2004‏, يوليو


العلاقات العربية – الأوروبية رؤية مستقبلية

د. محمد سعد أبو عامود

تكتسب دراسة العلاقات العربية - الأوروبية أهمية خاصة نظرا لأهمية هذه العلاقات التى بدأت تشهد تغيرات جوهرية فى الأونه الاخيرة بما يوحى بأن توجيهاتها المستقبلية سوف تختلف اختلافا جذريا عن توجيهاتها خلال المرحلة التى بدأت منذ عام 1973 واستمرت حتى الآن والتي قامت على معادلة بسيطة هى النفط مقابل التأييد الأوروبي للقضايا السياسية العربية خاصة قضيه الصراع العربى -الإسرائيلي،إلا أن السنوات الاخيرة شهدت العديد من المتغيرات الجديدة النابعة من البيئة العربية والاوربية والظروف الاقليميه والدولية التى من شأنها أن تؤثر على مسار هذه العلاقات وتوجهاتها وقضاياها فى المستقبل بما يتطلب البحث عن آليات جديدة ملائمة لإدارة هذه العلاقات سواء من الجانب العربى أو الأوروبي.

وفى واقع الامر ، فقد تعددت العوامل المؤثرة على مستقبل العلاقات العربية الأوروبية ، يمكننا إجمالها فى الآتي:

1- طبيعة علاقات القوة بين العرب وأوربا

لقد تغير توزان القوة الذى استندت إليه العلاقات العربية الأوروبية منذ عام 1973 بوقوع خلل فى هذا التوازن لصالح الجانب الأوروبي ، ويرجع ذلك إلى التفكك العربى القائم والانكشاف الأمني والاقتصادي والسياسي العربى ، فى مقابل التنامي المستمر لعناصر القوة الأوروبية نتيجة اتجاه الدول الأوروبية نحو المزيد من التكتل والاندماج والتوسع بما جعله قوة اقتصادية كبيرة وثقلا استراتيجيا ضخما فى نطاق التفاعلات الدولية.

ويتضح اثر التوازن فى العلاقات بين الجانبين على مستقبل العلاقات بينهما فى انه فى ظل خلل واضح لتوزان القوى لصالح أحد الأطراف ، يتيح للطرف الأقوى قدرة اكبر على التأثير فى الطرف الآخر ، كما أن حالة الضعف العربى من شأنها أن تثير إشكاليات جديدة بالنسبة للجانب الأوروبي بحكم تأثره المباشر وغير المباشر بما يحدث فى المنطقة العربية والتى تمثل منطقة جوار جغرافى لأوربا ، وفى هذا الصدد تشير إحدى الدراسات إلى أن إحدى الثوابت التى تفرض على أوربا الاهتمام بالتطورات الجارية فى المنطقة العربية ، المستوى العالي من الاعتماد المتبادل فى المجال الأمني ، فالمنطقة العربية تعتبر من المنظور الجيوستراتيجى الطريق الذى يربط أوربا بآسيا وكذلك أوربا وشرق أفريقيا ، ولذلك فان إغلاق هذا الطريق يؤدى إلى احتواء أوربا ومحاصراتها ، ولذا تولى أوربا اهتماما كبيرا للتطورات التى تجرى فى تلك المنطقة لما لها من انعكاسات خطيرة على الآمن الأوروبي.

2- العلاقات الاقتصادية العربية الأوروبية :

تشغل المنطقة العربية مكانة مهمة بالنسبة للاقتصاد الأوروبي ، حيث تعد الدول الأوروبية الشريك التجارى الاول للدول العربية، فالدول العربية تمثل المصدر الأساسي للاحتياجات الأوروبية من النفط ، كما تمثل سوق كبيرة للسلع والمنتجات الأوروبية ، على الجانب الآخر تمثل أوربا المستهلك الرئيسي للنفط العربى خاصة فى ظل البحث عن بدائل للنفط العربى ، كما تعد أوربا مصدرا مهما لتوفير الاستثمارات والتكنولوجيا المتطورة التى تحتاجها الاقتصاديات العربية ، ومن ثم فالتطورات التى تشهدها العلاقات الاقتصادية بينهما ذات تأثير على مستقبل هذه العلاقات بين الطرفين.

