|
شهد الفكر الاستراتيجى الأمريكى بعد أحداث
الحادى عشر من سبتمبر مرحلة جديدة من إعادة التفكير فى آلية نشر وتمركز
القوات الأمريكية فى العالم لمواجهة التهديدات التى أفرزتها هذه الأحداث ،
وقد كانت الحرب على العراق فى 20 مارس 2003 أحد تطبيقات هذه الاستراتيجية
الجديدة، حيث ركزت عملية إعادة الانتشار على وضع القوات الأمريكية بحيث تكون
قريبة من المناطق التى يحتمل أن تتدخل فيها الولايات المتحدة مستقبلا
باعتبارها مناطق تفريخ الإرهاب.
وقد اتسمت خطة إعادة الانتشار بسمات عديدة
منها الضخامة بمعنى أن هناك العديد من الدول التى كشفت عن رغبتها فى استضافة
هذه القوات على أراضيها إما طمعا فى الفوائد الاقتصادية أو لتعزيز روابطها
الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
كما اتسمت هذه الخطة بتراجعها عن منهج بناء
القواعد العسكرية الضخمة واتجاهها إلى منهج القواعد العسكرية الصغيرة محدودة
الحجم التى يمكن أن تستخدم كقواعد انطلاق نحو المناطق الساخنة فى العالم.
وتشير كل المؤشرات إلى أن منطقتى الشرق
الأوسط ووسط آسيا سيمثلان مناطق لإعادة انتشار وتمركز القوات الأمريكية ، حيث
تشير تقارير وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن خريطة تمركز هذه القوات تتضمن ما
يزيد على 63 موقعا سكريا فى 11 من دول ما يسمى أمريكيا الشرق الأدنى ومنطقتى
الخليج والمركز التى تضم دول دائرة الصراع العربى الإسرائيلى والقرن الأفريقى
، إضافة إلى التسهيلات الممنوحة لهذه القوات على مسرح شمال أفريقيا ، والحضور
المكثف لوحدات كبيرة منها فى وسط جنوب آسيا حول وداخل أفغانستان ، فمجال عمل
تلك القيادة يشمل 25 دولة تقع على المساحة الممتدة من باكستان شرقا والمغرب
غربا.
ومن الجدير بالذكر أن الحرب الأمريكية على
العراق قد أفرزت تداعيات كبيرة خاصة فيما يتعلق باستراتيجية إعادة انتشار
القوات الأمريكية حيث كشفت صحف أمريكية عديدة عن نية الإدارة الأمريكية إنشاء
قواعد عسكرية دائمة أو طويلة الأمد فى العراق ، خاصة ما سعى الولايات المتحدة
لسحب قواتها من السعودية ونقلها إلى قطر ، الأمر الذى سيؤدى بدوره إلى تغيير
شكل الوجود الأمريكى فى الخليج ، فقد كشفت صحيفة " نيوريوك تايمز " عن تقرير
يفيد بان الإدارة الأمريكية تخطط لإقامة أربع قواعد عسكرية بالعراق وهو ما
يؤكد على سعى الولايات المتحدة لإقامة قواعد عسكرية لاستخدامها فى المستقبل
فى إطار استراتيجيتها المعروفة باستراتيجية " الضربات الوقائية " والتى تعنى
استخدامها ضد أى دولة أو جماعة ترى أنها تمثل تهديدا لمصالحها وأمنها القومى
، ولذلك فمن المتوقع انه فى حالة سحب الإدارة الأمريكية لقواتها من العراق ،
سوف تسعى للحصول على الموافقة على استخدام هذه القواعد تحسبا لايه أزمة طارئة
فى المستقبل ، ومن ثم تتماشى رغبة واشنطن فى إقامة قواعد عسكرية لها فى
العراق مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة الرامية لإعادة انتشار قواتها فى
المنطقة ، ومع نقل مقر القوات الجوية الأمريكية من السعودية إلى قطر ،
والتوجه نحو تخفيض الوجود العسكرى فى الشرق الأوسط ، حيث قامت الولايات
المتحدة فى منتصف 2003 بسحب 30 طائرة مقاتلة من 80 طائرة موجودة فى قاعدة
انجيرليك التركية ، إضافة إلى سحب ما يقرب من نصف العسكريين الموجودين هناك
والبالغ عددهم 4500 فرد.
