<?xml version="1.0" encoding="utf-8"?>
<rss version="2.0" xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom">
<channel>
<language>ar-eg</language>
<title>مجلة السياسة الدولية</title>
<atom:link href="https://www.siyassa.org.eg/UI/Front/RSSContent.aspx" rel="self" type="application/rss+xml" />
<description>كل الموضوعات</description>
<image>
<title>مجلة السياسة الدولية</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/</link>
</image>
<item>
<title>"الدلتا الجديدة":  إعادة هندسة الدولة التنموية في عصر الاضطراب العالمي.. الأمن الغذائي والسيادة الاستراتيجية في إطار رؤية مصر 2030</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22418/تحليلات//-الدلتا-الجديدة--إعادة-هندسة-الدولة-التنموية-في-عص.aspx</link>
<description>
ومن هنا برز مفهوم “الدولة الحارسة” أو “الدولة القائدة للتنمية”، وهي الدولة التي لا تنسحب من المجال الاقتصادي لصالح السوق بصورة كاملة، ولا تحتكر الاقتصاد بصورة بيروقراطية مغلقة، وإنما تمارس دورًا توازنيًا يقوم على التخطيط طويل المدى، وتوجيه الاستثمارات الكبرى، وبناء البنية التحتية، وتأمين القطاعات المرتبطة بالأمن القومي والسيادة الاقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز مشروع “الدلتا الجديدة” باعتباره أحد أهم تجليات عودة الدولة التنموية المصرية في إطار “الجمهورية الجديدة”، ومحاولة لإعادة بناء مفهوم السيادة الاقتصادية والغذائية عبر توسيع القاعدة الإنتاجية، وإعادة توزيع المجال العمراني والزراعي، وتعزيز القدرة الوطنية على مواجهة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.</description>
<fulldescription>

	في عالم تتزايد فيه مستويات الاضطراب وعدم اليقين، لم تعد الدولة الحديثة تُقاس فقط بحجم ناتجها المحلي أو قدراتها العسكرية التقليدية، وإنما بقدرتها على حماية &ldquo;السلاسل الحيوية&rdquo; التي تضمن استمرار المجتمع والدولة وقت الأزمات؛ وفي مقدمتها الغذاء والمياه والطاقة وسلاسل الإمداد الاستراتيجية. فقد كشفت الأزمات الدولية المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة &mdash; بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى اضطرابات البحر الأحمر والتوترات المرتبطة بالملاحة الدولية والطاقة &mdash; عن هشاشة الاعتماد المفرط على الخارج في السلع الأساسية، وعن تحول الأمن الغذائي إلى أحد أعمدة الأمن القومي في الدولة الحديثة.

	ولذلك عاد مفهوم &ldquo;الدولة التنموية&rdquo; إلى الواجهة مجددًا بعد عقود من هيمنة التصورات النيوليبرالية التي قلصت دور الدولة لصالح السوق والعولمة المفتوحة. غير أن الدولة التنموية في صورتها الجديدة لم تعد مجرد دولة تدير الاقتصاد بصورة مباشرة، وإنما أصبحت &ldquo;دولة حارسة لسلاسل الإمداد&rdquo;، تتدخل استراتيجيًا لحماية القطاعات الحيوية، وتأمين الاحتياجات الأساسية، وبناء قواعد إنتاجية قادرة على امتصاص الصدمات الدولية.

	ومن هنا برز مفهوم &ldquo;الدولة الحارسة&rdquo; أو &ldquo;الدولة القائدة للتنمية&rdquo;، وهي الدولة التي لا تنسحب من المجال الاقتصادي لصالح السوق بصورة كاملة، ولا تحتكر الاقتصاد بصورة بيروقراطية مغلقة، وإنما تمارس دورًا توازنيًا يقوم على التخطيط طويل المدى، وتوجيه الاستثمارات الكبرى، وبناء البنية التحتية، وتأمين القطاعات المرتبطة بالأمن القومي والسيادة الاقتصادية.

	وفي هذا السياق، يبرز مشروع &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; باعتباره أحد أهم تجليات عودة الدولة التنموية المصرية في إطار &ldquo;الجمهورية الجديدة&rdquo;، ومحاولة لإعادة بناء مفهوم السيادة الاقتصادية والغذائية عبر توسيع القاعدة الإنتاجية، وإعادة توزيع المجال العمراني والزراعي، وتعزيز القدرة الوطنية على مواجهة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.

	فالمشروع لا يمثل مجرد توسع زراعي واسع النطاق، وإنما يعكس عملية إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين الدولة والجغرافيا والموارد والإنتاج، من خلال الانتقال من نمط التنمية المتمركز حول الوادي والدلتا القديمة إلى نموذج أكثر اتساعًا قائم على تعمير الصحراء، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، وربط الزراعة بالصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية وشبكات النقل.

	وقد اكتسب المشروع بعدًا جديدًا مع افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 17 مايو الماضي، عددًا من مكونات المشروع الرئيسية خلال فعاليات موسم حصاد القمح، وفي مقدمتها تشغيل محطة رفع المياه رقم 3 &ldquo;نبع&rdquo;، بما عكس انتقال المشروع من مرحلة البنية التحتية والتأسيس إلى مرحلة الإنتاج والتشغيل الفعلي.

	وفي هذا الإطار، يصبح مشروع الدلتا الجديدة جزءًا من تحول أوسع في فلسفة الدولة المصرية؛ تحول ينتقل من إدارة الأزمات قصيرة المدى إلى بناء &ldquo;المرونة الاستراتيجية&rdquo;، أي قدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي وسط بيئة دولية تتزايد فيها الصراعات على الغذاء والطاقة والمياه.

	1. الدلتا الجديدة وعودة الدولة التنموية

	يمثل مشروع الدلتا الجديدة انعكاسًا واضحًا لتحول الدولة المصرية مجددًا نحو نموذج &ldquo;الدولة التنموية&rdquo; التي لا تكتفي بدور المنظم الإداري أو المراقب للسوق، وإنما تتحرك باعتبارها فاعلًا استراتيجيًا يقود عملية إعادة بناء القاعدة الإنتاجية للدولة. فعلى مدار عقود طويلة، تركزت البنية الاقتصادية المصرية بصورة كبيرة حول الأنشطة الخدمية والاستهلاكية، بينما تراجعت نسبيًا القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية وتحقيق قدر من الاستقلال الاقتصادي، وهو ما أدى إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد وزيادة حساسية الاقتصاد الوطني تجاه الاضطرابات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية. ومن هنا يأتي مشروع الدلتا الجديدة باعتباره محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة &ldquo;الإنتاج الاستراتيجي&rdquo; المرتبط بالأمن القومي، خصوصًا في ظل التحولات الدولية التي أعادت تعريف مفاهيم القوة والسيادة وربطتها بصورة مباشرة بالغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد.

	ولا تكمن أهمية المشروع فقط في كونه يستهدف استصلاح وزراعة نحو 2.2 مليون فدان، وإنما في كونه يعكس انتقال الدولة من منطق &ldquo;إدارة الأزمة&rdquo; إلى منطق &ldquo;بناء القدرة الاستراتيجية طويلة المدى&rdquo;. فالدولة هنا لا تضيف مجرد أراضٍ زراعية جديدة، بل تؤسس فعليًا إقليمًا اقتصاديًا متكاملًا قائمًا على بنية تحتية ضخمة تشمل شبكات طرق وكهرباء ومحطات رفع ومعالجة مياه ومناطق تصنيع وخدمات لوجستية ومجتمعات عمرانية جديدة. ولذلك فإن الأرقام المرتبطة بالمشروع &mdash; من تكلفة تقترب من 800 مليار جنيه، إلى 12 ألف كيلومتر طرق، ومحطات كهرباء بطاقة تقارب 2000 ميجاوات &mdash; تكشف أن ما يجري ليس مشروع استصلاح تقليديًا، بل عملية إعادة تأسيس لقدرة الدولة الإنتاجية على نطاق جغرافي جديد. وفي هذا السياق، تبدو &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; جزءًا من عملية أوسع لإعادة تعريف دور الدولة المصرية، ليس باعتبارها مجرد منظم للسوق، وإنما باعتبارها دولة حارسة للبنية الإنتاجية والسيادية، تتدخل لتأمين القطاعات الحيوية وتقليل الانكشاف أمام الاضطرابات الدولية.

	2. إعادة تشكيل المجال الحيوي المصري غربًا

	تكمن إحدى أهم الدلالات الاستراتيجية لمشروع الدلتا الجديدة في كونه محاولة لإعادة إنتاج المجال الحيوي المصري خارج الحدود التاريخية التقليدية للوادي والدلتا، وهي المعادلة التي ظلت تحكم بنية الدولة المصرية وجغرافيتها الاقتصادية والديموغرافية لقرون طويلة. فقد تشكلت الدولة المصرية الحديثة حول شريط جغرافي ضيق شديد التركز السكاني والإنتاجي، يعتمد بصورة شبه كاملة على وادي النيل والدلتا القديمة، وهو ما خلق مع الوقت اختلالًا هيكليًا في توزيع السكان والموارد والأنشطة الاقتصادية، وأدى إلى ضغوط متراكمة على الأرض الزراعية والبنية التحتية والخدمات والمياه والطاقة. ومع الزيادة السكانية المتسارعة، أصبحت هذه الكتلة الجغرافية التقليدية غير قادرة وحدها على استيعاب متطلبات الدولة الحديثة، الأمر الذي فرض على صانع القرار المصري التفكير في إعادة تعريف المجال الجغرافي القابل للحياة والإنتاج.

	ومن هنا، يمثل مشروع الدلتا الجديدة تحولًا جذريًا في فلسفة إدارة المجال الحيوي للدولة المصرية؛ إذ لم تعد التنمية محصورة داخل &ldquo;الوادي الضيق&rdquo;، وإنما باتت تتجه نحو إعادة هندسة الخريطة السكانية والإنتاجية عبر التوسع غربًا، في اتجاهات تشمل غرب الدلتا وشمال الواحات وجنوب وادي النطرون والامتدادات المتصلة بمحور الضبعة والساحل الشمالي، وصولًا إلى مناطق كانت تُصنف لعقود باعتبارها &ldquo;هوامش صحراوية&rdquo; خارج نطاق الكتلة الاقتصادية الرئيسية للدولة.

	وفي هذا السياق، لا تبدو الصحراء مجرد مساحة فارغة يجري استصلاحها زراعيًا، بل تتحول إلى مخزون استراتيجي لإعادة توزيع السكان ومراكز النشاط الاقتصادي والعمراني. فالدولة هنا لا تضيف رقعة زراعية جديدة فقط، وإنما تعيد صياغة العلاقة بين الجغرافيا والسكان والإنتاج، عبر خلق نطاق تنموي جديد قادر على تخفيف الضغط عن الوادي والدلتا القديمة، وإعادة توجيه الحركة العمرانية والاقتصادية نحو الغرب. وهذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن أزمة الدولة المصرية لم تكن مرتبطة فقط بندرة الموارد، وإنما أيضًا بسوء التوزيع المكاني للكتلة السكانية والاقتصادية داخل مساحة محدودة للغاية.

	كما أن المشروع يعكس انتقالًا من مفهوم &ldquo;التنمية الموضعية&rdquo; إلى مفهوم &ldquo;إعادة بناء المجال الوطني&rdquo;، حيث يجري ربط الأراضي الجديدة بشبكات الطرق القومية ومحاور النقل الحديثة والموانئ البحرية والمطارات والمراكز اللوجستية. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للدلتا الجديدة لا تكمن فقط في عدد الأفدنة المستصلحة، بل في كونها جزءًا من عملية إعادة هيكلة شاملة للجغرافيا الاقتصادية المصرية. فارتباط المشروع بمحور الضبعة والساحل الشمالي يمنحه بعدًا استراتيجيًا مضاعفًا، لأنه يدمج مناطق الساحل داخل الاقتصاد الإنتاجي الوطني، بدلًا من بقائها مرتبطة بالنشاط السياحي الموسمي والاستهلاكي فقط.

	وفي هذا الإطار، تصبح الدلتا الجديدة جزءًا من رؤية أوسع لإعادة توزيع مراكز الثقل داخل الدولة المصرية. فبدلًا من استمرار التكدس حول القاهرة الكبرى والدلتا القديمة، تسعى الدولة إلى خلق أقاليم اقتصادية وتنموية جديدة تمتلك بنية تحتية مستقلة نسبيًا، وقادرة على جذب الاستثمار والسكان والصناعات والخدمات. ومن هنا يمكن النظر إلى المشروع باعتباره محاولة لإعادة إنتاج &ldquo;العمق الاستراتيجي الداخلي&rdquo; للدولة المصرية، بما يمنحها قدرة أكبر على مواجهة الضغوط السكانية والغذائية والمناخية مستقبلاً.

