|
|
|||||
2004 | , |
يوليو | |
هوبير فيدرين
الكاتب السياسي, ووزير خارجية فرنسا الأسبق, والرئيس الحالي
لمؤسسة فرانسوا ميتران
|
|
![]() |
* هوبير فيدرين .. من أبرز الكتاب السياسيين الفرنسيين, له منهج فكري متميز في التعامل مع عالم ما بعد الحرب الباردة, ورؤية خاصة للدور الفرنسي في ظل المناخ الدولي الجديد.
درس التاريخ والسياسة والعلاقات الدولية. بدأ حياته العملية في وزارة الثقافة قبل أن يلتحق عام 1979 بوزارة الخارجية. اختاره فرانسوا ميتران منذ تولي رئاسة الجمهورية الفرنسية عام 1981 ليكون مستشاره السياسي والدبلوماسي. وفي عام 1988 أصبح المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية. وفي عام 1991 عين سكرتيرا عاما للاليزيه, وهو المنصب الذي استمر فيه حتي رحيل ميتران عام 1996 . وكلها مناصب وضعته في قلب الفكر والعمل السياسي خلال سنوات التحول, وألقته في بوتقة صنع القرار الفرنسي.
* اختاره ليونيل جوسبان ليكون وزيرا للخارجية عام 1997, واستمر في هذا المنصب خمسة أعوام وحتي الانتخابات الرئاسية عام 2002 . عاش فترة التعايش بين اليمين واليسار بكل مشكلاتها, واستطاع أن يعمل بالقرب من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء واضعا نصب عينيه الحفاظ علي وحدة السياسة الخارجية الفرنسية. وفي بداية عام 2003 أنشأ مجلسا استشاريا للمشكلات الاستراتيجية والجيوبوليتيكية معروفا باسم 'مجلس هوبير فيدرين'. ويتولي فيدرين رئاسة مؤسسة فرانسوا ميتران منذ عام 2003 .
* ركزت معظم كتابات فيدرين علي مناهج التعامل مع الحقائق الدولية الجديدة ومواجهة العالم أحادي القطب, ورسمت لفرنسا الدور الواقعي والطموح الذي يجب أن تلعبه سواء بنفسها أو من خلال أوروبا.
* من أهم مؤلفاته 'عوالم فرانسوا ميتران' '
Les mondes de Francois Mitterand ' . ويحتوي هذا الكتاب علي تفاصيل الأعوام الأربعة عشر الحاسمة التي تولي فيها ميتران رئاسة الجمهورية الفرنسية, ويعرض المواجهة بين الإرادة الفردية أي إرادة ميتران والحقائق الكبري لعالم متغير, وكيف استطاع ميتران أن يفتح الطريق رغم كل شيء أمام فرنسا لتحتفظ بمكانتها الدولية وتستمر في التقدم.
وقد صدر له أخيرا كتاب 'في مواجهة القوة المهيمنة' '
Face a Lص hyperpuissance'. وهو الكتاب الذي أثار فضول كثير من الأمريكيين, حتي إن بعضهم أطلق علي المنهج السياسي الواقعي اسم 'الفيدرينية ' (Vedrinism) نسبة إليه .
لقد كنت سيادتك بحكم المناصب المهمة التي توليتها شاهدا متميزا لسنوات طويلة علي التحولات العنيفة التي هزت العالم بل وكنت أيضا فاعلا أساسيا في السياسة الخارجية الفرنسية في هذه الفترة .. ما هي أهم التحديات التي واجهت فرنسا في ذلك الوقت؟
* بعد انتهاء العالم ثنائي القطب, كان علي فرنسا أن تعيد تعريف سياستها الخارجية وتعيد التفكير في دبلوماسيتها وأدوات قوتها ونفوذها بما يتفق مع المتغيرات العالمية. وهذا العمل الذي بدأ في التسعينيات ومازال مستمرا قد طرح أمام فرنسا قضيتين أساسيتين تتفرع منهما بقية القضايا وهما : أولا موقفها من الولايات المتحدة. وثانيا درجة اندماجها في الاتحاد الأوروبي. وكان علي فرنسا أن تواجه هذين التحديين إذا أرادت أن تنتهج سياسة خارجية حقيقية وفاعلة وليس مجرد سياسة شعارات ومواقف غامضة.
