنا علي
كل من المسميين الملحوظات الآتية :
أ- استخدام تعبير 'المختصة', يفيد قانونا بأنها محكمة
دائمة ذات اختصاص محدد موضوعي أو شخصي أو حتي مكاني,
وهو ما يخالف الواقع, حيث يبدو وفقا للمادة رقم 1
البند الثاني أنها محكمة خصصت للمحاكمة عن الجرائم
التي تم ارتكابها خلال مدة محددة بين تاريخي 1968/7/17
و 2003/5/1 . فهي بطبيعتها محكمة خاصة مؤقتة.
ب- استخدام تعبير 'الخاصة' والوارد في النص الإنجليزي,
يصطدم هو الآخر بما ينص عليه العهد الدولي للحقوق
المدنية والسياسية والذي يحظر علي الدول إنشاء محاكم
استثنائية أيا كانت طبيعتها أو نوعها, بما يمثله ذلك
من إخلال بضمانة القاضي الطبيعي.
2- مسمي 'المحكمة المختصة بالجرائم ضد الإنسانية' يختلف
عن حقيقة مضمون واختصاص هذه المحكمة, التي سوف تحاكم
علي جرائم الإبادة وجرائم الحرب, وكذلك علي جرائم
منصوص عليها في القوانين العراقية ولا تمثل جرائم ضد
الإنسانية, ومثال ذلك ما هو منصوص عليه في المادة
رقم 14 .
3- علي الرغم من أن النظام الأساسي للمحكمة قد تم
إعداده باللغتين العربية والإنجليزية, إلا أن هناك
العديد من الفروق الواضحة بين مدلول بل ومضمون بعض
النصوص بين كل من اللغتين.
ثانيا : في خصوص الغرض من إنشاء المحكمة :
إذا كان الغرض من إنشاء المحكمة هو المحاكمة علي
جرائم حددت موضوعيا وحصرا في المواد من 11 إلي 14 من
قانون الإنشاء, وشخصيا كما ورد في المادة الأولي,
بالعراقيين أو بغير العراقيين إذا كانوا مقيمين في
العراق, ولم يورد المشرع قيدا يتعلق بمكان ارتكاب
الجريمة في داخل الأراضي العراقية أو خارجها, فإنه لم
يكن هناك مقتضي للنص علي الجرائم المرتبطة بالحرب ضد
جمهورية إيران الإسلامية أو دولة الكويت, حيث تدخل في
الاختصاص دون نص إذا انطبقت عليها شروط الاختصاص
الشخصي والموضوعي.
ثالثا : في خصوص الهيكل التنظيمي للمحكمة وطرق تعيين
القضاة فيها :
1- مجلس الحكم الانتقالي, وهو جهة ليست قضائية, هو
الذي يقوم باختيار القضاة وتعيينهم وكذلك قضاة التحقيق
وأعضاء هيئة الادعاء ويقتصر دور مجلس القضاء الأعلي,
صاحب الاختصاص الأصيل في مثل هذه الموضوعات, علي مجرد
ابداء الرأي الاستشاري وذلك وفقا للبند 'ثالثا' من
المادة رقم (5).
2- لمجلس الحكم وفقا لما هو وارد في البند 'رابعا'
من المادة رقم (4) أن يعين قضاة أجانب ضمن أعضاء هذه
المحكمة ودونما أي قيد يتعلق بإتقان اللغة العربية أو
الإلمام بها أو معرفة بالنظام القانوني العراقي, وهو
ما سوف يكون له بالغ الأثر إذا حدث, علي قدرة هذه
المحكمة علي أداء دورها المنوط بها بشكل يحقق محاكمة
منصفة, بكل ما تقتضيه هذه المحاكمة من ضمانات.
3- يجب علي مجلس الحكم, وهنا نشير إلي أن القانون
ينص علي الالتزام وفقا لما هو وارد في البند 'ثانيا'
في المادة رقم (6), أن يقوم بتعيين مستشارين أجانب بغض
النظر عن جنسياتهم لتقديم الخدمات الاستشارية, ولأداء
دور رقابي علي عمل قضاة المنصة وعلي قضاة التحقيق
وأعضاء هيئة الادعاء. ولم يوضح القانون ما هي آليات
أو نتائج هذا الدور الرقابي.