	ولا ينفصل ذلك عن البعد الأمني والاستراتيجي للمشروع؛ فإعادة تعمير الغرب المصري وتعزيز الكثافة السكانية والإنتاجية فيه يحمل دلالات تتجاوز الاقتصاد والزراعة، ليمتد إلى تعزيز السيطرة الفعلية على المجال الجغرافي للدولة، ورفع كفاءة الربط بين الأقاليم المختلفة، وتقليل الفجوة التاريخية بين &ldquo;مصر النهر&rdquo; و&ldquo;مصر الصحراء&rdquo;. فالدول الحديثة لا تُقاس فقط بحدودها السياسية، وإنما بقدرتها على تعمير المجال الجغرافي وإدماجه اقتصاديًا وبشريًا داخل بنية الدولة.

	ومن هنا تبدو الدلتا الجديدة أقرب إلى مشروع لإعادة هندسة المجال المصري نفسه، وليس مجرد مشروع استصلاح زراعي واسع النطاق. فهي تعكس تحولًا في تصور الدولة لوظيفتها الجغرافية، وانتقالًا من إدارة الحيز القائم إلى إنتاج حيز جديد قابل للحياة والإنتاج والتوسع. ولهذا، فإن الأهمية الحقيقية للمشروع لا ترتبط فقط بما سينتجه من محاصيل، وإنما بما قد يخلقه من تحولات طويلة المدى في الخريطة السكانية والعمرانية والاقتصادية والاستراتيجية للدولة المصرية.&quot;

	3. الأمن الغذائي والسيادة الاستراتيجية

	أثبتت الأزمات الدولية خلال السنوات الأخيرة أن الأمن الغذائي لم يعد ملفًا اقتصاديًا فرعيًا، وإنما تحول إلى أحد أعمدة الأمن القومي والسيادة السياسية للدول. فالحرب الروسية الأوكرانية كشفت هشاشة أسواق الحبوب العالمية، وأدت إلى اضطرابات حادة في أسعار القمح والطاقة والشحن، بينما أظهرت التوترات في البحر الأحمر والخليج العربي كيف يمكن للصراعات الجيوسياسية أن تهدد حركة التجارة وسلاسل الإمداد الدولية. وفي هذا السياق، أصبحت الدول التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الخارج في غذائها أكثر عرضة للصدمات والضغوط الاقتصادية والسياسية، وهو ما أعاد الاعتبار عالميًا لفكرة &ldquo;السيادة الغذائية&rdquo; بوصفها جزءًا من السيادة الوطنية الشاملة.

	ومن هنا يمكن فهم مشروع &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; باعتباره جزءًا من استراتيجية مصرية أوسع لبناء &ldquo;المرونة السيادية&rdquo;، أي تقليل درجة انكشاف الاقتصاد الوطني أمام الاضطرابات الخارجية. فالمشروع يستهدف دعم إنتاج عدد من المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والذرة والبقوليات وبنجر السكر والأعلاف، بما يقلل الضغط على فاتورة الاستيراد ويعزز قدرة الدولة على امتصاص الصدمات العالمية. كما تقوم فلسفة المشروع على تحقيق التكامل بين الأراضي القديمة والجديدة؛ بحيث تُخصص الأراضي الطينية التقليدية للمحاصيل الأعلى إنتاجية، بينما تُوجه الأراضي الجديدة للمحاصيل التي تحقق جودة وعائدًا اقتصاديًا أكبر في البيئة الصحراوية. وفي هذا الإطار، لا تسعى الدولة إلى تحقيق اكتفاء ذاتي مطلق يصعب تحقيقه في ظل القيود المائية والديموغرافية، وإنما إلى بناء قدرة إنتاجية تمنح الاقتصاد الوطني قدرًا أكبر من الاستقلال النسبي والقدرة على المناورة في بيئة دولية شديدة الاضطراب.

	4. &quot;الدلتا الجديدة&quot; وإعادة تشكيل الجغرافيا

	يمثل ملف المياه أحد أكثر الأبعاد دلالة في مشروع الدلتا الجديدة، لأنه يكشف عن تحول نوعي في علاقة الدولة المصرية بالجغرافيا والموارد الطبيعية. فالمشروع لا يعتمد فقط على استغلال الموارد القائمة، وإنما يقوم على إعادة تشكيل البيئة المادية ذاتها عبر توظيف التكنولوجيا والبنية التحتية الضخمة. ومن أبرز ما يعكس ذلك عملية نقل المياه عكس الميل الجغرافي الطبيعي، وهي عملية شديدة التعقيد هندسيًا وتكنولوجيًا، استلزمت إنشاء منظومة هائلة من محطات الرفع وشبكات النقل والمعالجة.

	وتعتمد الدلتا الجديدة على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها معالجة ثلاثية، ثم نقلها عبر مسارين رئيسيين يمتدان لمئات الكيلومترات، وهو ما يعكس انتقال الدولة من منطق &ldquo;إدارة الندرة&rdquo; إلى منطق &ldquo;إعادة إنتاج الموارد&rdquo;. كما تم إنشاء 19 محطة رفع رئيسية لخدمة المشروع، إلى جانب محطة &ldquo;نبع&rdquo; التي تم افتتاحها مؤخرًا وتعد أحد المفاتيح الأساسية لمنظومة نقل المياه، بطاقة تصل إلى نحو 9.7 مليون متر مكعب يوميًا. وفي هذا السياق، لم تعد المياه تُعامل باعتبارها موردًا طبيعيًا ثابتًا محدود الاستخدام، وإنما باعتبارها عنصرًا يمكن إعادة تدويره وإدارته ضمن اقتصاد مائي جديد يعتمد على التكنولوجيا ورفع الكفاءة وتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه. ومن هنا فإن المشروع لا يعكس فقط توسعًا زراعيًا، بل يعكس أيضًا محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والطبيعة نفسها.

	أحد أهم التحولات التي يعكسها مشروع الدلتا الجديدة هو الانتقال من مفهوم &ldquo;إنتاج المحاصيل&rdquo; إلى مفهوم &ldquo;سلاسل القيمة الزراعية&rdquo;. فالقيمة الاقتصادية الحقيقية لم تعد تتحقق من بيع المنتج الزراعي الخام فقط، وإنما من القدرة على دمجه داخل منظومة صناعية ولوجستية متكاملة تشمل التخزين والتبريد والتعبئة والتغليف والتصنيع الغذائي والتصدير. ولذلك فإن المشروع لا يقتصر على استصلاح الأراضي وزراعة المحاصيل، بل يتضمن إنشاء بنية صناعية متكاملة تضم صوامع غلال وثلاجات بطاطس ومحطات فرز وتعبئة ومصانع زيوت وأعلاف ومنشآت للتصنيع الغذائي.

	ويكشف هذا التوجه عن تحول مهم في فلسفة التنمية الزراعية المصرية؛ فالدولة لم تعد تتعامل مع الزراعة باعتبارها نشاطًا أوليًا محدود القيمة، وإنما باعتبارها قاعدة لصناعات غذائية قادرة على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة وزيادة القدرة التنافسية للصادرات المصرية. كما أن الربط بين الزراعة والبنية اللوجستية والموانئ وشبكات النقل الحديثة يسمح ببناء منظومة إنتاج وتصدير أكثر كفاءة، ويحول المشروع إلى مركز اقتصادي متكامل وليس مجرد رقعة زراعية جديدة. من هنا، فإن &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; تمثل انتقالًا من نموذج &ldquo;الزراعة الخام&rdquo; إلى نموذج &ldquo;الاقتصاد الزراعي الصناعي&rdquo;، وهو تحول يحمل أبعادًا اقتصادية واستراتيجية تتجاوز بكثير حدود القطاع الزراعي التقليدي.

	5. اقتصاد التشغيل وبناء المجتمع الإنتاجي

	لا يستهدف مشروع &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; خلق فرص عمل مؤقتة مرتبطة بأعمال البناء والإنشاء فقط، وإنما يسعى إلى تأسيس اقتصاد تشغيل دائم قائم على الزراعة والصناعة الغذائية والخدمات اللوجستية والطاقة والنقل والتخزين. ومن هنا تأتي أهمية الرقم الذي أُعلن خلال الافتتاح والمتعلق بتوفير نحو مليوني فرصة عمل، لأن القضية هنا لا تتعلق فقط بحجم التشغيل، وإنما بطبيعة الاقتصاد الذي يجري بناؤه. فالدولة تحاول الانتقال من نمط اقتصادي يغلب عليه الطابع الاستهلاكي والخدمي إلى نمط أكثر ارتباطًا بالإنتاج الحقيقي وسلاسل القيمة.

	كما يعكس المشروع توجهًا نحو إنشاء مجتمعات إنتاجية جديدة خارج النطاق التقليدي للوادي والدلتا، بما يساهم في إعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية جغرافيًا. وفي هذا السياق، لا ترتبط التنمية هنا فقط بالتوسع العمراني، وإنما ببناء مجتمعات قائمة على العمل والإنتاج والارتباط المباشر بالاقتصاد الحقيقي. كما أن المشاركة الواسعة للقطاع الخاص، ووجود مئات الشركات العاملة داخل المشروع، يكشفان عن محاولة لبناء نموذج تنموي يقوم على التكامل بين الدولة والقطاع الخاص داخل إطار استراتيجي تقوده الدولة المصرية.

	##

	مما سبق، لا يمثل مشروع &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo;في جوهره مجرد توسع زراعي واسع النطاق، وإنما يعكس تحولًا أعمق في فهم الدولة المصرية لمعنى الأمن القومي وحدود القوة الشاملة في القرن الحادي والعشرين. فالمشروع لا يستهدف فقط إضافة ملايين الأفدنة إلى الرقعة الزراعية، بل يسعى إلى إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والجغرافيا والموارد والإنتاج، عبر نقل المياه عكس الطبيعة، وتعمير الصحراء، وتوسيع المجال المعمور، وبناء أقاليم اقتصادية وإنتاجية جديدة خارج حدود الوادي التقليدي.

	ومن خلال هذا التحول، تنتقل مصر تدريجيًا من منطق &ldquo;إدارة الندرة&rdquo; إلى منطق &ldquo;بناء القدرة&rdquo;، أي إعادة تأسيس القاعدة المادية للدولة عبر توسيع الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتعزيز البنية التحتية السيادية، ورفع قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات الدولية في عالم تتزايد فيه الصراعات على الغذاء والطاقة والمياه وسلاسل الإمداد.

	ولذلك فإن &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; لا يمكن اختزالها في كونها مشروع استصلاح أراضٍ، بل هي محاولة لإعادة بناء المرونة الاستراتيجية للدولة المصرية، وإعادة تموضعها داخل خريطة الأمن الغذائي والإنتاج الإقليمي. فالدولة هنا لا تدير أزمة مؤقتة، وإنما تحاول تأسيس نموذج تنموي طويل المدى يعيد الاعتبار لفكرة &ldquo;الجمهورية المنتجة&rdquo;، بعد عقود طويلة من الضغوط السكانية والاختلالات الهيكلية والانكشاف الاقتصادي.

	وإذا كان السد العالي قد مثّل في القرن العشرين عنوان الإرادة المصرية لبناء الدولة الصناعية الحديثة، فإن &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; قد تتحول في القرن الحادي والعشرين إلى أحد أبرز عناوين الدولة التنموية الجديدة؛ الدولة التي تسعى إلى حماية أمنها القومي عبر الإنتاج، وتأمين مستقبلها عبر إعادة تشكيل الجغرافيا ذاتها.
</fulldescription>
<pubDate>الأحد , 24 مايو 2026 12:41:49 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22418/تحليلات//-الدلتا-الجديدة--إعادة-هندسة-الدولة-التنموية-في-عص.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>مأزق البقاء الهيكلي.. حدود 'اقتصادات الصمود' وآليات الالتفاف المصرفي(ليبيا وإيران نموذجًا) </title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22417/تحليلات//مأزق-البقاء-الهيكلي--حدود-اقتصادات-الصمود-وآليات-ا.aspx</link>
<description>
تضع العقوبات الدولية الدول المستهدفة أمام خيارين: إما بناء "اقتصاد صمود" يعتمد على الذات، أو اللجوء إلى "منطق المقايضة" وتكتيكات الالتفاف والوساطة لتسيير أمورها. ويتوقف نجاح أي نظام في مواجهة الحصار على ظروفه السياسية والميدانية الخاصة. ومن هذا المنطلق سنحاول مناقشة هذه الآليات عبر دراسة مقارنة بين حالتين؛ حيث نناقش كيفية حماية الأصول وتدوير السيولة في ليبيا، وتجربة "اقتصاد المقاومة" وتحدياته الأخيرة في إيران.</description>
<fulldescription>

	
		تضع العقوبات الدولية الدول المستهدفة أمام خيارين: إما بناء &quot;اقتصاد صمود&quot; يعتمد على الذات، أو اللجوء إلى &quot;منطق المقايضة&quot; وتكتيكات الالتفاف والوساطة لتسيير أمورها. ويتوقف نجاح أي نظام في مواجهة الحصار على ظروفه السياسية والميدانية الخاصة.
	
