|
|
||||
2004 | , | ابريل | |
الإصلاح من الداخل ؟!د. أسامة الغزالي حربليس بمقدور أحد الآن أن يشكك في جدية الولايات المتحدة وحلفائها في الحديث عن 'الإصلاح' في العالمين العربي والإسلامي. تلك هي إحدي التحولات الكبري التي تحدث في السياسة العالمية, منذ 11 سبتمبر 2001 . ففي سياق الاستراتيجية المعلنة 'للحرب علي الإرهاب' خاضت الولايات المتحدة الحرب في أفغانستان علي تنظيم القاعدة في عام 2002, ثم قامت - في سياق تلك الاستراتيجية نفسها - بغزو العراق في 2003, والآن - في 2004 - تعلن الولايات المتحدة عن مشروع 'الشرق الأوسط الكبير' الذي تستعد لمصادقة مجموعة الدول الثماني عليه في يونيو القادم. الحرب في أفغانستان والعراق كانت حربا علي الخطر 'المباشر' للإرهاب, أي علي فلول المنظمات الإسلامية المتطرفة التي عزت إليها واشنطن القيام بأعمال 9/11, وعلي أي احتمال بأن تصل إلي أيديها أسلحة الدمار الشامل (وهي الأسلحة التي لم تظهر أبدا في العراق!). أما مشروع الشرق الأوسط الكبير, فيستهدف منع ظهور الإرهاب, أو - مثلما جري القول الشائع - 'تجفيف منابع الإرهاب'! أي : إيجاد مجتمعات ديمقراطية, مزدهرة اقتصاديا, ومتفتحة ومتسامحة ثقافيا, حتي لا تكون بيئة منتجة للإرهاب!
حسنا, إن ما هو جديد في الواقع في هذا كله هو أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تضع علي رأس أولوياتها المعلنة في منطقة الشرق الأوسط, بناء الديمقراطية, بعد سبتمبر 2001, أما قبل ذلك, وربما طوال النصف الثاني من القرن العشرين كله علي الأقل, لم تكن تلك هي الأولويات الأمريكية في المنطقة, حتي ولو كانت هي أولويتها في مناطق أخري من العالم. كانت الأولويات الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم العربي تتمثل في : ضمان الحصول علي البترول, وحماية أمن إسرائيل, ثم الحيلولة دون سقوط المنطقة تحت السيطرة الشيوعية. ولم يكن أي من هذه الأهداف يستلزم 'نظما ديمقراطية' بقدر ما كان يستلزم نظما قوية, وصديقة للولايات المتحدة, حتي ولو كانت نظما تقليدية محافظة, أو عسكرية ديكتاتورية! ومن الصحيح أن تلك العناصر كلها بدأت تتغير : فلم يعد تأمين تدفق البترول مشكلة, وإسرائيل أصبحت أقوي دولة في المنطقة, ذات ترسانة نووية هائلة, وعلاقات سلمية مع أهم دولها! أما الخطر الشيوعي فقد زال تماما مع سقوط الإتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية! ولكن تلك التغيرات لم تدفع الولايات المتحدة للسعي إلي بناء الديمقراطية في المنطقة إلا بعد أن تلقت ضربة 9/11 . أما الأمر من وجهة نظرنا نحن أبناء المنطقة فكان مختلفا. فالسعي لتحديث وتطوير النظم السياسية كان علي رأس أولويات النخبة في مصر والعالم العربي منذ أكثر من قرن ونصف! وعرفت مصر الأحزاب السياسية منذ ما يقرب من مائة عام, وتلازمت الدعوة من أجل الاستقلال الكامل - منذ العقد الثاني من القرن العشرين - مع الدعوة من أجل الدستور. وعندما تعثرت التجربة الديمقراطية شبه الليبرالية في بلادنا, بعد الحرب الثانية, لم تكن الولايات المتحدة عنصر دعم لها وإنما كانت عنصر تعويق, بسبب مصالحها وأولوياتها. غير أن الدرس الأهم الذي كنا نستخلصه عقب كل هزيمة أو انتكاسة - بعد 1948 وبعد 1967 - هو أن غياب الديمقراطية كان هو سبب الضعف الأساسي لنظمنا ومجتمعاتنا. ولم تكن مصادفة أن الدعوة للمجتمع المفتوح, ودولة المؤسسات وحكم القانون ظهرت في مصر بقوة عام 1968, وكانت تلك هي الأساس الذي بني عليه السادات حركته - بعد 1973 - لتحويل مصر إلي التعدد الحزبي, ثم سعي مبارك للسير علي نفس الطريق خاصة من خلال حريات الصحافة والتعبير ! الآن, وبعد 9/11 تعلن الولايات المتحدة مشروعاتها للتغيير الديمقراطي التي تعددت صورها طوال عامي 2002 و 2003 لتصل إلي طبعتها الأخيرة في مبادرة (الشرق الأوسط الكبير) ! ولا يمكن لأي إنسان عاقل مسئول في بلادنا أن يرفض الإصلاح الديمقراطي, أو إصلاح نظم التعليم أو غيرها من الإصلاحات الضرورية .., ولكن الأمر البديهي في هذا كله, هو أن من المستحيل أن يتم أي إصلاح حقيقي بالفرض أو الإملاء من الخارج! قد يكون هناك حث وتشجيع علي ذلك الإصلاح, وقد تكون هناك مساعدة في تنفيذه .., ولكن المبادرة بالإصلاح , والقيام بالدور الرئيسي فيه, هو أولا وأخيرا مهمة القوي 'الداخلية' الأدري بشئون بلادها, والأكثر وعيا بظروفها وأولوياتها. غير أننا عندما نتحدث عن الإصلاح من الداخل, فإننا نقصد تحديدا ثلاثة مستويات : - المستوي الأول : المستوي الوطني أو القطري, بمعني : أن يتم الإصلاح من داخل 'البلد' المعني ذاته, علي يد أبنائه الواعين بقضية الإصلاح, الحريصين عليه. والإشكالية التي قد تثور علي هذا المستوي هي : هل يتصور أن تقوم النظم السياسية, المفترض أنها هي المستهدفة من التغيير .. بإجراء الإصلاح المنشود؟ والإجابة هي أن الإنقسام بين من يسعون للإصلاح ومن يقاومونه في المجتمعات الوطنية, ليس انقساما أفقيا بين حاكمين ومحكومين, وإنما هو بالأحري انقسام رأسي يشمل الحاكمين والمحكومين معا, بمعني أن قوي الإصلاح يمكن أن تكون موجودة في داخل المؤسسات الحاكمة, مثلما يمكن أن توجد خارجها في الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني .. الخ. والأمر نفسه ينطبق علي القوي المقاومة للإصلاح والتي يمكن أن توجد في داخل وخارج المؤسسات الحاكمة. فهناك في المجتمع, خارج إطار المؤسسات الحاكمة قوي لا تؤمن بالديمقراطية, أو لا تعطيها الأولوية ! ومجيء الإصلاح علي يد قوي من داخل المؤسسات والأحزاب الحاكمة, ظاهرة عامة, وربما كانت أبرز مظاهرها المعاصرة, عمليات الإصلاح والتغيير الشامل التي عرفتها دول الكتلة الشرقية في تحولها تجاه الديمقراطية, بما فيها الاتحاد السوفيتي (أو روسيا) نفسها ! وفي هذه الأخيرة مثلا, جري الإصلاح الليبرالي علي يد قيادات وعناصر كانت هي نفسها أعضاء وكوادر في الحزب الشيوعي السوفيتي. ولا يغني عن وجود القوي الداخلية الساعية للإصلاح, أي ضغط أو تدخل خارجي مهما كانت قوته .. بل إن هذا الضغط يمكن أن يولد بذاته رد فعل معاكسا, أو أنه يمكن أن يستغل من جانب القوي المعادية للإصلاح لتشويه الدعوة الإصلاحية باعتبارها تدخلا خارجيا مرفوضا ! المستوي الثاني, هو المستوي الإقليمي, أي أن تتوافر في إقليم معين قوي وحوافز للإصلاح, تدعم بعضها بعضا أكثر مما تتأثر بالضغوط من خارج الإقليم. وفي هذا السياق فإن وجود دولة تلعب دور 'النموذج' للإصلاح والتقدم يمكن أن يكون قاطرة تشد بقية بلدان الإقليم الموجودة فيه, كما يمكن أن تثير الرغبة في المنافسة والتفوق عليها من البلاد الأخري. وعلي سبيل المثال, لا يمكن فصل التقدم الحادث في شرق وجنوب شرق آسيا عن الدور الذي لعبته أقطار معينة كنماذج ملهمة للمحاكاة والتنافس, مثل اليابان, ثم كوريا الجنوبية. ومن هذا المنظور - فإن وجود نموذج ناجح للتطوير الديمقراطي في الشرق الأوسط, يمكن أن يشد معه الأقطار الأخري. وليس خافيا أن بعض الدوائر في الولايات المتحدة الأمريكية تطرح - علي سبيل المثال - النموذج التركي للتطور الديمقراطي في الشرق الأوسط, ومع ذلك, فإن ارتباط النموذج التركي بتراث وتعاليم كمال أتاتورك, والدور الفريد للقوات المسلحة فيه, فضلا عن التوجه السائد لدي النخبة التركية تجاه الغرب يقلل من وزن تركيا كنموذج يمكن تكراره. والأمر نفسه ينطبق علي إيران ذات الخصوصية الشيعية الشديدة .. الخ. وفي هذا السياق, فإن من المتصور أن مصر تمتلك من المقومات, ما يؤهلها - أكثر من غيرها - للقيام بذلك الدور. وتراث مصر, وتاريخها, وثقلها الحضاري والبشري, غالبا ما وضعها في موضع الريادة عربيا, وإسلاميا, وهو ما يؤهلها لأن تلعب هذا الدور, إذا سارت قدما علي طريق الإصلاح الديمقراطي. المستوي الثالث, للحديث عن الإصلاح من الداخل, هو المستوي الثقافي والحضاري, أي أن يكون الإصلاح معبرا عن الخصوصية الحضارية للمجتمعات المعنية, ومتوافقا مع التوجه الرئيسي لثقافتها. ويعني هذا - بالنسبة للعالم العربي والشرق الأوسط - ضرورة حل التناقض المصطنع بين 'الإسلام' و 'الديمقراطية'. حقا, لقد عرفت بلاد إسلامية معينة صورة متقدمة من الديمقراطية, مثل تركيا, وماليزيا وإندونيسيا .. الخ .. ومع ذلك تظل صورة العالم الإسلامي مرتبطة بالنظم الاستبدادية اللاديمقراطية أكثر من أي شيء آخر. في مواجهة تلك الحقيقة المؤسفة, لا مناص من أن يقدم المفكرون والقادة والعلماء المسلمون رؤي متماسكة, مخالفة للرؤي التقليدية التي اصطنعت التناقض المزعوم بين الإسلام والديمقراطية, أو التي تتصور وجود نظم حكم إسلامي ذا قدسية دينية, غير قابل للمناقشة أو المراجعة ! |