قطعت المفاوضات السداسية بين الولايات
المتحدة وكوريا الشمالية شوطا جديدا من الشد والجذب خلال المباحثات التى
جرت فى العاصمة الصينية بكين فى 12 مايو 2004 وشارك فيها نواب وزراء
الخارجية فى الكوريتين والصين وروسيا ومدير عام آسيا بوزارة الخارجية
اليابانية ومساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الآسيوية ، وذلك لمناقشة
سبل إنهاء الأزمة بين البلدين حول البرنامج النووى الكوريى الشمالى ، وقد
جاءت هذه الخطوة تأسيسا على ما تم الاتفاق عليه فى سلسلة المباحثات التى
عقدت فى 25 فبراير 2004 .
وتحاول الدول الأربع المعنية بالنزاع بين
البلدين وهى كوريا الجنوبية والصين واليابان وروسيا الاتحادية بإقناع
الجميع بان " التفاوض هو الخيار الأفضل لحل النزاع بين البلدين " حيث اتسمت
العلاقات بينها بالشد والجذب منذ اندلاع تلك الأزمة فى خريف 2002 بإعلان
بيونج يانج استئناف برنامجها النووى ، ورغم بدء المباحثات بين الجانبين ظل
كل طرف مصرا على موقفه ، ففى الوقت الذى تصر فيه الولايات المتحدة على
إجراء محادثات متعددة الأطراف مع بيونج يانج رافضة المحادثات الثنائية
ومطالبة كوريا الشمالية بوقف برنامجها للتسلح النووى بدون شروط مسبقة
بطريقة نهائية يمكن التحقق منها ، هذا بجانب ضمها ضمن الدول غير المتعاونة
بشكل كافى فى الحرب ضد الإرهاب .
على الجانب الآخر ، ظل الموقف الكورى
الشمالى محدد وثابت منذ بداية المباحثات، حيث عرضت كوريا تعليق محاولات
اختبار وإنتاج الأسلحة النووية وتجميد صناعاتها النووية مقابل معاهدة عدم
اعتداء مع الولايات المتحدة ، وقيام تعاون اقتصادى إقليمي من خلال حصول
كوريا على مزايا دبلوماسية واقتصادية وشطبها من لائحة الدول المتهمة بدعم
الإرهاب ورفع مختلف العقوبات .
ومن الجدير بالذكر أن الإدارة الأمريكية
اتبعت سياسة الاحتواء الدبلوماسى مع بيونج يانج ومن ذلك قيام مساعد وزير
الخارجية الأمريكي جيمس كيلى بعدة جولات للمنطقة لحث كوريا الشمالية للجلوس
على مائدة المفاوضات ، كما استقبل الرئيس بوش كل من رئيس الوزراء الياباني
كويزومى ونظيره الكورى الجنوبى روه موهيون ضمن إطار الإستراتيجية الأمريكية
لحشد التأييد لسياستها تجاه كوريا الشمالية بين جيرانها ، وهو ما يتفق مع
ما اكده المحللون العسكريون من أن استخدام القوة العسكرية ضد المنشآت
النووية الكورية الشمالية لن تكون كافية للتعامل مع الأزمة خاصة وان تبنى
هذا الخيار سيؤدى إلي اندلاع حرب فى شبة الجزيرة الكورية من خلال شن كوريا
الشمالية هجوم على جارتها الجنوبية بما يجعل خيار الحصار الاقتصادى اكثر
واقعية .
ومن الجدير بالذكر أن النزاع بين البلدين
اتسم باعتماده على عدة مبادئ ، أولها حل الأزمة بشكل سلمى حفاظا على السلام
والأمن الدائمين فى شبة الجزيرة الكورية ، ثانيها بحث وصياغة خطة شاملة
لتسوية تلك القضية بأسلوب عادل وعقلانى يحقق مصلحة الطرفين ، ثالثها ضرورة
مواصلة الحوار لتعزيز جسور الثقة وتضييق الفجوة وتوسيع مساحة التفاهم
المشترك ، رابعها جعل شبة الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية
، خامسها يتعلق بالحل الجماعى تحت مظلة اللجنة السداسية بما يعنى وجود
أطراف مساعدة ومعضدة فى اتجاه الإبقاء على التفاوض وتذليل اى عقبات فى
طريقه ، سادسها يرتبط بضرورة تجنب اى تصرف أو اتخاذ اى إجراء من شانه أن
يقود إلي اللجوء للحل العسكرى .
وقد اختلفت مواقف الدول الإقليمية المعنية
بالنزاع ، ففى الوقت الذى تعد فيه كوريا الجنوبية الدولة التى يمكنها أن
تتكبد خسائر اكثر من اى دولة أخرى نظرا لوقعها بالقرب مباشرة تحت مرمى
صواريخ ومدفعية كوريا الاقتصادية لكوريا الشمالية فى حالة عدم تنازلها عن
برنامجها النووى ، ولذا فقد سعت كوريا الجنوبية الى تهدئة مخاوف كوريا
الشمالية من التعاون بينها وبين الولايات المتحدة من خلال تأكيدها على
تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة بشكل تدريجى والعمل على تطوير قدرتها
للدفاع عن نفسها .
كما أن اليابان والتى تقع بدورها تحت مرمى
صواريخ ومدفعية كوريا الشمالية ، وتخشى من قيام كوريا الشمالية بإمكانية
استخدام أسلحتها النووية ، سعت جاهدة من اجل التوصل لحل لتلك الأزمة .
