على مر القرن الماضى ، لم تحرز الولايات
المتحدة إلا قدرا ضئيلا من التقدم فى ردود أفعالها إزاء الإبادة الجماعية
التى ارتكبت فى حق الجماعات العرقية أو القومية أو الدينية فى مختلف أنحاء
العالم ، حيث رفضت الولايات المتحدة دوما المخاطرة فى سبيل إدانتها أو قمعها
لمّا يُرتكب من ابادات جماعية ، وإن لم يقتصر هذا على الولايات المتحدة وحدها
وإنما اتبعته الدول الأخرى خاصة المجاورة للمجتمعات المنكوبة بابادات جماعية
.
والواقع انه على الرغم من وجود إجماع استمد
قوته ودعمه من الشارع العالمى مفاده أن الإبادة الجماعية لم تعد مباحة (
مشروعة ) ، حيث ارتفعت نبرة انتصار القيم الديمقراطية الليبرالية، إلا أن
العقد الأخير من القرن العشرين قد شهد اشد أنواع الفتك والإبادة الجماعية
ضراوة ، وفى مقدمتها المذابح التى ارتكبتها جماعة الهوتو فى رواندا بقتل
ثمانية آلاف فردا من جماعة التوتسى يوميا دون تدخل من أى طرف .
وجدير بالذكر أن هذه الإبادة قد وقعت بعد
انتهاء الحرب الباردة وبعد تصاعد جماعات حقوق الإنسان وبعد تقدم ثورة
المعلومات والاتصالات واكثر من ذلك بعد إنشاء متحف الهولوكوست بالمركز
التجارى فى واشنطن ، خاصة وان الهولوكوست أضحت فى العقل الجمعى الأمريكى حالة
متفردة ليس لها مثيل ، وبالتالى ترسخ فى العقل الأمريكى استحالة تكرارها فى
الوقت الراهن وهو ما جعل هناك صعوبة على الناجين من تلك الابادات فى إقناع
الرأى العام الأمريكى بما تعرضوا له .
ولم يقتصر الأمر على ما حدث فى رواندا ، بل
الأمر يزداد وضوحا إذا نظرنا ، رد الفعل الأمريكى إزاء ما حدث من قتل بول بوت
اكثر من مليون ونصف مليون فى كمبوديا ، وذبح النظام العراقى ما يزيد على مائة
ألف كردى ، وعمليات القتل الجماعية لمسلمى وكروات البوسنة على يد الصرب والذى
قارب عددهم مائتى ألف نسمة ، كل هذا فى ظل صمت أمريكى وتجاهل من جانب صناع
السياسة الأمريكية لاتخاذ خطوات من شأنها منع أو وقف هذه الابادات وذلك لان
المصالح الأمريكية القومية لم تكن معرضة لخطر مصدره هذه الإبادات الجماعية ،
ومن ثم لم تمنحها الإدارة الأمريكية الاهتمام الذى تستوجبه .
كذلك وبدلا من أن تتخذ الإدارة الأمريكية
الخطوات الكفيلة بمنع أو وقف تلك الابادات سواء بإدانة المتهمين أو قطع
المعونة أو حتى القصف بالقذائف أو استجماع قوة ردع متعددة الجنسيات ، نجدها
وفى احسن الأحوال ، تركز جهودها على المفاوضات وإرسال المعونات الإنسانية ،
بل وفى أحيان كثيرة قد ساعدت مقترفى تلك الابادات سواء بشكل مباشر أو غير
مباشر ، فعلى سبيل المثال كانت للجهود الذى بذلتها إدارة الرئيس الأمريكى
كارتر فى الأمم المتحدة عام 1979 دورا كبيرا فى التصويت لاعتماد أوراق الخمير
الحمر لشغل مقعد كمبوديا فى الأمم المتحدة .
كذلك خلال عامى 1987 - 1988 أمدت إدارة
الرئيس ريجان العراق بما قيمته 500 مليون دولار أمريكى ، فى الوقت الذى كان
فيه صدام حسين ماضيا فى إبادة الأكراد .
وبين عامى 1992-1995 واصلت الإدارة
الأمريكية تحت حكم بوش الأب ومن بعده كلينتون يحذوها حلفاؤها الأوروبيون فى
فرض مقاطعة تشمل السلاح على مسلمى البوسنة .