4- ينص قانون المحكمة علي تعيين عدد عشرين قاضيا
للتحقيق من قبل مجلس الحكم, وفقا لما هو وارد في
البند 'ثالثا' من المادة رقم (7), وينص البند العاشر
من المادة نفسها علي أن كلا منهم يعمل مستقلا عن
الآخر ودون أي رقابة أو تنسيق من أي سلطة قضائية
عليا وهو ما يثير التساؤل عن كيفية أداء هؤلاء
القضاة لعملهم, خاصة أن مجموع القضايا التي سوف تطرح
عليهم, عادة ما سوف تكون مرتبطة ارتباطا ماديا. إن
ذلك الارتباط في الأشخاص وفي الوقائع وفي الأدلة
يلزمنا بضرورة التنويه إلي أهمية تشكيل هيئة تحقيق
تتولي وضع سياسة واحدة يتبعها جميع قضاة التحقيق لتنسق
بينهم.
5- نص القانون علي تعيين أعضاء فيما يسمي بهيئة
الادعاء العام, ولم يحدد لهم دورا ونطاقا محددا
لأعمالهم, ويزيد الأمر صعوبة عدم إمكانية اللجوء إلي
قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي لعام 1971, ذلك
أنه لا يعطي للادعاء دورا محددا أثناء تداول الدعوي
باستثناء الحفاظ علي حقوق الغير.
6- في صدد الشروط الواجب توافرها في أعضاء هذه
المحكمة من قضاة منصة, وقضاة تحقيق, وهيئة ادعاء, لم
يتطلب المشرع ضرورة توافر المؤهلات العلمية اللازمة
لتولي منصب القضاء وفقا للقوانين العراقية, إلا في
خصوص قضاة الحكم, بينما لم يتطلب ذلك بالنسبة لهيئة
الادعاء وقضاة التحقيق, وهو أمر محل نظر.
7- ترك القانون لمجلس الحكم في البند الخامس من
المادة رقم (5) والبند الثاني عشر من المادة رقم (7),
وهو يمثل السلطة التنفيذية, سلطة تقدير المكافآت المالية
التي تصرف لأعضاء هذه المحكمة, وجعل العيار هو درجة
المخاطر التي سوف يتعرضون لها, وهنا نشير إلي أ- ما
يمثله ذلك من مساس باستقلال المحكمة وحيادها المفترض.
ب- أن تصور وجود مخاطر وضغوط سوف يتولي مجلس الحكم
تقدير المكافأة المالية مقابلها, يهز كثيرا من صورة
استقلالية المحكمة عن السلطة التنفيذية.
8- جعل القانون عزل رئيس المحكمة من اختصاص مجلس
الحكم وذلك في البند (ج) من البند 'سادسا' من المادة
رقم (5), وهو ما يشكل إخلالا جسيما بضمانات عمل القاضي
الذي يجب أن يكون محصنا ضد العزل خاصة إذا كان من
يملك تقريره هو السلطة التنفيذية.
رابعا : في خصوص ولاية المحكمة وإشكاليات مبدأ الشرعية :
1- أشار قانون المحكمة إلي أن ولاياتها تمتد بصفة
أساسية لثلاث جرائم هي : جريمة إبادة البشرية, الجرائم
ضد الإنسانية, وجرائم الحرب, وهنا نشير إلي أن دولة
العراق وإن كانت قد صدقت علي كل من اتفاقية منع
إبادة الجنس البشري لعام 1948, وكذلك علي اتفاقيات جنيف
الأربع لعام 1949 وملحقيها الإضافيين لعام 1977, فإن مدي
إمكانية المحاكمة في العراق عن هذه الجرائم يثير عددا
من نقاط التعارض مع مبدأ الشرعية وذلك للآتي :
أ- لم تصدر قوانين وطنية بخصوص هذه الجرائم, ومن ثم
فهي لم تنشر في الجريدة الرسمية, وهو ما يثير قضية
العلم بعنصر التجريم أو ما يطلق عليه الشق الشكلي أو
القانوني لمبدأ الشرعية الجنائية.