لقد كنت أقرب المستشارين إلي الرئيس الراحل فرانسوا ميتران.. ما هو ردك علي الهجوم المتكرر علي سياسته الخارجية, خاصة في فترة رئاسته الثانية؟
* حقيقة لا يوجد في نظام ميتران ما يمكن أن نسميه 'أقرب المستشارين' مهما قلنا أو تصورنا وبالتالي كان الأمر مؤقتا ويتغير بتغيير الموضوعات. وكان ميتران علي العكس أستاذا في فن دمج الآراء بعضها ببعض والخروج منها بالخلاصة المفيدة.
أما فيما يتعلق بالانتقادات التي وجهت إلي سياسة ميتران الخارجية خلال فترة رئاسته الثانية, فقد تناولتها باسهاب في كتابي 'عوالم فرنسوا ميتران'. وجميع هذه الانتقادات معروفة وتكررت بشكل آلي من جانب الكثيرين وتنحصر أساسا في: معارضته المزعومة لعودة الوحدة الألمانية, وتخليه المزعوم عن جورباتشوف وقت محاولة الانقلاب, ومسئوليته المزعومة عن أحداث يوجوسلافيا وتعاون فرنسا المزعوم مع نظام كان يعد لمذابح في رواندا.
وهذه الهجمات ذات الأهداف السياسية إما خاطئة أو مبالغ فيها وكلها اتهامات عرجاء يسهل تفنيدها بالوقائع والتواريخ أمام جمهور صادق النية وغير مغرض, وقد كان تأثير هذه الاتهامات علي السياسة الداخلية واضحا. فعندما أعيد انتخاب ميتران بأغلبية كبيرة اتسمت أجهزة الإعلام بعدوانية شديدة وسعت المعارضة إلي الأخذ بزمام المبادرة مرة أخري في بداية الفترة الرئاسية الثانية.
أما فيما يتعلق باشتراك فرنسا في حرب الخليج الأولي فقد انتقدت من جانب فئة قليلة من الشعب. لقد كان هناك بعض الكبوات أو بعض الفشل, علي سبيل المثال 'الكونفيدرالية الأوروبية', ولكن لم تكن مثل هذه الأمور هي التي يؤاخذ عليها ميتران.
لقد مارست مهام منصبك كوزير للخارجية الفرنسية خلال فترة 'التعايش' بين اليمين واليسار, فهل استطاعت فرنسا برغم هذا الاقتسام للسلطة أن تعبر عن نفسها بصوت واحد علي الساحة الدولية؟ ألم يضر ذلك أحيانا بوحدة سياستها الخارجية؟ وهل حدث صدام بينك وبين الاليزيه؟ وإذا كان قد حدث فبخصوص أية موضوعات؟
* هل حدث أن غاب الترابط في السياسة الخارجية الفرنسية خلال فترة التعايش 1997 2002؟ لا أظن ذلك, وفي أي المجالات؟.. بالتأكيد لم تكن ردود الفعل الأولية لرئيس الدولة والحكومة متطابقة ! ولكن كانت هناك دائما مشاورات لا تنقطع بيننا وبينه مع رغبة صادقة من الأطراف كلها لرسم خط واحد للسياسة الفرنسية طبقا لاجراءات دقيقة ومن خلال مجالس ولجان محدودة إلي جانب الاتصالات الشخصية. أما بالنسبة لي كوزير للخارجية, فقد بذلت كل ما في وسعي لكي تسير الأمور سيرا حسنا. وكرئيس للدبلوماسية الفرنسية لم أشعر مطلقا بأن هناك عائقا أمام أقوالي أو أفعالي بل علي العكس. وأعتقد أن الجميع قد لاحظوا ذلك.