		ومن هذا المنطلق سنحاول مناقشة هذه الآليات عبر دراسة مقارنة بين حالتين؛ حيث نناقش كيفية حماية الأصول وتدوير السيولة في ليبيا، وتجربة &quot;اقتصاد المقاومة&quot; وتحدياته الأخيرة في إيران.
	
		الجذور التاريخية والمسار الوظيفي للعقوبات الدولية:
	
		تعود الجذور التاريخية للعقوبات إلى العصور القديمة، حيث استُخدمت في اليونان كأداة ضغط بين الولايات. ومع تأسيس عصبة الأمم، بدأ تقنينها دوليا لمنع النزاعات المسلحة عبر عزل الدول المعتدية اقتصاديا. إلا أن التحول الجوهري حدث مع ميثاق الأمم المتحدة، وتحديداالمادة 41 من الفصل السابع، التي منحت مجلس الأمن سلطة فرض تدابير قسرية لا تتضمن استخدام القوة العسكرية، مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات والاتصالات. وتهدف العقوبات في جوهرها إلى إجبار الدولة على تغيير سياساتها عبر خلق حالة من &quot;العذاب الاقتصادي&quot;، حيث تُستخدم احتياجات الإنسان الأساسية كورقة ضغط سياسية لإرغام النظام على الامتثال للشرعية الدولية أو تغيير سلوكه.أوحرمان الدولة من الموارد والسلع الاستراتيجية والتكنولوجية لتقليل قدراتها العسكرية ومنعها من تطوير أسلحة محددة.[1]


	ولابد من معرفة أن هناك فجوة عميقة بين الأهداف النظرية المعلنة والواقع الذي تفرضه العقوبات على الأرض. فبينما يتمثل الهدف المعلن في تغيير السلوك السياسي وإجبار الأنظمة على الامتثال للشرعية الدولية أو نزع سلاحها كما حدث في الحالة الليبية، إلا أن الواقع يتجاوز ذلك. حيث تهدف القوى الدولية إلى تحقيق الردع الدولي عبر توجيه رسالة زجرية لأي دولة تحاول الخروج عن قواعد النظام العالمي. [2]

	من العقاب الشامل إلى الاستهداف الذكي.. التحول المفاهيمي للعقوبات:

	نشأت فكرة العقوبات محددة الأهداف كعلاج للعقوبات الدولية الشاملة، حيث إن الإشكالية الرئيسية التي كانت تواجه العقوبات الشاملة أنها لا تصيب المستهدفين منها، بل تخطئ أهدافها لتصيب الأبرياء.خاصة مع تزايد الاهتمام بحقوق الإنسان نظرًا لانتهاك العقوبات الدولية التقليدية لحقوق الإنسان، وإضرارهابالاحتياجات الأساسية.

	ويعرف القانون الدولى العقوبات الذكية بأنها &quot;تدابير غير عسكرية تفرضها المنظمات الدولية أو الدول ضد عناصر محددة من الأفراد والنخب الحاكمة والكيانات من غير الدول متى ثبت انتهاكها لقواعد القانون الدولي ومساسهم بالسلم والأمن الدوليين لإرغامهم أو الضغط عليهم لتعديل مسار سلوكهم واحترام قواعد القانون الدولي&quot;.[3]

	المسار التاريخي والمبادرات الدولية لتقنين العقوبات الذكية:

	بدأت تتبلور بوادر العقوبات الذكية في سياق متناسق من خلال عدة مبادرات دولية، كمبادرة &quot;أجندة من أجل السلام&quot; (1992-1995) التي تناولت آثار العقوبات الشاملة على الفئات الضعيفة والمسألة الأخلاقية التي تطرحها تلك الآثار، والمؤتمر الدولي الـ 26 للصليب الأحمر (1995) الذي قدم توصية بضرورة التخفيف من آثار العقوبات التقليدية وأن يكون توقيعها على النظام وليس الشعوب واجتماع المائدة المستديرة في كوبنهاجن (1996) تعاونت فيه الأمانة العامة للأمم المتحدة مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والاتحاد الأوروبي لتحسين العقوبات وجعلها أكثر استهدافا. ومبادرات (انترلاكن، بون وبرلين، ستوكهولم) تمت خلالها مناقشات لتوجيه السياسة العقابية بما يقلل آثارها الإنسانية ويضاعف قوتها التأثيرية.[4]

	وفي عام (1997) بدأ تبلور الفكرة بشكل أكبر عند فرض عقوبات على القادة العراقيين ومنعهم من السفر، وتقرير الأمين العام (1999) الذي أكد ضرورة خفض التكاليف الإنسانية التي يتحملها السكان المدنيون إلى أقل حد ممكن. ومبادرة بون وبرلين (2000) التي ركزت بشكل خاص على عقوبات منع السفر وحظر الأسلحة، وفي عام 2002 تبنى مجلس الأمن مشروع العقوبات الذكية بموجب القرار رقم 1409 المؤرخ في 14 مايو من العام نفسه، بعد مقترحات من روسيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا.[5]

	مفهوم اقتصاد الصمود والبقاء الاقتصادي بين النظرية والواقع الاستراتيجي:

	برز مفهوم &quot;اقتصاد الصمود&quot; كمصطلح اقتصادي جذاب تبنته الدول المانحة، وصار إطارا متفقا عليه في بعض من المشروعات الإغاثية، التي لم تحرز تغييراجوهريا في الحياة الاقتصاديةويعد من المصطلحات المحورية التي تداخلت فيها الأبعاد السياسية بالاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في السياقات التي تعاني من أزمات ممتدة أو احتلال. وعلى الرغم من جاذبية المصطلح، إلا أنه واجه انتقادات عدة كغياب التغيير الجوهري، الفجوة بين النظرية والتطبيق.

	وفي المحصلة يقاس نجاح &quot;اقتصاد الصمود&quot; بمدى قدرة الدولة على الاستمرار في سياساتها رغم العزلة، بينما تراهن القوى الدولية على أن الضغط الاقتصادي سيؤدي في النهاية إلى تغيير السلوك السياسي.[6]

	المقايضة كآلية بديلة في التجارة الدولية المعاصرة:

	شهدت الفترة الماضية صعودا ملحوظالهذا النمط كأحد الأنماط الرئيسية في التجارة الدولية نتيجة الأزمات العالمية (مثل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا). كتبادل البضائع من خلالها تصدير بضائع مقابل استيراد أخرى تحتاجها الدولة، مما يساعد في إدارة العجز التجاري وتبادل السلع بين الدول مع محاولة الحفاظ على احتياطاتها من العملات الأجنبية( الصفقات المتكافئة).[7]

	كما تلجأ الدول لهذا النمط في عدة حالات، أبرزها: الحفاظ على الموارد المالية والرغبة في تلبية الاحتياجات الطارئة دون استنزاف الموارد المالية المتاحة، كأداة للتحايل على العقوبات الدولية المفروضة على بعض الدول. وعندما تكون الدولة غارقة في الديون وغير قادرة على الحصول على التمويل. والنقد الأجنبي في وقت الأزمات الاقتصادية العالميةكمقايضة الهند لروسيا لتغطية احتياجاتها من الأسمدة، وهو أحد أبرز مظاهر تصاعد صفقات المقايضة بين الدول مؤخرا.[8]

	هندسة العقوبات الدولية بين وهم إسقاط الأنظمة وحتمية الأهداف الضيقة:

	من الضروري أن تكون أهداف العقوبات ضيقة ومحددة بوضوح؛ إذ تزداد فرص نجاحها بشكل ملحوظ عند ربطها بغايات محددة وقابلة للتحقق الفعلي. وبناءً على ذلك لا يُتوقع عادةً نجاح العقوبات التي تهدف إلى تغيير الأنظمة السياسية، نظرا لأنها لا تترك أي حلول وسطى للحكومات المستهدفة، والتي لن تقبل بطبيعة الحال بالانتحار السياسي والتخلي عن السلطة، وهو تماما ما تجسد في حالة العقوبات الأمريكية المفروضة على نظام كاسترو. وتُعد العقوبات التي تستهدف تغيير حكومة بلد ما من أصعب العقوبات تصميما، خاصةً إذا لم يُمنح قادة الدولة المستهدفة الوقت الكافي للتكيف معها عبر إيجاد موردين أو أسواق بديلة، أو بناء تحالفات جديدة، أو تعبئة الرأي العام الداخلي؛ لذا يُصبح من الحتمي ربط العقوبات بأهداف تفصيلية، واضحة، وقابلة للقياس والتحقيق.[9]

	ولكي تؤتي هذه العقوبات ثمارها وتحقق أهدافها المنشودة، ينبغي مراعاة أن تكون عقوبات شاملة، وأن تأخذ في الحسبان مبدأ &#39;شمولية الضرر&#39;. وفي المقابل يجب على صانعي السياسات تجنب استراتيجيات السياسة الخارجية الضيقة التي تقتصر على الاعتماد على العقوبات فحسب دون التفكير في الخيارات والأدوات السياسية والدبلوماسية الأخرى؛ إذ توضح الحالة الإيرانية جلياأن الاستراتيجيات التي ترتكز حصرا على الطبيعة القسرية للعقوبات الاقتصادية نادراً ما تنجح في تحقيق غاياتها النهائية.[10]

	ترتبط فرص نجاح العقوبات المفروضة ارتباطاً وثيقا بعدد الدول المشارِكة فيها والملتزمة بتنفيذها؛ إذ تُعتبر العقوبات الأكثر فعالية هي تلك التي تفرضها أطراف متعددة. وخير دليل على ذلك هو الإجراءات العالمية المتخذة ضد إيران، والتي شكلت ضغطاً هائلا على اقتصادها، مما دفع قادتها إلى العودة لطاولة المفاوضات والتوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015. ومع ذلك غالبا ما يواجه تحقيق التعاون متعدد الأطراف تحديات معقدة في مرحلتي التصميم والتنفيذ؛ ففي إحدى الحالات، حاولت الولايات المتحدة الأمريكية منع الهند من شراء النفط الإيراني، إلا أن استمرار الهند في الشراء شكل ثغرة واضحة في نظام العقوبات، نظرا لما تمثله السوق الهندية من ثقل ضخم للصادرات الإيرانية.[11]

	ورغم الافتراض الشائع بأن التعاون متعدد الأطراف يعزز فعالية العقوبات،إلا أنه ينطوي في الوقت ذاته على تحديات قد تحمل في طياتها عوامل إفشالها. حيث يُعزى فشل العقوبات الاقتصادية متعددة الأطراف في مراحل التنفيذ والمساومة إلى تراجع بعض الدول المتعاونة عن وعودها نتيجةً للضغوط السياسية المحلية أو تغير رؤاها الاستراتيجية، فضلاً عن سيادة حالة عدم اليقين بشأننوايا الدول الشريكة الأخرى، وبروز مشكلات في التنسيق المشترك. وفي هذا السياق تستغل الولايات المتحدة الأمريكية سلاح العقوبات لتعزيز قدرتها على المساومة السياسية، والحد من النفوذ الإيراني والروسي في سوريا.&quot;[12]

	في هذا السياق، تتوقف فاعلية العقوبات على البنية الداخلية للدولة المستهدفة ودرجة انكشافها الاقتصادي؛ فكلما كان اقتصاد الدولة &quot;أحاديا&quot; يعتمد على مورد رئيسى واحد (مثل اعتماد إيران على النفط)، كانت العقوبة الهيكلية التي تستهدف هذا القطاع الحيوي (كحظر صادرات النفط أو منع تكنولوجيا التنقيب) ذات أثر تدميري يُجبر النظام على الرضوخ والتفاوض.[13]

	وتلعب طبيعة العلاقة بين النخبة والقاعدة دورا حاسما؛ ففي العقوبات الذكية، يبرز &quot;عزل النخبة&quot; كشرط هيكلي أساسي للنجاح. فإذا تحمل عامة الشعب أعباء العقوبة وحدهم (كما حدث في السودان لفترة طويلة)، تفشل العقوبة في تحقيق غاياتها السياسية؛ أما إذا وجهت العقوبات بشكل مباشر لتجميد أموال وممتلكات قادة الحرس الثوري ( إيران)، فإنها تنجح في خلق &quot;شرخ&quot; عميق في هيكل السلطة الحاكمة.[14]

	وعلاوة على ذلك تبرز القدرة على &quot;الاكتفاء الذاتي&quot; كعامل محدد؛ إذ تكون الدولة التي تمتلك بنية زراعية أو صناعية بديلة أقل تأثراً وتبعية للخارج، وهو ما تجسد في الحالة الإيرانية حيث استُخدم &quot;اقتصاد المقاومة&quot; كآلية هيكلية فعالة لامتصاص الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحصار.&quot;

	نمذجة العقوبات قسرا..التشريح التاريخي للأزمة الليبية:

	تُمثل الحالة الليبية نموذجا تطبيقيا بارزا يعكس بوضوح الشروط الهيكلية للعقوبات الدولية ومحددات نجاحها أو فشلها؛ إذ تكشف هذه الحالة كيف تتحرك القوى الدولية عبر فترات زمنية مختلفة لتطويق النظم السياسية باستخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية لإجبارها على الانصياع للشرعية الدولية أو شلّ قدراتها على الأرض.