ب- جريمة الإبادة البشرية لم تكن أبدا محلا لاتفاقية
دولية خاصة ومن ثم فإن تبرير وتأسيس العقاب عليها
يمثل صعوبة أكبر.
جـ- سوف يثار دائما التساؤل عن الموقف لمرتكبي هذه
الجرائم في تاريخ سابق علي تاريخ التصديق, وذلك علما
بأن قانون المحكمة ينص علي امتداد ولايته إلي عام
1968, وهو ما يعني إمكانية وجود صعوبات بالنسبة للجرائم
ضد الإنسانية.
وأمام هذه الإشكاليات فإن محاولة الخروج عليها لن تكون
إلا من خلال حلول ثلاثة, تثير جميعها نقاط توتر
قانونية حيث يمكن :
أ- تفسير مبدأ الشرعية تفسيرا واسعا يسمح بالتفرقة بين
الشق الموضوعي والشق الشكلي أو القانوني فيه, بما
مفاده بإمكان العقاب عن هذه الجرائم حتي ولم تكن
متضمنة في نص قانوني عراقي تم نشره في الجريدة
الرسمية, حيث يكفي التصديق من جانب الدولة علي معاهدة
دولية تنص علي ذلك التجريم. وهو تبرير, وإن صح
بالنسبة لجرائم الحرب, فلا يصدق علي باقي الجرائم.
ب- القول أن العقاب علي هذه الجرائم إنما يجد سنده
ونصه القانوني في العرف الدولي الذي يرقي إلي مرتبة
القاعدة الآمرة, والذي ينفذ في مختلف دول العالم دون
الحاجة للنص عليه في قوانينها الوطنية, أمر هو الآخر
سوف يكون محل دفع ينبغي علي المحكمة أن تفصل فيه
قبل أن تنظر في موضوع الدعاوي المرفوعة لها.
جـ- لجوء قانون إنشاء المحكمة إلي الإشارة إلي الدستور
العراقي المؤقت وإلي قانون العقوبات العراقي, ثم عدوله
عما ورد بهما بخصوص حصانة رئيس الدولة أو بخصوص
تعديلات قانون العقوبات في عهد النظام السابق, يثير
الكثير من علامات الاستفهام, حول مدي احترام مبدأ
الشرعية الجنائية.
وهنا يمكن الإشارة إلي أن الجرائم الدولية الثلاث التي
سبق ذكرها إنما تتضمن أفعالا مجرمة في القانون الجنائي
لدولة العراق, ولذا فقد كان من الملائم, ولتفادي
اشكاليات التعارض مع مبدأ الشرعية, أن تكتفي بالاستناد
إلي الجرائم والعقوبات المنصوص عليها في هذا القانون
وهو ما سوف يسمح كذلك بتفادي اشكالية ترك تحديد
العقوبات للمحكمة والذي يتنافي وبجلاء مع الجزء الثاني
من قاعدة الشرعية وأنه لا عقوبة إلا بقانون.
سوف يكون علي المحكمة أن تحاكم وبصفة أساسية رئيس
دولة العراق عن الجرائم التي تدخل في ولاياتها, وهنا
نشير إلي إشكالية الالتفاف علي الحصانة الكاملة المقررة
لرئيس الدولة والمنصوص عليها في الدستور المؤقت لعام
1970, والذي سوف يكون علي المحكمة أن تقضي في موضوع
الحصانة, قد تلجأ في سبيل ذلك مرة أخري للعرف الدولي
الذي لا يعترف بحصانات قانونية في حالة ارتكاب جرائم
دولية, ولكننا يجب ألا ننسي أننا هنا بصدد حصانة
تحتمل التفسير بكونها موضوعية أو زمنية بمقتضي دستور
مازال قائما, وقد تلجأ المحكمة إلي القول إن الغرض
من مثل هذه الحصانات هو حماية رئيس الدولة من التدخل
في أعمال السيادة أو تهديده بسيف القانون, وذلك مع
مراعاة أن أعمال السيادة لا يتصور أن تتضمن ارتكاب
جرائم دولية, وهو ما سوف يكون أيضا محل نظر من
المحكمة. وهذه المشكلة سوف تثور في خصوص أعضاء مجلس
قيادة الثورة الذي منح الحصانة لأعضائه من القرارات
السابقة, وهي دائما قرارات غير منشورة ولا يعلم توقيت
صدورها أو نصها الكامل.