أما فيما يتعلق 'بعملية بير زيت' فأنا لا أعتقد أنها تعبر عن غياب الترابط الفرنسي/الفرنسي, لأن ليونيل جوسبان عندما قال عام 1999 إن الأعمال التي يقوم بها حزب الله ضد الإسرائيليين علي الحدود الفلسطينية الإسرائيلية تندرج تحت بند الإرهاب لم يفعل سوي أنه استبق الموقف الذي اتخذته مجموعة 'الخمس عشرة' عام 2003 بموافقة جاك شيراك ودومينيك دوفيلبان. وكان من الممكن أن يثور خلاف خطير لو أن شيراك وجوسبان لم يتفقا حول القضية الفلسطينية الإسرائيلية. وهو ما لم يحدث, فالاثنان كانا مخلصين تماما لما أعلنه فرانسوا ميتران عام 1982 أي قيام الدولة الفلسطينية.
إن هذا التصريح الذي يتسم بالصراحة وببعض التهور من جانب جوسبان قد أثار ثائرة المتطرفين الفلسطينيين وأيضا الفلسطينيين المعادين لعرفات .. ومن هنا اندلعت المظاهرات المعادية في بير زيت. وقد اعتذر عرفات علي الفور لجوسبان وأكد له أنه متضامن معه .. علي عكس الأمر في باريس, حيث سعي الاليزيه إلي لفت الأنظار إلي الحادث لأسباب واضحة تتعلق بالسياسة الداخلية ولتثبيط همة جوسبان ومنعه من الظهور علي ساحة السياسة الدولية.
لقد أكدت سيادتك مرارا علي ضرورة أن تتكيف فرنسا مع السياق العالمي الجديد وأن تحافظ في نفس الوقت علي تقاليدها وإرثها الدبلوماسي .. فهل استطعت أن تتغلب علي هذا التناقض الواضح؟
* إنها عملية تحتاج إلي وقت طويل. وأنا أتمني أن أكون قد ساهمت فيها بنصيب كبير. في الواقع إنه اضطرار أكثر منه تناقضا وكل بلد يواجه مثل هذا الموقف ولكن بالنسبة لنا فإن القضية تطرح نفسها بشكل متزايد من خلال التحدي الأوروبي.
هل تعتقد أن اليسار الفرنسي قد استطاع أن يكيف طموحاته وأحلامه بالتقدم والعدالة الاجتماعية مع الحقائق الجديدة لعالم في حالة تغيير شامل؟
* إن اليسار الفرنسي والأوروبي وأيضا الحزب الديمقراطي الأمريكي قد ساهموا بشكل كبير في تطوير مفاهيم العلاقات الدولية في القرن العشرين .. فالسلام وتجنب الصراعات والحروب والتقدم والتنمية .. الخ مفردات لغة اليسار. إن اليسار الفرنسي بالذات فعل الكثير من أجل أوروبا, خاصة تحت قيادة فرانسوا ميتران. والآن لابد أن يواجه هو وجميع الاشتراكيين الديمقراطيين حقيقة مهمة هي أن العالم لم يصبح بعد 'مجتمعا' عالميا وإنما هو ساحة للظلم واستعراض القوة وعلي اليسار أن يعترف بذلك, وبناء عليه يقر الواقع ويقبل عروضه. يجب علي اليسار الفرنسي أن يصبح أقل خيالا وأكثر واقعية وأن يتذكر أن عدد سكان الغرب مليار فقط من ستة مليارات هم سكان الكرة الأرضية, حتي لو أدي ذلك إلي صدمته في عالميته وفكره الذي يتسم أحيانا بالتجريد.
ما هو تعليقك علي توجهات فرنسا منذ التدخل العسكري الأمريكي في العراق؟ وما هو رأيك في الواقعية السياسية الجديدة التي يدعو إليها البعض في الفترة الأخيرة؟
* في الحقيقة أن فرنسا لها كل الحق وكان من المستحيل أن توافق علي ما يفعله بوش, ولكنها تمادت في معارضتها واستمرت حتي وقت متأخر, وكان لابد كما هو متوقع أن تبحث منذ ربيع 2004 عن أرضية للتفاهم مع الولايات المتحدة, أضيفي إلي ذلك أن شرودر وبوتين سارعا إلي إقامة علاقات طيبة جدا مع واشنطن دون انتظار فرنسا. أما فيما يتعلق بالعراق فليس عيبا أن تسهم فرنسا في إعادة إعمار العراق إذا طلب ممثلو السلطة العراقية ذلك.
