2004‏,ابريل



المسالة القبرصية : الاتجاه نحو حل نهائى

جورج ثروت فهمى

عادت المشكلة القبرصية لتفرض نفسها بقوة مع بداية العام الحالى على الساحة الدولية و ذلك بعد قرار اردوغان رئيس الوزارء التركى ورؤوف دنكطاش زعيم القبارصة الأتراك باستئناف المفاوضات بين الجانبين القبرصين ، بهدف التوصل لحل للنزاع الدائر فى الجزيرة منذ سبعينيات القرن المنصرم .
وجدير بالذكر أن المفاوضات السابقة قد انهارت فى مارس العام الماضى بعد انسحاب دنكطاش منها احتجاجا على بعض النقاط التى تضمنتها خطة الأمين العام والتى مثلت الأساس الذى تجرى عليه المفاوضات وبصفة خاصة الشكل السياسى للجزيرة ( ففى حين يطالب الجزء الجنوبى بفيدرالية ، يطالب الجزء الشمالى بكونفدرالية ) .
وقد تمثلت ملامح المشروع الذى تقدم به الأمين العام للأمم المتحدة فى :
- شكل الدولة : اقترح المشروع أن يكون اسمها الدولة الجمهورية القبرصية المتحدة وسيكون لها حكومة فيدرالية وولايتان مؤسستان ، الولاية القبرصية التركية والولاية القبرصية اليونانية .
- السيادة : أكد المشروع على أن الوضع والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات المؤسسة سيكون مماثلا للوضع فى سويسرا بين حكوماتها الفيدرالية والكانتونات ، مع التأكيد على أن الجمهورية القبرصية المتحدة لها شخصية دولية قانونية وسيادة واحدة .
- الرئاسة : اقترح المشروع إنشاء مجلس رئاسى مكونا من 6 أعضاء ، 2 منهم من القبارصة الأتراك والأربعة الآخرون من القبارصة اليونانيين على أن يكون منصب الرئيس بالتناوب بين الأعضاء الستة .
- السلطة التشريعية : اقترح المشروع أن يتكون البرلمان الفيدرالى من مجلسين ، مجلسا للشيوخ تتوزع مقاعده بنسبة 50% إلى 50% تجسيدا للمساواة بين الولايتين ، وأيضا مجلسا للنواب يعكس الوزن النسبى لكل من القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين .
كما تضمن المشروع توزيع الاختصاصات بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات وكذلك آليات التعاون والتنسيق بين الولايتين المؤسستين .
وهنا يثار تساؤل حول العوامل والمتغيرات التى أدت إلى تراجع زعيم القبارصة الأتراك دنكطاش عن موقفه والقبول باستئناف المفاوضات على أساس خطة الأمم المتحدة ؟
الحقيقة أن هناك عدة متغيرات داخلية وخارجية تقف وراء هذا التغيير ، فيما يتعلق بالمتغيرات الداخلية ، بدا واضحا ازدياد الشعور الشعبى المناوئ لسياسات دنكطاش خاصة فيما يتعلق بتعامله مع ملف المفاوضات حول مستقبل الجزيرة ، وقد جاءت نتيجة الانتخابات التشريعية فى 14 ديسمبر 2003 لتعكس ذلك الشعور الشعبى ، فقد فازت المعارضة بـ 25 مقعدا من مجموع 50 مقعدا فى البرلمان ولذلك تم تشكيل حكومة ائتلافية فى يناير 2004 برئاسة الحزب الجمهورى التركى المؤيد لخطة عنان والداعى إلى سرعة التحرك لتنفيذها .
أما فيما يتعلق بالعوامل الخارجية ، فهى تدور بالأساس حول الموقف التركى ، خاصة موقف المؤسسة العسكرية التركية والتى كان دنكطاش يعتمد عليها لدعمه فى مواقفه المتشددة من المفاوضات ، إلا أن التغير فى موقف المؤسسة بإصدار إعلان فى 23 يناير 2004 ، جاء فيه " أن تركيا تؤكد تصميمها السياسى على التواصل لحل سريعا للازمة القبرصية وان المفاوضات ينبغى أن تعتمد على مشروع الأمم المتحدة الذى يهدف إلى تشكيل فيدرالية على النمط السويسرى "، كان هذا الموقف دافعا لزعيم القبارصة الأتراك بالتراجع عن مواقفه المتشددة .
وجدير بالذكر أن التغير فى موقف الحكومة التركية ، جاء استجابة للضغوط الدولية على تركيا لدفعها للضغط بدورها على دنكطاش للسير فى طريق التفاوض للتوصل لحل نهائى للازمة القبرصية ، وكان ابرز تلك الضغوط هو قرار قمة كوبنهاجن فى ديسمبر 2002 بتأجيل انضمام تركيا إلى الاتحاد لحين بدء الاتحاد الأوروبى محادثات رسمية بهذا الشأن ولن تكون قبل ديسمبر 2004 على ادنى تقدير ، ومن ثم فقد حرصت تركيا على التوصل لحل للقضية القبرصية حتى لا تقف عقبة فى طريق انضمامها للاتحاد الأوروبى.
هذا بالإضافة إلى الضغوط الأمريكية على تركيا فى هذا الاتجاه ، بجانب كل ذلك موقف الاتحاد الأوروبى الأخير والذى أكد على انه فى حالة عدم التوصل لحل للقضية القبرصية قبل مايو 2004 وهو موعد انضمام قبرص الفعلى للاتحاد الأوروبى بعد توقيع حكومة جنوب قبرص على اتفاقية الانضمام للاتحاد الأوروبى فى 1 أبريل 2003 ، فان الجزء الجنوبى فقط من الجزيرة سينضم إلى الاتحاد الأوروبى.
وفى ضوء كل ذلك لم يجد زعيم القبارصة الأتراك بداً من الموافقة على استئناف المفاوضات والتى بدأت بالفعل فى 10 فبراير 2004 بمقر الأمم المتحدة بهدف التوصل لاتفاق نهائى يرضى الطرفين قبل 29 مارس ، وإلا سيقوم الأمين العام للأمم المتحدة بطرح خطته للاستفتاء المباشر من قبل مواطنى الجزيرة .

بداية الصفحة