2004‏, يوليو


نهر النيل : بين دوافع التنمية وقيود التعاون الاقليمى

ابراهيم احمد عرفات

ارتبطت ديناميكية التفاعلات البينية فى منطقة حوض النيل بالعديد من الاطر التى طرحت مسالة المياة فى منظورها التنموى الاقتصادى، وان كان هناك جانب صراعى لا يمكن اغفاله تمثل فى اثارة بعض القضايا مثل عدم الاعتراف بالاتفاقيات القانونية التاريخية وطرح قضايا تسعير وبيع المياه ، بما يكشف عما تشهده منطقة حوض النيل من متغيرات ومستجدات تأخذ سبيلها نحو بلورة ملامح جديدة للتفاعل بين دول الحوض، تمثلت اهم هذه المستجدات والتطورات فى : -

· غلبة الانماط التعاونية على التفاعلات بين دول حوض النيل على المستوى الثنائى، وقد بدا ذلك جليا فى العديد من المشاريع المشتركة منها قيام كينيا بالتعاون مع مصر فى حفر مائة بئر للمياه فى كينيا باستثمارات بلغت 4.5 مليون دولار، كذلك قيام اوغندا بطلب الدعم الفنى من مصر من اجل مكافحة الحشائش فى بحيرتى (كيوجا - فكتوريا )، وقدمت مصر منحة لا ترد لاوغندا بلغت حوالى 14 مليون دولار تمثلت فى 4 قوارب لنشات عملاقة متعددة الاغراض، ويرجع الاهتمام المصرى بمنطقة البحيرات الاستوائية لكونها مصدرا دائما للنهر تقوم بامداد مصر بـ 15 % من حصتها من المياه .

ولم يقتصر التعاون الثنائى بين دول الحوض على ملف المياه فقد ، بل امتد الى العلاقات التجارية والاقتصادية واتضح ذلك جليا فى توقيع بروتوكولات التعاون التجارية بين مصر وكينيا حول تيسير حركة التجارة بين البلدين.

· الاسراع فى تنفيذ مشروعات الرؤية المشتركة المقررة فى مبادرة دول حوض النيل التى تم التوصل اليها بين دول الحوض بهدف تعميق مجالات التعاون فيما بينها -وسيرد ذكرها بشكل اكثر تفصيلا فيما بعد- فقد اسرعت دول الحوض بتنفيذ المشروعات التى تضمنتها تلك المبادرة دون انتظار انتهاء المهلة المقررة لها (عام 2007 ) ، اذ تم الاسراع بالبدء فى انشاء 22 مشروعا جديدا بمنطقة حوض النيل لتنمية الموارد المائية بتكلفة 200 مليون دولار.

· الدفع بخطوات متسارعة نحو تشكيل اطار مؤسسى تنظيمى بما يكفل استمرار جهود دفع المبادرات واليات التعاون من جانب، وتوفير الدعم الدولى اللازم لمشروعات التنمية المشتركة فى دول الحوض كمدخل لتدعيم تلك المشروعات التنموية ونجاحها.

وقد ادت تلك التطورات والمستجدات إلى تزايد الشعور باهمية التعاون والعمل الجماعى والى الحاجة لتفعيل اطر التعاون الاقليمى والفنى خاصة فى مجال التدريب على ادارة الموارد المائية فى بلدان الحوض، فضلا عن الاتجاه نحو مزيد من التفعيل لالية "مبادرة دول حوض النيل" كاطار مؤسسى وقانونى حاكم لكافة اتماط التعاون الاقليمى فى منطقة الحوض .

وجدير بالذكر ان منطقة حوض النيل قد شهدت قبل التوصل إلى " مبادرة حوض النيل " عددا من تجارب التعاون المشترك والتى لم تنجح فى الوصول بالعلاقات البينية الى صيغة قانونية مؤسسية، وهذه المبادرات هى : -

1 - مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية فى هضبة البحيرات العظمى وقد بدا عام 1961 وهدف الى اجراء مسح للارصاد الجوية النهرية لمناطق تجمع الامطار فى البحيرات العظمى، وتمثلت المهام الرئيسية لهذا المشروع فى اقامة محطات لجمع المعلومات، انشاء سبع مناطق قياسية لتجمع المياه ، التصوير الجوى والمسح الارضى لشواطىء البحيرات .

