بدأت تجربة الاتحاد الأوروبي كاتفاق تجارى
بين ست دول واصبح تالان تكتل اقتصادي وسياسى يضم 25 دولة .
وقد أخذت استراتيجية بناء الوحدة
الأوروبية ملمحين رئيسين :
الأول :
يتعلق بالانطلاق من القضايا الصغرى والجزئية إلي القضايا الكبرى
والاستراتيجية.
الثانى
: تمثل فى استراتيجية الدمج، والتى ميزت
تجربة الاتحاد الأوروبي ونجاحه فى امتلاكه القدرة على جذب دول داخل إطار
الوحدة دون اعتبار قضية الوحدة معطى يجب التسليم به من البداية وفرضه على
جميع الدول الداخلة أو المرشحة لعضوية الاتحاد، بل يظل ينظر إليه على انه
"قيمه عليا" يمكن للدول الأعضاء الوصول إليها بمحض إرادتها ومن خلال
تفاعلاتها البينية .
ويمكننا أن نتناول هذين الملمحين بشكل
اكثر تفصيلا على النحو التالى : -
من أهم ما ميز تجربة الوحدة الأوروبية
أنها بدأت من اسفل حيث وضعت فى البداية أهداف متواضعة، وتناولت قضايا جزئية
هى التى وصلت الدول الأعضاء أو معظمهم إلي خيار الاتحاد، فلم تطرح قضايا
السياسة الخارجية والدفاعية المشتركة كأهداف فورية للدول المنضمة، حيث ظل
خيار الاتحاد منذ البداية هدفا وليس قانونا جبرى يفرض من أعلى أو بقرار
سيادى .
وقد عكست تجربة " الوحدة الأوروبية " جانب
كبير من تلك الأفكار باعتبار المدخل لإنجاز الأهداف الكبرى المتمثلة فى
الوحدة بما يفى أن الغاية ظلت قيمة عليا يجب الوصول إليها عبر حل
الإشكاليات الفرعية والجزئية، ومن ثم فلم يكن غريبا أن تبدأ مسيرة الوحدة
الأوروبية من خلال التوقيع على اتفاقية الفحم والقصدير بين عدد من الدول
الأوروبية فى باريس 1951 وكان الهدف هو تسهيل الاستثمار فى هذا المجال
وكذلك حرية حركة رأس المال والعمالة التى تعمل فى مجال الفحم والقصدير ،
حيث عكس هذا الاتفاق الرغبة فى بناء تفاعلات وحدوية لا تتوقف بين الشعوب
وإنما تحولت إلي ممارسة يومية تهدف إلي تحقيق هذه القيم بالتراكم العملى .
وجدير بالذكر أن الطريق نحو الوحدة
السياسية الأوروبية قد مر عبر ثلاث محاور رئيسية للتفاعل الاقتصادي الأفقي
:
الأول: تمثل فى الوحدة الجمركية . الثانى
: السوق الاقتصادية المشتركة .
الثالث : العملة الموحدة.
كما أن قبول 12 بلدا أوروبيا للانضمام
لنظام العملة الموحدة اليورو جاء عبر خطوات تمهيدية استمرت لسنوات بدأت
بتعويد المواطنين فى هذه البلدان لما يقرب من ثلاث سنوات على قراءة أسعار
السلع المختلفة بالعملتين الوطنية واليورو حتى يتعودوا على العملة الجديدة
ولا تبدو وكأنها قرار فوقى.
هكذا ، فقد عكست التجربة الأوروبية أن
الوصول إلي الأهداف الكبرى لن يتم إلا بإنجاز الأهداف الصغرى ومن خلال شبكة
التفاعلات الأفقية بين الشعوب والتى تحقق لهم جانب من مصالحهم الاقتصادية
وطموحاتهم المادية وتسمح باستقلالية العمل الأهلي وفاعليته وتتيح لهم حرية
الرأي والتعبير المستقل وقدرتهم على النقد داخل حدودهم .
