|
تعود أولى محاولات
تبلور سياسة دفاعية وأمنية أوروبية مشتركة إلى أكتوبر 1970 عندما اتفق
وزراء خارجية الدول الأوروبية الأعضاء فى الجماعة الأوروبية على ما يسمى "
التعاون السياسى الأوروبي European Political Cooperation
على ان يتم من خلاله تبادل المعلومات وتنسيق سياسات دولهم الخارجية قدر
الإمكان.
ومع تحول الجماعة الأوروبية إلى الاتحاد
الأوروبي بعد اتفاقية ماستريخت 1991 وإنشاء ثلاث دعامات أساسية للاتحاد
الأوربي ، برزت " السياسة الخارجية والأمنية المشتركة "باعتبارها إحدى هذه
الدعامات إلى جانب "الجماعة الاقتصادية الأوروبية " والشئون الداخلية
والعدالة ، فقد نصت تلك الاتفاقية على قيام سياسة دفاعية وأمنية مشتركة
تشمل كافة القضايا المتعلقة بأمن الاتحاد الأوروبي ، وجاءت صياغة أهداف هذه
السياسة الخارجية والأمنية فى عبارات عامه منها : حماية القيم المشتركة
والمصالح الأساسية واستقلال الاتحاد وتقرير أمن الاتحاد والدول الأعضاء،
تنمية الديمقراطية ودولة القانون، احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وان كان يلاحظ على هذه الاتفاقية أنها
جعلت من الدول الأعضاء فاعلين أساسيين فى كل تحرك مشترك فى مجال السياسة
الخارجية والأمنية المشتركة أي أن الدول لا تلتزم بهذا التعاون إلا بعد
تحديد أهدافها الخاصة فى ضوء مصالحها الوطنية وهو ما يكشف عن البعد عبر
الحكومى The
intergovernmental dimension
لهذه السياسة الخارجية والأمنية منذ بدايتها.
وقد مرت عملية تبلور السياسة الدفاعية
والأمنية الأوروبية بمراحل عدة ظلت خلالها قضية اختلاف التوجهات الفرنسية
والبريطانية حول الخطوط الرئيسية لهذه السياسة هى العقبة الرئيسية لقيام
سياسة أمنية ودفاعية أوروبية مشتركة، ففى الوقت الذى ترى فيه فرنسا أن ظهور
سياسة دفاعية وأمنية أوروبية سوف يدعم ويحسن تحالف عبر الأطلنطي بصورة اكثر
توازنا واكثر قوة، ترى بريطانيا انه إذا أظهرت أوربا قدرة جادة على إدارة
شئونها الأمنية، فان الولايات المتحدة سوف تصبح فى عزلة وقد ينهار الناتو.
إلا أن الأحداث التى شهدتها منطقة البلقان
وما نجم عنها من تداعيات كان لها اكبر الأثر فى ضرورة إعادة النظر فى قضية
الأمن الأوروبي خاصة مع امتناع الولايات المتحدة عن التدخل فى أمن البلقان،
وهنا برزت رؤيتين :-
1- الرؤية الأولى تمثلت فى إعطاء قوة
سياسية ومؤسسية لاتحاد غرب أوربا.
2- الرؤية الثانية السماح للاتحاد
الأوروبي لاستخدام الأصول العسكرية التى يحتاجها من الناتو فى ضوء إجراءات
وشروط خاصة.
وتم بالفعل فى يناير 1994 فى اجتماع غير
رسمى لمجلس حلف الأطلنطي إنشاء ما سمى بالهوية الأمنية والدفاعية الأوروبية
ESDI.
وقد تضمن بعدين :-
· بعد أمنى عسكرى
تمثل فى السماح للدول الأوروبية أن تتحمل نصيبا اكبر فى عبء المهام الأمنية
من خلال الدخول إلى أصول الناتو وقدراته التى لا تملكها الدول الأعضاء.
·
بعد سياسى تمثل فى استعداد
جزء من حلف الناتو كمؤسسه أمنية والولايات المتحدة إعطاء دور اكبر للاتحاد
الأوروبي.
