تثير فجوة
القوة الموجود بين الولايات المتحدة
وباقى دول العالم جدالا لا ينتهى ، خاصة
وان خطاب سياسة القوة الأمريكي ضعيف ولا
يمكن قبوله أو حتى تبريره إذا ما تم
تقييمه وفقا للمعايير الليبرالية التى
دافعت عنها الولايات المتحدة عام 1945
عندما طرحت الولايات المتحدة التى كانت
تمتلك الإمكانات المادية للسيطرة على
الساحة الدولية عقب الحرب العالمية
الثانية أفكار ليبرالية فى السياسة
والاقتصاد أسهمت فى إقامة مؤسسات دولية
مثل هيئة الأمم المتحدة لتحقيق
الاستقرار العالمى .
ولكن
الاطروحات التى ظهرت مؤخرا مثل أطروحة
عالم السياسة الأمريكي فوكاياما عن
نهاية التاريخ وانتصار الديمقراطية
الليبرالية الأمريكية النهائى ، وكذلك
أطروحة عالم السياسة هنتيجتون عن صدام
الحضارات ودوره فى إعادة صنع النظام
العالمى الجديد وكذلك مقال "روبرت
كاجان " القوة والضعف ، قد أدت هذه
الاطروحات إلى إثارة الجدال مرة أخرى حول
فجوة القوة دون أن يفصل فيه .
والواقع أن
النظام الدولى منذ نهاية الحرب الباردة
وانهيار الاتحاد السوفيتي يمر بمرحلة
انتقالية تتسم بالتميع حيث انقلب فيه
النظام القديم وثوابته رأسا على عقب ،
وغدا مستحيل الأمس أن عاديا اليوم ،
بمعنى اكثر وضوحا أن هذه الفترة
الانتقالية تفصل بين عوالم سياسية
متميزة ، فالولايات المتحدة ترغب اليوم
فى فرض نظام عالمى سمته هى الإمبريالية
التوسعية التى سادت فى القرنين الثامن
عشر والتاسع عشر ، بينما ترفض بقية دول
العالم بما فيها حلفاء الولايات المتحدة
الرئيسيين سياسة القوة ، ولكن لا يوجد أي
خليط من الدول الأخرى قادر على منعها من
انتهاج هذه السياسة ، وتختلف التفسيرات
التى تطرح حول هذه القضية المهيمنة مثلما
اختلفت الخطابات التى عكست سياسة القوة .
والحقيقة
أن مصادر وأبعاد القوة الأمريكية لا
تقتصر فقط على الأبعاد الكمية، فإلى جانب
التفوق العسكرى الأمريكي والذى يتضح
بشكل واضح فى حجم ميزانية البنتاجون
والتى تصل إلى اكثر من 300 بليون دولار فى
السنة ، فإنها تتفوق كذلك فى مجال
استغلال التطبيقات العسكرية للتقنيات
المتقدمة فى مجالى الاتصالات والمعلومات
، فقد أظهرت قدرة لا مثيل لها على التنسيق
ومعالجة المعلومات المتاحة عن ساحة
المعركة وعلى تدمير أهداف محددة عن بعد
بدرجة فائقة من الدقة ، وهنا تبرز لنا
حقيقة أن ما وصلت إليه الولايات المتحدة
من تفوق عسكرى لم يتحقق لأية دولة فى
تاريخ السياسة الدولية الحديثة، والأمر
الملفت للنظر ليس هو نجاح الولايات
المتحدة فى تحقيق هذا التفوق بتكاليف
باهظة ولكن أن تكون هى القوة العظمى
الوحيدة فى العالم بتكاليف زهيدة ، حيث
أن تحقق كل هذا التفوق العسكرى لم يجاوز
3.5 % من دخلها الإجمالي ، ولذا يمكننا