3- الدور الأمريكي فى المنطقة

يلعب الدور الأمريكي تأثير كبير على العلاقات العربية الأوروبية ، حيث تنظر الولايات المتحدة بنوع من عدم الارتياح إلى العلاقات العربية الأوروبية ، حيث ترى فيها خروجا عن الانضباط المطلوب فى إطار حلف الناتو ، كما أن الولايات المتحدة ترى أن المنطقة العربية وخاصة منطقة الخليج هى منطقة مصالح حيوية أمريكية ، ومن ثم فإنها لا تسمح بأي تطور فى العلاقات العربية الأوروبية يمكن أن يؤثر على هذه المصالح.

وتبرز أهمية أوربا بالنسبة للدول العربية فى سياق التفاعلات الإقليمية والدولية والاستراتيجية ، ففى ظل حالة الانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل ، تعد أوربا وفقا للرؤية العربية بمثابة المعادل الموضوعى الذى يمكن الاستناد إليه لتحقيق قدر من التوازن الإستراتيجي فى المنطقة ، إلا أن الخيار الأوروبي قد تبلور خلال الفترة الأخيرة باتجاه الاقتراب من الولايات المتحدة ورفض فكرة أن يكون لأوربا دور مستقل أو دور بديل للدور الأمريكي بل الأقرب للقيام بدور مكمل للدور الأمريكي.

ومن ثم فان مستقبل العلاقات العربية الأوروبية سوف يتأثر بطبيعة الدور الذى تحدده أوربا لنفسها على المستوى الدولى وعلى مستوى المنطقة العربية قياسا إلى الدور الأمريكي.

4- الأوضاع الداخلية العربية والأوروبية

تشهد المجتمعات العربية الأوروبية على السواء تحولات عميقة وجذرية على كافة المستويات والتى من شأنها أن تؤثر على مسار العلاقات العربية الأوروبية ، فالمجتمعات العربية بدأت تشهد حركة متنامية باتجاه التحول الديموجرافى والانفتاح الاقتصادى والتحول الاجتماعي والثقافى ، وان مسار هذه الحركة سوف يكون عاملا مؤثرا على مسار العلاقات، فإذا تبلورت هذه الحركة باتجاه الديمقراطية والانفتاح الاقتصادى والثقافى سوف يكون لها اثر مختلف عما إذا تبلورت هذه الحركة باتجاه صعود القوى الإسلامية الراديكالية إلى مواقع السلطة.

من ناحية أخرى ، تشهد المجتمعات الأوروبية تحولات مهمة تمثلت فى بروز بعض القوى السياسية المتعصبة والرافضة للآخر والتى عبرت عن نفسها فى اكثر من حزب سياسى ، فصعود هذه القوى إلى مواقع السلطة سوف يكون له اثر مختلف عما إذا استطاعت القوى الليبرالية الأوروبية الوصول إلى السلطة ، هذا بجانب اثر الهجرة العربية إلى أوربا على مستقبل العلاقات العربية الأوروبية.

5- رؤية الذات ورؤية الآخر

تمثل رؤية كل طرف لذاته ورؤيته للطرف الآخر عاملا مهما فى التأثير على مستقبل العلاقات بين الطرفين خاصة فى ظل معطيات الواقع المعاصر الذى تلعب فيه وسائل الإعلام وقنوات التفاعل الثقافى والفكرى دورا مهما فى تشكيل الفهم والإدراك السياسى على كافة المستويات.

وفى ضوء تلك العوامل ، طُرحت العديد من الرؤى من الجانبين حول مستقبل تلك العلاقات ، مع الأخذ فى الاعتبار أن الجانب العربى لم يقدم رؤية جماعية حول هذا الموضوع ، كما لا توجد رؤى عربية رسمية راسخة بل اقتصر الأمر على اجتهادات بعض المفكرين العرب ، وهو ما يعكس اختلاف مستوى اهتمام الطرفين ، طرف يدرس ويهتم من اجل التوصل إلى صياغة ملائمة لهذه العلاقات ومواقفه من قضاياها وأسلوب إدارة هذه العلاقات ، وطرف آخر لا يول الموضوع الاهتمام الكافي.

ومن ابرز المحاولات العربية فى هذا الصدد الندوة التى نظمتها مؤسسة الفكر العربى بالتعاون مع معهد العالم العربى فى باريس فى يونيو 2003 ، أوضحت الندوة أن المرحلة الحالية تفرض على الجانبين ضرورة قيام حوار وتعاون فيما بينهما شريطة أن يقوم هذا الحوار على احترام الاختلاف فى الرأي ، وخلصت الندوة إلى عدة نقاط :

- أن أوربا تتفهم العالم العربى اكثر من الولايات المتحدة وذلك بسبب تاريخها الاستعماري فى المنطقة.