وبذلك يمكننا القول أن قيام ما يسمى
بالهوية الأمنية والدفاعية الأوروبية كان بمثابة البداية لقيام ما أطلق
علية " السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية المشتركة " حيث مهدت الطريق
لعقد قمة سانت مالو1998 بين فرنسا وبريطانيا والتى شكلت نقطة تحول تاريخية
فيما يتعلق بالسياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية وذلك من خلال الإعلان
المشترك الصادر عن هذه القمة والذى تضمن النقاط التالية: -
1- حاجة الاتحاد الأوروبي للعب دورا كاملا
على الساحة العالمية وهو ما يعنى التطبيق الكامل والسريع لاتفاقية امستردام
فيما يتعلق بالسياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية وهو ما يتضمن مسئولية
المجلس الأوروبي فى إيجاد شكل اكثر تقدما لسياسة دفاعية مشتركة فى إطار
السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.
2- ولعمل ذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي
أن تكون لدية القدرة على العمل المستقل، مدعومة بقوات عسكرية فاعلة وأدوات
تسمح باستخدام هذه القوة للاستجابة للأزمات الدولية، بشرط أن يكون ذلك
بالتوافق مع الالتزامات الدولية لهذه الدول فى إطار حلف الناتو بما يساهم
فى إيجاد حلف شمال اطلنطى فعال باعتباره الأساسي للدفاع الجماعى بين أعضاؤه.
3- يجب على الاتحاد الأوروبي أن يكون له
هياكل ملائمة وقدرة على تحليل المواقف والتخطيط الإستراتيجي حتى يتمكن من
اتخاذ القرارات والقيام بالعمل العسكرى.
4- حاجة أوربا إلى قوات عسكرية قوية
تستطيع أن يكون لها رد فعل سريع على المخاطر الجديدة، وذلك من خلال وجود
صناعة وتكنولوجيا دفاعية أوروبية قوية وتنافسية.
وتم وضع الإطار المؤسسى للسياسة الدفاعية
والأمنية الأوروبية فى اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي فى قمة كولين
Cologne فى يونيو 1999،
وتم تشينه فى قمة هلسنكى، حيث تضمن هذا الإطار عدد من الهياكل المؤسسية وهى
: -
- تعيين الأمين العام
السابق لحلف الناتو " خافيير سولانا " كأول ممثل أعلى للسياسة الخارجية
والأمنية الأوروبية.
- إنشاء اللجنة
السياسية والأمنية التى تشمل موظفين رسميين ( على درجة سفير ) من أعضاء
الاتحاد الأوروبي، وتتمثل وظيفة هذه اللجنة فى مراقبه تطور موقف الأزمة
وتنظيم عملية التقييم والتخطيط مع الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية
الأوروبية،كما تصبح هذه اللجنة هى مركز التحكم السياسى فى حاله نشر قوات
الاتحاد الأوروبي العسكرية.
- إنشاء لجنة عسكرية
أوروبية EMC وهى أعلى كيان عسكرى للاتحاد الأوروبي، وتتمثل وظيفتها فى
تقديم النصيحة العسكرية والتوصيات إلى المجلس الأوروبي هذا بجانب التوجيه
العسكرى للمجموعة العسكرية الأوروبية EMS
والتى يتمثل دورها فى إعطاء الخبرة العسكرية لدعم السياسة الخارجية
والأمنية للاتحاد الأوروبي.
بالإضافة إلى ذلك وافق المجلس الأوروبي فى
قمته فى هلسنكى فى ديسمبر 1999 والتى تم خلالها تدشين هذا الإطار المؤسسى،
وافق كذلك على إنشاء قوة عسكرية أوروبية قادرة على عمل عمليات حفظ السلم
وعمليات إدارة الأزمات.
ورغم ذلك، فان هناك عقبات تعترض طريق
السياسية الدفاعية والأمنية الأوروبية المشتركة، معظم تلك العقبات ترتبط
بالقضية الأصلية المتمثلة فى العلاقة الهيكلية بين الاتحاد الأوروبي وحلف
الناتو، وتتمثل تلك العقبات فى :-
1- تنظيم الحوار بين حلف الناتو والاتحاد
الأوروبي حول العلاقات المستقبلية بين السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية
وحلف الناتو باعتبارهما يتحملان مسئولية الأمن الأوروبي.