وهنا يمكن الإشارة إلي عدم
جواز الاعتداد في هذا الصدد بما يمكن أن يطلق عليه
قاعدة الاعتذار بعدم العلم بالقاعدة القانونية خاصة
بالنسبة لكبار مسئولي النظام العراقي السابق, وهنا نذكر
بما تمت إثارته عند المحاكمات التي أجريت عقب محاكمة
نورمبرج الكبري علي المستوي الإقليمي, حيث كان هذا
الدفع من أول الدفوع التي أثارها المتهمون في هذه
الجرائم, وكان الرد عليها هو أن مجرد محاولة هؤلاء
المسئولين الالتفاف علي أحكام القانون الدولي من خلال
إصدار قوانين تقرر حصانات تحميهم من الخضوع له, إنما
يمثل قرينة قاطعة علي علم هؤلاء المسئولين بتجريم
أفعالهم وفق أحكام القانون الدولي.
خامسا : فيما يتعلق بإجراءات المحاكمة وطرق الطعن فيها :
يتضمن هذا القانون أيضا المادة 20 التي تنص علي حقوق
الدفاع كما وردت في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق
الإنسان, وهي حقوق مستمدة من النظام الاتهامي بما
يتعارض مع النظام التنقيبي الذي يمثل مرجعية النظام
الإجرائي العراقي, ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلي حق
مواجهة الشهود واستجوابهم من قبل الدفاع, إذ إنه لا
يمكن تطبيق النظام الاتهامي أمام قاضي التحقيق في حين
أنه يجوز ذلك أثناء نظر الدعوي إذا رأت المحكمة
ضرورة استجواب الشاهد وإعادة الإدلاء بأقواله أمام
المحكمة, أما إذا لم تر المحكمة ضرورة لاستدعاء الشاهد
أمامها فلا يكون للمتهم حق مواجهة الشاهد واستجوابه
مباشرة. وقد كانت هذه الأمور ناتجة من محاولة دمج
حقوق المتهم في النظام الاتهامي في إطار النظام
التنقيبي, وهو ما يقطع بعدم إلمام القائم علي إعداد
هذا القانون الخاص بإنشاء هذه المحكمة بالنظام الإجرائي
العراقي.
ونص القانون علي طريق واحد عادي للطعن أمام هيئة
التمييز وذلك في المادة رقم 25 وذلك خلافا لإعادة
المحاكمة, والذي يمثل طريق طعن غير عادي والتي يقتصر
اختصاصها, كما يبين من القانون, علي رقابة القانون,
وعلي الرغم من ذلك نص القانون علي حق المحكمة في
تعديل الحكم وهو ما لا يتفق وقضاء التمييز الذي
يراقب حسن تطبيق القانون, ومن ثم يجب ألا يملك سوي
تأييد الحكم أو نقضه وإعادته إلي محكمة الجنايات.
وتبرز هذه الملاحظات الضرورة إلي إعادة النظر فيما
أوردت من تساؤلات قانونية, ولا سيما شرعية السلطة التي
أصدرت هذا القانون بالصورة التي تدعو إلي حتمية إعادة
تعديل هذا القانون وإصداره من قبل الحكومة المؤقتة
التي تتمتع بالشرعية والمزمع انتخابها أو تعيينها من
قبل السطة التشريعية بحلول 2004/6/30 (ومجلة السياسة
الدولية ماثلة للطبع), الذي أعلنته قوات التحالف كتاريخ
لتسليم الحكم في العراق إلي تلك الحكومة الشرعية التي
تعبر عن السيادة القانونية الوطنية.
|