إيران من الإصلاحيين إلى البنائين انتكاسة أم تحقيق للحلم ؟
أميرة عبد الرحمن
مثلت الانتخابات التشريعية السابعة التى شهدتها إيران فى فبراير الماضى ، نقطة تحول هامة فى إيران ، تلك الانتخابات التى فاز فيها المحافظون بصورة ساحقة حيث حصل فيها المحافظون على 156 مقعدا من 231 مقعدا مقابل 39 مقعدا للإصلاحيين . وترجع أهمية هذه الانتخابات إلى أنها جاءت بعد أسوأ واخطر أزمة سياسية تشهدها إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 والمتمثلة فى قرار مجلس صيانة الدستور برفض قبول أهلية 2500 مرشح إصلاحى لخوض هذه الانتخابات . كما تكتسب هذه الانتخابات أهمية أخرى لكونها جاءت بعد سبع سنوات فيما يطلق عليه المحللون " المسيرة المترنحة " للمشروع الإصلاحى الذى طرحه الرئيس خاتمى عام 1997 ، فلا شك أن الإصلاحيين قد فقدوا الكثير من زخمهم السياسى ويدلل على ذلك خلو الشارع الإيرانى من مظاهرات التأييد لخاتمى ، ويرجع هذا التراجع من جانب الشارع الإيرانى لمساندة المشروع الإصلاحى إلى عدة أسباب ، منها قضية عودة العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة ، فعلى الرغم من أن الرأى العام قد سئم الانعزال ومعادة أمريكا ، إلا أن الغالبية لا ترغب فى عودة العلاقات خاصة فى هذا الوقت بالذات الذى يدين فيه العالم الاحتلال الأمريكى للعراق ، كذلك إصابة الرأى العام بالإحباط نتيجة الإحساس بالعجز وخيبة الأمل نظرا لان مشروع الإصلاح كان يسير بوتيرة شديدة البطء . والحقيقة أن الموقف الذى اتخذه مجلس صيانة الدستور برفض طلبات عدد من الإصلاحيين لخوض الانتخابات ، لم يكن سوى تكريس للصراع التقليدى بين التيارين المتشدد والإصلاحى فى إيران والذى ساعد على تفاقمه خلال الفترة الأخيرة إمعان المحافظين فى تهميش دور المؤسسات المنتخبة فى الدولة والمتمثلة أولا فى البرلمان وثانيا فى رئاسة الجمهورية وذلك لصالح المؤسسات المعينة التى يهيمن عليها المحافظون . وعلى الرغم من أن هذا الصراع ظل مستترا لمدة سبع سنوات ، إلا أن المحافظين رأوا أن ينتقلوا إلى مرحلة المواجهة خلال هذا التوقيت بالذات ، ويرجع ذلك إلى : - الفوز الجزئى الذى حققه المتشددون فى الانتخابات البلدية الأخيرة . - اندلاع مظاهرات الطلبة العارمة فى يونيو 2003 والتى استمرت لمدة ستة أيام متواصلة واتسعت مطالبها لتشمل حقهم فى إقصاء قيادتهم معتبرين أن احتفاظهم بالسلطة المطلقة ضرب من الهرطقة وان كانوا قد طالبوا فى الوقت نفسه باستقالة خاتمى. - رغبة المتشددين فى إنهاء ما يطلق عليه ثنائية الحكم القائمة فى النظام الإيرانى والتى قد تسبب لهم حرجا وتجعلهم يبدون دائما بمظهر المعارض والرافض لرغبات الشعب . وبالتالى ، فمن المنتظر أن تؤدى النتائج التى تمخضت عنها الانتخابات إلى حدوث تغير فى سياسة إيران سواء الداخلية أو الخارجية ، خاصة بعد إنهاء سنوات الحكم الثنائى الذى كان يميز المشهد السياسى لإيران واتجاه الدولة مرة أخرى نحو سلطة أحادية تهيمن على جميع مقاليد الحكم ومؤسسات صنع القرار المعينة منها والمنتخبة ، الأمر الذى يعنى أن الأداء الداخلى لمؤسسات الدولة خلال الفترة القادمة سيكون اكثر انسجاما عن ذى قبل خاصة إذا ما فاز بها المحافظون أيضا فى الانتخابات الرئاسية العام القادم لتكتمل بذلك سيطرتهم على كل مراكز القوى . ومن الجدير بالاهتمام انه خلال الفترة القادمة من المنتظر أن تثار قضية هامة على الساحة الداخلية ألا وهى المطالبة بتعديل الدستور خاصة فيما يتعلق بتغيير المبادئ التى تمثل العمود الفقرى للنظام الإسلامى فى إيران وأولها مبدأ ولاية الفقيه وكان هذا المطلب واحد من القضايا الصراعية بين التيارين الإصلاحى والمحافظ . وعلى المستوى الخارجى ، فمن المتوقع أن ينتهج هؤلاء المحافظون والذى أطلق عليهم البعض " المحافظون الجدد " أو كما يطلقون على أنفسهم " البناءون " سياسة خارجية أساسها الوفاق مع الغرب وان كان ذلك يتطلب من المحافظين العمل أولا على تجنب إثارة استياء أنصارهم المتشددين الذين يرفضون إقامة أى علاقات مع الولايات المتحدة ، فمن المعروف أن التيار المحافظ لا يمثل كتلة واحدة بل خليطا يتراوح بين متشددين مناهضين للغرب وآخرون يريدون التركيز على الاقتصاد والسماح بحرية سياسية واجتماعية واقتصادية بشكل نسبى . ومن ثم ، فان تحديد مدى التقارب الإيرانى الأمريكى خلال الفترة القادمة سيتوقف فى اغلب الظن على " المصلحة الوطنية "،وهو نفس المبدأ الذى من المنتظر أن يكون أيضا المحرك للعلاقات الإيرانية العربية بصفة عامة والإيرانية المصرية بصفة خاصة . وفى النهاية ، لا يبق لنا القول إلا أن هذه الانتخابات دشنت عهدا جديدا يمهد الطريق للمحافظين إلى سدة الحكم فى الانتخابات الرئاسية عام 2005 بما يثير التساؤل حول موقف الإصلاحيين من كل هذا ؟
بداية الصفحة
|