2004‏,ابريل



هل إسرائيل ملزمة بتطبيق القانون الدولى الإنسانى

د. عاصم خليل

أثار التصريح الصحفى الصادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر فى 18 فبراير 2004 ، والذى ندد بالسور الفاصل الذى تبنيه إسرائيل فى الصفة الغربية والدعوة لوقف تلك الأعمال وهدم ما تم بناؤه باعتبار ذلك مخالفا للقانون الدولى الإنسانى ، آثار التساؤل حول مدى إلزامية إسرائيل بأحكام القانون الدولى الإنسانى ؟
فى الواقع برز مصطلح القانون الدولى الإنسانى بصورة رسمية فى السبعينات من القرن المنصرم بعد تبنى البروتوكولين الإضافيين عام 1977 ليكملا اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 والتى وسعت الحماية على المدنيين أثناء الحروب الداخلية لدرجة إلزام الدول بتطبيق أحكام القانون الدولى الإنسانى والذى عرفته اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأنه " عبارة عن مجموعة من القواعد التى تحمى فى أوقات الحرب الأشخاص الذين لا يشاركون فى القتال أو لم يعودوا قادرين على المشاركة فيه ".
وقد تمثل الهدف الأساسى لهذا القانون فى الحد من معاناة الإنسان وتفاديها فى النزاعات المسلحة، وجدير بالذكر أن هذا الأمر لم يقتصر على الحكومة وقواتها المسلحة وحدها ، بل على جماعات المعارضة المسلحة وأى أطراف أخرى فى النزاع أن تلتزم به أيضا ، وتعد اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 بالإضافة إلى بروتوكولها الإضافيين لعام 1977 أهم صكوك القانون الدولى الإنسانى .
فى ضوء ذلك ، هل تصبح إسرائيل ملزمة بتطبيق أحكام هذا القانون فى الأراضى الفلسطينية المحتلة ؟
فى الواقع هناك اختلاف حول الوضع القانونى للأراضى الفلسطينية ، فعلى الرغم من صدور قرار الحاكم العسكرى رقم 3 فى يونيو 1967 والذى ينص على أن " على المحكمة العسكرية ... تطبيق نصوص اتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة فى 12 أغسطس 1949 لحماية المدنيين أثناء الحرب بما يتعلق بالمرافعات القضائية " ، إلا انه تم إلغاؤه فى 22 أكتوبر 1967 بموجب القرار رقم 144 لينزع بذلك حماية جنيف الرابعة عن المدنيين الفلسطينيين بحجة أن الأراضى التى سيطرت عليها إسرائيل 1967 هى أراضى من غير سيادة وليس أراضى محتلة ، وان السلطات الإسرائيلية تديرها فقط بسبب غياب صاحب السيادة ، كما ترفض محكمة العدل العليا الإسرائيلية تطبيق اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 والبروتوكولين المكملين قانونيا على الأراضى الفلسطينية ، فى الوقت نفسه تشدد المحكمة على ضرورة تطبيقها عمليا على المدنيين .
وترجع هذه الازدواجية فى موقف المحكمة بتمييزها بين التطبيق القانونى والعملى ، هو أن المحاكم الإسرائيلية لا يمكنها مراجعة أعمال السلطة التنفيذية قضائيا بما يخص تطبيق تلك الاتفاقيات ، وهو ما طالبت به الجمعية العامة اكثر من مرة بان تعترف إسرائيل بالانطباق القانونى للاتفاقية فى الأراضى المحتلة بما فيها القدس والأراضى العربية المحتلة سنة 1967 .
ولكن ما نود أن نؤكد عليه هو انه ليس لاعتراف إسرائيل من عدمه أى تأثير على الوضع القانونى للفلسطينيين فى أراضيهم ، ولكنه يؤثر على مدى إمكانية أو سهولة تطبيق القانون الدولى الإنسانى على الأراضى الفلسطينية ، ومن هنا فان اعتراف الدولة بكونها سلطة احتلال يكون عادة بمثابة إظهار حسن النية لتطبيق المعاهدات الدولية على السكان والأراضى التى وقعت تحت سلطتها .
وفى هذا الصدد ، يبرز لنا قضية أخرى مرتبطة بتطور القانون الدولى الإنسانى وهى فكرة المحكمة الجنائية الدولية لمعاقبة المجرمين الدوليين والتى يمثل القانون الدولى الإنسانى الأساس الذى تقوم عليه هذه المحكمة ، ومن ثم فهل يمكن ملاحقة إسرائيل قضائيا أمام هذه المحكمة الجنائية ، خاصة وان الرأى الصادر عن محكمة العدل الدولية رأى استشارى غير ملزم لإسرائيل .
فى الحقيقة انه طبقا لاتفاقية روما والخاصة بتشكيل المحكمة الجنائية نصت على أن تكون سلطة المحكمة محصورة بالجرائم التى تحدت بعد دخول المحكمة حيز التنفيذ ( 1 يوليو 2002) وبالدول الأعضاء فى تلك المعاهدة .
وبما أن إسرائيل ليست عضوا فى هذه المعاهدة ، فلا يمكن ملاحقتها أمام المحكمة الجنائية الدولية ، وإن كان هناك مخرج واحد يمثل فى قيام مجلس الأمن بتحويل قضية معينة إلى المحكمة حتى ضد دولة غير عضو فى معاهدة روما ، ولكن هذا الحل بدوره يصطدم بنظام عمل المجلس والذى يتطلب موافقة جميع الدول دائمة العضوية وهو أمر غير متوقع الحدوث فى ظل الفيتو الأمريكى .
وفى ضوء كل ذلك ، لم يبق أمام الفلسطينيين والعرب أى طرق بديلة سوى مخاطبة الرأى العام الإسرائيلى ليمارس ضغطا قويا على حكومته لتطبيق القانون الدولى الإنسانى على الأراضى الفلسطينية وبالتالى الضغط من خلال محكمة العدل العليا الإسرائيلية ليتم ملاحقة من يخالف ذلك القانون ، هذا بالإضافة إلى التركيز على حملة توعية لإظهار الوجه الحقيقى والبشع للاحتلال الإسرائيلى على الأراضى الفلسطينية وفضح ممارسات الحكومة الإسرائيلية غير الأخلاقية وإحراجها دوليا ، ولكن ما يجب أن نشير إليه هو أن بعض الممارسات الفلسطينية ( العمليات الانتحارية مثلا ) سيكون لها تأثير سلبى على الفلسطينيين بطريقة غير مباشرة ، إذ أنها تمنح الحكومات الإسرائيلية حججا تبرر بها أعمالها الغير إنسانية ضد الفلسطينيين أمام الرأى العام الإسرائيلى والعالمى أيضا .

بداية الصفحة