|
شهد الاتحاد الأوروبي فى الأول من مايو
2004 انضمام عشر دول جديدة فى اكبر عملية توسع له منذ نشأته سواء من حيث
عدد الدول المنضمة أو من حيث مدى وتأثير هذا التوسع، وهو ما يعكس قدرة
الاتحاد الأوروبي على السير بخطى ثابتة ومستقرة وفقا لمنهج عقلانى يتجاوز
الحساسيات العرقية والدينية منذ معاهدة باريس 1971 وصولا إلى تحقيق
الاندماج الاقتصادي المتمثل فى سوق واحدة ضخمة، وعمله واحدة قوية، وحرية
انتقال الأفراد والسلع والخد مات ورؤوس الأموال، بل وقدرة اكبر للتعامل مع
التحديات والاختلاف والتنوع بين الدول الأعضاء .
وقد تجسد هذا الاندماج الاقتصادي فى خلق
مؤسسات مشتركة سواء رسمية أو على مستوى تجمعات رجال الأعمال والصناعيين
الأوروبيين .
على المستوى الرسمى، نجد هناك العديد من
المؤسسات التى تقوم بوضع السياسات الاقتصادية والتجارية المشتركة وتوحيد
التشريعات والقوانين والسياسات واللوائح المنظمة للنشاط الاقتصادي، ومن
ابرز تلك المؤسسات البرلمان الأوروبي، مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي، المجلس
الأوروبي، المفوضية الأوروبية.
كذلك يعد البنك المركزى الأوروبي من أهم
المؤسسات الاقتصادية فى الاتحاد الأوروبي يختص بوضع السياسات النقدية، كما
يوجد إلى جانبه بنك الاستثمار الأوروبي والذى يهدف إلى تحقيق التنمية
المتوازنة فى دول الاتحاد من خلال تمويل العديد من المشروعات الاستثمارية .
يضاف إلى ما سبق وجود العديد من الوكالات
المتخصصة مثل المركز الأوروبي للتدريب المهنى، الوكالة الأوروبية للتدريب،
الوكالة الأوروبية للبيئة، المركز الأوروبي للرقابة على المخدرات والإدمان،
الوكالة الدولية للتعمير، المكتب الأوروبي للتنوع النباتى...
أما على مستوى تجمعات رجال الأعمال
والصناعيين الأوروبيين، تم إنشاء العديد من الاتحادات والتنظيمات التى تتخذ
من بروكسل مقرا لها وذلك بالقرب من مؤسسات الاتحاد الأوروبي لتكون قادرة
على ممارسة النفوذ والتأثير والتعبير عن مصالح أعضائها، ومن أمثله ذلك : -
*
اتحاد تجار الجملة
والتجزئه الأوروبي .
* اتحاد التجارة الخارجية الذى يسعى إلى
تحرير التجارة الخارجية وتعزيز النظام التجارى متعدد الأطراف فى إطار منظمة
التجارة العالمية.
* اتحاد الغرف التجارية الأوروبية
والشركات الأوروبية.
* اتحاد الصناعات .
فلاشك أن وجود مثل هذه الاتحادات تدعم
مسيرة الاندماج الاقتصادي حيث أنها تسير وبالتوازى مع الاندماج الحادث على
مستوى المؤسسات الرسمية.
ومن الجدير بالإشارة، أن إستراتيجية
الاتحاد الأوروبي فى التوسع لم تقتصر داخل حدود القارة الأوروبية، حيث يدرك
الاتحاد مدى أهمية وتعميق الروابط مع الدول والتكتلات الاقتصادية الإقليمية
خارج حدود القارة بهدف توسيع حدود السوق المستهدفة وفتح آفاق اكبر للاقتصاد
الأوروبي .
وفى هذا الإطار، ارتبط الاتحاد الأوروبي
بشبكة من اتفاقات المشاركة والتجارة الحرة مع عدد من الدول والتكتلات .
فعلى مستوى الدول، ابرم الاتحاد اتفاقات
مشاركة مع إسرائيل 20/11/1995، الأردن 24/11/1997، مصر 25/6/2001، تونس
1/7/1995، المغرب 26/6/1996، وغيرها، كذلك توقيع اتفاقات مشتركة مع
المكسيك، التشيك، أذربيجان، أرمينيا، جورجيا....
