2004‏, يوليو


تطور العلاقات الأوروبية الأمريكية وتوسع الاتحاد الأوروبي : ملاحظات أولية

نجوان عبد المعبود الاشول

يعد الاتحاد الأوروبي نتاج عملية اندماج وتكامل مازالت فى أوج نشاطها وتفاعلاتها ولم تصل إلى نهاية غايتها ، ومع كل عملية توسع جديدة أو تطور يلحق به تثار التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الاتحاد الأوروبي من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر والى أي مدى يؤثر هذا التطور والتوسع على علاقة الاتحاد بالولايات المتحدة ؟

فى حقيقة الأمر ، انه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والدمار الذى لحق بمعظم الدول الأوروبية وما ترتب عليه من تراجع لدور هذه الدول على الساحة الإقليمية والدولية لانشغالها فى إصلاح ما دمرته الحرب ، وهنا أدركت الدول الأوروبية انه من الصعوبة بمكان أن تعتمد على ذاتها فى إعادة البناء والحفاظ على أمنها ، وهو ما دفعها ولأول مرة فى تاريخها الحديث بالاعتماد على قوة خارجية للدفاع عنها واستكمال المنظومة الأمنية ، وقد ساعدها على ذلك طبيعة النظام الدولى بعد الحرب العالمية الثانية وظهور ما سمى بالقطبية الثنائية ، حيث أدركت الدول الأوروبية بان تحقيق أمنها اصبح جزءا لا يتجزأ من أمن أحد القطبين والذى سعى كل طرف منها لتشكيل أحلاف مع دول أخرى ، وهنا انقسمت الدول الأوروبية إلى فريقين : دول أوربا الشرقية وتحالفت مع الاتحاد السوفيتى ، ودول أوربا الغربية وتحالفت مع الولايات المتحدة التى رأت بان ترك دول أوربا الغربية للاعتماد على نفسها فى إعادة البناء يشكل خطرا كبيرا لأنه قد يؤدى فى النهاية إلى سقوطها فى براثن الشيوعية.

ولذلك سعت الولايات المتحدة إلى تقديم الدعم والتعاون مع هذه الدول لتدعيم خطوط المواجهة مع الاتحاد السوفيتى مستخدمة فى ذلك آليتين :

- الأولى قدمت ما عرف بمشروع " مارشال " لإعادة الاعمار من خلال تقديم المنح والمساعدات للدول المتضررة والتى وصل إجمالي ما قُدم 13.3 مليار دولار أمريكي.

- الثانى تقديم المظلة الأمنية لأوربا الغربية من خلال تشكيل حلف شمال الأطلنطي فى أبريل 1949.

وهو ما دفع المعسكر الشرقى بتشكيل حلف وارسو عام 1955 ليكون فى مواجهة المعسكر الغربى.

ولذلك بدأت الدول الأوروبية بعد أن أوكلت مهمة دفاعها للولايات المتحدة ، بالتفكير جديا فى صياغة شكل يمكنها من تعضيد التعاون فيما بينها والمضى قدما فى مسيرة التكامل الاقتصادى دون أن تعبأ كثيرا بتوحيد مواقفها تجاه قضايا السياسة الخارجية والأمنية ، فقد بدا وكأن هناك اتفاق ضمنى على توزيع الأدوار ، فحلف الناتو وعلى قمته الولايات المتحدة يتولى مسئولية الأمن والدفاع ، فى الوقت الذى تتفرغ أوربا للتنمية الاقتصادية.

وان كان ذلك لم يمنع من ظهور بعض الأصوات التى نادت باستقلالية دول أوربا الغربية فى سياستها الخارجية عن الولايات المتحدة وكان ابرز هذه الأصوات فرنسا فى عهد ديجول والذى عارض انضمام المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي على اعتبار أنها المدخل الذى يمكن الولايات المتحدة من التدخل فى شئون الجماعة الأوروبية.

إذا كانت هذه هى طبيعة العلاقة بين أوربا الغربية والولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة ، فان انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتى خلق وضعا جديدا شعرت فيه الجماعة الأوروبية بان التهديد الذى كان موجه لأمنها قد انتهى ، وارتفعت الأصوات المنادية بضرورة إعادة صياغة علاقتها بالولايات المتحدة وإعادة التفكير حول جدوى استمرار وبقاء حلف الناتو والدعوة إلى خلق كيان دفاعى أوروبي مستقل ، وبالفعل طرح فى عام 1991 المبادرة الفرنسية الألمانية التى دعت إلى تشكيل قوة أوروبية مشتركة بعيدا عن الحلف بما يدعم من وحدة واستقلالية الاتحاد وهو ما قوبل برفض بريطانى مدعوم من الولايات المتحدة التى أكدت على ضرورة استمرار حلف شمال الأطلنطي كآلية للأمن الجماعى ، وبدأت بإدخال تعديلات على أهداف الحلف حيث أدركت الولايات المتحدة أن انتهاء حلف الناتو يعنى انتهاء نفوذها فى أوربا وعدم قدرتها على التدخل فى شئونها الداخلية.