كل هذا يدفعنا إلى طرح تساؤل " لماذا وقفت
الإدارة الأمريكية متكاسلة على هذا النحو ؟
وتمثلت الإجابة الرسمية من جانب الإدارة
الأمريكية فى مقولة ( لم نكن نعرف ) ولكن هذا ليس صحيح .
فالحقيقة انه بالرغم من الإقرار بان
المعلومات الصادرة من الدول التى ارتكبت فيها ابادات جماعية لم تكن كافية
بسبب سحب البعثات الدبلوماسية وندرة عناصر المخابرات وإحجام الصحف عن إيفاد
مبعوثيها ، إلا أن الإدارة الأمريكية قد عرفت الكثير عما حدث فى هذه المناطق
ويكفى هنا أن نذكر " جون ويسترن " محلل المعلومات فى جهاز الاستخبارات
الأمريكية الذى جمع التقارير عما حدث فى البوسنة عام 1993 ،علاوة على ما
أوردته الصحافة من تقارير ومتابعات ، فمثلا نشرت صحيفة " نيويورك تايمز " بعد
أربعة أيام فقط من بدء الإبادة الجماعية فى رواندا عن قتل " عشرات الآلاف من
أهالى رواندا ".
ومن ثم فما ذهب إليه مسئولو الإدارة
الأمريكية بالزعم بأنهم " ما كانوا يعلمون " مثلما فعل كلينتون فى اعتذاره
بشأن رواندا عام 1998 بأنهم " لم يقدروا حق القدر " تلك الجريمة ، إلا أن هذا
أمر مضلل وغير صحيح ، حيث فضّل المسئولون الأمريكيون القول بجهل معرفتهم بما
حدث بدلا من التنقيب عن المزيد من المعلومات وتقصى الحقائق .
وإن كان هناك من يرى بان واشنطن لم تكن
تستطيع فعل الكثير من اجل وقف تلك الابادات ،إلا أن السبيل الوحيد لاختبار
عواقب ونتائج التدخل الأمريكى هو الإقدام عليه بالفعل ، خاصة وان هناك بعض
الحالات أو المواقف التى كان للولايات المتحدة تأثيرا فيها ، فعلى سبيل
المثال كانت لادانات وزير الخارجية الأمريكى جورج شولتز لاستخدام صدام حسين
الغازات السامة ضد الأكراد ، ثم جهود عضو مجلس الشيوخ الأمريكى كلريبون بيل
عام 1988 لفرض عقوبات على العراق وإن فشلت ، كان لذلك اثر إيجابى فى منع صدام
حسين من استخدام الغاز مرة أخرى .
كما كانت لنداءات الحكومة التركية ولقاء
وزير الخارجية الأمريكى جيمس بيكر باللاجئين الأكراد ، اثر فى انضمام
الولايات المتحدة عام 1991 إلى حلفائها لإنشاء ملاذ آمن بشمال العراق مما
ساعد على عودة مليون كردى إلى ديارهم .
من ناحية أخرى ، أدى قصف حلف الأطلنطى
للبوسنة عام 1995 إلى انتهاء الحرب وتحرير مليون وسبعمائة ألف البانى من
الحكم الصربى .
حقا ليس كل إجراء تعتزمه الولايات المتحدة
سيكون فعالا ، ولكن لا شك فى انه حتى تلك الخطوات البسيطة أو المتأخرة التى
اتخذتها الولايات المتحدة كان لها اثر إيجابى وساعدت فى إنقاذ حياة مئات
الآلاف .
يتضح لنا مما سبق أن السبب الحقيقى فى أن
الولايات المتحدة لم تفعل ما كان ممكنا وواجبا أن تفعله لوقف هذه الابادات ،
لم يكن قصور أو نقص فى المعلومات أو التأثير، وإنما كان نقصا وقصورا فى
الإرادة ، بمعنى أنها لم تكن لديها النية فى عمل أى شئ ، لقد أيقنت الإدارة
الأمريكية أن الابادات خطأ ، ولكنها لم تكن على استعداد لتوجيه قدرتها
وإمكانياتها السياسية أو الدبلوماسية أو العسكرية أو المالية لإيقافها بناء
على حسابات المكسب والخسارة وفى ضوء المصالح الأمريكية وما يمليه الاستقرار
الداخلى .