كما ابرم كذلك اتفاقات للتكامل الاقتصادي
الإقليمي والتعاون مع عدد من التكتلات منها اتفاق التجارة الحرة مع المنطقة
الاقتصادية الأوروبية فى 2/5/1992، اتفاق التعاون مع دول الآسيان فى
7/3/1980.
ويجدر بنا الإشارة إلى أن مسيرة الدول
العشرة المنظمة حديثا للاتحاد الأوروبي لم تكن سهلة حيث كانت هناك الشروط
والمعايير التى يجب توافرها فى تلك الدول للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي،
ومن أهمها: -
- الاستقرار فى
المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والاقليات.
-
إعمال آليات السوق من خلال
تحرير التجارة وإزالة القيود والعوائق التعريفية وغير التعريفية أمام تدفق
السلع مع تطوير التشريعات والقوانين لمواكبة تحرير التجارة.
ولذا فقد شملت اجندة المفاوضات بين تلك
الدول والاتحاد الأوروبي العديد من الموضوعات المتعلقة بتحرير تجارة السلع
والخدمات، السياسة الزراعية، النقل، السياسات المالية والموازنة العامة،
الطاقة، الصناعات الصغيرة، العلاقات الخارجية ، السياسة الإعلامية
والثقافية.
مع الأخذ فى الاعتبار، انه وفقا
لاستراتيجية ما قبل الانضمام يقوم الاتحاد الأوروبي بتقديم المساعدات
والمعونات اللازمة للدول المرشحة للوفاء بتلك الشروط ، وقد قام الاتحاد
بتقديم تلك المساعدات إلى هذه الدول ضمن برنامج
phare
للمساعدات والتى بلغت ميزانيته للمساعدات خلال عام 2003 نحو 1.7مليار يورو،
تم توزيعها على النحو التالى : 30% من ميزانية البرنامج لمسألة بناء نظام
مؤسسى لملاءمة التشريعات الوطنية لكل دولة من تلك الدول مع النظام العام
للاتحاد ، 70% يتم توجيهها لمشروعات استثمارية لتطوير البنية الأساسية .
ويجدر بنا فى هذا الصدد أن نشير إلى
الأوضاع الاقتصادية لتلك الدول العشر حسب إحصاءات مكتب الإحصاء الأوروبي eurostat
ويوضحها الجدول
التالى:-
|
الدولة |
عدد السكان |
معدل نمو الناتج المحلى الإجمالي |
معدل التضخم |
معدل البطالة |
عجز الموازنة العامة |
|
بولندا |
39 مليون |
4.6 % |
0.7 % |
19.8 % |
4.1% |
|
التشيك |
10 مليون |
2.9 % |
0.1 % |
7.8 % |
12.9 % |
|
المجر |
10 مليون |
3.2 % |
4.7 % |
5.8 % |
5.9 % |
|
سلوفاكيا |
5.4 مليون |
4 % |
8.5 % |
17.1 % |
3.6 % |
|
ليتوانيا |
3.4 مليون |
6.9 % |
8.1 % |
12.7 % |
1.7 % |
|
لاتفيا |
2.3 مليون |
6.2 % |
2.9 % |
10.5 % |
1.8 % |
|
سلوفنيا |
2 مليون |
3.2 % |
5.7 % |
6.5 % |
1.8 % |
|
استونيا |
1.3 مليون |
5.4 % |
1.4 % |
10 % |
2.6 % |
|
قبرص |
700ألف نسمة |
3.4 % |
4 % |
4.4 % |
6.3 % |
|
مالطا |
400 ألف نسمة |
1.4 % |
2 % |
8.2 % |
9.7 % |
وفى ضوء ذلك، يبرز أمامنا العديد من الفرص
والتحديات التى تنجم عن عملية توسيع الاتحاد الأوروبي، بن\u1605ما يتطلب
استغلال هذه الفرص ومواجهة تلك التحديات ، ويمكننا أن نتناولها من خلال عدة
نقاط : -
1- خلق وتحويل
التجارة :
من المنتظر أن تؤثر عملية توسيع الاتحاد
الأوروبي على حركة التبادل التجارى بين الدول المنضمة جديدا من ناحية
وبينها وبين الدول خارج الاتحاد من ناحية أخرى، فقد تتحول بعض الدول
الأعضاء فى الاتحاد لاستيفاء احتياجاتها من الدول المنضمة حديثا إلى
الاتحاد وهو ما يؤثر سلبا على بعض الدول خارج الاتحاد، على الجانب الآخر قد
يؤثر التوسع فى السوق الأوروبي وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي فى الدول
الجديدة بما يصاحبه من ارتفاع مستويات الدخل وغير ذلك بما يساعد على خلق
احتياجات جديدة وزيادة الطلب على السلع والخدمات .