ولقد تأكد الحديث عن سياسة خارجية مستقلة للاتحاد الأوروبي فى معاهدة ماستريخت فى نوفمبر 1993 حيث ظهر لأول مرة مصطلح " السياسة الخارجية والدفاع المشترك Common Foreign and Security policy (CFCP). واستمرت الأصوات المنادية بضرورة الاستقلالية عن السياسة الخارجية الأمريكية والبعد عن المظلة الأمنية الأمريكية رغم ما جرى استحداثه من هياكل داخل الناتو مثل إنشاء قوة المهام المشتركة فى يناير 1994 والتى تعطى للدول الأوروبية الأعضاء فى الحلف القدرة على التحرك العسكرى فى مواجهة أزمات محددة عندما لا ترغب واشنطن التحرك ، إلا أن ما حدث فى حالتى البوسنة (91-1995 ) ثم كوسوفو 98/1999 ، أدركت أوربا بأنها ستظل عاجزة تماما عن التحرك المستقل سواء فى المجال العسكرى أو الإقليمي ما لم تمتلك القدرات العسكرية المستقلة الخاصة بها ويكون قرار تحريكها واستخدامها أوربيا خالصا ، وهو ما يحتاج كذلك إلى وجود سياسة خارجية وأمنية مشتركة تحدد الإطار العام للمهام المختلفة وأيضا الهياكل الواضحة.

وجاءت أحداث الحادى عشر من سبتمبر لتمثل النقطة الفاصلة فى سياسة الولايات المتحدة سواء فى رؤيتها لنفسها أو رؤيتها للعالم ، فلا شك أن تلك الأحداث ألقت بظلالها على العلاقات على جانبى الأطلنطي ، فقد أيدت معظم الدول الغربية الولايات المتحدة فى شن حربها ضد ما تسميه الإرهاب ، حيث اعتبر أن العدوان على الولايات المتحدة هو تهديد للحضارة الغربية وهو ما دفع تلك الدول للمشاركة فى الحرب ضد تنظيم القاعدة وطالبان ، غير أن تفرد الولايات المتحدة باتخاذ القرارات فيما يتعلق بسير الحرب وتوسيع دائرتها آثار العديد من الانتقادات الأوروبية لسياسة بوش خاصة وانه منذ وصول التيار المحافظ إلى الحكم فى الولايات المتحدة تزايدت المخاوف الأوروبية بسبب اختلاف الرؤى بين الطرفين ، ففى الوقت الذى يرى فيه الاتحاد الأوروبي ضرورة قيام نظام دولى تعددى وتغليب كفة الوسائل الدبلوماسية على الوسائل العسكرية فى حل أي نزاع أو خلاف دولى ، بالإضافة إلى تفضيل العمل الجماعى من خلال الأطر والمؤسسات الدولية القائمة خاصة مجلس الأمن ، إلا أنها تدرك جيدا بان الإدارة الأمريكية الحالية لديها خطط محددة تسعى إلى تحقيقها بلا رادع تتمثل أهمها فى الانفراد بقيادة النظام الدولى وإدارته وتوجيهه بما يتفق مع مصالحها الخاصة والاعتماد على القوة المسلحة ، وهو ما أوجد شرخ فى العلاقات الأوربية الأمريكية ظهر بقوة فى الحرب الانجلو أمريكية على العراق ، حيث شهدت هذه الحرب انقسام الاتحاد الأوروبي ذاته إلى فريقين : فريق يؤيد الولايات المتحدة ويساندها بلا تحفظات وعلى رأسه بريطانيا وأسبانيا بدافع التحالف الإستراتيجي بينهما وبين الولايات المتحدة ، هذا بجانب بعض دول أوربا الشرقية حديثة الانضمام منها بولندا واستونيا ولاتفيا، حيث ترى هذه الدول فى الولايات المتحدة ضمان لأمنها ، هذا بجانب حاجتها للمساعدات المالية الاقتصادية التى تقدمها لها الولايات المتحدة من اجل النهوض بأعبائها الاقتصادية.