ألا تخشي أن يؤدي التوسع في الاتحاد الأوروبي إلي الإضرار بدور الزعامة الذي مارسته فرنسا لفترة طويلة في أوروبا؟
* إن دور الزعامة داخل أوروبا لم يعد فرنسيا فقط منذ فترة طويلة, وإنما فرنسي ألماني. علي الأقل عندما تكون الدولتان متفقتين مثلما حدث مع ديجول واديناور, وكول وميتران, وشرودر وشيراك منذ 2003, ولكننا نلاحظ اليوم وجود بعض التنازع حول دور الدولتين رغم اتفاقهما. من هنا تأتي ضرورة البحث عن تفاهم أوسع مع طرف ثالث, هو بريطانيا العظمي. وهذا يعني في الحقيقة أن التوسع الجديد والكبير سيعدل مرة أخري علاقات القوي والنفوذ داخل أوروبا, وسيتمثل ذلك في مزيد من النفوذ بالنسبة لألمانيا (في البرلمان وفي المجلس بسبب الأغلبية المزدوجة), وسيظهر أيضا في كثير من الأمور غير المتوقعة.
استكمالا لهذا السياق الفكري .. لدينا انطباع بأن هذا التوسع يحدث علي حساب دول جنوب البحر المتوسط .. وهي دول مرتبطة بعلاقات تاريخية وثقافية وودية مع دول الشمال المطلة علي البحر وتكفي الإشارة إلي صعوبة عملية برشلونة .. ألا تري أن التوسع في اتجاه الشرق لا يتفق مع سياسة أورومتوسطية فاعلة؟
* إن التوسع في اتجاه الشرق الأوسط يفرض نفسه علي التوالي مع استيفاء الدول الأوروبية في هذه المنطقة للشروط المطلوبة. وهذا التوسع في اتجاه الشرق يجب ألا يتعارض مع سياسة أورو متوسطية فاعلة. ولكن في الحقيقة أن الإعداد للتوسع وتنفيذه قد استنفدا خلال هذه السنوات الأخيرة جزءا كبيرا من طاقة أوروبا. أما بالنسبة لعملية برشلونة فقد طمحت إلي الشمولية, لذلك أصبحت عرضة للتأثر بتقلبات الموقف في الشرق الأوسط. كما أن الاستفادة من هذه العملية مازالت غير مقدرة من جانب كثير من الدول الأوروبية, بالإضافة إلي أن دول جنوب البحر المتوسط لم تستطع التوصل حتي الآن إلي اتفاق بحيث يصبح لها ثقل وهي مجتمعة .. ومع ذلك فمازالت برشلونة فكرة ضرورية أكثر ذكاء من فكرة إدارة بوش 'الشرق الأوسط الكبير'. خاصة إذا شجعت علي تنمية التعاون محدد الأهداف علي المستوي الإقليمي.
هل تعتقد أن أوروبا لديها سياسة إفريقية أم أنها تكتفي ببعض المساعدات وكثير من الإدانات الطقوسية لكل ما يعوق عملية الديمقراطية؟
* لك كل الحق. فبالنسبة لأوروبا ككل لا يوجد علي الإطلاق أكثر من ذلك. كثير من المساعدات وكثير من الإدانات الطقوسية والمواقف الغامضة. ومع ذلك هناك أربع أو خمس دول أوروبية من ضمنها فرنسا بلا شك تنتهج سياسة إفريقية حقيقية يمكن أن تصبح قاعدة لسياسة أوروبية مستقبلية أكثر طموحا.
هل تستطيع أوروبا أن تلعب دور 'القطب' الذي يتنبأ به البعض في عالم متعدد الأقطاب؟
* إن أوروبا ستصبح قطبا في عالم 'متعدد الأقطاب' بمعني أنها ستصبح 'قوة', هذا إذا امتلكت المؤسسات المناسبة وإذا اقتنع الأوروبيون بذلك بعد التشاور. وهو أمر لا وجود له حتي يومنا هذا لأن فكرة 'أوروبا القوة' التي يؤمن بها الفرنسيون لأسباب ملتبسة تصطدم باتجاهات تقاومها وتدعو إلي التمحور حول الذات والعيش في سلام والاستمتاع والتركيز علي المصالح فقط, ويدور هذا الجدل كما لو كانت القضية قد حسمت بالفعل وهو ما لم يحدث.