ومن أهم القطاعات الواعدة التى ستتأثر
إيجابيا وتشهد فرص جيدة للتصدير للدول المنضمة حديثا هى القطاعات ذات
التكنولوجيا المتطورة التى تملك فيها دول الاتحاد مزايا تنافسية، فى حين
تمثل الصناعات كثيفة العمالة كالمنسوجات والصناعات الكيماوية
والبتروكيماوية الميزة التنافسية التى تتمتع بها الدول المنضمة حديثا .
2 - اثر التوسع على
تدفقات الاستثمار :
من المنتظر أن يؤدى
توسع الاتحاد وانضمام تلك الدول العشر والتى يتميز بعضها بانخفاض معدلات
الضرائب على الشركات ورخص الأيدي العاملة، أن تجذب مزيدا من تدفقات
الاستثمار الأجنبي بما يثير حساسية بعض الدول مثل ألمانيا وايرلندا، كما
أان سعى الشركات العملاقة ومتعددة الجنسية لزيادة ريحيتها وإيجاد فرص
تسويقية جديدة، دفعها ذلك إلى نقل بعض أنشطتها إلى هذه الدول حديثة
الانضمام ، ومن ثم تتخوف الدول الغنية فى الاتحاد الأوروبي من هروب رؤوس
الأموال إلى الأعضاء الجدد وهو التخوف الذى يطرح نفسه على الدول المتوسطية
جنوب البحر المتوسط والتى عليها تحديات ضخمة لتحسين المناخ الاستثماري بها
وتطوير تشريعاتها وسرعة إدماجها مع الاقتصاد الأوروبي .
3 - اثر التوسع على
المساعدات المالية:
آثار هذا التوسع
مخاوف بعض الدول المتلقية للمساعدات سواء الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي
مثل أسبانيا والبرتغال واليونان أو خارج الاتحاد الأوروبي التى تتلقى
مساعداتها فى إطار برنامج الميدا Meda ، حيث تتخوف هذه الدول من فقدان
حصتها من المساعدات الأوروبية.
4 - اثر التوسع على
قضايا الهجرة وانتقال العمالة:
نصت قواعد الانضمام على وجود فترة
انتقالية تتراوح بين سنتين وسبع سنوات لتحرير انتقال العمالة بين الدول
الجديدة وبقية دول الاتحاد ، إلا أن تحريرها وفتح الحدود أمام حركة انتقال
العمالة سيؤثر على معدلات الهجرة القادمة من دول الشمال الأفريقي وتركيا ،
فى المقابل فتح المنافذ أمام العمالة القادمة من شرق ووسط أوربا نظرا
للتقارب فى النمط الثقافى بما يسهل عملية إدماجها واستيعابها فى هذه
المجتمعات .
وتكتسب قضية الهجرة أهمية متزايدة فى
الوقت الراهن خاصة فى ظل تنامى مشاعر العداء تجاه الجاليات العربية
والإسلامية فى أوربا لدواعى أمنية ودينية مما يدعم الاستعانة بالعمالة
القادمة من شرق ووسط أوربا .
5 - التوسع والشراكة
الأوروبية المتوسطية :
من المتوقع أن يؤدى توسع الاتحاد الأوروبي
إلى توجيه اهتمامه بعيدا عن جنوب وشرق البحر المتوسط حيث يزداد انشغاله
بمشاكله الداخلية مع الدول المنضمة بما يؤثر بالسلب فى المدى المتوسط
والطويل على مستوى واهتمام الاتحاد بالدول جنوب وشرق البحر المتوسط، وهو ما
يفرض على تلك الدول العمل على تقوية موقفها التفاوضي تجاه الاتحاد الأوروبي
وتنسيق سياساتها الخارجية وتنويع خياراتها الاقتصادية والتجارية من خلال
الارتباط مع تكتلات اقتصادية إقليمية أخرى للحفاظ على التوازن فى علاقاتها
الاقتصادية الدولية .
نخلص من ذلك إلى القول أن الاتحاد
الأوروبي بانضمام الدول العشر الجديدة اصبح عملاقا اقتصاديا بصرف النظر عن
الدلالات السياسية للتوسع ومدى فاعلية الاتحاد فى القضايا السياسية الدولية
. |