- المنطقة العربية منطقة مهمة لأوربا بسبب القرب الجغرافي والموقع الإستراتيجي وثروتها العديدة.

- تعى أوربا أن مصلحتها فى إنهاء الصراع العربى الإسرائيلي سلميا ، فى حين يعي العالم العربى أهمية الدور الأوروبي فى هذا المجال ، إضافة إلى وعيه بأهمية الدور الأوروبي فى عملية الإصلاح السياسى والاقتصادي والاجتماعي الذى تحتاجه المنطقة.

- يرى الجانب الأوروبي بان هناك عوائق تمنعه من لعب دوره التاريخى فى المنطقة العربية واهم هذه العوائق هى الولايات المتحدة ، هذا بالإضافة إلى انقسام أوربا الداخلى وعدم قدرتها على بناء سياسة خارجية موحدة.

- يرى الجانب الأوروبي أن العالم العربى خذل أوربا ، فلم يقدر موقفها المناهض للحرب ضد العراق ، كما أن معظم الدول العربية ترى أن الولايات المتحدة وحدها هى التى تستطيع أن تؤثر فى مسار الأحداث فى المنطقة.

- يرى الجانب العربى ضرورة التعامل مع القضايا العربية من منطق العدالة وليس الإدانة أو التمييز وان هناك أسسا ومصالح مشتركة تفضل قيام التعاون والحوار البناء بين الجانبين.

على الجانب الآخر ، يقدم الجانب الأوروبي العديد من الرؤى بشأن العلاقات العربية الأوروبية منها المبادرة الألمانية لإرساء الاستقرار فى الشرق الأوسط والتى قدمها فيشر وزير الخارجية الألماني أمام مؤتمر ميونخ الأربعين حول السياسة الأمنية الذى عقد فى 7 فبراير 2004 ، فقد اقترح فيشر مبادرة أمريكية أوروبية لإرساء الاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط من خطوتين : الأولى تهدف إلى جعل المنطقة الممتدة من المغرب لإسرائيل والأراضي الفلسطينية وسوريا منطقة تجارية حرة ، تشمل كل دول البحر المتوسط ، والثانية تتمثل فى وضع إعلان من اجل المستقبل موجه إلى الشرق الأدنى والأوسط ، ويشمل إيران وأفغانستان ، للمشاركة فى إرساء الديمقراطية ودولة القانون والتخلي عن العنف.

كما اقترح أربعة محاور لقيام العمل المشترك فى هذا المجال :

- تطوير تعاون سياسى وثيق وشراكة أمنية ، هدفه الشفافية وبناء الثقة بين كل الدول المشاركة.

- قيام شراكه اقتصادية جديدة حول حوض البحر المتوسط لان تطوير الفضاءات الاقتصادية الوطنية المنفصلة اليوم ودمجها يدعم التحول السياسى والاجتماعي.

- الشراكة فى القانون والثقافة من خلال تطوير مؤسسات ديموجرافية تستند إلى القانون ، إضافة إلى التعاون فى مجال التربية والتعليم.

- ضمان مشاركة المجتمعات المدنية وكل مجالات المنظمات غير الحكومية.

كذلك قدمت لجنة الدراسات الأوروبية المتوسطية دراسة فى نوفمبر 2003 حول طبيعة العلاقة بين الغرب والدول العربية والإسلامية ، ورأت تلك الدراسة انه فى الوقت الذى يرى فيه الغرب العالم العربى والإسلامي غير عقلانى وعدوانيا وخطيرا ، فان العالم العربى يتصور الغرب كمتفوق متغطرس وامبريالى ، ومن ثم فان المشاركة المتساوية سوف تكون مستحيلة ، ولذا سيكون من السهل التوصل إلى أرضية مشتركة بين الغرب وبلدان الشرق الأوسط الكبير حول قضايا عملية اكثر من القضايا المتصلة بالمبادئ ، كما ترى الدراسة أن العلاقة بين الغرب ومنطقة الشرق الأوسط الكبير لا يمكن أن تقوم على الردع ، لان الردع يستطيع أن يجمد الصراع ، ولكن لا يستطيع حله.

