2004‏, يوليو


الرئيس مشرف وتداعيات عمليات وزيرستان

بشير عبد الفتاح

أصبحت منطقة وزيرستان الجبلية الحدودية بين باكستان وأفغانستان ، تمثل ساحة لمواجهات عسكرية وتجاذبات ومهاترات سياسية ، امتدت تداعياتها وتأثيراتها على الداخل الباكستانى المليء بالمشاكل الاقتصادية والتوترات السياسية التى واجهت الرئيس مشرف والذى سعى منذ استيلائه على السلطة عام 1999 للتقرب من واشنطن والفوز بدعم إدارة بوش لمواقفه السياسية فى داخل بلاده وخارجها ، وقد نجح مشرف فى استغلال أحداث 11 سبتمبر 2001 وما أعقبها من الحرب الأمريكية على الإرهاب ، لكى يثبت للإدارة الأمريكية أهمية دوره فى منطقة وسط آسيا ، حيث أبدى تعاونا غير محدود مع الإدارة الأمريكية فى حربها ضد الإرهاب بدءا من السماح للقوات الأمريكية بعبور أراضى بلاده لمطاردة فلول القاعدة وطالبان فى أفغانستان مرورا بشن حملة اعتقالات وتضييق واسعة النطاق ضد الحركات والعناصر الإسلامية النشيطة فى باكستان ومن ابرز المعتقلين خالد شيخ محمد الذى أشيع انه الرجل الثالث فى تنظيم القاعدة ، كما حظر نشاط جماعة " خدام الإسلام " التى كانت تعرف من قبل بـ " جيش محمد " وغيرها .

ومع استمرار الرئيس الباكستانى فى تأكيده على مواصلة محاربة الإرهاب ، جاءت العمليات العسكرية الباكستانية فى منطقة وزيرستان ضد مقاتلى القاعدة وطالبان البالغ عددهم حوالى 4000 شخص ، فقد دفع الرئيس الباكستانى بنحو 20 ألف مقاتل من قواته تدعمهم قوات خاصة أمريكية وبريطانية إلي جانب 2000 مقاتل من أبناء القبائل الموالية لحكومة مشرف .

واستمر القتال منذ مارس وحتى مايو الماضيين ليتأكد للرئيس الباكستانى صعوبة القضاء على هؤلاء المقاتلين ، وهو ما دفعه لطرح مبادرة تضمنت عرضا بإنهاء القتال ضد من اسمهم " الإرهابيين المحليين " فى وزيرستان ، على أن تتم التسوية على النحو التالى : بالنسبة للمقاتلين الباكستانيين يتم منحهم عفوا عاما مقابل تسليمهم لأسلحتهم واعترافهم بخطأهم والتعهد بعدم التورط فى ايه أنشطة مناوئة للدولة الباكستانية أو خارجة على القانون مع إلزام وتعهد زعماء القبائل الذين يؤوونهم بعدم إيواء أي من هذه العناصر مرة أخرى .

وفى هذا الإطار ، تم وضع أمامهم خياران :

- الأول : الاستسلام بدون شروط على أن يتم تقرير مصيرهم وفقا للقانون الباكستانى مع إمكانية منحهم حق الإقامة كلاجئين يسجلون أسماءهم لدى ممثلى السلطات الباكستانية .

- الثانى ، أن تتم تصفيتهم والقضاء عليهم نهائيا فى حالة عدم تجاوبهم مع إسلام آباد.

ويرجع السبب وراء طرح هذه المبادرة إلي تفاقم الخسائر المادية والبشرية بين صفوف القوات الباكستانية فى وزيرستان والتى قدرت بفقدان ما يزيد على مائه قتيل فى هذه العمليات ، وترجع تلك الخسائر إلي غياب الحماس الوطنى لدى القوات الباكستانية - نقص المعلومات الأمنية - عدم دقة التقارير الاستخبارية - والرفض الشعبى لهذه الحرب .

إلا أن مقاتلو القاعدة وطالبان رفض عروض إسلام آباد بالتسوية ، نظرا لعدم ثقة هؤلاء المقاتلين فى وعود مشرف لهم ، وأمام هذا الرفض اضطر مشرف إلي الإعلان مجددا فى شهر مايو الماضى باستئناف الحرب ضد مقاتلى القاعدة وطالبان فى وزيرستان ، وان عرضه لحل المسالة دونما حرب لا يعنى الاستسلام وفقدان الأمل .

ولكى يوفر لنفسه سبل الحماية التى تساعده على الاستمرار فى طريقه ، حرص على تعظيم سلطاته من خلال قيامه بإجراء تعديل دستورى يقضى بإنشاء مجلس الأمن القومى الباكستانى والذى قوبل برفض واعتراض من جانب المعارضة باعتبار أن إنشاء هذا المجلس من شانه أن يمنح مشرف سلطات وصلاحيات واسعة على صعيد السياستين الداخلية والخارجية .

وقد استغلت المعارضة الباكستانية هذه الأحداث لتعبئة الرأي العام الباكستانى ضده وضد سياساته ، وقد قادت التنظيمات السياسية الباكستانية حركة المعارضة : منها مجلس العمل المتحد الذى يضم ستة أحزاب بينها الجماعة الإسلامية ، حيث قام بتنظيم يوم وطنى احتجاجا على العمليات العسكرية الباكستانية فى وزيرستان .

وتزايدت المعارضة الشعبية لحرب مشرف حيث تجاوزت مجرد التعبير السلمى عن الرفض والاحتجاج لتصل إلي قيام تلك التظاهرات السلمية بحرق صورا وتماثيل لمشرف وذلك عقب شريط الفيديو الذى بثته قناة الجزيرة القطرية لايمن الظواهرى الرجل الثانى فى تنظيم القاعدة والذى اتهم مشرف بالخيانة للإسلام ولشعبه والعمالة للولايات المتحدة .