	وفي هذا السياق، سيتم دراسة حالة العقوبات الدولية على الدولة الليبيةكأداة ضغط سياسي وقانوني والتي بدأت عبر مرحلتين تاريخيتين مفصليتين:

	عقوبات 1992 (قضية لوكربي): بدأت العقوبات بصدور قرار مجلس الأمن رقم 748، والذي فرض حظر جويا وعسكريا كاملا، ثم تبعه القرار رقم 883 عام 1993 الذي قضى بتجميد جزئي للأصول المالية الليبية في الخارج للضغط على النظام لتسليم المشتبه بهم في تفجير طائرة &quot;بان أم&quot;.[15]

	عقوبات 2011(نقطة التحول الحالية):بدأت قصة العقوبات في ليبيا كاستجابة فورية لأحداث 17 فبراير 2011؛ حيث سارع المجتمع الدولي، بقيادة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، إلى اتخاذ تدابير لمنع نظام معمر القذافي من استخدام الأصول الوطنية في الخارج لتمويل العمليات العسكرية ضد المدنيين. هذا التوجه تُرجم سريعا إلى قرارات ملزمة من مجلس الأمن الدولي، بدأت بالقرار رقم 1970 الذي فرض تجميداً شاملاعلى أموال القذافي وعائلته، ثم أُتبع بالقرار رقم 1973 الذي وسّع نطاق العقوبات ليشمل المؤسسات السيادية الكبرى، بهدف حماية ثروات الشعب الليبي من الاستنزاف في ذروة الصراع المسلح.[16]

	الاستجابة السيادية للجيل الحديث من العقوبات ــ القرار 2819 لعام 2026 نموذجا:

	تتحرك ليبيا حالياً تحت مظلة منظومة عقوبات دولية &quot;محدثة&quot; تم تمديدها مؤخرا حتى عام 2027 بموجب القرار رقم 2819، وهي منظومة تتسم بآليات تعامل دقيقة وموجهة ترتكز على ثلاثة محاوراستراتيجية؛ أولها تمديد التدابير النفطية الهيكلية عبر استمرار العمل بالقيود المفروضة على تصدير النفط الخام والمشتقات المكررة بشكل غير مشروع حتى أغسطس 2027م كأداة ضغط لحماية عصب الاقتصاد الليبي، وثانيها حماية الموارد السيادية الوطنية حيث أكد القرار أن الهدف الجوهري من استمرار العقوبات هو منع استنزاف ثروات الشعب الليبي وحمايتها بشكل كامل من الاختلاس أو التبديد من قبل أي أطراف غير رسمية، وصولا إلى المحور الثالث المتمثل في تجديد الرقابة الدولية والمحاسبة من خلال تمديد ولاية فريق الخبراء المعني بليبيا حتى 15 أغسطس 2027م، بهدف مراقبة أي انتهاكات لنظام العقوبات القائم أو رصد أي محاولات لتهريب النفط، مما يجعل هذه الحزمة المحدثة بمثابة طوق رقابي يوازن بين الحظر التشغيلي وحماية الأصول السيادية للدولة.[17]

	استراتيجية المقاومة القانونية.. التحركات القضائية لاسترداد &quot;الأموال المنهوبة&quot;:

	امتدادا لجهود الدولة الليبية في مواجهة تداعيات جيل العقوبات المحدثة وحماية مقدراتها السيادية، تتحرك ليبيا(ممثلة في المؤسسة الليبية للاستثمار والجهات الحكومية) حاليا في مسار قضائي ودولي معقد لاستعادة الـ 200 مليار دولار، وتستخدم في ذلك آليات تقنية وقانونية لاسترداد حقوقها:

	&middot; الملاحقة القضائية الدولية: حيث بدأت المؤسسات الليبية (مثل مكتب النائب العام ولجنة استرداد الأموال) برفع قضايا في المحاكم الأوروبية (بريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا) لملاحقة الأصول التي تم الاستيلاء عليها أو تجميدها بشكل غير قانوني.

	&middot; المطالبة بالتعويضات: كما تتضمن التحركات القانونية رفع دعاوى قضائية ضد بنوك ومؤسسات مالية أجنبية بتهمة &quot;سوء إدارة&quot; الأصول المجمدة أو السماح بتآكل قيمتها السوقية نتيجة التضخم والركود.

	&middot; تغيير الحارس العالمي: تهدف هذه الآلية إلى تمكين ليبيا من تغيير &quot;الحارس العالمي&quot; للأموال لضمان أمانها، دون أن يعني ذلك فك التجميد أو السماح بالتصرف في الأموال.

	&middot; الحفاظ على القيمة: هذا الإجراء التقني يمنع تآكل قيمة الاستثمارات الليبية نتيجة بقائها في مصارف قد تواجه مشاكلات ائتمانية.[18]

	وفي موازاة هذه التحركات الاستثماريةوالقانونية، جرى تفعيل آليات الرقابة الميدانية لحماية الثروات من خلال:

	&middot; التفتيش البحري والسيادة: استغلال تفويض مجلس الأمن الذي يسمح بتفتيش السفن في أعالي البحار لمنع عمليات تهريب النفط، لحماية الموارد المالية ومنع تحولها إلى &quot;أموال منهوبة&quot; جديدة.

	&middot; التفتيش الإلزامي: منح مجلس الأمن الدول الأعضاء تفويضاً بتفتيش السفن في أعالي البحار المتجهة من وإلى ليبيا عند وجود شكوك في عمليات تهريب.[19]

	ونتيجة لتلك الجهودحققت المؤسسة نجاحا جزئيا في 16 يناير 2025، حيث حصلت على حق تقديم طلبات للجنة العقوبات لاسترجاع &quot;الأموال المنهوبة&quot;،كما في معركة الـ 15 مليار يورو في بلجيكا:

	حيث خاضت ليبيا نزاعا قضائيا أمام محكمة استئناف بروكسل لرفع الحجوزات المفروضة على أموالها لدى بنك &quot;يوروكلير&quot;.[20]

	وفي 24 يناير 2025، صدر حكم برفع الحجوزات، وهو جزء من قضية أوسع مع بلجيكا أمام &quot;المركز الدولي لـتسوية المنازعات &quot; بدأت منذ ديسمبر 2023.وتأتي هذه الموافقات والتحركات محكومة ومقيدة وفق الضوابط الدولية التالية:

	التعامل الفرديحيث يتم النظر في الطلبات &quot;على أساس كل حالة على حدة&quot;.وفي حال الموافقة يُسمح للمؤسسة باستثمار الاحتياطيات النقدية فقط في &quot;حسابات لأجل محدد&quot; وأدوات &quot;منخفضة المخاطر&quot; أو سندات حكومية ذات فائدة ثابتة. كما تظل الأرباح المكتسبة من هذه الاستثمارات مجمدة، ولا يجوز إعادة استثمارها إلا في البلدان نفسها الموجودة فيها حالياً.[21]

	ولضمان نجاح استرداد الأموال، تتبع ليبيا أسلوباً يعتمد على &quot;التأقلم التقني&quot; مع العقوبات:

	كإعادة استثمار السيولة والسعي للحصول على استثناءات من لجنة العقوبات،كما تتيح للمؤسسة الليبية للاستثمار إعادة تدوير الأموال النقدية المجمدة في استثمارات آمنة لمنع خسارة قيمتها مع الزمن.وتغيير جهات الحفظحيث نص القرار الأخير على إمكانية نقل الأصول بين البنوك، مما يمنح ليبيا مرونة في اختيار المؤسسات المالية الأكثر أمانا لحفظ ثرواتها.[22]

	وفي المقابل تتضح تفاصيل نظام العقوبات المجدد (القرار 2819 لعام 2026) &quot;الإطار القانوني الصارم الذي يحكم الحالة الليبية حالياً&quot; كالآتي:

	١ـ تمديد العمل بكافة التدابير العقابية المتعلقة بالنفط حتى 1 أغسطس 2027.وحظر النفط غير المشروع، يشمل الحظر منع تصدير أو محاولة تصدير النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة التي تتم خارج إطار المؤسسة الوطنية للنفط المعترف بها دوليا.

	٢ـ تجديد ولاية فريق الخبراء، تم التمديد للفريق المسئول عن مراقبة الانتهاكات ورفع التقارير لمجلس الأمن حتى 15 أغسطس 2027.

	٣ـ استمرار تجميد الأموال والموارد الاقتصادية الليبية في الخارج لضمان عدم تبديدها أو استخدامها في تمويل النزاعات.وبقاء القيود المفروضة على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية لمنع تصعيد العنف المسلح.[23]

	خارطة الأموال التي تحاول ليبيا فك تجميدها:

	##

	المصدر:إعداد الباحثة

	يوضح الشكل السابق حجم ومواضع توزيع هذه الثروات؛ حيث تحتفظ الولايات المتحدة بنحو 34 مليار دولار (أكبر كتلة أموال مجمدة)، تليها بريطانيا بنحو 19.2 مليار دولار، في حين تحتفظ إيطاليا وألمانيا بنحو 8 مليارات دولار لكل منهما، وفرنسا بنحو 11 مليار دولار.[24]

	وفي هذا السياق تتمثل الاستراتيجية الحالية لليبيا في التحذير المستمر من استغلال القوى الدولية للانقسام الداخلي لاتخاذ حجة لاستمرار التجميد أو السعي لـ &quot;الاستيلاء&quot; على أصول الدولة الليبية تحت مسميات قانونية مختلفة، حيث تعاملت الدولة مع هذه المنظومة العقابية عبر استراتيجية &quot;التكيف القانوني&quot;؛ والتي استهدفت من خلالها حماية الأصول من الضياع عبر تعديلات فنية في قرارات مجلس الأمن، بالتوازي مع استخدام المظلة الدولية لمنع نهب الموارد النفطية عبر نظام التفتيش البحري الصارم الممتد حتى عام 2027.[25]

	الهندسة التاريخية للعقوبات ضد إيران.. مقصلة الحصار وتكتيكات &quot;اقتصاد المقاومة&quot; الالتفافية:

	يوضح التحليل التاريخي أن إيران واجهت نظام عقوبات يُعد الأطول والأكثر تعقيدا في التاريخ الحديث، حيث مر بعدة مراحل مفصلية بدأت بعقوبات ما بعد 1979 والتي انطلقت كعقوبات سياسية ودبلوماسية شملت تجميد الأصول وحظر التجارة الثنائية مع الولايات المتحدة، ثم عقوبات &quot;الاحتواء&quot; في التسعينيات التي انتقلت إلى استهداف قطاع الطاقة لمنع الاستثمارات الأجنبية في النفط والغاز، وصولا إلى العقوبات الدولية الشاملة (2006-2012) وهي المرحلة التي شهدت صدور قرارات من مجلس الأمن الدولي استهدفت البرنامج النووي، وتحولت فيها العقوبات إلى &quot;حصار مالي&quot; دولي شلّ قدرة إيران على استخدام نظام &quot;سويفت&quot; للتحويلات البنكية.[26]

	وعلى خلفية هذا الصدام، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل أعاد تشكيل نفسه تدريجيا ضمن نمط بقاء قسري تعاملت معه إيران عبر طرح مفهوم &quot;اقتصاد المقاومة&quot; في عام 2012؛ حيث تروج القيادة الإيرانية لسياسات &quot;اقتصاد المقاومة&quot; كأداة لمواجهة ما وصفه الرئيس الإيراني بـ &quot;انتقال الحرب إلى ميدان الاقتصاد&quot;، وهو نمط يقوم على امتصاص الصدمات لا تجاوزها، ويستند إلى فلسفة محاولة احتواء التدهور الناتج عن العقوبات الغربية المشددة وآثار المواجهات العسكرية الأخيرة، من خلال تحويل التركيز من الميدان العسكري إلى ميدان الاستقرار المعيشي والقدرة على الصمود المؤسسي أمام الضغوط الخارجية، وبناء شبكة معقدة من الوسطاء وشركات الواجهة وشبكات &quot;الأسطول المظلم&quot; للالتفاف على الرقابة المالية الدولية وتصدير النفط بأسعار مخفضة لأسواق بديلة (مثل الصين)، ويرتكز اقتصاد المقاومة في جوهره على (الإنتاج المحلي والاعتماد الذاتي).[27]