2- مكانه دول حلف الناتو غير الأعضاء فى
الاتحاد الأوروبي مثال ذلك تركيا، كذلك ووضع الدول المرشحة لعضوية الاتحاد
الأوروبي وليست أعضاء فى حلف الناتو.
3- الاختلاف فى تفسير الأنواع المختلفة من
المهام العسكرية التى يجب القيام بها، هناك ثلاث أنماط من المهام : مهام
خاصة بحلف الناتو فقط، مهام خاصة بالاتحاد الأوروبي مستخدما أصول الناتو،
مهام خاصة بالاتحاد الأوروبي فقط.
وفى ضوء ذلك، فان مستقبل السياسة الدفاعية
والأمنية الأوروبية المشتركة، مرتبط بعده قضايا تلقى بظلالها على مستقبل
السياسة الأوروبية المشتركة، هذه القضايا: -
1- الأزمة العراقية والتى لم يقتصر أثرها
على العلاقات عبر الأطلنطي فقط، حيث كان لها تأثير على مستقبل السياسة
الدفاعية والأمنية الأوروبية المشتركة فى ظل الانقسامات الأوروبية، ففى
الوقت الذى وقفت فيه فرنسا وألمانيا ضد الولايات المتحدة فى مجلس الأمن
ووصل الأمر إلى تحذير فرنسا بأنها ستعرقل دخول دول وسط وشرق أوربا الموالية
للولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي إذا لم يتم تعديل سياستهم الخارجية
والأمنية لتصبح اكثر قربا من المواقف الأوروبية، على الجانب الآخر نجد عدد
من الدول الأوروبية سواء الأعضاء القدامى (بريطانيا - أسبانيا ) أو الأعضاء
الجدد (المجر- بولندا-التشيك) يعلنون دعمهم للولايات المتحدة،وهو ما يهدم
المقولة بان أوربا كانت تستعد للحديث بصوت واحد فى المسائل المتعلقة بالأمن
الأوروبي.
2- توسيع الاتحاد الأوروبي شرقا والعلاقات
عبر الاطلنطية من ناحية، والسياسة الدفاعية والأمنية من ناحية أخرى، فعلى
الرغم من أن زيادة عدد أعضاء الاتحاد من 15 إلى 25 دولة يعنى نظريا تقوية
الاتحاد، إلا انه لا يعنى بالضرورة انه سيصبح قوة حقيقية فى السياسة
الدفاعية والأمنية المشتركة لان التكامل الأوروبي عملية سياسية بالأساس،
وهو ما يدعم الرؤية التى ترى بأن السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية
المشتركة فى المستقبل المنظور هى لأسباب سياسية وعسكرية ومالية، سياسة
دفاعية وأمنية أوروبية فى إطار حلف الناتو، وان سياسة دفاعية وأمنية
أوروبية معارضة للولايات المتحدة ليس لها مستقبل، وبذلك يصبح الاقتراح
البريطانى والذى جاء تحت مسمى " غذاء العقول "
Food for thought
يدعو إلى خلق خلية أوروبية للتخطيط تعتمد على مركز القيادة العسكرى لحلف
الناتو يبدو اكثر واقعية فى مواجهة المبادرة الرباعية المقدمة من ( فرنسا -
ألمانيا -بلجيكا -لوكسمبورج )والخاصة بإنشاء مركز قيادة عسكرى.
3- العمليات العسكرية التى قام بها
الاتحاد الأوروبي : ففى إطار السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية والتى
أبداها الاتحاد منذ يناير 2003 حيث تدخل الاتحاد الأوروبي فى ثلاث عمليات :
-
-
العملية الأولى فى البوسنة فى أول يناير 2003 وعرفت بمهمة البوليس للاتحاد
الأوروبي ( The European Union Police Mission EUPM) وقد هدفت هذه العملية
إلى تأسيس قدرات محلية لدعم القانون يمكن أن تساهم فى استقرار المنطقة.
