ما مغزي وأهمية النتائج التي
تمخضت عنها قمة الدول الثماني التي عقدت في التاسع من
يونيو الماضي في 'سي أيلاند' بولاية جورجيا الأمريكية,
والتي تعلقت -في الأساس- بما سمته 'منطقة الشرق الأوسط
الكبير وشمال إفريقيا', أي تلك التي تضم معظم بلدان
العالم الإسلامي, وكل بلاد العالم العربي, والتي نقع نحن
في قلب قلبها؟
هل كانت مجموعة من الأفكار
المجردة, أو الشعارات العامة, تشبه تلك التي تصدر عن
كثير من المؤتمرات والاجتماعات, التي نعرف ونألف الكثير
منها, والتي يتبخر الكثير منها بمجرد إعلانها, وتصير مجرد
كلمات وسطور في وثائق يلفها النسيان, أم أن المسألة أكبر
من ذلك وأخطر؟
إن ما طرح كان رؤي وأفكارا
محددة للتغيير, وكان مقترحات ببرامج ومؤسسات للتنفيذ, وكان
أيضا آليات للمتابعة والتقييم! وقد أتي ذلك من جانب
الولايات المتحدة -القوة العظمي في عالم اليوم- تساندها
أكبر وأقوي سبع دول صناعية في العالم : بريطانيا, وفرنسا,
وألمانيا, وإيطاليا, واليابان, وكندا, وروسيا, (فضلا عن
تمثيل الاتحاد الأوروبي ككل)! وقدم هؤلاء أفكارهم ومقترحاتهم
بشأننا في وثيقتين أساسيتين: 'الشراكة من أجل التقدم
ومستقبل مشترك مع منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال
إفريقيا', و'خطة مجموعة الثماني لدعم الإصلاح'! وتوضح
الوثيقتان بجلاء أن الدعوة إلي 'الإصلاح' في العالمين
الإسلامي والعربي -التي انطلقت من الولايات المتحدة عقب
زلزال 11 سبتمبر 2001, تم تكررت في أشكال وصيغ متعددة
ومتوالية, طوال عامي 2002 و2003- قد وصلت إلي منتهاها, أو
إلي طبعتها الأخيرة, المزيدة والمنقحة, في يونيو 2004!
وسوف تكون ذروة الهزل, أو العبث,
أن نتجاهل تلك التطورات والوثائق التي تمخضت عنها, أو أن
نستخف بها, أو أن نسيء تقديرها تهويلا أو تهوينا! علينا
-نحن أبناء المنطقة المستهدفة بتلك الخطط- أن ندرك علي
نحو جاد, وموضوعي مغزي تلك الأفكار والخطط, وأهميتها, وأن
نتدبر كيفية التعامل معها, والاستجابة لتحدياتها !
علينا -ابتداء- أن نطرح ردود
الأفعال أو الانطباعات التبسيطية الساذجة, بدءا من رؤيتها
كمجرد دليل علي المؤامرات التي تحاك ضد العرب والمسلمين
لإضعافهم, وتجريدهم من عقيدتهم وهويتهم, وانتهاء بتصور أن
'الأمريكان قادمون' ليمارسوا عندنا -مثلما مارسوا من قبل-
هوايتهم في 'إعادة بناء الأمم'! فالتحليل الموضوعي يرفض
التبسيط الأول, والتعقيدات الميدانية في أفغانستان والعراق
تستبعد التبسيط الثاني !
نحن إذن أمام تحد حقيقي يستلزم
أقصي درجة من الجدية والانتباه, والذي لابد أن يبدأ
ويستند إلي فهم وإدراك صحيحين لما طرحته قمة 'سي
ايلاند', وهو ما يمكن تلخيصه في ثلاث حقائق أساسية :
الحقيقة الأولي: إن ما طرح في
القمة لم يكن يعبر عن إرادة أو رغبة 'أمريكية', بقدر
ما يعبر عن إرادة ورغبة 'عالمية', من خلال الدول الثماني
الأكبر والأقوي في عالم اليوم. من هذه الزاوية, فإننا
سوف نكون إزاء ما يشبه المؤتمرات الدولية التي تعقد في
غمار أو عقب الحروب الكبري لترتيبات تسويات ما بعد
الحرب, والتي عقدت دائما -منذ بدايات القرن الماضي- في
رعاية الولايات المتحدة! ينطبق هذا علي مؤتمر الصلح في
باريس عام 1918 الذي عقد في ظل نقاط ويلسون الأربع عشرة.