القول أن ما سهل التفوق العسكرى الأمريكي
هو النمو الاقتصادي الاستثنائي للولايات
المتحدة فى تسعينيات القرن الماضى والذى
جعل نفقات الدفاع الضخمة تبدو ضئيلة
نسبيا ، فالاقتصاد الأمريكي اليوم يمثل
ضعف حجم منافسة الأقرب أي الاقتصاد
اليابانى ، وهو ما يؤكد على أن القوة ليست
مجرد قوة عسكرية فحسب ، أو بالأحرى فان
القوة العسكرية تعتمد على النمو
الاقتصادي والمؤسسات السياسية ، فعلى
سبيل المثال هزيمة الاتحاد السوفيتي
وانهياره يرجعان إلى ما هو اكثر من
التنافس والتهديد العسكريين للولايات
المتحدة ، فقبل وقت طويل من تفككه كانت
الثقافة الأمريكية منتشرة فى السوق
السوداء فى أوربا الشرقية فى شكل مواد
استهلاكية شائعة ، وهذه الثقافة
الاستهلاكية التى روجتها الولايات
المتحدة خلال القرن العشرين كانت مكونا
من مكونات القوة الأمريكية التى لم يستطع
الاتحاد السوفيتي برغم كل إمكانات القوة
المتوافرة لدية سياسيا أن يجد إجابة أو
ردا على الحياة الكريمة الأمريكية
المصدرة إلى الأوروبين الشرقيين سوى
منعهم عنها ، فانهيار الاتحاد السوفيتي
قد كشف عن طريقة غير مباشرة لممارسة
القوة والنفوذ ، فيمكن لدولة ما أن تحصل
على النتائج المرغوبة فى السياسة
العالمية لان هناك دول أخرى ترغب فى
اتباعها إعجابا بقيمها ومحاكاة لنموذجها
واستلهاما لمستوى الرخاء الاقتصادي
والانفتاح وهو ما أطلق عليها جوزيف ناى
" القوة الرخوة / اللينة " ، ولكن
مشكلة هذه القوة أنها رخوة ، فهى يمكن أن
تولد المعارضة بدلا من الإعجاب ، فعلى
سبيل المثال لعبت بريطانيا دورا رائدا فى
استخدام القوة الرخوة فى الماضى ، لكن
الحركات القومية ظهرت من بين الأفراد
الأكثر تأثرا بالثقافة الإنجليزية من
السكان الأصليين فى الإمبراطورية
البريطانية ، ومن ثم فان القوة تتعلق
جزئيا باحتكار أقصى ما يمكن من وسائل
استعراض القوة التى تشمل بشكل أساسي
الأشياء المادية .
وإذا نظرنا
إلى وضعية القوة فى السياسة الأمريكية ،
نجد أن الأمريكيون يسيرون بشكل متزايد
نحو الأحادية فى القضايا الدولية وانهم
اقل ميلا للعمل عبر المؤسسات الدولية مثل
الأمم المتحدة ، فهم ميالون للعمل
بالتعاون مع باقى الدول بغية تحقيق
الأهداف المشتركة ، وانهم أكثر تشككا فى
القوانين الدولية واكثر رغبة فى العمل
خارج هياكلها عندما يرون ذلك ضروريا أو
مفيدا اكثر ، كما يرى الأمريكيون بشكل
عام العالم مقسما بين الخير والشر، بين
الأصدقاء والأعداء ، وعندما يواجهون
خصما حقيقيا أو محتملا يفضلون عادة سياسة
الاكراة على الإقناع ، ويؤكدون على
العقوبات بدلا من الإغراء كوسيلة لأداء
افضل ، وعندما يتعلق الأمر باستخدام
القوة نجد أن هناك أمور مشتركة بين كل من
الديمقراطيين والجمهوريين .