وقد حددت الدراسة ثلاث مصالح تشترك فيها دول الغرب ، هى :

- شرق أوسط كبير يتمتع بالاستقرار ويصبح شريكا اقتصاديا وسياسيا جيدا.

- اتخاذ الشرق الأوسط كمصدر للتهديد وعدم الاستقرار والإرهاب ، وهذا يعنى أن حكوماته ونظمه يجب أن تحارب الأسباب الجذرية للإرهاب.

- شرق أوسط كبير منفتح وهو ما يعنى تعامله مع قضية التعامل الناجح مع العولمة مع عدم إغفال القضايا السياسية الساخنة فى المنطقة كإعادة بناء العرق وأفغانستان والصراع العربى الاسرائيلى.

كما أصدرت المفوضية الأوروبية فى بروكسل " تقرير أولى حول شراكه استراتيجية للاتحاد الأوروبي مع حوض المتوسط والشرق الأوسط " فى 23 مارس 2004 ، وطرحت هذه الورقة مجموعة من الأفكار :

- يقترح الاتحاد شراكه استراتيجية جديدة مع دول الشمال الأفريقي والشرق الأوسط.

- تبنى هذه الشراكة على التطوير القائم بالفعل من آليات التعاون مثل الشراكة الاورومتوسطية ، العلاقات المؤسسية مع مجلس التعاون الخليجى.

- تقويم النظرة الأوروبية لمفهوم الأمن الشامل بحيث تشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للأمن.

- الدور المحورى الذى يمكن أن تلعبه الجاليات العربية الإسلامية فى أوربا فى صياغة العلاقات العربية الأوروبية.

- صعوبة إقامة علاقات استراتيجية مع الشمال الأفريقي والشرق الأوسط دون الأخذ فى الاعتبار المشكلة الفلسطينية والأوضاع فى العراق.

والواقع أن هذه الرؤى الأوروبية لمستقبل العلاقات العربية والأوروبية ، تثير عدة ملاحظات أهمها :

- أن دائرة العلاقات تتسع لتشمل الدول العربية والدول غير العربية.

- أن الجانب المتعلق بالأمن يحظى بالاهتمام الكبير من الجانب الأوروبي ، فهو الجانب المركزى فى كل الرؤى المطروحة.

- رغم أن هذه الرؤى تطرح أساليب مرنة لإدارة العلاقات ، إلا أنها لا تخفى إمكانية استخدام العنف كبديل إذا اقتضت الضرورة.

- رغم أن هذه الرؤى لا تختلف كثيرا عما جاء فى الاطروحات السابقة ، إلا أن الجديد يتمثل فى أنها تقدم برامج عمل يتعين للجانب العربى الالتزام بتنفيذها.

- ركزت هذه الرؤى على أهمية الدور الأمريكي فى سياق مستقبل العلاقات بين الطرفين.

- لا توجد رؤية عربية جماعية أو حتى فردية فى هذا المجال ، وكل ما هو مطروح مجرد آراء وأفكار الباحثين والمفكرين العرب.

ومن خلال ما سبق يمكننا طرح ثلاث سيناريوهات مستقبلية للعلاقات العربية الأوروبية وهى :

- سيناريو تطوير الأطر القائمة الآن كصيغة برشلونة والحوار الأوروبي مع دول مجلس التعاون الخليجى ، بحيث يتم تطوير هذه الأطر لتتلاءم مع مستجدات العلاقات بين الجانبين ، ولعل هذا السيناريو هو الأقرب إلى الموقف الرسمى العربى.

- سيناريو مؤتمر الأمن والتعاون على غرار مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي وهو سيناريو مطروح من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ، وان كانت هناك بعض التحفظات من الجانب العربى.

- سيناريو التدخل الأوروبي المباشر وغير المباشر بدعم أمريكي بوسائل وأساليب عديدة لفرض نمط جديد للعلاقات مع الدول العربية يقوم على التبعية المباشرة وهيمنة إسرائيل كقوة إقليمية كبرى على المنطقة.

وتظل إمكانية تحقيق اى من هذه السيناريوهات متوقفة على تهيئة الظروف الملائمة لتحقيقه مع الأخذ فى الاعتبار إمكانية تحقيق سيناريو آخر وهو سيناريو الأمل فى إحياء العمل العربى المشترك الفعال وتعديل ميزان القوى بما يؤدى إلى التوصل إلى صياغة ملائمة للعلاقات العربية الأوروبية وان كان تحقيقه بعيد الاحتمال.

بداية الصفحة