وقد كشفت التصريحات غير الرسمية الصادرة عن
مسئولى البنتاجون المحددات والمعايير الحاكمة لعملية إعادة نشر القوات
الأمريكية أهمها :
- مستوى المشاعر
المعادية للولايات المتحدة فى الدول المستضيفة.
- مدى سماح الدول
المستضيفة بحرية حركة القوات البرية والجوية فى استخدامها لأراضيها.
- حجم الاستثمارات
المالية والعسكرية التى تم إنفاقها من قبل فى كل موقع.
-
الأهمية الجيوسياسية
للدولة المضيفة.
وبالفعل فقد أوضحت التفاعلات التى أحاطت
بعملية نقل مركز العمليات الجوية التابع للقيادة المركزية من السعودية إلى
قطر أهمية تلك المعايير فى تحديد اتجاهات نشر القوات.
ويرجع تبنى الولايات المتحدة لاستراتيجية
جديدة لإعادة نشر قواتها فى المنطقة إلى:
- العبء المالى
لإبقاء هذا العدد الكبير من الوحدات فى الخارج ، حيث تشير التقارير إلى أن
البنتاجون انفق اكثر من مليار دولار فى السنة على هذه الوحدات ، فى حين تبرز
الحاجة لتوظيف هذه الأموال فى تطوير التكنولوجيا العسكرية وفى عمليات تحديث
القوات العسكرية.
- تتماشى هذه الخطط
مع هدف وزير الدفاع الأمريكى فى تحويل القوات العسكرية كى تكون اكثر مرونة
واسهل على الانتشار ، وفى هذا الإطار طرحت ورقة أطلق عليها الجيش الأمريكى "
نظام القتال المستقبلى " وهى تركز على القوات السريعة الخفيفة.
-
إدراك الولايات المتحدة
أن وجودها فى المنطقة اصبح يمثل عامل قلق للعديد من دول المنطقة نظرا لتصاعد
درجة العداء الشعبى للتواجد الأمريكى خاصة بعد احتلالها العراق بما يزيد من
احتمالية استهداف قواتها فى المنطقة ، خاصة وان كثير من التيارات الدينية
والقومية واليسارية تنظر إليه على انه وجود أجنبى بما يفرز تداعيات خطيرة على
أمن المنطقة.
يتضح مما سبق أن عملية إعادة نشر القوات فى
المنطقة ترتبط فى جانب منها بالخطط الأمريكية لإعادة بناء نظام أمنى إقليمى
جديد فى منطقة الشرق الأوسط ، ذلك النظام الذى تسعى الولايات المتحدة تدشينه
اعتمادا على استراتيجية " الهجمات الوقائية " كاستراتيجية رسمية إزاء المنطقة
والتى تنطلق من حق واشنطن فى توجيه ضربات عسكرية وقائية ضد ايه دولة ترى أنها
تمثل تهديدا للأمن الأمريكى بمفهومه الواسع ، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذا
النظام الأمنى الجديد إنما هو تكريسا لواقع توان القوى الجديد الذى خلفته
الحرب على العراق ، حيث لم يعد العراق قوة إقليمية كبرى فى مقابل تنامى قدرات
إسرائيل على حساب الدول العربية بما من شأنه تكريس الاختلال فى توازن القوى
بين العرب وإسرائيل لصالح الأخيرة وهو ما أدركته إسرائيل وسعت لتوظيفه
واستثماره لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية جديدة فى المنطقة بصفة عامة والخليج
بصفة خاصة عبر بوابة العراق ، خاصة إذا علمنا أن إسرائيل أحد أهم ركائز نظام
الأمن الإقليمى الجديد ، وهو ما يعنى أن الأمن القومى العربى فى إطار
استراتيجية إعادة نشر القوات الأمريكية فى المنطقة والتوجه نحو بناء نظام
أمنى إقليمى جديد اكثر عرضة للاختراق والتهديد. |