2004‏, يوليو


غزة بين خطة شارون والمبادرة المصرية

احمد سيد احمد

يثير الوضع الذى آلت إليه عملية السلام فى الشرق الأوسط والمتجسد فى انهيارها بشكل كامل التساؤل حول مستقبل عملية السلام ومستقبل المنطقة برمتها .

والحقيقة أن هذا الوضع المتردى الذى وصلت إليه المنطقة كان محصلة لعدة عوامل منها : وصول حكومة الليكود المتشدد بزعامة شارون إلى الحكم وقيامها بإلغاء الاتفاقيات السابقة التى جسدتها أوسلو واللجوء إلى منطق القوة - تراجع الدور الأمريكى فى عملية السلام بل وانحيازه لوجهة النظر الإسرائيلية وكذلك حماية حكومة شارون من الإدانة الدولية من خلال استخدام حق الفيتو فى مجلس الأمن ضد أى قرار يدين الانتهاكات الإسرائيلية - غياب الرؤية الفلسطينية الموحدة ، فعلى الرغم من النجاحات التى حققتها الانتفاضة الفلسطينية إلا أن عسكرة الانتفاضة وعدم ترشيدها خاصة فى استهداف المدنيين الإسرائيليين قد اخذ بنضال الشعب الفلسطينى من خلال نجاح إسرائيل فى استقطاب الرأى العام العالمى لصالحها - هذا بجانب تضارب المواقف الفلسطينية والتنافس بين الفصائل الفلسطينية أديا إلى غياب رؤية موحدة للتعامل مع الاحتلال - ضعف الموقف العربى وانحصاره فى إطار الأقوال وسياسة رد الفعل .

وفى ضوء هذا التردى الذى تشهده المنطقة ، طُرحت مبادرتين : المبادرة الإسرائيلية الذى طرحها شارون لفك الارتباط من جانب واحد مع الفلسطينيين وذلك بالانسحاب الأحادى من قطاع غزة وإخلاء المستوطنات الإسرائيلية بها ، ورغم ما واجهته هذه الخطة من معارضة ورفض من جانب مجلس الوزراء الإسرائيلى إلا أن المجلس قد وافق عليها بأغلبية 14 صوتا ومعارضة 7 أصوات بعد التوصل إلى صيغة توفيقية بمقتضاها تدعم الحكومة المبادئ العامة لخطة فك الارتباط المعدلة ، على أن يلتزم شارون بتأجيل إخلاء المستوطنات حتى مارس 2005 .

المبادرة الثانية هى المبادرة المصرية والتى جاءت فى إطار ثوابت الموقف المصرى إزاء القضية الفلسطينية واقتناعها بان دائرة العنف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن تأتى بنتيجة إيجابية لأى طرف .

وتركزت المبادرة المصرية على محورين أساسيين : محور سياسى يتعلق بعملية الانسحاب من غزة ، ومحور أمنى يتمثل فى قيام القاهرة بإرسال 150-200 خبير أمنى لغزة لمدة ستة اشهر لتدريب قوات الأمن الفلسطينية ، ويكون دور هؤلاء الخبراء هو ملء حالة الفراغ الذى يتركه انسحاب القوات الإسرائيلية .

ومن الجدير بالذكر أن إقدام شارون على طرح هذه الخطة إنما أراد من وراءها تحقيق هدفين : الأول إقامة الدولة الفلسطينية المؤقتة منزوعة السيادة على مساحة 43% من الضفة الغربية وغزة ، ثانيها خلق ما يسمى السلطة الفلسطينية أى تقسيم المناطق الفلسطينية إلى قطاعات منعزلة، وعلى الرغم من الصعوبات التى واجهها شارون لتنفيذ خطته ، إلا أن هناك عوامل ستؤدى إلى تحقيق هذا الهدف منها : وجود إجماع قومى إسرائيلى بان غزة عبء استراتيجى - أن الانسحاب من غزة اصبح وثيق الصلة بالعلاقات الأمريكية - الإسرائيلية خاصة بعد الوعود والضمانات التى أعطاها بوش لشارون وتأييده لخطة الانسحاب .

وفى ضوء ذلك ، طرحت عدة سيناريوهات لإدارة قطاع غزة بعد الانسحاب منها بسط السلطة الفلسطينية سيادتها كاملة على قطاع غزة وحدها أو تشكيل قيادة فلسطينية جديدة خاصة بقطاع غزة أو وقوع صدام بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس بما ينذر بوقوع حرب أهلية فلسطينية .