هل تعتقد أننا قلبنا صفحة جديدة من العلاقات الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر؟
* بالنسبة لي أنا شخصيا التغيير الأساسي الذي حدث في العلاقات الدولية مازال هو الأعوام 1989 1991 أي عندما انهار الاتحاد السوفيتي وانتهي العالم ثنائي القطبية .
إن 11 سبتمبر مهم جدا بالذات من حيث الصدمة التي سببها للولايات المتحدة نتيجة اكتشافها كم هي ضعيفة ومكروهة, مهم من حيث أثره علي سياسة إدارة بوش المخططة من قبل فأضفي عليها الشرعية اللازمة, مهم من حيث أثره غير المباشر علي العالم كله.
إن ظروف التدخل الأمريكي في العراق قد أوضحت رؤيتين متناقضتين تماما للعلاقات الدولية : فمن جهة هناك الولايات المتحدة ومعها, وهنا استخدم نفس عبارتك, 'القوة المفرطة' Hyperpuissance ورغبتها في التدخل بشكل منفرد, ومن جهة أخري أوروبا أو جزء منها وتمسكها بالتعددية وبالعولمة المنضبطة. هل تعتقد أنه يمكن التوفيق بين هذين المفهومين علي المدي القصير ؟ أم أن هذا الاختلاف سيزداد عمقا؟
* علي المدي القصير ستختفي تدريجيا هذه الخلافات, لأن البعض والبعض الآخر لديهم مصالح يريدون تحقيقها .. ولكن الخلاف حول مفهوم العلاقات الدولية ذاته, أي أحادية أو تعددية .. الخ, سيستمر وسيبرز مرة أخري عند أول أزمة في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. ومع ذلك أنا أعتقد أن الاتجاه الأحادي في الولايات المتحدة قوي وعميق حتي إذا تغيرت الإدارة. وربما يتصرف الديمقراطيون بشكل أكثر ودا, وهذا ليس بالأمر الصعب ولكنهم سيسعون إلي استغلال التعددية وتحجيمها والتشهير بها.
هل مازالت فرنسا قادرة علي أن تلعب دورا في العراق .. هل يجب عليها ذلك؟
* بالتأكيد فرنسا تستطيع أن تلعب دورا في العراق شريطة أن تطلب السلطات العراقية الممثلة للشعب العراقي ذلك.
ما هو رأيك في التطور الذي حدث في روسيا؟ وكيف تفسر وصول قوات أمريكية إلي جمهوريات الاتحاد السوفيتي الآسيوية وهي الظاهرة التي تم انتقادها بشدة حتي داخل روسيا نفسها؟
* بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفوضي عهد يلتسين, لا غرابة في أن يوافق الروس مجتمعين علي إجراءات بوتين لإعادة السلطة والنظام إلي الدولة. وبناء عليه وإذا أخذنا في اعتبارنا النقطة التي تبدأ منها روسيا فسنجد أن أمامها وقتا طويلا لكي تصبح دولة كبري حديثة اقتصاديا ناهيك عن 'سياسيا'. أما فيما يتعلق بسياستها الخارجية, فستظل روسيا حذرة جدا في مواجهة الولايات المتحدة .. علاقات القوي تحتم ذلك كما تعلمين. ولكنها لن تتخلي عن الدفاع عن مصالحها, خاصة علي أطرافها حيث 'الأقارب الغرباء' وحيث احتمال اندلاع التوترات خاصة مع الوجود الأمريكي في هذه المناطق, سواء لأسباب أمنية أو بترولية .. ولكن هذا سيعتمد أيضا علي الإدارة الأمريكية القادمة.