على جانب آخر ، فريق يعارض الولايات المتحدة وتضم فرنسا وألمانيا وبلجيكا ودول أخرى تمثلت دوافعها فى ذلك هو عدم شرعية الحرب لعدم الحصول على تفويض من مجلس الأمن، وقد سعى هذا الفريق إلى منع الحرب من خلال العمل على مسارين :

- المسار الأول على المستوى الخارجى ، حيث عملت فرنسا كعضو دائم فى مجلس الأمن على عرقلة حصول الولايات المتحدة على الشرعية الدولية من خلال :

* التأكيد على أن القرارات التى سبق لمجلس الأمن إصدارها بشان العراق لا تعطى للولايات المتحدة تفويضا تلقائيا باستخدام القوة ، بل الأمر يحتاج إلى قرار آخر.

* أدخلت فرنسا بمساندة روسيا تعديلات على مشروع القرار الذى صاغته الولايات المتحدة بشان العراق حيث صدر القرار رقم 1441 خاليا من أي إشارة صريحة للتفويض باستخدام القوة.

* إعلان فرنسا استخدام الفيتو فى حالة إقدام الولايات المتحدة على تأويل القرار 1441 بما يخدم غاياتها.

* مع اندلاع الحرب أعلنت فرنسا وألمانيا أن الحرب على العراق غير شرعة.

- المسار الثانى على المستوى الداخلى من خلال التصريحات الألمانية والفرنسية التى انتقدت انضمام دول أوربا الشرقية - المنضمة حديثا للاتحاد - إلى حرب ليس لهم فيها مصلحة مباشرة ، وقد وصلت تلك الانتقادات إلى القول بان هذه الدول تعمل ضد مصلحة الاتحاد الأوروبي.

وفى ضوء ذلك انقسمت الآراء حول مستقبل العلاقات عبر الأطلنطي خاصة بعد التوسع الأخير للاتحاد الأوروبي ، حيث رأى فريق بان ما حدث هو ظهور قطب أوروبي جديد بقيادة فرنسا وألمانيا مناؤى للولايات المتحدة ، والثانى يرى بان ما حدث هو مجرد اختلاف وجهات النظر.

وان كان هناك من يرى بان توسع الاتحاد شرقا ليضم دولا لديها علاقات خاصة بالولايات المتحدة سوف يؤثر على تحوله إلى قطب جديد ويحول دون استقلال الاتحاد فى سياسته الخارجية بعيدا عن الولايات المتحدة ، فى حين يرى فريق آخر بان الدولة المنضمة حديثا سوف توازن بين رغبتها فى خلق اتحاد أوروبي قوى ومستقل وبين عدم حدوث ذلك، ولكنها فى النهاية ستختار الاستقلال عن التبعية.

ولكن فى حقيقة الأمر ، أن الخلاف الذى يحدث بين جانبى الأطلنطي من وقت لآخر هو خلاف ليس حول الأهداف وإنما هو خلاف حول انسب الوسائل لتحقيق تلك الأهداف ، ويجدر بنا فى هذا الصدد أن نشير إلى أن ما حدث فى الحرب ضد العراق ، فإذا أمنا جميعا بان الأسباب وراء رفض ألمانيا وفرنسا للحرب هى اختفاء الشرعية الدولية للحرب ، إلا انه لا يمكن تجاهل الأسباب الاقتصادية فى هذا الصدد ، حيث يعانى كل من الاقتصاد الألماني والفرنسى من تباطؤ فى معدلات النمو بالإضافة إلى وجود عقود نفطية وتجارية بين شركات فرنسية والنظام العراقى السابق ، فالحرب وتغير نظام الحكم يعنى خسارة اقتصادية لفرنسا ، هذا بجانب ما يترتب على الحرب من ارتفاع أسعار النفط ولما لذلك من اثر سيئ على الاقتصاد الفرنسى والألماني ، هذا بالإضافة إلى رفض الرأي العام للحرب.