الا ان عدم توافر الارادة والرغبة السياسية لدول الحوض كانت وراء فشل المشروع.

2 - تجمع الاندوجو ، الذى بدأ عام 1983 وقد سعى الى دعم وتفعيل آلية التعاون بين اعضاءه فى مجالات التنمية وتبادل المعلومات والخبرات والتشاور والتنسيق فى كافة القضايا الافريقية ، وتبلورت اهدافه فى : -

- دعم وتنويع العلاقات الثنائية بين دول التجمع فى المجالات السياسية والاقتصادية .

- دعم التكامل الاقتصادى بين الدول الاعضاء والتنسيق فى المواقف السياسية تجاه القضايا المشتركة والعامة .

ومن الجدير بالذكر انه على الرغم من عدم وجود نص صريح بشأن التعاون المائى، الا ان المحاولة تعد تطويرا لمداخل التعاون المائى الجماعى عبر التكامل الاقتصادى والتنسيق السياسى .

الا ان تغليب الاعتبارات السياسية كانت وراء فشل هذا التجمع حيث واجه العديد من العقبات منها : عدم القدرة على توفير الدعم اللازم لتنسيق مشروعات التكامل الاقتصادى- رؤية بعض الدول ان التجمع محفلا غير رسمى وبالتالى ضرورة استبعاد القضايا السياسية وملف المياه من اجندة المناقشات - غموض الاطار القانونى المنظم للتجمع .

ومع فشل هذا التجمع ، تمت العودة الى نمط التفاعلات الفنية المحدودة والتى تمثلت فى احياء مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية تحت مسمى " التيكونيل ".

3 - التجمع الفنى لدول حوض النيل للتنمية والحفاظ على البيئة لنهر النيل " التيكونيل " والذى بدا فى ديسمبر 1992 بين ست دول هى " مصر، الكونغو الديمقراطية، السودان، اوغندا، تنزانيا، روندا " .

وقد تضمنت وثيقة التجمع انشاء مجلس وزارى يتكون من وزراء الموارد المائية لدول حوض النيل يجتمع سنويا لاعتماد الميزانية وخطة العمل التى تضمنت 21 مشروعا ركزت على تطوير البنية الاقتصادية لدول الحوض وإدارة مواردها الاقتصادية بشكل امثل .

وجدير بالاشارة ان هذا التجمع الذى انتهى العمل به عام 1998، قد اقتصر فقط على الجانب الفنى دون الوصول الى اطار اقليمى وقانونى لحوض النيل ، بما جعل هناك حاجة ملحة لبدء جولات من المباحثات الجماعية بين دول الحوض لبحث كيفية تأسيس آلية للتعاون الجماعى ، وبالفعل بعد جولات من المباحثات التى عقدت فى جينف تم التوصل فى عام 1999 الى ما عرف بـ " مبادرة دول حوض النيل NBI والتى تم تدشينها فى اجتماع وزراء المياه فى تنزانيا عام 2000 .

تقوم تلك المبادرة على انشاء هيكل مؤسسى يتكون من مجلس وزراء الموارد المائية فى دول الحوض ، بالاضافة الى اللجنة الاستشارية الفنية والسكرتارية الدائمة التى اتخذت من مدينة " عنتيبى " الاوغندية مقرا لها، فضلا عن " قناة الحوار الدولى " الداعمة لدور المانحين الدوليين ( البنك الدولى - برنامج التنمية التابع للامم المتحدة - وكالة التنمية الكندية ) فى تنفيذ ما تم الاتفاق علية من مشروعات .

وتمثلت اهداف هذه المبادرة فى : -

- العمل على بلورة اطار تعاون جماعى مقبول من جانب دول الحوض .

- رفع مستوى ودرجة التعاون على مستوى الحوض فى الادارة المتكاملة للمصادر المائية .

- السعى نحو انشاء قالب قانونى عبر تحديد انصبه كل دولة من دول الحوض لاستخدام مياة النيل بما يتوافق والقواعد القانونية الدولية.

- تحسين اساليب استخدام مياه النيل لتحقيق الفائدة الاقتصادية والاجتماعية لكافة شعوب الحوض .

كما تم الاتفاق على عدد من المبادىء العامة الحاكمة للعلاقات المائية بين دول الحوض تمثلت اهمها فى : ان المياه حق لكل دول الحوض ولا يجوز اقامة اى مشروع يضر بمصالح الدول الاخرى - عدم اقتصار حق الاستفادة من اى مشروع على دولة واحدة فقط .