كيف تفسر انخفاض نبرة الإدانة من جانب فرنسا لسياسة موسكو القمعية في الشيشان؟
* أكدت مرارا أمام الجمعية العمومية أن هذه الحرب هي حرب استعمارية ولا يوجد حل حقيقي لها سوي الحل السياسي. وقد أكد دومينيك دوفيلبان بدوره نفس المعني في يناير الماضي ووجه نفس الانتقادات بعبارات صريحة إلي موسكو. ولكن الدول الغربية الأخري لم تسلك مسلكنا, ولم تر القضية الشيشانية إلا من منظور الحرب ضد الإرهاب .. أو ربما أيضا لأنها لم ترغب في إغضاب موسكو .. وهو الانطباع الذي تعمق إثر موقف بوتين الذكي غداة 11 سبتمبر.
إن 'سياسة فرنسا العربية' قد أثارت شكوكا معينة في الأوساط الإسرائيلية .. هل أثرت هذه الشكوك علي دور فرنسا في المنطقة؟
* في الواقع أنا لا أحب كثيرا هذه العبارة ولم أستخدمها علي الإطلاق, لأنها اختلقت لأسباب تجارية أساسا بعد رحيل شارل ديجول. ولكن يجب الاعتراف بأن الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين وحتي الفرنسيين الذين ينتقدون هذه العبارة يفعلون ذلك لأسباب خاطئة أو لتكبيل فرنسا والضغط عليها.
وعلي كل حال ليس من البساطة أن تكون لدي فرنسا سياسة عربية 'شاملة' كما أنه ليس من البساطة أن تكون لدي أية دولة عربية سياسة 'غربية شاملة'. أما فيما يتعلق بعدم ثقة إسرائيل في الدبلوماسية الفرنسية وفي أي تدخل أوروبي في الواقع (فيما عدا أحيانا أعضاء حزب العمل) فهذه حقيقة. ولكن ثقة إسرائيل في الولايات المتحدة لم تسمح أيضا لهذه الأخيرة بحل القضية الفلسطينية حتي عندما حاولت ذلك. وعلي كل حال, هذا الأمر غير وارد في إدارة بوش المنحازة تماما لإسرائيل كما أصبح واضحا الآن أمام العالم كله.
هل تري امكانا للخروج من هذا المأزق السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط؟ وهل تعتقد أن مبادرة جنيف يمكن أن تشكل فرصة للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
* إن مبادرة جنيف تتسم بالشجاعة لأنها من خلال تحديها للممنوعات والمحظورات توضح أن الحل ممكن علي حساب تضحيات وتنازلات من الجانبين. يمكن أن ننتقد هذه المبادرة ولكننا لا نستطيع بعدها أن نقول إنه لا توجد حلول أو لا يوجد من نستطيع التحدث معه. بلا شك أنه من قبيل الوهم أن نرغب في تحقيق المصالحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فهم قد تعذبوا كثيرا, ولكن اتفاق سلام علي نمط طابا/جنيف يمكن أن يسمح بالتعايش بين الطرفين, هذا الاتفاق يجب أن يفرض من الخارج وأن توضع له الضمانات الكافية وعن طريق الولايات المتحدة أولا.
نحن نشعر بالأسي الحقيقي لهذا الخلط بين الإرهاب والإسلام في كثير من الأحيان. ألا تخشي أن يؤدي هذا الإصرار الغريب إلي إعاقة الحوار الضروري بين الحضارات والثقافات؟
* نعم أخشي ذلك, لأن رأي القطاع الأكبر يتكون طبقا لهذا الخلط المبسط. فهذه هي سمته الأساسية, سواء لدي العرب أو لدي الغربيين. غير أن حوار الثقافات لا يكون مجديا إلا إذا تم الحديث بصراحة وتم تناول الموضوعات التي تثير الغضب, وذلك من أجل علاج التنافر والعداوات والتغلب عليها. ولن نتجنب خطر صدام الحضارات إلا إذا اعترفنا بأن هذا الخطر قائم وحقيقي. أما هذه الاستنكارات المهذبة وتبادل العبارات الودية المعتادة فلن تكفي علي الإطلاق.