وجدير بالذكر انه أثناء زيارة شارون لأمريكا فى 14 أبريل 2004 حصل على ضمانات أمريكية بخصوص اللاجئين والمستوطنات وقضايا الوضع النهائى بل وصل الأمر إلى التعهد بالحفاظ على أمن إسرائيل باعتبارها دولة يهودية مع منحها الحق فى السيطرة على المجال الجوى ومصادر المياه والحدود البرية ، ويذكر أن الدعم والمساندة الأمريكية لإسرائيل لم تكن سمه هذه الإدارة فقط بل موجودة فى الإدارات السابقة ، لكنها ترسخت فى عهد الإدارة الحالية حيث شهدت السياسة الأمريكية تحول من مجرد الدعم والتأييد والانحياز لإسرائيل إلى التبنى الكامل للرؤية الإسرائيلية بما اسهم بدوره فى التلاقى بين اليمين الإسرائيلى الليكودى المتشدد واليمين الأمريكى المحافظ ، وقد آثار هذا التحالف الأمريكى الإسرائيلى غضب المجتمع الدولى والذى حاول بيان اللجنة الرباعية -المعنية بقضية السلام فى الشرق الأوسط - أن يصحح الانحراف الذى اتسم به الموقف الأمريكى حينما نص على أن الانسحاب الإسرائيلى الأحادى الجانب من غزه لابد أن يكون جزءا من خريطة الطريق ورفض ايه حلول استباقية لقضايا الوضع النهائى والتمسك برؤية الدولتين : إسرائيلية وفلسطينية .

وجاء قرار مجلس الأمن رقم 1544 فى 20 مايو 2004 ، بإدانة قتل إسرائيل المدنيين الفلسطينيين الأبرياء فى قطاع غزة وتدمير منازلهم ، ليحاول التخفيف من الصورة السلبية للتحالف الأمريكى الإسرائيلى إلا انه رغم ذلك لم يطالب إسرائيل بالوقف الفورى لهذه الممارسات وذلك لتجنب استخدام الولايات المتحدة الفيتو ضد القرار .

على الجانب الآخر ، لم يخرج الموقف العربى من القضية الفلسطينية عن نطاق رد الفعل اللفظى عبر إدانة الأعمال العدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطينى وتأكيدهم على أن السلام كخيار استراتيجى وانه السبيل لتحقيق الأمن والاستقرار ، ولم يتجاوز الموقف العربى حدود ذلك فلم يقدم مبادرات ومواقف قوية لردع حكومة شارون عن المضى فى مخططاتها ، باستثناء الدور المصرى الذى لعب دورا كبيرا فى تهدئه الوضع المشتعل ورعايته للحوار بين الفصائل الفلسطينية .

وفى ضوء ذلك لم يبق أمام الفلسطينيين إلا عدة خيارات صعبة : حل السلطة الفلسطينية وترك إسرائيل للتعامل المباشر مع المجتمع الفلسطينى أو إعلان الدولة الفلسطينية من طرف وحد فى الضفة الغربية وقطاع غزة ، أو التخلى عن مسألة الدولة الفلسطينية المستقلة والتركيز على حل الدولة الواحدة ثنائية القومية ( عربية - يهودية ) على كامل فلسطين التاريخية ، والاختيار الأخير هو استمرار الوضع الراهن فى 2007 موعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية .

ورغم ذلك فان الأمر يتطلب من جانب العرب والفلسطينيين ، البحث عن منهج جديد للتعامل مع الصراع العربى الإسرائيلى ، يتركز هذا المنهج على : انه لم يعد كافيا التأكيد على السلام كخيار استراتيجى إنما ترجمته إلى مبادرة عربية شاملة وواقعية ، اتخاذ سياسة المبادرة والتخلى عن سياسة رد الفعل الوقتية تجاه الأحداث المنفردة - التركيز على خطر السلاح النووى الإسرائيلى - كما يتطلب الأمر من الفلسطينيين اتباع منهج جديد يرتكز على ابتكار أساليب جديدة فى التعامل مع إسرائيل .

وأخيرا ضرورة إدراك أن المعركة مع إسرائيل ليست عسكرية فقط ، وإنما معركة حضارية واقتصادية وعلمية ، وما دام الضعف العربى مستمرا ، فان إسرائيل ستستمر فى تحديها .

بداية الصفحة