وقد ساهمت تلك الاهداف والمبادىء فى بلورة برنامجيين متكامليين تضمنا عدد من المشروعات لتعظيم الاستفادة من مياة هذا النهر ، هما :

1 - برنامج الرؤية المشتركة (SVP)

يهدف هذا البرنامج الى خلق بيئة ملائمة للتعاون وادارة عمليات التنمية فى دول حوض النيل من خلال تنفيذ سبع مشروعات تشمل كافة القطاعات المرتبطة بقضية المياه وهى :

تجارة الطاقة فى منطقة الحوض - الاستخدام الامثل للمياه وللانتاج الزراعى - ادارة وتخطيط الموارد وموارد المياه - بناء الثقة وثقل مهارات الفنيين - مشروع التدريب التطبيقى - العمل البيئى العابر للحدود - الانتفاع المشترك واسراع معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

ومثلت هذه المشروعات خطوة اولى نحو تدعيم التعاون الجماعى الاقليمى من خلال التوافق والتكامل فى رؤى التنمية المشتركة. وقدرت الاحتياجات الفورية للبدء فى هذا المشروع نحو 122 مليون دولار .

2 - برنامج العمل العابر للحدود SAP

يتعلق هذا البرنامج بالمشروعات المقترح تنفيذها بالاحواض الفرعية فى الهضبة الاثيوبية :

- الحوض الشرقى بمشاركة مصر والسودان واثيوبيا .

- الحوض الجنوبى بمشاركة كينيا وتنزانيا ورواندا واوغندا وبوروندى والكونغو الديمقراطية .

وقد انبثق عن ذلك البرنامج عدد من المشروعات المقترح تنفيذها فى كلا الحوضين:

- مشروعات الحوض الشرقى : نموذج تخطيط النيل الشرقى - تنمية مصادر المياه المتعددة الاغراض - مشروع الانذار المبكر من الفيضانات - برنامج استثمار وتجارة الطاقة - مشروع الرى والصرف - مشروع ادارة مصادر المياه .

- مشروعات الحوض الجنوبى : تطوير الصيد فى بحيرات البرت وادوارد ، ادارة الموارد المائية فى نهر كاجيرا ، تطوير هيكل للادارة التعاونية لموارد المياه فى احواض ملاكيس ومالاباسيو ، تنمية الطاقة الكهربائية ، اجراء دراسات جدوى لمشروعات الطاقة فى النهر، دعم الاتصال والتعاون بين دول الحوض الجنوبى.

وتشير الاحتياجات الفورية للبدء فى هذه المشروعات بحوالى 79 مليون دولار .

هكذا يمكننا القول بان هذه المشروعات مثلت ركيزة لقيام تكامل اقتصادى بين دول الحوض فى ظل وجود اطار مؤسس ( المبادرة ) يحكم التفاعلات البينية تجاه قضية المياه من خلال التغير الذى اكتنف آلية التعامل مع ملف المياه على المستوى الجماعى ، والذى كانت من اهم دوافعه : -

· بروز عملية التنمية الاقتصادية على اجندة دول حوض النيل بصورة اكثر الحاحا عن ذى قبل، ويذكر فى هذا الصدد ان مبادرة حوض النيل وما تنطوى علية من مشروعات يمكن ان تعظم حجم الاستفادة من مياه النهر من خلال توفير 47 مليار م من المياه المستقطبة من فواقد مياه المنابع الاستوائية فى الحبشة والتى تزيد على 95 %من المصادر المائية المتاحة لها .

· توجهات الدول والمؤسسات المانحة والخاصة بدعم وتفعيل اطر التعاون فى المناطق التى من الممكن ان تشهد صراعات ، خاصة فى تلك المناطق التى قد تشهد صراعات حول المياة، من امثلة ذلك تخصيص الحكومة الهولندية 21 مليون دولار لاستضافة مصر مشروع دعم القدرات الفنية للخبراء والعاملين فى ادارة الموارد المائية .