على الجانب الآخر، تجد أن العرب يعيشون فى
أجواء تعلى من قدر الحاكم والدولة والشعب، ومن ثم فمن الصعب اندماجه فى
علاقات وحدودية مع دولة أخرى شقيقة مجرد مسألة رمزية على السطح لان كل
البنى والمؤسسات الأفقية داخل هذه البلدان قائمة على تقديس من هو على قمة
الهرم الإداري والسياسى فى كل دولة على حدة ويغيب عنها ثقافة النقد الذاتى
وقبول التنوع الداخلى وقيم الديمقراطية .
كما يلاحظ كذلك غياب شبكة المصالح
الاقتصادية بين شعوب المنطقة العربية نتيجة البدء بشعارات عامة كالسوق
الاقتصادية المشتركة والتى تعتبر هدفا بعيد المدى، يجب أن يسبقه تفاعلات
أفقية بين مؤسسات صغيرة ذات أهداف محدودة كى تصبح نواة لشبكة اكبر من
المصالح الاقتصادية ، لتصبح فى النهاية بدورها نواة للسوق الاقتصادية
المشتركة.
وهكذا نجد انه باستثناء بعض الشبكات
العربية النخبوية التى تعمل فى مجال حقوق الإنسان، فانه من الصعوبة بمكان
أن نتحدث فى العالم العربى عن تفاعلات ذات قيمة بين الشعوب فى قضايا
اجتماعية أو سياسية .
تميزت تجربة الاتحاد الأوروبي بالحيوية
والتجديد منذ انطلاق مشروع الوحدة الأوروبية عام 1957 الذى بدأ بمشاركة ست
دول فقط، مرورا بانضمام الدول الأوروبية الأخرى، وصولا إلي انضمام عشر دول
جديدة عام 2004 ليصل عدد الدول 25 دولة .
وفى حقيقة الأمر، فقد اختلفت مجموعة
المعايير التى وضعها الاتحاد الأوروبي لقبول الدول الجدد، ففى الوقت الذى
وضع فيه الاتحاد الأوروبي مجموعة من المعايير المؤسسية والتقنية لقبول دول
الشمال الأوروبي، وضع مجموعة من المعايير الاقتصادية والثقافية لقبول دول
الشرق الأوروبي، ومعايير أخرى اكثر تعقيدا لاستيعاب تركيا .
كما اختلفت كذلك الآليات التى تم وضعها فى
التعامل مع كل مجموعة من هذه الدول، فقد قبل الاتحاد فى عضويته دول الشمال
( السويد - النمسا - فنلندا ) فى فترة لا تتجاوز العام، تركزت المحادثات
بين هذه الدول والاتحاد حول مسائل تقنية فقد ، حيث تنطبق عليها المعايير
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المطلوب استيفائها .
أما بالنسبة لدول أوربا الشرقية، فقد وضع
الاتحاد معايير ذات طابع اقتصادي من خلال ما عرف بـ " برنامج المشاركة مع
بلدان أوروبا الوسطى والشرقية ( بلغاريا- المجر - بولندا - التشيك -
رومانيا-سلوفاكيا-سلوفنيا -مالطا-قبرص-لاتفيا -استونيا)، تمثلت أهم هذه
الشروط والمعايير فى ضرورة تحديث المؤسسات والهياكل الاقتصادية لهذه
الدول،كما تطلب الأمر حدوث إصلاحات سياسية عميقة فى نظامها السياسى، فى
مقابل تقديم مساعدات اقتصادية مشروطة بإتمام هذه الإجراءات .
ولعل هذا ما يميز تجربة الاتحاد الأوروبي
عن غيره من تجارب العديد من التكتلات العالمية من حيث وضع مساعداته لهذه
الدول فى إطار هدف سياسى وإستراتيجي محدد.