وتأكد ذلك جليا ، فيما قامت به البلاد
الأخرى والمؤسسات التى تواجد موظفوها فى المواقع التى شهدت ابادات جماعية ،
باتخاذ إجراءات لمراجعة الذات ،فمثلا نظمت كل من هولندا وفرنسا والأمم
المتحدة تحقيقات فى المسئولية عن سقوط سيربرينكا فى البوسنة وما تلاها من
مذابح ، فى حين رفضت البعثة الأمريكية فى نيويورك التعاون مع محققو الأمم
المتحدة فى هذا الشأن ، وهو ما حدث كذلك فى التحقيقات التى أجرتها الحكومات
الفرنسية والبلجيكية والأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية فى المسئولية عن
الإبادة الرواندية ، حيث تجاهلت الإدارة الأمريكية مثل هذه التحقيقات .
ومع مجئ الرئيس بوش الابن إلى السلطة وما
وصل إلى علمه من اخفاقات إدارة كلينتون فى هذا الصدد ، أكد على انه " مادام
حاكما لأمريكا فان الابادات لن يتكرر حدوثها"، إلا أن المستقبل لم يمهله
لينفذ ما وعد به ، فما حدث فى الحادى عشر من سبتمبر كان من شأنه بالفعل تغيير
السياسة الأمريكية فيما يخص الابادات ، حيث جعل الهجوم الأمريكيين سواء داخل
الحكومة أو خارجها اكثر تعاطفا مع ضحايا الابادات .
ومن ثم أضحى على الولايات المتحدة أن تجعل
التصدى للابادات الجماعية من أولويات اجندتها العالمية لسببين :
السبب الثانى : الحرص على
المصلحة الشخصية (الخاصة ) ، فلا شك فى أن إباحة الابادات الجماعية تقوض
الأمن الإقليمى والدولى ، وتعطى إشارة لهؤلاء بان القتل والإبادة من أدوات
الحكم المسموح بها وهو أمر مرفوض لأنه لا يهدد من يتعرضون للإبادة فحسب بل
يهدد الأمن والاستقرار العالمى خاصة وان أمن الأمريكيين سواء على أراضيهم أو
فى الخارج يتوقف على الاستقرار العالمى وتأكد ذلك جليا بعد أحداث الحادى عشر
من سبتمبر.
وبصفة عامة ، يجب على الإدارة الأمريكية
وبمساندة حلفاؤها الغربيين أن يسعوا لمنع ووقف أى عمليات إبادة جماعية لان
مخاطرها على الأمن والاستقرار العالمى وخيمة من جانبين :
فالدول التى تقتل مواطنيها وتفنيهم سوف تتجه
إشباعا لرغبتها باستهداف مواطنى الدول الأخرى ، فمثلا بدأ هتلر باضطهاد
مواطنيه ثم شن الحرب على سائر أوربا وفيما بعد الولايات المتحدة .
وعلى الجانب الآخر ، الذين يتعرضون للابادات
الجماعية ويخذلهم المجتمع الدولى يتجهون إلى الثأر بما يجعل منهم فى المستقبل
مصدر تهديد ، كما أمست البوسنة التى خذلها الغرب ملاذا للإسلاميين المبعدين
من كافة أنحاء العالم .
ولهذا يجب على الولايات المتحدة تشجيع
حلفاؤها والمنظمات الإقليمية والدولية على مضاعفة جهودهم من اجل منع ووقف أى
ابادات جماعية ويكون هناك ردود فعل تتسم بالقوة والحزم فى حالة وقوع مثل هذه
الابادات منها معرفة مقترفى تلك الابادات وتهديدهم باللجوء إلى ساحة القضاء
والمطالبة بإبعاد ممثلى هذه الدول التى ترتكب أنظمتها ابادات من المنظمات
الدولية والإقليمية ، وغلق سفارات هذه الدول لديها ولدى حلفائها ، وفى حالة
تعقد الأوضاع يمكن أن تلجأ إلى فرض عقوبات اقتصادية وتجميد ممتلكات حكومات
هذه الدول لديها ولدى حلفاءها .