مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالمديونية الإطار العام – تطور مؤشرات المديونية – تقييم الأداء
هشام محمد هيبه
تعد المديونية الخارجية إحدى اعقد المشكلات التى تواجه الدول النامية عامة والفقيرة المثقلة بالديون خاصة لاسيما فى ظل التنامى الكبير لرصيد تلك المديونية واستنزاف مدفوعات خدمتها لجانب مؤثر من الموارد المحدودة للدول الفقيرة ، ومن ثم وقوفها كعقبة تعوق تحقيق معدلات التنمية المنشودة . ويرجع تنامى مشكلة المديونية منذ أوائل الثمانينات من القرن المنصرم إلى عدة عوامل أهمها: - ضعف كفاءة سياسات إدارة المديونية القائمة أو فساد القائمين عليها . - الافتقار إلى الرؤية الصائبة والإدارة الكفء عند تكوين هيكل سلة عملات المديونية الخارجية . - تباطؤ تنفيذ السياسات أو عدم استمراريتها . - استمرار النزاعات والحروب الأهلية . - انتهاج عدد من الدائنين لسياسات إلى إعطاء الأولوية القصوى لمنح وقروض بأسعار فائدة تجارية وفترات استرداد قصيرة الأجل . - الصدمات الخارجية مثل تراجع أسعار عدد من المنتجات التى تمثل ثقل كبير فى هيكل صادرات تلك الدول . والواقع انه بالرغم من كون قضية المديونية فى جوهرها مشكلة داخلية للدول التى تكابدها، إلا أن الواقع العملى يشير إلى انه لا سبيل لمواجهتها بمنأى عن دعم المجتمع الدولى، وهو الأمر الذى تجسد فى صدور العديد من المبادرات الدولية المعنية بمواجهة تلك المشكلة وكان أبرزها المبادرة المشتركة من البنك الدولى وصندوق النقد الدولى الصادرة فى سبتمبر 1996 لخفض مديونية الدول الفقيرة المثقلة بالمديونية والتى أطلق عليها ( هيبك HIPC) والتى صدق عليها نحو 180 دولة . إلا انه ونظرا للانتقادات التى وجهت إليها لما عابها من غموض وما انطوت عليه من إجراءات معقدة ، الأمر الذى حدا بالبنك والصندوق لإجراء مراجعة شاملة للمبادرة وإدخال عدد من التعديلات عليها بهدف زيادة عدد الدول المؤهلة للانضمام وكذا زيادة حجم المساعدات المقدمة لتخفيف أعباء المديونية فضلا عن تسريع وتيرة الأداء وتمخض كل ذلك عن إعلان " المبادرة المعززة لتخفيض مديونية الدول الفقيرة المثقلة بالمديونية المعروفة باسم الهيبك EHIPC . وقد سعت تلك المبادرة إلى تخفيض أعباء خدمة مديونية الدول الأكثر فقرا المثقلة بالديون بما يتيح لها حشد المزيد من الموارد اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة وتسارع جهود مكافحة الفقر .
وتركزت آلية عمل تلك المبادرة على مرحلتين : - المرحلة الأولى وتقوم خلالها دول نادى باريس وكذا الجهات الدائنة الأخرى الثنائية منها والتجارية بإعادة جدولة المديونية المستحقة على الدول الراغبة فى الانضمام للمبادرة على أن تلتزم تلك الدول بتنفيذ حزمة من سياسات الإصلاح الاقتصادى بالتعاون مع البنك والصندوق وصولا إلى ما يعرف بنقطة القرار . - المرحلة الثانية ويقوم خلالها صندوق النقد الدولى وهيئة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولى بمنح مساعدات مؤقتة للدول المعنية إلى من جانب قيام دول نادى باريس بإجراء المزيد من التخفيضات على المديونيات المستحقة له تجاه دول المبادرة بما قد يصل إلى 80% من صافى القيمة الحالية للدين المؤهل فى حين تلتزم الدول المعنية بتنفيذ عدد من الإصلاحات الهيكلية الإضافية المتفق عليها سلفا وكذا إعداد استراتيجية تخفيض أعداد الفقراء وتطبيقها بصورة مرضية لمدة عام على الأقل فضلا عن اتخاذ مجموعة من التدابير الرامية إلى الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلى ورفع معدلات النمو الاقتصادى . وفى نهاية هذه المرحلة يتم الوصول إلى نقطة الكمال ، حيث يتعهد الصندوق والبنك الدوليات بصورة نهائية غير قابلة للتراجع بتوفير تسهيلات الدين التى سبق إقرارها عند نقطة القرار إلى جانب توفير التسهيلات التى تعهدت بها المؤسسات الأخرى متعددة الأطراف وسائر الدائنين الثنائية. وجدير بالذكر أن عدد الدول التى انطوت تحت لواء هذه المبادرة حتى يوليو 2003 بلغ ثمان وثلاثين دولة . ولكن بالرغم من الطموحات الضخمة التى صاحبت تدشين هذه المبادرة والتيسيرات التى تتيحها ، إلا أن النتائج المحققة لا تزال اقل من الآمال المرجوة ويرجع ذلك إلى عدة عوامل ، منها ما يتصل بالمحيط الدولى من حيث تواضع المساعدات الدولية المقدمة للدول الفقيرة وتذبذب أسعار العديد من السلع عالميا ، ومنها ما يتعلق بهيكل المبادرة ذاته ، ومنها ما يتصل بدول المبادرة من حيث التباطؤ فى إجراءات الإصلاح ، والتعرض للنزاعات الطائفية والعرقية وانتشار عدد من الأمراض الخطيرة . خلاصة القول أن الأمر يتطلب المزيد من الجهود لتجاوز التحديات التى تواجه تحقيق الأهداف ، ومن ذلك : - انتهاج آلية اكثر واقعية فى تقدير معدلات النمو المستقبلية . - زيادة حجم المساعدات الدولية المقدمة للدول الفقيرة عامة وتلك المثقلة بالمديونية خاصة. - الإحلال التدريجى لمبدأ تقديم المنح والمعونات للدول الأكثر فقرا محل القروض . - توسيع نطاق المبادرة لتشمل عدد اكبر من الدول .
بداية الصفحة
|