	وتستند سياسات اقتصاد المقاومة لمجموعة من الإجراءات الهيكلية والمميزات التي تمتلكها إيران لمواجهة نظام العقوبات وتقليل الارتهان للنظام المالي العالمي، وأبرزها محاولة تنشيط الصناعات الوطنية لتعويض نقص الواردات الناتج عن تجميد الأصول والقيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، والعمل على خلقسلاسل إمداد داخلية قوية قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية في ظل الحصار الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الخارج. ومن خلال هذا &quot;الذكاء الالتفافي&quot;، استطاعت إيران الالتفاف على نظام &quot;سويفت&quot; والاعتماد بصورة متزايدة على قنوات مالية غير رسمية، وتسوية المدفوعات بالعملات الإقليمية، بالتوازي مع تعاظم أهمية الكيانات المرتبطة بـ الحرس الثوري الإيراني عبر طيف واسع من القطاعات شمل التشييد، واللوجستيات، والاتصالات، والبنية التحتية للطاقة لملء الفراغ الاقتصادي بعد انسحاب الشركات الدولية إثر تشديد العقوبات الأمريكية عام 2018.[28]

	وعلى الصعيد الجيوسياسي والميداني الشامل، تمتلك طهران عقودا من الخبرة في الاستعداد لمواجهة سيناريوهات الحصار البحري والقيود الاقتصادية المشددة؛ حيث أعلنت عن نشر غواصات صغيرة في إطار صراعها للسيطرة على مضيق هرمز ومواجهة الحصار البحري، معتمدة تاريخيا على نظام &quot;المقايضة&quot; لتصدير النفط والالتفاف على القيود المصرفية، وتوزيع مئات محطات توليد الطاقة في أنحاء البلاد لجعل تدمير الشبكة أكثر صعوبة، وتخصيص موارد ضخمة لعقود من الزمن لبناء ترسانة سلاح قادرة على خوض حروب استنزاف طويلة، وهو ما يفسر قدرتها على الصمود رغم دخول الحرب أسبوعها الخامس. ويعد &quot;اقتصاد المقاومة&quot; في المنظور الإيراني حركة شعبية شاملة لا تقتصر على الحكومة فقط بل على المجتمع، من خلال دعوتها المواطنين لتبني نمط استهلاك &quot;مقاوم&quot; يركز على الضروريات وترشيد استهلاك الطاقة والموارد، وتعزيز التماسك الداخلي وتفعيل دور المساجد والأحياء لامتصاص الصدمات الاجتماعية الناتجة عن التضخم.[29]

	لكنّ الحرب الراهنة في عام 2026، بخلاف العقوبات التي تُراكم القيود الاقتصادية تدريجيا، تُدخل الاقتصاد في طور مختلف جذريا من الصدمة يهدد بـ &quot;تصدع جدار المقاومة&quot;؛ طور لا يقتصر على الضغط المالي بل يمتد إلى تعطيل شبكات الإمداد وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية الوطنية، إذ يواجه اقتصاد المقاومة تحديات ميدانية قاسية تهدد بانهياره، وأبرزها الانهيار المالي والتضخم حيث وصل سعر صرف الريال إلى مستويات تاريخية بلغت (1.5 مليون ريال للدولار)، مما أفقد المواطنين القدرة الشرائية وجعل فكرة &quot;الادخار بالعملة المحلية&quot; مخاطرة كبرى، وتراجع النمو الاقتصادي الحقيقي ليتحرك ضمن نطاق متواضع تراوح بين 2% و4% بسبب تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر عقب انسحاب الشركات الدولية عام 2018، يضاف إلى ذلك أزمة قطاع النفط والحصار البحري، حيث أدى تشديد الحصار البحري الأمريكي في مضيق هرمز إلى انخفاض حاد في صادرات النفط الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة لتتحرك دون نطاقها التقليدي البالغ 1.1 إلى 1.5 مليون برميل يومياً.[30]

	ونتج عن ذلك توقف مرفأ &quot;خرج&quot;؛ إذ سجلت جزيرة &quot;خرج&quot; الإيرانية ( التي تتولى معالجة نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية وتمثل نقطة الاختناق المركزية ) أول توقف مطول لشحنات النفط الخام منذ بداية الحرب، مما أدى إلى امتلاء مرافق التخزين الإيرانية بالنفط الخام بشكل سريع جدا نتيجة تعذر تصديره للخارج، ودفع الدولة بالفعل نحوكبح الإنتاج عبر خفض معدلات إنتاج النفط لمواجهة أزمة امتلاء التخزين والضغوط الناتجة عن الحصار.[31]

	وعلاوة على ذلك يبرز تحدي تضخم الغذاء حيث سجل تضخم أسعار المواد الغذائية والمشروبات مستوى غير مسبوق عند 105.5% قبيل اندلاع الحرب، مما ضاعف تكلفة المعيشة وأدى إلى الاستنزاف المالي وتآكل البنية الاقتصادية نتيجة للاقتراض الداخلي والتوسع النقدي لتغطية أعباء العملات العسكرية الفورية في ظل غياب أسواق الائتمان الدولية، مما يهدد بقدرة الدولة على الحفاظ على منظومة الدعم الواسعة التي تمثل خط الدفاع الأخير في مواجهة الاضطراب الاجتماعي والاحتجاجات.[32]

	إن هذه المعطيات الميدانية الصعبة في عام 2026 .. تكسر المعادلة والصيغة التي مكنت الاقتصاد الإيراني من الاستمرار،حيث أثبتت الضربات العسكرية في مارس 2026 .أن التكيف يظل معتمدا على سلامة المنافذ المادية؛ وبإصابة جزيرة خرج، أُرسلت إشارة حاسمة للمشترين الرئيسيين كالصين بأن الخصومات السعرية لم تعد كافية أمام قفزة تكاليف التأمين والمخاطر المادية، مما يدفع الوسطاء الإقليميين لإعادة حساباتهم والتردد في الاستمرار ضمن شبكات الالتفاف خوفاً من العقوبات الثانوية أو الارتدادات العسكرية.[33]

	وفي ظل هذا التحول يخشي المحللون من حالة &quot;لا حرب ولا سلام&quot;: حيث يُخشى أن تؤدي هذه الحالة الضبابية إلى ركود تضخمي طويل الأمد، يجعل من سياسات المقاومة الاقتصادية مجرد &quot;مسكنات&quot; لا تعالج الأزمات الهيكلية الناتجة عن العقوبات وسوء الإدارة.

	المراجع:

	
		[1]سلاح العقوبات،صندوق النقد الدولي، يونيو 2022https://share.google/MNvAK1L9TNqPbKQ9d
	
		
			[2]العقوبات الاقتصادية والفجوة الإنسانية في القانون الدولي، مجلة جامعة الزيتونة الأردنية للدراســـــــــــات القانونية، المجلد)7(، الصدارة)1(2026،
		
			Al-Zaytoonah University of Jordan Journal for Legal studies, Volume (7), Issue (1), 2026،2026.7.7.pdf https://share.google/t227UhUjOYgWkvFWp
	
	
		
			[3]نورة سعداني، العقوبات الدولية الذكية: الماهية وفعالية التطبيق ، المركز الديمقراطي العربي،
		
			https://share.google/smR1BpInQYvchwVoY
	
	
		
			[4]ابراهيم الشحات، مدى فاعلية العقوبات الدولية الذكية فيالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، MJLE_Volume 13_Issue 85_Pages 497-. https://share.google/gGHOKSTF0f84UH7M1
	
	
		
			[5]علي محمد حسين ، مفهوم الجزاءات الذكية وتطورها، https://search.mandumah.com/Record/1401962
	
	
		
			[6]علي محمد الخوري، استراتيجيات الصمود الاقتصادي &ndash; الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، https://share.google/SqVh2BoCiSmghnYXZ
	
	
		
			[7]مسيف جميل، اقتصاد البَقاء: الدّلالةُ والمفهوم في ظلّ حرب الإبادة، السفير العربي https://share.google/ijPqbPS5bwzwMMMI9
	
	
		
			[8]قياس قدرة الاقتصاد على الصمود &ndash; لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا https://share.google/e6aUYUkY3xpF47e40
	
	
		
			[9]قادر رسول، فعالية العقوبات الدولية الاقتصادية بمنظمة الأمم المتحدة وأثرها على حقوق الإنسان، LALEXU_Volume 2.2014_Issue 1_ -1. https://share.google/RfNhXC5B0MMlOXrpc
	
	
		
			[10]محمد نور البصراتى، استراتيجية العقوبات الدولية وانعكاساتها على سياسات الدول (العراق &ndash; ايران &ndash; روسيا ) نموذجا https://share.google/NwL9nBabZs08PgOek
	
	
		
			[11]عبد المجيد أبو العلا، مشروطيات الفعالية: لماذا قد تفشل العقوبات الدولية؟ - مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية https://share.google/vseoVItViXttxtygk
	
	
		
			[12]سوزانا المساح، الردع الاقتصادي: محددات نجاح العقوبات الاقتصادية في إدارة التفاعلات الصراعية الدولية، &quot;دراسات خاصة&quot; (العدد 16 -. https://share.google/smE0mU4CdXHkAPlXQ
	
	
		
			[13]عبدالمجيد أبوالعلا، مشروطيات الفعالية: مرجع السابق
	
	
		
			[14]باقر الخفاجي، العقوبات الدولية الذكية، المجلة الدولية لعلوم العدالة الجنائية،(جامعة بابل). المجلد 19، العدد 1، 2024 .https://share.google/XBq7QbudyXBvaDUuM
	
	
		
			[15]Kelsey Davenport, Chronology of Libya&#39;s Disarmament and Relations with the United States, https://share.google/DeAFB5UjYD3eKKtim
	
	
		
			[16]لجنة مجلس الأمن المنشأة عملاً بالقرار 1970 (2011) بشأن ليبيا، مجلس الأمن، الأمم المتحدة https://share.google/hGieeH90KGNK5OOSG
	
	
		
			[17]الأمم المتحدة تحدّث نظام العقوبات على ليبيا | Global Sanctions https://share.google/E3KRyudkYx4ZwSHxc
	
	
		
			[18]مجلس الأمن يمدد نظام العقوبات المفروضة على ليبيا حتى أغسطس 2027 &ndash; ليبيا 24 https://share.google/EqlTI0niou7knDzab
	
	
		
			[19]ليبيا تحت العقوبات.. مجلس الأمن يمدد &laquo;الإطار الرقابي&raquo; حتى 2027 https://share.google/1hVSU03JwLE1a28yN
	
	
		
			[20]Libya recovers 15 billion euros after a Belgian court ruling | The Libya Observer https://share.google/UJo99XLg9hpsQBOvg
	
	
		
			[21]رفع الحجوزات في بلجيكا، المؤسسة الليبية للاستثمار https://share.google/uO30MgSRZp8jYVf65
	
	
		
			[22]UN Resolution Enables Libya To Pursue Recovery of Its Frozen Assets After 15 Years: What&rsquo;s the Story? &ndash; Al-Estiklal Newspaper https://share.google/cunwICIN432RWERgc
	
	
		
			[23]مجلس الأمن يمدد نظام العقوبات على ليبيا حتى 2027 ويقر استثناءات محدودة للأصول، الهيئة الوطنية للإعلام https://share.google/OKlMCCoNrzWwlY0QN
		
			
	
	
		
			[24]ثروة ليبيا في الخارج... بين الأموال المجمدة والمهربة، مجلة المجلة https://share.google/bcixuIB1YHkOleS6s
	
	
		
			[25]محمد القايــدي، الأزمة الليبية: الفواعل المحركة للصراع والمسارات المستقبلية ،Mediterranean Center https://share.google/B0tXPNmihZBcoj1br
		
			
	
	
		
			[26]مريم هاني، العقوبات الاقتصادية على إيران ونهج التعايش معها https://share.google/ohYWBRTXDEcAFvXRz
	
	
		
			[27]Ashish Kumar Sen, A Brief History of Sanctions on Iran &ndash; Atlantic Council https://share.google/GU2Ws0y4oOZ7Nn4z0
		
			
	
	
		
			[28]&quot;اقتصاد المقاومة&quot;.. إيران بين الصمود والانهيار في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية والتصعيد المتواصل &ndash;https://share.google/3AUB7bVIanOqPAFI4
		
			
	
	
		
			[29]ايران تروج لاقتصاد &#39;المقاومة&#39; في غمرة الانهيار المالي | https://share.google/SObv4qjCFGHu0kQkL
	
	
		