وفى ظل هذه التطورات والمستجدات والمتغيرات التى فرضت واقعا اقليميا جديدا وشكلت بدورها بيئة التفاعلات الاقليمية البينية من جانب، وافرزت قيود وقضايا التعاون الاقليمى من جانب اخر، تمثلت ابرز تلك القضايا والقيود فى : -

1 - اعادة تقسيم المياه

تعد قضية اعادة توزيع حصص المياه من ابرز القضايا التى شهدها تاريخ العلاقات الثنائية فى منطقة حوض النيل بين دول المنبع والمصب، حيث ترى بعدم شرعية الاتفاقيات التاريخية الموقعة بين مصر وبريطانيا عام 1929 والتى تعطى حق الاعتراض من حانب مصر على اية مشروعات تقوم بها دول المنبع على بحيرة فكتوريا ترى انها قد تؤثر على حصتها من مياه النيل، ومن هنا طالبت برلمانات كل من كينيا وتنزانيا واوغندا فى اواخر ديسمبر 2003 بضرورة اعادة توزيع حصص المياه وعدم الاعتراف باتفاقية عام 1929 .

2 - تسعير المياه

ارتبطت هذه القضية بمسألة اعادة توزيع حصص دول الحوض، وتعد هذه القضية جديدة نسبيا على ازمات مياه حوض نهر النيل، فعقب اعلان برلمانات الدول الثلاثة ( كينيا - اوغندا - تنزانيا ) بعدم الاعتراف باتفاقية 1929 ، طالبت هذه الدول كل من مصر والسودان بدفع مقابل مادى فى حال الاستفادة من بحيرة فكتوريا، وهو ما كان موضع رفض من جانب مصر حيث اكد د.محمود ابو زيد وزير الرى المصرى عدم امكانية التعامل مع المياه كسلعة ونقلها خارج نطاق الحوض باعتبار ذلك احدى ثوابت العلاقات المائية بين دول حوض النيل بمقتضى الاتفاق بين دول حوض النيل العشرة على عدم بيع وتوصيل مياه النيل الى خارج دول حوض النيل .

وجدير بالذكر ان قضية تسعير المياه ارتبط فى الاذهان بالطرح الاسرائيلى على تركيا بامكانية بيع مياه نهر الفرات لها بمقابل مادى .

3 - تسييس المياه

يقصد بتسييس المياه هى " حالة الربط بين العلاقات السياسية والاقتصادية البينية بملف المياه " ، حيث اصبحت حالة الربط هذه هى سمة اساسية عند اثارة ازمات المياه فى منطقة الحوض، فالازمة الاخيرة التى اثيرت حول اعادة توزيع حصص المياه عكست نمطا اخر من انماط تلك العلاقة الرابطة بين القضايا السياسية والاقتصادية ومياه نهر النيل، بما يمكن معه القول بان كينيا قد استخدمت المياه ليس كاداة للضغط على مصر بل كانت اداة لتاكيد دورها الاقليمى الصاعد فى المنطقة فى ظل دعم وتأييد غربى واسع ويؤكد ذلك ان الدول الثلاثة لم تسحب من الاتفاقية ( اتفاقية 1929 )، وانما اثارة تلك الازمة لم يكن سوى نتيجة لوجود خلافات تجارية بين مصر وكينيا ، ففى الوقت الذى تتهم فيه كينيا مصر باغراق اسواقها المحلية ببضائع غير مصرية، تتهم القاهرة الحكومة الكينية بانتهاك لوائح منظمة الكوميسا ولوائح منظمة التجارة العالمية بشان الحواجز الجمركية ، وان كانت تلك الخلافات يمكن تسويتها وفقا لآلية تسوية المنازعات المنصوص عليها سواء فى منظمة الكوميسا او فى منظمة التجارة العالمية .

ومن ثم تظل مسالة تسييس المياة تبعا للعلاقات السياسية والاقتصادية احد قيود التعاون الاقليمى .

يتضح لنا مما سبق ان هناك العديد من الفرص التى يمكن ان تبلور نمطا للتعاون الاقليمى فى حوض النيل، وتعد مبادرة دول حوض نهر النيل وما انطوت عليها من مشروعات تنموية بمثابة ركيزة لبناء ذلك التعاون، لكن يظل عامل الارادة السياسية لدول النيل هو الحاكم لمدى التوصل الى ذلك التعاون خاصة فى ضوء تضارب الاجندة السياسية لدول الحوض وتاثرها بطبيعة العلاقات مع الدول الكبرى والتعامل مع المياه منظور سياسى، وفى ظل العلاقة الحاكمة بين المياه والاعتبارات السياسية والتنمية الاقتصادية .

بداية الصفحة