وفى نفس السياق ، تخلت الأحزاب والتنظيمات الإسلامية عن برويز مشرف بعد أن فتح أمامها باب العمل السياسى البرلمانى لمساندته فى مواجهة خصومه السياسيين العلمانيين مثل نواز شريف وبوتو ، إلا أن هذه الأحزاب دخلت تحالفات مع الأحزاب العلمانية ضد نظام مشرف وسياساته .

وتصاعد الأمر مع اجتماع علماء دين باكستانيون بالمواطنين فى شتى المدن الباكستانية ودعوا المواطنين إلي رفض سياسة مشرف واعتبروا أن الاستمرار فى الحرب فى وزيرستان حرب عدوانية من قبيل الاعتداء وليس جهادا .

كما امتدت مشاعر الرفض والغضب إلي منطقة القبائل التى كانت ساحة للمواجهات بين عناصر القاعدة وطالبان من جهة وقوات مشرف المدعومة أمريكيا وبريطانيا من جهة أخرى ، ودفع ذلك معارضو الحرب من هذه القبائل إلي عقد مؤتمر فى مدينة بيشاور حضره 1500 شخص طالبوا خلاله القوات الباكستانية بالتراجع ووقف هذه الحرب ، ومطالبة إدارة مشرف بالإفراج عن المعتقلين محذرين من اثر هذه الحرب على التماسك الوطنى فى باكستان خاصة وان تلك المنطقة الحدودية تتمتع بوضع أشبه بالحكم الذاتى منذ عام 1947.

بالاضافة إلي كل ما سبق ، ساهمت اعتبارات أخرى فى تنامى أجواء السخط الشعبى العارمة ضد مشرف خلال هذه الحرب التى أعلن اكثر من مرة أنها ستفضى إلي تصفيه العناصر المثيرة للقلق فى وزيرستان دونما تحقيق أي شئ من هذه الوعود على ارض الواقع .

وجدير بالذكر أن خبراء عسكريون داخل الجيش الباكستانى نفسه يرون أن بلادهم لم تكن فى حاجة أمنية أو استراتيجية ملحة لمثل هذه الحرب خاصة وان المقاتلين المطاردين فى وزيرستان ما هم إلا مجموعة من الشيشانيين والاوزبك والعرب الذين لم تكن لديهم ايه مشاكل مع إسلام آباد ، وانما قضيتهم الأساسية مع واشنطن ، وهو ما جعل هذه الحرب فى نظر الشعب الباكستانى سوى مغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب .

على الجانب الآخر ، فقد دفعت الولايات المتحدة بعد إخفاقها فى تصفية القاعدة وطالبان ، بباكستان للدخول فى مثل هذه الحرب لإدراكها جيدا بمخاطر التورط فى حرب بهذه المنطقة الجبلية الوعرة التى ربما تكون مقبرة للجنود الأمريكيين خاصة فى الوقت الذى اصبح فيه الوجود العسكرى الأمريكي فى العراق يشكل عبئا استراتيجيا ثقيلا على إدارته .

ولذلك بقى الأمريكيون يترقبون سقوط قيادات القاعدة وطالبان فى أيدي حلفائهم أمثال مشرف ، شريطة إلا تتحمل القوات الأمريكية ايه خسائر بشرية أو حتى مادية على أن تتم عملية تسوية الحسابات مع هؤلاء الحلفاء لاحقا من خلال المكافآت المالية والدعم اللوجيستى أو من خلال المساومات السياسية الممكنة حول بعض الملفات كملف كشمير وملف تسريب التكنولوجيا النووية الباكستانية التى يتورط فيها مشرف نفسه وتستره عليها.

فلاشك أن إدارة بوش تعى جيدا مدى تشعب وانتشار خلايا تنظيم القاعدة فى بقاع العالم المختلفة ، ولذا فهى تسعى لادخار قوتها وجهودها لمهام شديد الصعوبة وبالغة التعقيد حول العالم ، فيما يتولى حلفاؤها مهام ملاحقة وتصفية فلول القاعدة وطالبان فى المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان .

فى ضوء هذا الموقف الذى يواجه مشرف داخليا وإقليما وفى مواجهة الولايات المتحدة لم يعد أمامه سوى المضى قدما فى تنفيذ التعليمات الأمريكية مهما يكن الثمن أو المقابل غير مرض من وجهة نظر الباكستانيين .

نخلص من ذلك إلي القول بان المستقبل السياسى للرئيس مشرف محفوفا بالمخاطر ما دام عاجزا عن الموازنة بين علاقاته الخاصة مع واشنطن من جهة ، ومتطلبات شرعيته وشعبيته داخل بلاده من جهة أخرى ، وقد تأكد ذلك خلال شهر مايو مع قيام القوات الأمريكية المرابطة فى منطقة وزيرستان بعمليات عبور للحدود الباكستانية لمطاردة عناصر مقاتلى القاعدة ووصل بها الأمر إلي اقتحام عدد من المنازل بإحدى القرى الباكستانية الحدودية وهو ما دفع مشرف إلي استغلال هذه الأحداث لتغيير لهجته فى التخاطب مع الولايات المتحدة من خلال تنديده بهذه الأحداث التى وصفها " بالتجاوزات غير المقبولة" ، وهو بذلك يحاول أن يستميل شعبه بعض الشئ ، إلا أن تاريخ علاقاته مع الولايات المتحدة ربما تحول دون بلوغه تلك الغاية خاصة إذا ما بقى مصرا على مواصلة حربه المثيرة للجدل فى إقليم وزيرستان .

بداية الصفحة