			[30]حسن يحيى، asharqbusiness.comاقتصاد تحت الحصار .... العقوبات الغربية على إيران/https://share.google/LGenwvpc82PsHpwDG
	
	
		
			[31]ممرات إيران البديلة.. خريطة المسارات الجديدة لطهران مع دول آسيا لمحاولة تجاوز حصار مضيق هرمز https://share.google/tTzJ0ccTmh1D8xyAU
	
	
		
			[32]بسنت عبد الفتاح،!الاقتصاد الإيراني بين التكيّف مع العقوبات وضغط الحرب، مركز الحبتور للأبحاث https://share.google/LBlEjuCXP2QmRkj0L
	
	
		
			[33]عبد الله الرادي، اقتصاد المقاومة https://share.google/kktej8HFlQzAyglVB
	

</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 21 مايو 2026 05:01:39 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22417/تحليلات//مأزق-البقاء-الهيكلي--حدود-اقتصادات-الصمود-وآليات-ا.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>"كرزاي طهران" وفشل الدعاية الأمريكية لاختراق الجبهة الداخلية الإيرانية</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22416/تحليلات//-كرزاي-طهران-وفشل-الدعاية-الأمريكية-لاختراق-الجبهة.aspx</link>
<description>
ومع ذلك، فإن تزامن تقرير نيويورك تايمز مع التعنت الإيراني في فرض السيادة على مضيق هرمز، والتمسك بالحق في تخصيب اليورانيوم، والمطالبة بالتعويضات المالية، يكشف بوضوح عن فشل سياسة الضغط الأقصى الأمريكية على إيران، بل ويعكس قوة الدولة العميقة المركبة في إيران. ويستند هذا التماسك النسبي إلى بنيتين أساسيتين، أولاهما أن النظام الإيراني لم يُبنَ كدولة الرجل الواحد، رغم الصلاحيات المطلقة للولي الفقيه، بل يقوم على مؤسسات متداخلة وموازية، وفي حال غياب رأس السلطة، يتحرك مجلس الدفاع الإيراني التابع للمجلس الأعلى للأمن القومي بالتكامل مع المجمع الاقتصادي للقوات المسلحة وممثلي المؤسسات والعتبات الدينية الكبرى، من أجل ضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها الأمنية والمالية في أوقات الأزمات الكبرى.</description>
<fulldescription>

	لا تزال أجواء التوتر بين واشنطن وطهران متصاعدة في ظل مؤشرات على تعثر مسار المفاوضات الجارية، وتزايد المخاوف من احتمال العودة إلى المواجهة العسكرية بين الجانبين. ويبدو أن تشديد ترامب على أن إيران لن يُسمح لها بامتلاك سلاح نووي، ومنحها مهلة يومين إلى ثلاثة أيام لتحسم بنودًا تفاوضية مرضية للجانب الأمريكي، لم يؤتِ أكله في الضغط على طهران. ولم لا، والتصريحات الأمريكية باتت مادة للسخرية لدى المسئولين الإيرانيين، حتى أنهم يوسمون ترامب بـ العالق بين مفارقات التهديدات اليومية الإيرانية ومهادنة الأمريكيين الغاضبين في محطات الوقود.

	ترميم إيران لأدوات الردع:

	كشف تقييم استخباراتي أمريكي، نشرته شبكة &quot;سي إن إن&quot; بالتزامن مع الهدنة المستمرة لستة أسابيع منذ مطلع أبريل الماضي، أن إيران نجحت في استئناف إنتاج بعض طائراتها المسيرة، وتجاوزت التقديرات الزمنية التي وضعتها أجهزة الأمن الغربية لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وهو ما يعكس مرونة بنيوية فائقة يمتلكها العقل العسكري الإيراني في مواجهة حملات القصف المكثف.

	علاوة على ذلك، فإن تأكيد المصادر الاستخباراتية بأن نحو ثلثي منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية قد نجا من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وأن نصف القدرات الإنتاجية للمسيرات وآلاف الطائرات من طراز &quot;شاهد 136&quot; لا تزال قائمة وسليمة، يوضح أن العقيدة العسكرية لطهران لم تُبنَ على فكرة المنشآت الضخمة المرئية للأقمار الصناعية، بل اعتمدت على نموذج الإنتاج الموزع والشعبي عبر ورش صغيرة ومجمعات تكنولوجية مشتتة ومحصنة تحت الأرض؛ وهذا بلا شك يختصر زمن التعافي الشامل لترسانة الهجوم الجوي إلى ستة أشهر فقط بدلاً من سنوات كما زعم الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط.

	وتفضح تلك الاعترافات التناقض الصارخ بين السردية السياسية المتفائلة لقادة الجيش الأمريكي في شهاداتهم أمام الكونجرس حول تدمير 90% من القاعدة الصناعية الإيرانية، وبين التقارير الاستخباراتية الواقعية عن حجم المأزق الجيوسياسي الذي تواجهه إدارة الرئيس ترامب؛ حيث يتبين أن الضربات الجوية الأمريكية حققت إضعافا تكتيكيا مؤقتا، لكنها عجزت تماما عن إحداث حسم استراتيجي، خاصة وأن شبكات الإمداد الدولية الموازية من الصين وروسيا استمرت في ضخ المكونات الإلكترونية مزدوجة الاستخدام والرقائق الدقيقة اللازمة لتوجيه المقذوفات برغم الحصار والرقابة الأمريكية.

	هذا الدعم الآسيوي يرفع بلا شك كلفة أي قرار أمريكي بمواصلة الحرب الشاملة، ويحول المواجهة من صدام مع دولة معزولة إلى مواجهة مع خط إمداد إقليمي معقد يعتبر طهران ركيزة أساسية لكسر الأحادية الأمريكية في الشرق الأوسط. وعلى المستوى العملياتي، فإن بقاء صواريخ كروز للدفاع الساحلي الإيراني في مأمن عن الهجمات الجوية الأمريكية يمنح طهران أثمن أوراق الردع والاحتجاز الجيوسياسي، وهي القدرة على شل حركة الملاحة البحرية وتهديد ناقلات النفط في مضيق هرمز الحرج؛ وهذا يعني أن أي جولة قصف جديدة يهدد بها ترامب لفرض شروطه التفاوضية قد تدفع إيران إلى استخدام تكتيك الإغراق بالمسيرات الأرخص كلفة والأسهل تعويضاً لاستنزاف الدفاعات الجوية الحليفة وتفجير أسواق الطاقة العالمية.

	أبعاد الضغط النفسي الأمريكي على إيران:

	كشفت صحيفة نيويورك تايمز يوم الأربعاء 20 مايو 2026، عن دور الحرب في إفشال المساعي الأمريكي لتنصيب أحمدي نجاد زعيمًا لإيران. وهذا الطرح يطرح تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة الحسابات الاستراتيجية لكل من واشنطن وتل أبيب، وما إذا كان محمود أحمدي نجاد قد تحول بالفعل إلى خيار براجماتي في بنك الأهداف الغربي، أم أن الغرب بات يبحث عن وجه شعبوي من داخل البنية الهيكلية للنظام نفسه.

	الواقع أن الإجابة تكمن في منطقة وسطى، فالرجل شهد تحولا جزئيا في سلوكه السياسي، إذ لم يعد ذلك الأصولي المتشدد الذي عرفه العالم عام 2005، بل أعاد تأطير نفسه في السنوات الأخيرة كمعارض من داخل البنية السياسية الإيرانية، مهاجما الفساد، وموجها خطابا يركز على القومية الإيرانية والعدالة الاجتماعية بديلا عن الخطاب الأيديولوجي العابر للحدود، وهذا الخطاب في تقديري ليس سوى توظيف إيراني لرواية المعارضة الداخلية واستقطاب لردود الفعل المؤيدة لهذا الرأي، من أجل صناعة خطاب موازي يسقط خطاب المعارضة بأسلوب ناعم.

	ومع ذلك، فإن تزامن تقرير نيويورك تايمز مع التعنت الإيراني في فرض السيادة على مضيق هرمز، والتمسك بالحق في تخصيب اليورانيوم، والمطالبة بالتعويضات المالية، يكشف بوضوح عن فشل سياسة الضغط الأقصى الأمريكية على إيران، بل ويعكس قوة الدولة العميقة المركبة في إيران. ويستند هذا التماسك النسبي إلى بنيتين أساسيتين، أولاهما أن النظام الإيراني لم يُبنَ كدولة الرجل الواحد، رغم الصلاحيات المطلقة للولي الفقيه، بل يقوم على مؤسسات متداخلة وموازية، وفي حال غياب رأس السلطة، يتحرك مجلس الدفاع الإيراني التابع للمجلس الأعلى للأمن القومي بالتكامل مع المجمع الاقتصادي للقوات المسلحة وممثلي المؤسسات والعتبات الدينية الكبرى، من أجل ضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها الأمنية والمالية في أوقات الأزمات الكبرى.

	والبنية الثانية هي غريزة البقاء المشترك، حيث تدرك هذه النخبة الحاكمة أن سقوط النظام يعني تصفيتها بالكامل، وهو ما يولد تلاحما غريزيا تختفي معه الخلافات الداخلية فور ظهور أي تهديد وجودي خارجي. وبرغم هذا، من الضروري التمعن في توقيت تسريب الرواية الأمريكية بشأن محاولة تحرير نجاد من إقامته الجبرية، لأنها ربما تكشف سيناريو لا يتعدى كونه حرب نفسية واستخباراتية مُسيسة، تتزامن مع مهلة الأيام الثلاثة التي حددها ترامب للوصول إلى اتفاق أو استئناف الحرب.

	وتهدف واشنطن من وراء هذه الدعاية إلى تحقيق هدفين:

	1- ضرب الثقة الداخلية، عبر صناعة حالة من الشك داخل النخبة السيادية الإيرانية لإشغال أجهزة الاستخبارات بالتشكيك في ولاءاتها ومراقبة الداخل بدلاً من التركيز على إدارة ملف التفاوض الراهن.

	2- إرسال إشارة غير مباشرة لصانع القرار في طهران بأن العمق الأمني الإيراني مكشوف، وأن أوراق الرموز الشعوبية قابلة للتوظيف.

	إلا أن هذا الرهان يغفل تماما التكاتف المؤسسي الإيراني، الذي تجلى بوضوح في حرب الـ 12 يوما 2025 وفي حرب رمضان 2026، ولما لا، والعقيدة الأمنية الإيرانية تؤمن بأن أي اختراق للجبهة الداخلية وقت الحرب يعني انهيار المعبد على رؤوس الجميع، لذا فإن الرهان الأمريكي على وجود أجنحة مستعدة للتواطؤ في هذا التوقيت ربما يكون قراءة منفصلة عن الواقع، تفصلها مسافات عن صرامة المؤسسة الإيرانية وقت الأزمات.

	ويُتوقع أمام هذه الضغوط متعددة الأبعاد، أن تدير طهران مهلة الأيام الثلاثة الحرجة عبر مسار إبداء الصلابة المؤسسية علنا من خلال استعراض القوة العسكرية في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز والتعنت في شروط التفاوض حول برنامجها النووي، مقابل إثبات عدم الرضوخ لسياسة الإنذارات، وتأمين قنوات التفاوض الخلفية باستخدام الدبلوماسية السرية عبر إسلام أباد، من أجل تقديم مقاربة براجماتية تضمن الحفاظ على الخطوط الحمراء الإيرانية كالسيادة والتعويضات المالية.

	في مقابل ذلك، هناك تيار يروج لحالة الاختناق الاقتصادي وتداعيات الحرب على الظروف المعيشية التي قد تتسبب في انفجار داخلي ضد النظام ما قد يؤثر على كروت إيران التفاوضية. ومع هذا، يتجاهل هذا التيار أن الطبقة الوسطى والشباب الذين قادوا احتجاجات الحركة الخضراء 2009، واحتجاجات البنزين 2019، واحتجاجات مهسا أميني 2022، واحتجاجات البازار ديسمبر 2025 ويناير 2026، يمتلك وعيا سياسيا حادا وحساسية مفرطة تجاه التدخل الأجنبي وسيناريوهات الاعتداءات الأمريكية على الأراضي الإيرانية، وبالتالي مهما كانت الدعاية الأمريكية حول أن الحرب كانت محاولة لإنقاذ الإيرانيين من بطش النظام السياسي، فهو لا يبرر الاعتداءات الأمريكية ولا يبرر تصريحات ترامب بتكرار سيناريو فنزويلا في إيران والاستيلاء على النفط الإيراني.

	ولهذا، فأن أي سيناريو لصعود شخصية سياسية على متن طائرات إسرائيلية أو أمريكية كان سيحوله فورا في نظرهم إلى كرزاي طهران، تشبيها بحامد كرزاي الذي تولى حكم أفغانستان 2001 بالدعم العسكري الأمريكي المباشر وحمايته، وهذا بلا شك سيسقط عنه أي صفة شعبوية أو وطنية، ويضعه أمام رفض مزدوج من التيار العسكري والمتشدد الذي سيراه خائنًا، ومن التيار الإصلاحي الذي يشكك بأيديولوجيته أساسا.

