جاء الارتفاع فى أسعار البترول العالمية خلال
الأشهر الماضية خاصة فى منتصف مايو 2004 ، حيث وصل سعر البترول الخام إلى 42
دولار للبرميل ، ليمثل بذلك صدمة للجميع .
ويرجع هذا الارتفاع المفاجئ فى أسعار النفط إلى
عدة أسباب منها : السياسات الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط وما ارتبط بها من
تصاعد للمقاومة فى العراق وعدم الاستقرار فى الأراضى الفلسطينية بما كان من شأنه
ازدياد المخاوف بشان أمن إمدادات البترول من تلك المنطقة - انخفاض المخزون
الأمريكى من النفط ، حيث وصل إجمالى المخزون الاستراتيجى الأمريكى 660 مليون
برميل ، فى حين تزايد الاستهلاك الأمريكى ليصل إلى نحو 15 مليون برميل يوميا بما
يعنى انه لن يستطيع توفير احتياجات البترولية اكثر من 47 يوما أو استبدال
وارداتها من البترول لمدة 70 يوما فقط ، حيث يغطى الاستيراد 50% من الاستهلاك
المحلى - النمو الشديد للطلب العالمى على البترول ، حيث تزايد استهلاك النفط فى
العالم ليصل إلى 75 مليون برميل يوميا عام 2000 ، فى حين لا تتجاوز طاقة الإنتاج
الاحتياطية فى العالم الآن مليونى برميل يوميا ، ويرجع ذلك إلى تزايد الطلب
الصينى على البترول حيث أصبحت ثانى اكبر مستهلك للنفط فى العالم بعد الولايات
المتحدة - الاضطرابات وعدم الاستقرار فى العديد من الدول المنتجة للنفط منها
جورجيا وتلغيم ميناء تصدير النفط فى باتومى على البحر الأسود ، ما تشهده نيجيريا
من اضطرابات طائفية ، وكذلك عدم الاستقرار فى فنزويلا والتى تعد من اكبر منتجى
ومصدرى النفط فى العالم .
إلى جانب ذلك ،هناك من ارجع السبب إلى قرار
منظمة الاوبك فى أول أبريل 2004 بخفض الإنتاج بمعدل مليون برميل يوميا ليصل إلى
23.5 مليون برميل ، ورغم نفى المنظمة بتحمل المسئولية وراء هذا الارتفاع مرجعة
السبب فى ذلك إلى الأوضاع السياسية المتوترة فى منطقة الشرق الأوسط أى أن
الارتفاع يرجع لعوامل سياسية وليست إلى نقص إمدادات النفط ، وحرصا من جانب
المنتظمة للمساهمة فى حل تلك الأزمة اقترحت السعودية زيادة الإنتاج بواقع 1.5
مليون برميل لتهدئة الأسعار ، إلا أن هذا الاقتراح رغم تأييد بعض أعضاء المنظمة
له إلا انه قوبل برفض بعض الأعضاء منها فنزويلا التى رأت أن هذا الاقتراح يصب فى
مصلحة الدول المستهلكة الكبيرة خاصة الولايات المتحدة والتى تتحمل المسئولية
كاملة عن ارتفاع الأسعار بسبب سياساتها .
على الجانب الآخر ، رأى البعض أن الدول
المستهلكة تتحمل هى الأخرى جزءا من المسئولية نظرا لضعف كفاءة استخدام الطاقة
ونقص طاقة التكرير بهذه الدول .
وقد ترتب على هذا الارتفاع الكبير تداعيات عديدة
سواء على الاقتصاد العالمى أو الاقتصاد الأمريكى أو اقتصاديات الدول المنتجة ،
فعلى المستوى العالمى أدى الارتفاع الكبير فى الأسعار إلى تراجع معدل نمو
الاقتصاد العالمى ، كما كان له تأثير سلبى على اقتصاديات الدول المستهلكة وان
اختلفت درجة هذا التأثير ، ففى الوقت الذى كان فيه هذا التأثير عميق على دول شرق
آسيا التى تعتمد اعتمادا كليا على استيراد احتياجاتها النفطية بما دفعها للبحث عن
وسائل بديلة لمواجهة أى زيادات مستقبلية فى الأسعار ، نجد أن هذا الأثر كان اقل
حدة بالنسبة للدول الأوروبية نظرا لتراجع الدولار أمام اليورو .
وفيما يتعلق بالاقتصاد الأمريكى ، أشارت
التقارير المختلفة إلى أن ارتفاع أسعار النفط انعكس سلبيا على مستويات الاستهلاك
المحلى بما ينعكس بدوره على انتعاش الاقتصاد الأمريكى ، من ناحية أخرى ترتب على
ارتفاع الأسعار ارتفاع تكلفة الإنتاج ، بما يعنى زيادة أسعار المنتجات الأمريكية
وانخفاض قدرتها التنافسية سواء فى الأسواق الداخلية أو الخارجية وما يترتب على
ذلك من ارتفاع معدل البطالة ليصل طبقا لبعض المصادر إلى 7.5 % .
بجانب ذلك ، كان لارتفاع أسعار النفط تأثيرا
سلبيا على صناعة الطيران العالمية التى ما برحت تستعيد عافيتها بعد أحداث 11
سبتمبر والحرب على العراق والأوضاع فى الأراضى الفلسطينية حيث جاء الارتفاع فى
الأسعار ليضع حدا لكافة التوقعات بإمكانية تحقيق شركات الطيران العالمية لأرباح
صافية .
أما فيما يتعلق بالدول المنتجة ، فقد أدى
الارتفاع فى أسعار النفط إلى تحقيق هذه الدول لأرباح متزايدة بما يعنى تحقيقها
لانتعاش اقتصادى ، إلا أن مخاوف هذه الدول تتمثل فى انه مع استمرار أسعار النفط
فى الارتفاع من شانه أن يؤدى إلى ارتفاع معدل التضخم فى الدول المستهلكة وما
يرتبط بذلك من تباطؤ فى اقتصادياتها وتراجع مستويات استهلاكها للنفط وما يترتب
على ذلك من ضعف الطلب على النفط وما يصاحبه من اثر سلبى على أسعاره.
فى ضوء
كل ذلك ، فانه من غير المنتظر أن تشهد أسعار النفط تراجعا خلال الأشهر القليلة
القادمة خاصة وان كافة التحليلات كشفت عن أن الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع أسعار
النفط هى أسباب سياسية وليست اقتصادية أى ترتبط بالتوترات السياسية فى العالم
بوجه عام ومنطقة الشرق الأوسط بوجه خاص ، وبما يؤكد على أن هناك ارتباط قوى بين
الاستقرار السياسى والاقتصادى العالمى وبين ثبات سعر النفط على المستوى العالمى .