تعليقا علي مطالبة الغرب الملحة للآخرين بالإسراع في تطبيق الديمقراطية وفتح الأسواق, ناديت في إحدي خطبك بالإقلال من العجرفة والمزيد من الحوار وبالإقلال من الجمود العقائدي والليبرالي والمزيد من التفهم للتنمية الاقتصادية .. هل تعتقد أن الفجوة بين الشمال والجنوب سيتم اجتيازها؟
* إن الفجوة بين الشمال والجنوب لا تقلقني, فهذا المجال البحثي قد تجاوزته أحداث العالم وتطوراته فيما عدا مؤتمر 'كانكون' وإنما ما يثير قلقي حقيقة هي الفجوة بين الغرب والإسلام وبشكل أوسع الفجوة بين الغرب والآخرين. إن الغرب يجد نفسه مرة أخري في موقف المستعمر ولكنه ينكر هذه الحقيقة فيما عدا بعض العقول الحرة, ينكرها باسم 'عالميته' وهذا سيؤدي إلي ردة قاسية وعودة إلي 'نظام العصا'.
لنرجع مرة أخري إلي فرنسا .. هل كانت هناك ضرورة لإصدار قانون يمنع العلامات الدينية في المدارس .. وما هو تفسير هذا المناخ الانفعالي الذي دار فيه الجدل حول هذه القضية؟
* أشعر بأسف بالغ بسبب الاضطرار إلي إصدار هذا القانون ولكن كان ذلك أمرا ضروريا ولم نستطع تجنبه .. وكان الجدل حول هذه القضية انفعاليا, لأن المتطرفين من جانبهم استخدموا الحجاب عمدا لمعرفة إلي أي مدي يمكن أن تصل الأمور ولأن الجانب الفرنسي, سواء المسيحي او العلماني, قد شعر بأن هويته مهددة. وربما يكون رد الفعل هذا مبالغا فيه ولكنه حدث. أما المسلمون المعتدلون, وهم الأغلبية العظمي, فقد وجدوا أنفسهم في حيرة أمام هذين الموقفين الانفعاليين. ونأمل أن تمر هذه الزوبعة إذا طبق القانون بذكاء.
من هي الشخصية التي أثارت اهتمامك بعد فرانسوا ميتران؟
* أفضل أن أحتفظ بالإجابة علي هذا السؤال لنفسي لأسجلها في مذكراتي .. لوكتبتها في يوم من الأيام.
مما لا شك فيه أنك كرئيس للدبلوماسية الفرنسية لمدة خمسة أعوام قد تركت بصمات واضحة علي السياسة الخارجية الفرنسية .. والآن وأنت بعيد عن المنصب .. هل حدثتنا عن أسباب رضاك وأسباب ندمك لو كان هناك أي ندم؟
* أنا أعتقد وأتمني أن أكون قد عبرت عن صوت فرنسا القوي بما يتفق في نفس الوقت مع اتجاهات جاك شيراك وليونيل جوسبان خلال الأعوام الخمسة التي قضيتها كوزير للخارجية, وبما يتفق أيضا مع آمال الرأي العام الفرنسي ورغباته. وأتمني أن أكون قد خاطبت أصدقاء وحلفاء وشركاء فرنسا وتصرفت بلا عجرفة كشخص يحب بلده ويفهم الآخرين.
كما أتمني أن أكون قد أقنعت النخبة الفرنسية وهو ما أشك فيه بأن معركتي ضد الأوهام العصرية الجديدة لا تعني التخلي عن العصرية بل علي العكس, فالمزيد من الوضوح يتيح فرصة أكبر لتصرف أفضل .. ولدي انطباع قوي بأن الرأي العام قد فهم جيدا ما فعلته. وقد كافحت في نفس Zالوقت وبنفس القوة ضد ادعاءات التفاخر بالماضي وضد الشعور السائد حاليا بالنقص والخجل من الذات حتي بين النخبة وهما اتجاهان معوقان .. هل نجحت في الإقناع؟ هل استطعت تطوير الأذهان؟ لست أدري. مما لا شك فيه أن هذه عملية تتجاوز قدرة مجرد وزير خارجية ولا شك أيضا في أن خمسة أعوام هي فترة قصيرة لتحقيق ذلك.