|
|
|||||
|
مبادرة الشرق الأوسط الكبير
|
||||
|
جاءت مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش في مارس 2004 وطرحها مرة أخرى في قمة مجموعة الثماني في يونيو 2004 لتؤكد على مجموعة من القيم التي تدعو إلى تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح وبناء المجتمع المعرفي وتوسيع الفرص الاقتصادية من خلال إزالة الحواجز والقيود التجارية والاقتصاد الحر وتدفق البضائع لها ، بما يخدم الشركات المتعددة الجنسية واستثمارها في عالم الجنوب. ورغم أهمية ما تدعو إليه هذه المبادرة ، إلا أن هناك تساؤل يبحث عن إجابة ، يدور هذا التساؤل حول الدوافع السياسية والاستراتيجية التي دفعت الولايات المتحدة لطرح مثل هذه المبادرة ، علما بأن مراجعة تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية يبين أنها أطاحت بأنظمة ديمقراطية منتخبة خلال فترة الحرب الباردة كما حدث مع إسقاط حكومة محمد مصدق في إيران عام 1953 وحكومة السلفادور الليندى المنتخبة في تشيلي في سبتمبر 1973 ، وهو ما دفع البعض إلى القول بان إطلاق مثل هذه المبادرة يذكرنا بما سبق واطلقه بوش الأب في أعقاب حرب الخليج برفعه شعار " النظام العالمي الجديد " والذي لم يدم أطول من فترة رئاسته في البيت الأبيض ، خاصة وان ما طرحه بوش الأب من شعارات الديمقراطية والحرية هي في جوهرها نفس الآراء التي تحرك مبادرة الشرق الأوسط الكبير. ومن الجدير بالذكر أن مفهوم الشرق الأوسط يرجع في جذوره إلى بدايات القرن العشرين ، حينما استخدمه رجل الاستخبارات البريطاني الجنرال توماس جوردن (عام1900) في تنبيهه للحكومة البريطانية من الخطر الروسي على مصالحها في الهند ، وإن كان المفهوم قد ارتبط في الأوساط الأكاديمية بالجنرال الأمريكي الفرد ماهان في مقاله له عن الخليج العربي والعلاقات الدولية ( عام 1902 ) ، حيث نبه الحكومة البريطانية لأهمية منطقة الخليج العربي التي أطلق عليها الشرق الأوسط للإمبراطورية البريطانية ومصالحها في الهند ، ليبدأ المفهوم بعد ذلك في الانتشار في الدوائر الاستعمارية الغربية ، ليصل الأمر بعد ذلك إلى تأسيس قيادة الشرق الأوسط في القيادة العسكرية للحلفاء في الحرب العالمية الثانية ، ومع قيام دولة إسرائيل 1948 ركز المؤسسون الأوائل على مفهوم الشرق الأوسط للتضليل الحضاري على المنطقة ، وبعد عقد مؤتمر مدريد للسلام 1991 طرح شمعون بيريز مفهوم الشرق الأوسط الجديد وألف كتابا حمل نفس المفهوم ، ويدعو فيه إلى اختراق العالم العربي من خلال النشاط الاقتصادي الإسرائيلي للمنطقة العربية ، إلا أن تعثر عملية السلام وانهيار اتفاقية أوسلو 1993 ، وصول اليمين المتطرف إلى الحكم ورفضه لهذا المفهوم . ومن ناحية أخرى وفى أعقاب حرب الخليج الثانية والتواجد الأمريكي في منطقة الخليج ، تبنت الولايات المتحدة استراتيجية شاملة لمنطقة آسيا الوسطى والخليج العربي وبقية الدول العربية تحت مفهوم منطقة مترامية الأطراف من المغرب غربا إلى هضبة التبت شرقا وتضم تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان ، كما ظهر هذا المفهوم " الشرق الأوسط الكبير " في التقرير الإستراتيجي السنوي لعام 1995 الصادر عن مركز معهد الدراسات الاستراتيجية القومية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية ، حيث خصص فصل منفرد للشرق الأوسط الكبير من المغرب حتى الحدود الصينية ليشمل الغرب العربي وآسيا العربية وآسيا الوسطى الإسلامية وجنوب آسيا . وفى يناير 1999 ، حدث تطور عسكري هام مرتبط بالشرق الأوسط الكبير ، تمثل في نقل وزارة الدفاع الأمريكية أمر القيادة العليا للقوات الأمريكية فى آسيا الوسطى من قائد القوات الأمريكية فى الباسفيك ( المحيط الهادى ) إلى القيادة المركزية للشرق