ومن ناحية اخرى ، تطالب الصين التى ترتبط
بعلاقات طويلة بين الجانبين بجعل شبة الجزيرة الكورية منطقة خالية من
الأسلحة النووية خوفا من أن تؤدى هذه الأزمة إلي قيام برنامج نووى عسكرى
يابانى ، كما أن الصين تسعى لحل تلك الأزمة حتى لا تعرقل إصلاحاتها
الداخلية وتماسكها السياسى فى اكثر الأوقات احتياجا لذلك ، حيث تتأهب
لاستضافة الألعاب الأوليمبية فى بكين عام 2006 ، هذا بجانب سعيها لتحقيق
الهدوء الإستراتيجي على حدودها حتى لا تتهدد باى شكل علاقاتها مع الولايات
المتحدة .
وفيما يتعلق بالدور الروسى ، فقد أكدت
روسيا مفتاح حل المشكلات فى شبة الجزيرة الكورية بأنه يتركز فى الإرادة
السياسية للأطراف ذات الصلة والأساليب السياسية والدبلوماسية مع ضرورة ضمان
أمن كوريا الشمالية وأهمية توفير الظروف اللازمة لتسهيل عملية التنمية
الاقتصادية والاجتماعية بها .
وفى ضوء ذلك ، لعبت تلك الأطراف جهود
عديدة لتسوية تلك الأزمة ، خاصة الصين التى لعبت دور المحرك الرئيسى فى
المباحثات السداسية التى استضافتها فى 25 فبراير و12 مايو 2004 .
وعلى الرغم من عدم حدوث اى تقدم يذكر فى
نهاية تلك الجولة من المباحثات نظرا لتمسك كل طرف بمطالبه وعدم صدور بيان
مشترك فى ختام تلك المباحثات ، إلا أن جميع الأطراف المشاركة وافقت على جعل
شبة الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية، وهو ما اعتبرته
الولايات المتحدة نجاحا كبيرا وأنها " تخطت حدود التوقعات ".
واتفقت الصين على ذلك فى اعتبار هذه
الجولة من المباحثات خطوة مهمة نحو إحراز تقدم فى المسألة الكورية ، الا
انها اكدت على انه يجب ألا تتعدى توقعات الأطراف المشاركة حدود المقبول .
ومن الجدير بالذكر انه خلال تلك المباحثات
عرضت كوريا الجنوبية وروسيا والصين على بيونج يانج منحها مساعدات نفطية
مقابل تجميد نشاطاتها النووية ، حيث أدت المشكلات الاقتصادية التى تعانى
منها بيونج يانج إلي نقص حاد فى الطاقة تفاقم مع قرار الولايات المتحدة
بتعليق شحنات المساعدات النفطية إلي البلاد .
ويلاحظ انه منذ المفاوضات انتهجت بيونج
يانج سياسة متشددة تجاه اليابان ، حيث رفضت بيونج يانج مشاركة اليابان فى
المفاوضات حول مسألتها النووية معللة ذلك بالتأييد اليابانى المتشدد للموقف
الأمريكي حيال تلك الأزمة ومنادتها بفرض حصار وعقوبات سياسية وعسكرية
واقتصادية ضد كوريا الشمالية .
إلا انه بالرغم من ذلك ، فقد شاركت
اليابان فى المفاوضات منذ جولتها الأولى فى بكين فى أواخر أغسطس 2003 حيث
استجابت بيونج يانج لمطلب الولايات المتحدة فى أن تكون المحادثات متعددة
الأطراف باشتراك اليابان ، كما قام رئيس الوزراء اليابانى كويزومى بزيارة
بيونج يانج فى 24 مايو 2004 والتى أسفرت عن انفراج وتفاهم بين الطرفين حول
عدد من القضايا المعلقة منها تأكيد بيونج يانج على إخلاء شبة الجزيرة
الكورية من الأسلحة النووية ووقف عمليات إطلاق الصواريخ الذاتية الدفع ، فى
المقابل إرسال اليابان لـ 250 ألف طن من الأغذية ومساعدات طبية بقيمة عشرة
ملايين دولار لكوريا الشمالية.
وعلى الرغم من القول بان هذه الزيارة قد
حققت جزءا من أهدافها ، إلا أنها لم تحرز تقدما تجاه القضايا المتعلقة
بالأسلحة النووية والصواريخ وأمن شمال شرق آسيا .
نخلص من ذلك إلي القول بان قضية كوريا
الشمالية التى تعترف رسميا بامتلاكها السلاح النووى وترفض اى رقابة دولية ،
تخضع إلي المعالجة الدبلوماسية من جانب الولايات المتحدة ، فى حين حُسمت
القضية العراقية بالقوة العسكرية رغم نفيه امتلاك ايه أسلحة نووية بل
موافقته غير المشروطة على التفتيش والتحقق .
على الجانب الآخر ، مازالت الولايات
المتحدة تغض الطرف عن البرنامج النووى الاسرائيلى مع انه لم يعد احتمالا بل
حقيقة واقعة ، فى حين مارست ضغوطا مستمرة على الهند وباكستان كى تتخليا عن
برنامجهما النووى العسكرى ، إلا أنها الآن سلمت بحكم الواقع باكتسابهما صفة
الدولتين النوويتين .
ولم يبق لنا إلا القول بان الولايات
المتحدة ذاتها عليها قبل أن تلزم الآخرين بمبادئ معينة ، يجب عليها أن
تلتزم هى أولا بذلك ، ففى الوقت الذى تعهدت به فى مايو 2002 لروسيا تقليص
عدد الرؤوس النووية التى تمتلكها من 6000 إلي 2000 إلا أنها مازالت محتفظة
بعشرة آلاف رأس نووى يمكن إعادة تنشيطها خلال بضعة أيام ، وهو ما يفرض على
الولايات المتحدة التى ابتدعت مبدأ " الرقابة على التسلح " أن تلزم بها
نفسها أولا .