	خاتمة:

	بناءً على ما سبق، تثبت المؤشرات الواقعية أن واشنطن غير مستعدة وغير راغبة في خوض حرب مفتوحة لاستئصال النفوذ الإيراني بالكامل خشية الوقوع في فخ استنزاف طويل الأمد يبدد طاقاتها العسكرية والاقتصادية بعيدا عن جبهة الصراع الرئيسية مع الصين في بحر الصين الجنوبي، لتبقى المعادلة الراهنة محكومة ببراجماتية متوترة تستغل فيها طهران فترات وقف إطلاق النار لترميم جراحها الصناعية، بينما تكتفي واشنطن بتهديدات بساط القصف الجوي كأوراق ضغط سياسي دون الجرأة على تجاوز الخطوط الحمراء نحو المواجهة الشاملة.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 21 مايو 2026 04:24:34 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22416/تحليلات//-كرزاي-طهران-وفشل-الدعاية-الأمريكية-لاختراق-الجبهة.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>الصومال بين تداعيات الحرب الإيرانية ــ الأمريكية وتعقيدات مسار بناء الدولة والاستقرار المؤسسي</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22415/تحليلات//الصومال-بين-تداعيات-الحرب-الإيرانية-ــ-الأمريكية-و.aspx</link>
<description>
في ضوء التصعيد الإقليمي المتزايد المرتبط بالحرب مع إيران، وما يرافقه من اضطرابات أمنية واقتصادية في البحر الأحمر والشرق الأوسط، تبدو الصومال واحدة من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتداعيات غير المباشرة للصراعات الدولية، بحكم هشاشة بنيتها السياسية والاقتصادية واعتمادها الكبير على الخارج. فالتحديات التي تواجه مقديشو اليوم لم تعد تقتصر على مكافحة الإرهاب أو إدارة الانقسامات الداخلية، بل باتت ترتبط أيضًا بقدرتها على تحصين الدولة ضد الصدمات الجيوسياسية العابرة للحدود، والتي تكشف حجم الترابط بين أمن القرن الإفريقي وتحولات الإقليم الأوسع. </description>
<fulldescription>

	في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، باتت تداعيات التصعيد بين إيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة تتجاوز حدود ساحات المواجهة التقليدية، لتنعكس بصورة مباشرة على الدول الهشة أمنيًا واقتصاديًا، وفي مقدمتها الصومال، التي لا تزال تواجه تحديات معقدة تتعلق بإعادة بناء الدولة وترسيخ الاستقرار السياسي والأمني. فالصومال اليوم لا تواجه مجرد آثار جانبية للصراع الإقليمي، بل تجد نفسها في قلب بيئة استراتيجية مضطربة تهدد بإبعاد مسار التعافي الهش عن أهدافه طويلة المدى، خاصة في ظل اضطراب خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وارتفاع أسعار النفط، وتراجع أولويات المجتمع الدولي تجاه ملفات التنمية والاستقرار داخل إفريقيا لصالح احتواء التصعيد في الشرق الأوسط. وتزداد خطورة هذه التداعيات مع استمرار هشاشة البنية السياسية الداخلية وضعف التوافق بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم المختلفة، الأمر الذي يحد من قدرة الدولة على التعامل مع الضغوط الاقتصادية والأمنية المتصاعدة، بالتزامن مع استمرار تهديدات حركة الشباب والتحديات المرتبطة بإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والسياسية. كما ساهم اعتراف إسرائيل في ديسمبر 2025 بإقليم صوماليلاند الانفصالي في تعميق حالة الاستقطاب الإقليمي، بما يعكس مدى قابلية الانقسامات الداخلية الصومالية للتوظيف ضمن حسابات القوى الدولية والإقليمية المتنافسة في القرن الإفريقي، فضلًا عن تصاعد التوترات بين الصومال وبعض القوى الإقليمية، بسبب الخلافات المرتبطة بالسيادة والتدخلات الخارجية داخل الأقاليم الصومالية. وفي الداخل أدى ضعف التماسك السياسي والانقسامات المؤسسية إلى تعقيد الاستعدادات الخاصة بالمرحلة الانتقالية المرتبطة بانتهاء ولاية الحكومة الحالية في 15 مايو، وهو ما يضع مقديشو أمام تحديات سياسية وأمنية دقيقة في توقيت بالغ الحساسية، خاصة مع احتمالات اتساع نطاق الصراعات الإقليمية وانعكاساتها على الداخل الصومالي. وفي ضوء هذه البيئة المضطربة، تبدو الصومال أكثر عرضة لمخاطر الانزلاق نحو مزيد من عدم الاستقرار، في حال فشلها في إدارة توازناتها الدبلوماسية والإقليمية بحذر، بما يجعل أي خطأ سياسي أو اصطفاف غير محسوب عاملًا إضافيًا لتعطيل جهود إعادة بناء الدولة وتقويض فرص التعافي والاستقرار على المدى الطويل.

	التداعيات الاقتصادية والإنسانية للتصعيد الإقليمي على الصومال:

	يمثل الموقع الجغرافي للصومال على خليج عدن وبالقرب من أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم عاملًا رئيسيًا في زيادة تعرضه للتداعيات المباشرة للتصعيد الإقليمي في البحر الأحمر والشرق الأوسط. فمع تصاعد التوترات الأمنية وتهديدات الملاحة الدولية، تصبح الصومال أكثر هشاشة أمام أي اضطرابات تمس حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل الارتباط الوثيق للاقتصاد الصومالي بأسواق الخليج العربي. وتبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها الشريك التجاري الأهم للصومال، إذ تستحوذ على ما يقرب من 70% من إجمالي الصادرات الصومالية، وهو ما يعكس حجم الاعتماد الاقتصادي الصومالي على الأسواق الخليجية، ويجعل الاقتصاد المحلي شديد التأثر بأي تحولات سياسية أو أمنية في المنطقة.

	وفي المقابل لا تزال الصومال تعتمد بصورة كبيرة على واردات السلع الأساسية والمواد الغذائية والاحتياجات الإنسانية، الأمر الذي يحد من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الاقتصادية الناتجة عن اضطراب حركة التجارة أو ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة. وفي هذا السياق تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين المرتبطة بالتوترات الإقليمية أدى إلى زيادة أسعار الغذاء والمياه داخل الصومال، إلى جانب مضاعفة تكاليف نقل المساعدات الإنسانية، وتأخير وصول الشحنات الحيوية من الأغذية والأدوية ومستلزمات الصرف الصحي، بما يفاقم من حدة الأوضاع الإنسانية والمعيشية داخل البلاد.

	وتنعكس هذه الاضطرابات بصورة مباشرة على جهود الحد من الفقر وتحقيق التعافي الاقتصادي، خاصة في ظل استمرار المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الهشة. ففي عام 2023، كان نحو 73% من السكان، بما يعادل 13.4 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر المدقع بأقل من ثلاثة دولارات يوميًا. ورغم وجود تقديرات تشير إلى إمكانية تراجع نسبة الفقر مستقبلا، فإن النمو السكاني المتسارع يهدد بزيادة العدد الإجمالي للفقراء، بما يعكس استمرار الأزمة الهيكلية للاقتصاد الصومالي وعدم قدرة النمو المحدود على استيعاب التحديات الديمغرافية والمعيشية المتفاقمة.

	كما تتفاقم الأزمة بفعل استمرار العوامل الهيكلية المسببة للفقر وعدم الاستقرار، وفي مقدمتها موجات الجفاف والفيضانات المتكررة التي تؤدي إلى تآكل الأصول الإنتاجية وتقويض سبل العيش المرتبطة بالزراعة والرعي، فضلًا عن تأثيرات النزاعات الداخلية والتوترات الأمنية التي تعطل حركة التجارة والاستثمار وتضعف كفاءة المؤسسات الحكومية الهشة أصلًا. وفي ظل اتساع الاقتصاد غير الرسمي وتراجع فرص العمل والاستثمار، تجد غالبية الأسر الصومالية نفسها في مواجهة حالة مستمرة من انعدام الأمن الاقتصادي والمعيشي، الأمر الذي يجعل أي تصعيد إقليمي جديد عاملًا إضافيًا لتعميق هشاشة الدولة وتعطيل فرص الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.

	تأثير التصعيد الإقليمي والحرب مع إيران على الهشاشة الإنسانية والاقتصادية في الصومال:

	تواجه الصومال واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في القارة الإفريقية، في ظل التداخل المستمر بين النزاعات المسلحة، والكوارث المناخية، والانهيار الاقتصادي، وهو ما جعل البلاد من بين أكبر بؤر النزوح الداخلي في العالم. فبحلول نهاية عام 2024، تسبب العنف والصراعات المسلحة في نزوح ما يقرب من 3.1 مليون شخص، في حين دفعت موجات الجفاف والفيضانات المتكررة أعدادًا أكبر إلى مغادرة مناطقهم الأصلية بحثًا عن الحد الأدنى من الأمن المعيشي والإنساني. وقد أدى ذلك إلى تعرض المدن الرئيسية، مثل مقديشو وبوصاصو، وبيدوا، وهرجيسا، لضغوط سكانية وخدمية متزايدة، مع تركز أعداد كبيرة من النازحين في مستوطنات عشوائية تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يفاقم من هشاشة البيئة الإنسانية والاجتماعية داخل البلاد.

	وفي ظل محدودية أنظمة الحماية الاجتماعية وضعف قدرة الدولة على توفير شبكات دعم اقتصادي فعّالة، تصبح قطاعات واسعة من المجتمع الصومالي أكثر عرضة للانهيار أمام أي صدمة خارجية جديدة، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران وما تفرضه من اضطرابات اقتصادية وأمنية على منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. كما تعكس المؤشرات الاقتصادية استمرار حالة التعافي البطيء وعدم قدرة الاقتصاد الصومالي على تجاوز أزماته الهيكلية بصورة حقيقية، إذ بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 1466 دولارًا فقط في عام 2023، وهو رابع أدنى مستوى في إفريقيا، بينما تشير التقديرات إلى ارتفاعه إلى نحو 2644 دولارًا بحلول عام 2043، بما قد يرفع ترتيب الصومال نسبيًا داخل القارة، لكنه سيبقي مستويات الدخل بعيدة بصورة كبيرة عن متوسط الدول الإفريقية منخفضة الدخل.

	ويعكس ذلك أن أي تحسن اقتصادي متوقع سيظل محدود التأثير في ظل استمرار النمو السكاني المرتفع واتساع الفجوات التنموية، بما يعني أن الصومال مرشحة للاستمرار ضمن أكثر الدول فقرًا وهشاشة خلال العقدين المقبلين، رغم بعض مؤشرات التحسن النسبي. كما يزيد من تعقيد المشهد استمرار الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، التي باتت تمثل ركيزة أساسية لاستمرار الخدمات الإنسانية والاقتصادية داخل البلاد. غير أن الجزء الأكبر من هذه المساعدات يظل موجهاً للاستجابة للأزمات الإنسانية الطارئة، مثل الغذاء والإغاثة والرعاية الصحية العاجلة، بدلا من توجيهه نحو مشروعات التنمية المستدامة وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية.

	وفي هذا السياق تصبح الصومال أكثر عرضة للتأثر بالصدمات الخارجية، ليس فقط بسبب هشاشة اقتصادها الداخلي، بل أيضًا نتيجة هشاشة منظومة المساعدات الدولية ذاتها، التي تتأثر بالأزمات العالمية وتحولات أولويات القوى المانحة. وبالتالي، فإن استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران، إلى جانب الأزمات المناخية والأمنية الداخلية، يهدد بإدامة الحلقة المفرغة من الفقر والنزوح والاعتماد على المساعدات، بما يعطل فرص التعافي الحقيقي ويؤخر مسار بناء الدولة والاستقرار طويل المدى.

	تُشكّل الأزمة الحالية تهديدا مباشرا لمسيرة الصومال نحو التعافي والتنمية المستدامة. ولجعل البلاد أقل عرضةً للمخاطر عند وقوع الصدمة التالية، تُعدّ ثلاثة خيارات سياسية بالغة الأهمية: تحتاج الصومال إلى احتياطيات اقتصادية مستدامة، وإطار حوكمة أقوى، ونموذج تنموي أقل عرضةً للمخاطر منذ البداية.

	أولاً ــ تحتاج الصومال إلى تقليل اعتمادها على السلع الأساسية المستوردة وتنويع أسواقها التصديرية المحدودة:ويمكن للتكامل عبر مجموعة شرق إفريقيا وعبر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أن يدعم هذا التحول، ولكن بشرط أن يكون مدعوماً بقدرة إنتاجية محلية أقوى، ولوجستيات تجارية أفضل، وقدرة تنافسية أعلى.