الأوسط التى كانت تعرف بقوات الانتشار السريع . إلا انه مع إعلان بوش الابن مبادرته " الشرق الأوسط الكبير"، نجد أن هناك تحولا فى طرح حدود هذا المفهوم خاصة منذ انعقاد قمة الثمانى ومشاركة الدول الأوروبية ، حيث اصبح يطرح الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا ، وكأن منطقة المغرب العربي خارج نطاق الشرق الأوسط الكبير . وفى ضوء كل ذلك ، دار حوار داخل الدوائر الرسمية الأمريكية حول الاستراتيجية الواجبة والفعالة لتحقيق المصالح الأمريكية ، وبرز تيارين : التيار المحافظ المتمثل فى الحزب الجمهورى ويؤمن بفلسفة القوة العسكرية والاقتصادية لتحقيق والحفاظ على تلك المصالح والتى يطلق عليها القوة الصلبة ، على الجانب الآخر برز التيار الليبرالى والمتمثل فى الحزب الديمقراطى ويرى أن المصالح الأمريكية يمكن حمايتها وتحقيقها من خلال تبنى القيم الأمريكية ونشرها مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعلاقات الاقتصادية أو ما يمكن أن نطلق عليه " القوة الناعمة ، والذى يعد جوزيف ناى أول من استعمل مفهوم القوة الناعمة فى مقال له عام 1990 عندما تناول أهمية الإقناع والثقافة والأيديولوجية فى جذب الآخرين باتباع الولايات المتحدة ، خاصة وأنها اقل تكلفة من القوة العسكرية . ومع وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 ، أثير داخل الولايات المتحدة سؤالا جوهريا لماذا يكرهوننا لهذا الحد ؟ وأخذت مراكز الأبحاث الأمريكية تقدم تقاريرها للإدارة الأمريكية لمواجهة هذه الكراهية فأنشأت إذاعة سوا وفضائية الحرية من اجل الدعاية لتجميل صورة الولايات المتحدة ، وازدادت دهشة الإدارة الأمريكية فيما حدث فى العراق ، حيث اعتقدت الإدارة الأمريكية بأن الشعب العراقى سوف يرحب بهم عند احتلالها للعراق تحت شعار التحرير ، إلا أن عنف المقاومة العراقية أكدت عدم دقة تقارير الاستخبارات الأمريكية مما أدى لاستقالة مدير الاستخبارات جورج تينيت فى بداية يونيو 2004 . ولذلك ، فقد تردد فى كافة الدوائر الأمريكية بان سياسة القوة قد فشلت وان على الولايات المتحدة أن تلجأ لتبنى قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان من اجل كسب الشارع العربي والإسلامي إلى جانبها ، خاصة بعد اعترافها بالكرة الشديد الذى يواجهها ، ولكن دون أن تعترف بان سياسة بوش المتطرفة فى دعم إسرائيل وتجاهل حقوق الشعب الفلسطينى هى السبب الجوهرى وراء كراهية الولايات المتحدة فى العالمين العربي والإسلامي . وقد اتفقت الوثائق التى صدرت عن قمة الثمانى التى جمعت بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا واليابان وروسيا وبمشاركة بعض الدول العربية والإسلامية ، من هذه الوثائق " الشراكة من اجل التقدم ومستقبل مشترك فى منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا " ، و "خطة مجموعة الثمانى لدعم الإصلاح " ، والتى اتفقت مع استراتيجية القوة الناعمة التى طرحها جوزيف ناى والتى أكد خلالها على جاذبية الأفكار والإقناع بدلا من استعمال القوة العسكرية ، حيث طرح ناى استراتيجية أمريكية بعيدة المدى تقوم على دبلوماسية الرأي العام Public Diplomacy من خلال تبادلات ثقافية وتعليمية ، تهدف إلى تأسيس مجتمع مدنى اكثر انفتاحا واكثر فى منطقة الشرق الأوسط ، ومن اجل تحقيق ذلك ، فإن من يتحدث باسمها لا يجب أن يكونوا الأمريكيين أنفسهم بل أهل تلك الدول الذين يتفهمون قيمها ، أي أن ناى يدعو إلى تجنيد نخبة من داخل المجتمعات العربية والإسلامية لتبنى حملة دعائية تروج للقوة الناعمة الأمريكية Soft Power بالوكالة على اعتبار أنها اكثر قبولا لدى الرأي العام العربي والإسلامي . ولذا ، فقد ركزت قمة الثمانية على تفكيك البنية الثقافية العربية وتغيير