وينطبق أيضا علي المؤتمرات التي عقدت في أثناء وأواخر
الحرب العالمية الثانية, خاصة مؤتمر يالتا (في فبراير 1945)
وبوتسدام (في يوليو وأغسطس من العام نفسه) والتي بشر
الحضور الأمريكي الثقيل فيها (من خلال روزفلت, ثم ترومان)
بأفول دور أوروبا, وصعود الدور الأمريكي, وإن تحداه -إلي
حين- الدور السوفيتي!
وربما يمكن القول إن هذا الدور
-أي إعادة الترتيب الدوري لأوضاع 'العالم'- بدأت تقوم به
مجموعة الدول (أو الديمقراطيات!) الصناعية الكبري في العالم,
والتي بدأت أول اجتماعاتها في فرنسا عام 1975 (بحضور
الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان
لتنضم إليها كندا عام 1976, ثم روسيا التي حضرت لأول مرة
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي قمة نابولي عام 1994).
لقد توازي وجود هذه المجموعة,
وانتظام اجتماعاتها مع كل التدابير والمؤتمرات التي أعادت
ترتيب أوضاع العالم منذ منتصف السبعينيات, بدءا من مؤتمر
الأمن والتعاون الأوروبي, وتدشين عملية هلسنكي عام 1975,
التي نظمت علاقات 'الانفراج' بين الشرق والغرب, وحتي عملية
تفكيك الكتلة الشرقية, ثم الاتحاد السوفيتي نفسه من ناحية
عام 1991, والاستمرار في عملية الوحدة الأوروبية (سياسيا
واقتصاديا) خاصة من خلال اتفاقيتي ماستريخت في العام نفسه
من ناحية أخري.
في هذا السياق التاريخي العام
(وربما بقدر كبير من التبسيط), يمكن اعتبار مؤتمر مجموعة
الثماني في يونيو 2004 بمثابة مؤتمر التسويات الذي يرافق
عمليات 'الحرب' علي الإرهاب, والذي يذكرنا بمؤتمر الصلح في
باريس عام 1919 في أواخر الحرب العالمية الأولي, ومؤتمري
يالتا وبوتسدام في 1945, أواخر الحرب العالمية الثانية! لقد
اهتم الأول بترتيب أوضاع أوروبا, واهتم المؤتمران الأخيران
بترتيب أوضاع العالم كله, أما مؤتمر جورجيا 2004, فقد ركز
علي ترتيب أوضاع العالمين الإسلامي والعربي! وفي حين كانت
الولايات المتحدة هي الأكثر حضورا في المؤتمرات الثلاثة,
فإن مستوي تمثيلها تدرج من ويلسون, إلي روزفلت وترومان,
حتي تدني الي جورج بوش الابن! (وربما كان مثيرا هنا
ألا نجد مؤتمرا محددا يرمز لترتيب أوضاع ما بعد الحرب
الباردة, ربما لأنها سجلت -في الواقع- نصرا بلا حرب)!
غير أنه من المهم أيضا ألا
ينظر لمؤتمر (سي أيلاند) ونتائجه علي أنه مجرد 'امتثال'
للضغط الأمريكي! فمن الممكن أن نتصور أن الأوروبيين
الغربيين -بمن في ذلك أكثرهم حذرا في التعامل مع
العالمين الإسلامي والعربي- يشاركون الأمريكيين مقاومتهم لـ
'الإرهاب' والذي تمثلت آخر مظاهره لديهم في تفجيرات مدريد
الدامية! كما لا يمكن فصل موقف روسيا عن همومها ومأزقها
مع الشيشان!, وكذلك تخوف اليابانيين علي أبنائهم في العالم
الإسلامي وفي العراق .. الخ. أي أننا إزاء ضغط 'عالمي'
وليس مجرد ضغط (أمريكي) للإصلاح في العالمين العربي
والإسلامي!