ويتأكد ذلك إلى نظرنا إلى ما حدث بعد الانتصار العسكرى للقوات الأمريكية فى العراق ، حيث تراجعت مواقف العديد من الدول المناهضة للحرب وأيدت جميع دول أعضاء مجلس الأمن بما فيها الدولة العربية الوحيدة العضو سوريا على القرار رقم 1483 الصادر عن مجلس الأمن والذى أعطى الشرعية على الأوضاع التى ترتبت على الحرب بما فيها الإقرار بالاحتلال الأمريكي لذلك البلد ، ومن ثم إضفاء الشرعية بأثر رجعى على تلك الحرب حيث أعطى هذا القرار للسلطة فى العراق التى هى سلطة الاحتلال ( الانجلو أمريكي ) اختصاصا من صميم اختصاصات السيادة على العراق ألا وهو الحق المطلق والتفرد فى إدارة الموارد السيادية للدولة العراقية المتمثلة فى الموارد النفطية.

فقد جاءت موافقة تلك الدول لتؤكد على تراجع اعتبارات احترام القواعد والمعايير والمبادئ القانونية الدولية أمام اعتبارات البراجماتية فى حسابات المصالح.

يتضح لنا مما سبق أن هناك سقف للخلاف بين الولايات المتحدة والحلفاء لا يمكن تجاوزه ، فقد يكون هناك خلافات بينهما حول أسلوب تحقيق الهدف إلا أن هناك مناطق تلاقى كثيرة ، وما مبادرة الإصلاح الأوروبية ( الفرنسية - الألمانية ) المقدمة لمنطقة الشرق الأوسط وخاصة للدول العربية ،ما هى إلى وجه آخر لمبادرة الشرق الأوسط الكبير الأمريكية ، فاذا كانت المبادرة الأمريكية تتحدث بلغة الفرض المباشر للمبادرة على المنطقة، فان المبادرة الأوروبية تتحدث عن ضرورة التشاور بين الشركاء وان كانت تحمل فى طياتها الفرض أيضا ، هو ما يدل على أن الجانبين الأوروبي الأمريكي لديهم نفس الرؤية للعالم العربى والإسلامي بسعى كل منهما لتغيير الوضع القائم فى تلك الدول بما يتناسب مع مصالحه ، إلا انهما اختلفا فى الأسلوب ، ففى الوقت الذى تسعى فيه الولايات المتحدة لإحداث التغيير بالقوة ، ترى الدول الأوروبية احدث التغيير بوسائل أخرى تتنوع بين الدبلوماسية والمشروطية الاقتصادية فى اتفاقات المشاركة.

أما فيما يتعلق بقضية سعى الاتحاد الأوروبي لامتلاك سياسة أمنية وقوات عسكرية مستقلة عن حلف الأطلنطي ، فان الواقع يعكس بان أوربا تحتاج إلى وقت طويل حتى تصل إلى تحقيق ذلك ، حيث يؤكد الكثير من المسئولين الأوروبيين بان الاتحاد الأوروبي لن يتدخل إلا فى الحالات التى لا ترغب واشنطن التدخل فيها وعندما تتطلب المصالح الأوروبية الحيوية ذلك ، بمعنى أن هناك اتفاق عام على ضرورة وجود التنسيق بين السياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية وحلف شمال الأطلنطي.

كل هذا يؤكد على انه لا يوجد خلاف بين الدول الأوروبية كلها على أن الولايات المتحدة هى الحليف الإستراتيجي لهم وان الخلافات التى تظهر من وقت لآخر هى خلافات طبيعية تظهر نتيجة تشابك المصالح وتعقد العلاقات فيما بينهم وان هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها وفى حالة ظهور خلافات يعمل الطرفان على مناقشتها وبشكل صريح واكثر شفافية حتى يتم تسويتها قبل تفاقمها.

وما يثار حول أن الحرب على العراق كشفت عن صعوبة خلق سياسة خارجية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة خاصة بعد انضمام مؤيدو الحرب إلى الاتحاد الأوروبي رسميا ويسمحون للولايات المتحدة من التدخل فى الشئون الأوروبية ، إلا أن الواقع يؤكد على أن هذه الدول تريد أن يكون للاتحاد الأوروبي سياسة خارجية موحدة وأمنية مستقلة عن الدول الكبرى ولكن الهاجس الأمني لديها هو الذي دفعها لتبنى سياسة الولايات المتحدة وتأكد ذلك مع انسحاب أسبانيا من العراق تأكيدا لفكرة السياسة الخارجية الأوروبية الموحدة تجاه القضايا الدولية.

ولكن ما يجب أن نؤكد عليه هو أن الاتحاد الأوروبي لا يرغب فى أن يكون قطبا مناوئا للولايات المتحدة وإنما يرغب فى توحيد علاقات بلاده بعضها ببعض ليحقق نجاحا على مستوى السياسة الأمنية والخارجية كما حققها على مستوى السياسات الاقتصادية.

بداية الصفحة