ولقد جعلت
تلك الأحادية القطبية الولايات المتحدة
اكثر رغبة فى استخدام القوة فى الخارج ،
فبعدما أزيلت علامة القوة السوفيتية
أصبحت الولايات المتحدة حرة فى التدخل
عمليا فى أي مكان وأي زمان تختارهما ،
وهذه حقيقة عكسها تزايد التدخلات
العسكرية الأمريكية عبر البحار والتى
بدأت مع إدارة بوش الأب بغزو بنما فى 1989
وحرب الخليج الثانية عام 1991 والتدخل
الإنساني فى الصومال عام 1992 ، واستمرت
خلال حكم كلينتون مع التدخل فى هايتي
والبوسنة وكوسوفا ، وما الاستخدام
العنيف والأحادي للقوة من جانب الولايات
المتحدة فى أفغانستان والعراق إلا دليل
على ذلك ، فلم يكن تدخلها نتاج جانبى
لأحداث الحادى عشر من سبتمبر أو لإدارة
بوش ، وإنما هو نتيجة منطقية لموقع
الولايات المتحدة الذى لا يضاهى فى
العالم ، إنها مشكلة قوة ، فالمقدرة
العسكرية الأمريكية أنتجت ميلا
لاستخدامها .
ولكن رغم أن
الولايات المتحدة هى أقوى دولة فى العالم
إلا أن قوتها تظل محكومة بقيدين معروفين
، أولا : أن عمليات البناء اصعب من عمليات
الهدم ، ثانيا : أن النجاح يعتمد حتما على
الآخرين ذلك لأنه حتى القوة المهيمنة
بحاجة للتعاون الخارجى لتحقيق أهدافها
وهو ما يجعل المقاومة السياسية أمر ممكنا
، فمصير المشروع الأمريكي للنظام
العالمى يكمن فى أيدي حلفاء واشنطن اكثر
من خصومها ، وبالرغم من أن واشنطن تتحكم
فى العديد من الحوافز التى يواجهها
الحلفاء المؤيدون والأنصار المحتملون ،
إلا أن واشنطن لا تستطيع إجبارهم على
التعاون بالنسبة لكل المصالح الأمريكية
وهذه هى مفارقة القوة الأمريكية .
نخلص من ذلك
إلى أننا نجد أنفسنا فى مواجهة الواقع ،
الواقعية الجديدة التى تخلط المثالى
بالواقعى فى الميراث السياسى للقوة
أوصلتنا إلى مفارقة القوة الأمريكية ،
فالرهان فى الواقعية الجديدة هو إقحام
الأيديولوجيا على التفسير السياسى
للواقع ، وهنا يجب أن تفهم كلمة
الأيديولوجيا بثلاثة معان متميزة الأول
أن القناعات والتفضيلات السياسيين
لمفكرين والقادة السياسية ، الثانية
إنها ليست مسالة تفضيلات سياسية بالكامل
ولكن فى تاريخيتها وفى كل أشكالها
التفسيرية والثالثة الأيديولوجيا
بمعناها الأكثر حيادا كمصطلح فى الخطاب
السياسى .
وفى ضوء ذلك
فعلى دارسى العلاقات الدولية القيام
بمهمة فهم ما يحدث عن طريق تقديم قائمة
جرد للخيرات التى تحوزها البشرية وحل
رموز الشبكة المعقدة الموجودة الآن من
خلال الوصول بالعالم ليصبح مكانا لحياة
افضل وهو ما يتطلب فلسفة سياسية عادلة
ومقبولة، ولكن المشكلة التى تواجه
فلاسفة السياسة فى عصرنا هى " التفاؤل
الديمقراطي" الذى وصل لان يكون فى
جانبه الأعظم تفاؤلا وهميا لان انتصارا
ماليا جديدا متخما بالتحكم الديمقراطي
ومنتجا للتهميش الاجتماعي اكثر مما ينتج
المشاركة الاقتصادية ليس بوسعه أن يفعل
شيئا سوى إحلال أزمة سياسية ثقافية
للحركات الاجتماعية التى تعانى اكبر
الصعوبات من اجل أن تنظم نفسها ، فى حين
أن السلطة التى تناضلها بعيدة غير مشخصة
، أي أنها مختلفة تماما عن سلطة البلاط
والأرستقراطية والشيوعية فيما مضى .