- الحقيقة الثانية: إن الأمريكيين
-في سعيهم لاكتساب المساندة الدولية من ناحية, ولتقليل
المعارضة الإسلامية - العربية لخططهم إلي حدها الأدني من
ناحية أخري- سلموا بحقيقة أن الإصلاح لا يمكن فرضه من
الخارج, وأنه ينبغي أن يكون نتاجا لحركة القوي الداخلية
في مجتمعاتها, وأن تراعي عمليات التغيير خصوصية وتفرد
المجتمعات محل التغيير, بل واختلاف درجة نضجها وتقبلها
للتغيير. وفي السياق نفسه, سلم الأمريكيون -ومعهم باقي
مجموعة الثماني-بأهمية إنهاء الصراعات المزمنة في المنطقة,
وعلي رأسها الصراع العربي - الإسرائيلي, كشرط محفز لعمليات
الإصلاح, ومزيل لأحد أهم العوائق أمامها. حقا, لقد أكدوا
أيضا عدم الربط بين بدء عمليات الإصلاح وانتهاء ذلك
الصراع, ومع ذلك تظل الإشارة لهذا العنصر دلالة علي تغير
الموقف الأمريكي القديم, الذي كان يعتبر أي إشارة للصراع
العربي - الإسرائيلي مجرد ذريعة أو مبرر يختلقه العرب
للتحايل علي عمليات الإصلاح, أو تأجيلها لأمد غير معلوم!
وفي هذا السياق, لا يخفي مغزي الاستعانة بفقرات من
المؤتمرات 'العربية' التي كرست للإصلاح, سواء كانت مؤتمر
القمة في تونس, أو مؤتمرات الإسكندرية, وصنعاء, والعقبة,
والبحر الميت!
الحقيقة الثالثة: إن مفهوم
'الإصلاح' -كما ورد في أعمال ووثائق مؤتمر الثماني- هو
مفهوم شامل, سواء من حيث مكوناته, أو القوي المبادرة به,
أو الداعمة له. فالإصلاح -وإن احتل الشق السياسي موقع
الصدارة فيه- إلا أنه أيضا إصلاح اقتصادي واجتماعي, تعليمي
وثقافي ! والقوي المدعوة للمبادرة بالقيام بالإصلاحات تضم
الحكومات, مثلما تضم قوي المجتمع المدني, والقطاع الخاص!
كما توضح إعلانات ووثائق مؤتمر
الثماني, نوعا من تنسيق العمل, وتوزيع الأدوار, بين الدول
الثماني, وغيرها من الدول والمنظمات الدولية لدعم ورعاية
عمليات الإصلاح, فضلا عن ابتداع الآليات والمنتديات, ليس
فقط للنقاش حول مفاهيم الإصلاح, ومشكلاته, وإنما أيضا
لمتابعة ما يتم من تطبيق فعلي له علي أرض الواقع.
نحن إذن أمام تحد حقيقي وجاد,
لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. ومع ذلك فإن
الحقيقة الأساسية التي ينبغي أن تحكم استجابتنا لذلك
التحدي, هي أن الإصلاح 'الديمقراطي, والاقتصادي, والثقافي',
هو أولا -وقبل كل شيء- مطلبنا, ومصلحتنا, نحن شعوب هذه
المنطقة. فإذا كان الآخرون يطالبوننا به, حماية لمصالحهم
ودعما لأمنهم, فلا بأس! وليقوموا هم بواجبهم والتزاماتهم
التي ألزموا بها أنفسهم, بدءا من العمل الجاد لإنهاء
الصراع العربي - الإسرائيلي, وإنهاء احتلال العراق .. وحتي
المعاونة في إنهاض وتنشيط اقتصاداتنا المنهكة في لحظات
تحولها الصعبة! وفي هذه الحالة فلن يكون علينا سوي أن
نمضي بحسم وجدية علي طريق الإصلاح, فليس هناك طريق آخر!