-
العملية الثانية فى مقدونيا فى 31 مارس 2003 وعرفت باسم " Concordia "
كونكورديا وهى أول عملية عسكرية، هدفت إلى المساهمة فى استقرار وأمن
مقدونيا من خلال تطبيق اتفاق Ohrid وهو الاتفاق السياسى الذى أنهى الصراع
بين ألبان مقدونيا وسلاف مقدونيا.
-
العملية الثالثة فى جمهورية الكونغو الديمقراطية فى 12 يونيو 2003 وعرفت
باسم " Artemis" وهدفت هذه العملية إلى المساهمة فى استقرار الأوضاع
الأمنية وتطوير الوضع الإنساني فى Bunia .
يتضح من ذلك، مدى التقدم الذى شهدته
السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية فلأول مرة يتدخل الاتحاد الأوروبي فى
الشئون الأمنية ويتولى مهام عديدة تتراوح من مهام البوليس إلى مهام التدخل
العسكرى ولكن هذه العمليات والمهام أثارت عدة ملاحظات يمكننا أن نوجيزها فى
: -
1- أن هناك تعاون ومشاركة بين أعضاء
الاتحاد الأوروبي فى المجالات والعمليات التى لا يكون هناك خلاف كبير مع
الولايات المتحدة على غرار ما حدث مع الأزمة العراقية.
2- تظل عمليات الاتحاد الأوروبي محدودة
جدا فى نطاقها ومرتبطة بصورة كبيرة على قيادة والتزام ومصلحة الدول الأعضاء
الكبرى فى الاتحاد.
3- أثارت هذه العمليات قضية التحويل حيث
أن نص الاتفاقية فى هذا الخصوص جاء غامضا للغاية بما فتح الباب واسعا لحلول
مختلفة فقد اختلفت مصادر تمويل عمليات السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية
بل وكانت فى الأغلب الأعم
ad-hoc
احتياطية.
4- تتمثل الملاحظة الرابعة والأخيرة حول
موقف فتح عمليات السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية إلى الأطراف الثالثة
مثل الدول غير الأعضاء فى الاتحاد.
ورغم انه قد تم الاتفاق عليها فى قمة
المجلس الأوروبي فى
Seville
فى يونيو 2002 ، إلا أن هناك نقاط مازالت محل تساؤل حول عدد القوات التى
تساهم بها الأطراف الثالثة، وما هو دور هذه الأطراف فى عمليات القيادة؟
ولا يبقى لنا إلا أن نشير إلى ما خلصت
إليه مسودة الدستور الأوروبي التى تم إعدادها من قبل مجموعة العمل
الأوروبية بقيادة " جيسكار ديستان " لهذا الغرض حيث تم الانتهاء من هذه
المسودة بإضافة منصب وزير خارجية للاتحاد الأوروبي بحيث تشمل مهامه كلا من
مهام الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية ومفوضي الشئون
الأوروبية، كذلك تم توسيع مجال مهام " بترسبرج " بحيث تشمل أيضا عمليات نزع
السلاح المشتركة ومنع الصراعات ومهام الاستقرار فيما بعد الصراع ، كما
تضمنت مسودة الدستور إعطاء تقييم أوسع للمخاطر المحتملة على الأمن الأوروبي
يشمل انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب الدولى.
ورغم فشل الاتفاق على مسودة الدستور
الأوروبي بسبب الاختلافات حول الأوزان التصويتية ، إلا انه تم الاتفاق بين
الدول الثلاث الكبرى فى الاتحاد الأوروبي ( بريطانيا - فرنسا - ألمانيا )
على إنشاء خلية تخطيط عسكرية للاتحاد الأوروبي
EU Military Planning Cell.
ويوضح ذلك أن مجال السياسة الدفاعية
والأمنية الأوروبية هو مجال تختلف فيه الإرادة السياسية والقدرات الخاصة
بكل دولة وهو ما يجعل التقدم فى هذه السياسة يعتمد بالأساس على تلك الإرادة
السياسية للدول الأعضاء ، وإن كانت هناك إشارات أن هذه الإرادة يمكن أن
تنبع من الدول الأعضاء الكبرى بهدف إيجاد سياسة خارجية وأمنية مشتركة
وسياسة دفاعية أوروبية اكثر فاعلية فى المستقبل. |