المحتوى الفكرى العربي - الإسلامي لشعوب المنطقة من اجل تغيير أحوالها لاحقا والقضاء على قوى التطرف والعنف بما يخدم المصالح الأمريكية والغربية ، فلقد تناول بيان " الشراكة من اجل التقدم ومستقبل مشترك " الصادر عن القمة ثلاثة مجالات : الإصلاح السياسى لإقامة الديمقراطية وسيادة القانون ، الإصلاح الاجتماعى والثقافى من خلال التأكيد على المساواة بين الرجل والمرأة وتحسين القدرات وتعليم القيادات والقضاء على الأمية ، الإصلاح الاقتصادى بالتأكيد على دعم القطاع الخاص وإزالة الحواجز الجمركية . ولذلك ، فقد قامت القمة بتوزيع الأدوار ومناطق النفوذ خاصة على مستوى التعاون الثنائى مع دول الشرق الأوسط الكبير ، مع التأكيد على دعم الشراكة الأوروبية المتوسطية خاصة فيما يتعلق بالأمن المتوسطى ، وكذلك تركيز الولايات على مبدأ المشاركة مع دول الشرق الأوسط الكبير واشراك اليابان فى دعم التنمية والديمقراطية من خلال مبادرة الحوار اليابانى العربي . كما جاء تأسيس "منبر من اجل المستقبل " على المستوى الوزارى لوزراء الخارجية والاقتصاد لمجموعة الثمانى ودول الشرق الأوسط الكبير بهدف تعزيز نفوذ القوى الاقتصادية ، والتأكيد على تغيير البنية الثقافية فى المنطقة العربية الإسلامية بما يخدم أهداف هذه الدول وهو ما يتفق تماما مع نظرية القوة الناعمة . فلا شك أن مبادرة الإصلاح والشراكة المطروحة بين دول الثمانى والشرق الأوسط الكبير تشكل شبكة إقليمية للتغلغل فى مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى المنطقة العربية . ومن الجدير بالإشارة أن الولايات المتحدة قد استنفرت مراكز الأبحاث الاستراتيجية لدراسة وتفهم الأسباب والدوافع وراء وقوع أحداث 11 سبتمبر ، وقد قامت تلك المراكز البحثية بناء على تفكير إستراتيجي وتحليل ثقافى معمق إلى دعوة الولايات المتحدة لتبنى مفاهيم الإسلام الليبرالى وتشجيع الذين يرفعون لواءه ، ومن أهم تلك الدراسات دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حول التحديث والديمقراطية فى العالم الإسلامي ، ودراسة لريتشارد هاس Richard Hass مدير التخطيط السياسي بوزارة الخارجية الأمريكية تحت عنوان " نحو ديمقراطية شاملة فى العالم الإسلامي " ، ولكن اخطر تلك الدراسات هى التى أعدتها شيرل بينارد Chery Benard تحمل عنوان " الإسلام المدنى الديمقراطى : الشركاء والموارد والاستراتيجيات " وقد دعت الدراسة الحكومة الأمريكية لتبنى الإسلام الليبرالى ومؤديه وشن حملة تشويه على التيارات التى تعادى القيم والمبادئ الأمريكية والتى تميل إلى العنف والتطرف ، فإذا كانت الولايات المتحدة قد استخدمت القيادات الإسلامية المتطرفة فى أفغانستان أثناء فترة الحرب الباردة ، إلا انه بعد نهاية الحرب الباردة لم تجد عدوا جديدا لها ، ولكن صاحب نظرية صدام الحضارات هنتجنتون قد أوجد لها هذا العدو فى كتبه ، والذى تمثل فى ان العداء للإسلام والحضارة الإسلامية قد يساعد بشكل كبير فى تحقيق التفاف الأمريكيين المنشود حول هويتهم الوطنية فى المستقبل . نخلص من ذلك إلى القول بأن مبادرة الشرق الأوسط الكبير جاءت ميته ، فبعد أن فشلت استراتيجية استعمال القوة لجأت الولايات المتحدة إلى استراتيجية غسل العقول Changing Minds والتحول الديمقراطى من اجل تحقيق أهدافها فى المنطقة ، إلا أن المشكلة تتمثل فى انه لا يوجد أحد فى المنطقة العربية والعالم يصدق المبادرة الأمريكية ، ومن ثم فعندما تفقد الولايات المتحدة الثقة ، فان كل مبادرة للإصلاح ستكون فاشلة وتحتاج إلى استراتيجية حقيقية ذات مصداقية ، وخاصة أن استراتيجية القوة الناعمة التى تتبناها الإدارة الأمريكية متمثلة فى مبادرة الشرق الأوسط الكبير تحمل فى جوهرها جوانب خطيرة كما سبق الإشارة إليها . |