وجدير بالذكر أن تقديم هذه المساعدات لم
يهدف فقط لضمان ولاء هذه الدول سياسيا أو تبعيتها لدولة أوروبية كبرى بقدر
ما هدف إلي إنشاء شبكة من التفاعلات الفرعية بما يضمن نجاح التجربة .
والحقيقة أن مرونة تلك المعايير التى
وضعها الاتحاد الأوروبي كانت السبب الرئيسى وراء نجاح سياسته الادماجية
ونجاحه فى ضم عشرة بلدان أوروبية عام 2004 ، حيث فرضت عليها واجبات ومستوى
معين من التطور الاقتصادي والديمقراطى والاجتماعى ، ولكنه لا يحرمها فى نفس
الوقت من الحقوق ومن تلقى المساعدات والدعم من اجل توسيع الاتحاد الأوروبي
.
كذلك ، فقد ميزت تجربة الاتحاد الأوروبي
بوضع استراتيجية " المستويات المتعددة " حيث ميز الاتحاد بين الدول
الأوروبية المرشحة للانضمام من حيث المعايير والشروط ، وبين دول جنوب
المتوسط المرشحة للشراكة مع أوربا .
إلا أن تجربة انضمام تركيا للاتحاد ظلت
التحدى الحقيقى لتجربة الاتحاد الأوروبي، فقد وضع الاتحاد مجموعة من الشروط
والمعايير أمام انضمام تركيا منها تحسين أوضاع حقوق الإنسان فى البلاد ،
إجراء مزيد من الإصلاحات الديمقراطية ، إعطاء مزيد من الحقوق الثقافية
والسياسية للأكراد ولكافة الاقليات العرفية هناك .
والواقع انه رغم تقدم تركيا بطلب للانضمام
للاتحاد منذ عام 1987 مع كل من مالطا وقبرص إلا أن الطلب التركى ما زال قيد
النظر والترشيح للعضوية ، ويرجع السبب فى ذلك كما أشار تقرير المفوضية
الأوروبية الصادر فى ديسمبر 1989 إلي أسباب ثقافية .
وعلى الرغم من تخفيف الاتحاد الأوروبي
للمعايير الثقافية فى تقييمه لتركيا ، إلا أن نجاح عملية دمج تركيا داخل
الاتحاد الأوروبي متوقفة على قدرة تركيا على إجراء التطور الداخلى المطلوب
، وعلى قدرة النموذج الأوروبي على الانفتاح الداخلى على تجربة مغايرة له
ثقافيا .
نخلص من ذلك إلي القول بان مشروع أوربا
الفيدرالية لن تستطيع استكمال مسيرتها الوحدوية وهى محتفظة بنفس مؤسساتها
القديمة ومستمرة بنفس آلية العمل التى حكمت أداء خمسة عشر دولة أوروبية ،
وهو ما يتطلب البحث عن آليات عمل وإنشاء مؤسسات جديدة تساير التطورات التى
شهدتها عملية توسيع الاتحاد ، خاصة وان هناك تحدى يواجه الاتحاد بعد توسعه
يتمثل فى الخلاف بين ما يطلق عليه أوربا القديمة والجديدة ليس فقط حول
الدور السياسى لأوربا ، وإنما أيضا حول طبيعة هذا الدور وعلاقاته بالأقطاب
الكبرى فى العالم خاصة الولايات المتحدة .
ومن ثم فان أوربا ستكون فى مفترق طرق فى
المستقبل المنظور من خلال ظهور أوروبيتين : أولى سياسية / استراتيجية تسير
نحو الفيدرالية وتبنى قطبا دوليا جديدا ومستقلا على الساحة الدولية .
والثانية أوربا السوق الاقتصادي التى ستضم دول أوربا الشرقية وبريطانيا
وبعض الدول الأخرى المرشح انضمامها للاتحاد الأوروبي كالبوسنة وألبانيا
وأيضا تركيا .