	وهذا يتطلب استثمارًا أكبر في الزراعة وسلاسل السلع الأساسية، ولا سيما الثروة الحيوانية، التي لا تزال محورية للصادرات، بالإضافة إلى الصناعات الزراعية التحويلية، والطاقة، والبنية التحتية التجارية.

	يمثل الاقتصاد الأزرق في الصومال فرصةً هائلةً أخرى غير مستغلة. فبامتلاكها أطول ساحل في البر الرئيسي لإفريقيا، تتمتع البلاد بإمكانات كبيرة لتوسيع قطاع مصايد الأسماك واقتصادها البحري بشكل عام. ومع ذلك، لا يزال قطاع مصايد الأسماك يساهم بنحو 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

	ثانيا ــ تحتاج الصومال إلى تعزيز قدرات الدولة وتنسيق سياسي أفضل:ولا يزال هذا الأمر صعبا في ظل افتقار الحكومة الفيدرالية إلى السيطرة الكاملة على الأراضي، واستمرار حركة الشباب في الحد من نفوذ الدولة، وعدم اكتمال عملية الانتقال إلى نظام أمني وطني موحد.

	لا تزال آفاق الاقتصاد والأمن والتنمية في الصومال مرتبطة بصدمات لا تسيطر عليها.

	تفاقمت التوترات السياسية أيضا حول العملية الانتخابية والتعديلات الدستورية، مما يزيد من خطر تأخير أو نزاع على تغيير الحكومة. لا يمكن لأي بلد أن يتحمل الصدمات المتكررة إذا كانت السلطة العامة متشرذمة، والتنفيذ ضعيفا، والخلافات السياسية تحول دون تحقيق الاستقرار وتقديم الخدمات.

	ثالثًا ــ يجب على الصومال أن تتجاوز إدارة حالات الطوارئ وأن تعزز أسس الاستدامة. ستظل المساعدات الإنسانية ضرورية، لكن المهمة الأكبر هي تعبئة الموارد المحلية بفعالية، وتهيئة الظروف المواتية للاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتعزيز تطوير البنية التحتية. كما أن تنمية المهارات أمر بالغ الأهمية لزيادة الإنتاجية إلى أقصى حد.

	الأهم من ذلك أن الصومال لن تصبح أقل عرضةً للمخاطر من خلال الإصلاحات الجزئية. تتحقق المكاسب الأكبر عند اتخاذ إجراءات شاملة في مختلف القطاعات. في سيناريو &quot;التكامل&quot; الذي وضعته مبادرة &quot;التحالف من أجل التنمية&quot;، تُحقق التدخلات المنسقة في مجالات الزراعة، والصحة، والديمغرافيا، والتعليم، والتصنيع، والتجارة، والبنية التحتية، والحوكمة مكاسب تنموية أكبر من المسار الحالي، إذ تُسهم في انتشال نحو ستة ملايين شخص من براثن الفقر المدقع بحلول عام 2043.

	لا يزال مسار التنمية في الصومال يتأثر بشدة بالديناميات الخارجية. ولا تكمن أهمية الصراع في الشرق الأوسط في قربه الجغرافي فحسب، بل في كونه يكشف مدى ارتباط اقتصاد الصومال وأمنه وآفاق تنميته بصدمات خارجة عن سيطرته.

	خاتمة:

	في ضوء التصعيد الإقليمي المتزايد المرتبط بالحرب مع إيران، وما يرافقه من اضطرابات أمنية واقتصادية في البحر الأحمر والشرق الأوسط، تبدو الصومال واحدة من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتداعيات غير المباشرة للصراعات الدولية، بحكم هشاشة بنيتها السياسية والاقتصادية واعتمادها الكبير على الخارج. فالتحديات التي تواجه مقديشو اليوم لم تعد تقتصر على مكافحة الإرهاب أو إدارة الانقسامات الداخلية، بل باتت ترتبط أيضًا بقدرتها على تحصين الدولة ضد الصدمات الجيوسياسية العابرة للحدود، والتي تكشف حجم الترابط بين أمن القرن الإفريقي وتحولات الإقليم الأوسع. وبينما تمثل الأزمات الحالية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة الصومالية على الصمود، فإن تجاوز هذه المرحلة يتطلب بناء نموذج تنموي أكثر استدامة، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، بما يقلل من هشاشة البلاد أمام المتغيرات الخارجية. وفي ظل استمرار التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ستظل قدرة الصومال على تحقيق الاستقرار مرهونة بمدى نجاحها في إدارة توازناتها الداخلية والخارجية، والتحول من دولة تتأثر بالصراعات المحيطة إلى فاعل إقليمي أكثر قدرة على حماية مصالحه واستقرار مساره التنموي.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 21 مايو 2026 03:40:12 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22415/تحليلات//الصومال-بين-تداعيات-الحرب-الإيرانية-ــ-الأمريكية-و.aspx</guid>
</item>
<item>
<title> الحياد الرقمي الاستراتيجي.. نحو بنية حوكمة دولية لإدارة التوترات الرقمية</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/24//22414/مقالات-رأى//-الحياد-الرقمي-الاستراتيجي--نحو-بنية-حوكمة-دولية-ل.aspx</link>
<description>
</description>
<fulldescription>

	يشهد النظام الدولي المعاصر تحوّلاً بنيوياً عميقاً في طبيعة الاستقطاب الجيواستراتيجي؛ فبعد أن ظلّ هذا الاستقطاب لعقود طويلة رهينا بالأبعاد الجغرافية التقليدية المرتبطة بموازين الردع النووي، وخطوط النفوذ البحري، والعمق القاري، وأحزمة الاحتواء الإقليمي، انتقل اليوم بصورة متسارعة نحو فضاء مركّب تتداخل فيه الجغرافيا مع البيانات، والسيادة مع الخوارزمية، والأمن القومي مع البنى الرقمية العابرة للحدود، في ما بات يُعرف بـ&laquo;الفضاء الجيوسيبراني&raquo;. لم تعد السيطرة تُقاس فقط بامتلاك الممرات البحرية، أو القواعد العسكرية، أو الترسانة الصاروخية، بل باتت تُقاس أيضاً بالقدرة على التحكم في تدفقات البيانات، وإدارة البنى التحتية الرقمية، واحتكار الخوارزميات، والتحكم في معايير الاتصال العالمية، بما يجعل الفضاء السيبراني امتدادا مباشرا لمفهوم القوة الشاملة فى القرن الحادي والعشرين.

	إن التحول نحو الجيوسيبرانية لا يُمثّل مجرد انتقال تقني في أدوات القوة، بل يُعبّر عن انتقال تاريخي في طبيعة النظام الدولي ذاته؛ فالعالم يدخل تدريجيا طورا جديدا من إعادة توزيع القوة الكونية، تتحول فيه الشبكات إلى جغرافيا بديلة، والكابلات البحرية إلى خطوط إمداد استراتيجية، ومراكز البيانات إلى قواعد سيادية غير مرئية، والذكاء الاصطناعي إلى بنية ردع تتجاوز في آثارها كثيرا من الأسلحة التقليدية. وبهذا المعنى فإن ما نشهده اليوم لا يتعلق بثورة تكنولوجية معزولة، بل بإعادة تعريف شاملة لمفهوم السيادة، والهيمنة، والردع، والتوازن الدولي.

	لقد أُنشئ الإنترنت في بداياته بوصفه فضاءً مفتوحا وعابرا للحدود، قائما على مبدأ التدفق الحر للمعلومات والتواصل الإنساني غير المقيد، غير أن هذا التصور المثالي بدأ يتآكل تدريجيا مع انتقال الفضاء الرقمي من كونه مجالا مدنيا تقنيا إلى كونه ميداناً استراتيجيا تتصارع فيه القوى الكبرى على إعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحها الجيوسياسية. فالفضاء الإلكتروني لم يعد بيئة محايدة كما تصوّره رواد الثورة الرقمية الأوائل، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك معقّدة تُدار فيها الحروب الصامتة تحت عتبة الحرب التقليدية، وتُستخدم فيها الهجمات السيبرانية وعمليات التأثير المعلوماتي والاختراقات الرقمية كأدوات لإعادة هندسة التوازنات الدولية دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة.

	وفي هذا السياق يكتسب مفهوم &laquo;تصفير الاستقطاب الجيوسيبراني&raquo; أهمية استراتيجية متصاعدة، لا بوصفه مشروعا مثاليا لإنهاء التنافس بين القوى الكبرى، وإنما باعتباره محاولة لإعادة عقلنة هذا التنافس وضبطه ضمن أطر مؤسسية وقانونية تحول دون انزلاقه إلى فوضى رقمية مفتوحة. فالتصفير هنا لا يعني إلغاء الصراع أو إنهاء التناقضات البنيوية بين الفاعلين الدوليين، بل يعني تفكيك البنية الصفرية التي تجعل أي مكسب لطرف ما يُنظر إليه بوصفه خسارة وجودية للطرف الآخر. إنه انتقال من منطق الحرب الدائمة إلى منطق إدارة التنافس، ومن فلسفة الهيمنة المطلقة إلى فلسفة التوازن الوظيفي، ومن عقلية الاحتواء الرقمي إلى هندسة الاعتماد المتبادل المنضبط.

	وتنبع خطورة الاستقطاب الجيوسيبراني من أنه يجمع بين خاصيتين بالغتي التعقيد: أولاهما أنه صراع غير مرئي في كثير من الأحيان، والأخرى أنه صراع يمسّ البنية العميقة للحياة اليومية للدول والمجتمعات. فالهجوم السيبراني على شبكة كهرباء أو منظومة مالية أو بنية اتصالات قد يُحدث تأثيرا استراتيجيا يعادل نتائج الضربات العسكرية التقليدية، لكنه يتم بصمت، وبإنكار معقول، وبتكلفة منخفضة نسبيا، مما يجعل عتبة استخدامه أكثر انخفاضا بكثير من عتبة الحرب العسكرية التقليدية. وهنا تتجلّى المفارقة الأخطر: كلما ازدادت المجتمعات اعتمادا على الرقمنة، ازدادت هشاشتها الاستراتيجية أمام الاختراق السيبراني.

	تقوم الجيوسيبرانية بوصفها حقلا تحليليا على تقاطع ثلاث دوائر كبرى: الجيوسياسة الكلاسيكية بمنطقها القائم على القوة والنفوذ والاحتواء، والأمن السيبراني بمنظومة الدفاع والهجوم الرقمي، والاقتصاد الرقمي العالمي الذي أعاد رسم خرائط الثروة والسيطرة على نحو غير مسبوق. وفي هذا الإطار باتت البيانات تُعامل بوصفها موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن النفط والغاز، وأصبحت السيطرة على سلاسل القيمة الرقمية تمثل شكلا جديدا من أشكال الهيمنة الإمبراطورية الناعمة. فالقوة في العصر الجيوسيبراني لا تُمارَس فقط عبر الاحتلال المباشر أو السيطرة العسكرية، بل عبر القدرة على احتكار البنية التحتية الرقمية والمعايير التقنية والمنصات الخوارزمية التي تُعيد تشكيل الإدراك الجمعي والاقتصاد العالمي معا.

	وتنهض الجيوسيبرانية على أربعة أركان استراتيجية متشابكة. يتمثل الركن الأول في سيادة البيانات وتدفقاتها عبر الحدود، حيث باتت الدول تنظر إلى البيانات باعتبارها مخزوناً سياديااستراتيجيا يجب حمايته وتنظيمه والسيطرة على حركته. أما الركن الثاني فيتعلق بالبنية التحتية الرقمية الحيوية من كابلات بحرية، ومراكز بيانات، وأقمار صناعية، ومنظومات اتصال، والتي أصبحت بمثابة &laquo;شرايين النظام العالمي&raquo; التي يترتب على تعطيلها شلل اقتصادي وأمني واسع النطاق. ويتمثل الركن الثالث في الاستخبارات السيبرانية وعمليات التأثير المعلوماتي التي تُستخدم لتوجيه الرأي العام، وإرباك الخصوم، وإضعاف التماسك المجتمعي الداخلي للدول المستهدفة. بينما يرتبط الركن الرابع بالسلطة المعيارية والتقييسية، إذ إن الطرف الذي يفرض المعايير التقنية وقواعد التشغيل يمتلك شكلا غير مرئي من السلطة الهيكلية على بقية الفاعلين الدوليين.

	لقد تجلّى الاستقطاب الجيوسيبراني الراهن بوضوح في الصراع على شبكات الجيل الخامس، حيث تحولت معركة تقنية في ظاهرها إلى مواجهة استراتيجية شاملة بين الولايات المتحدة والصين حول مستقبل السيطرة على البنية الرقمية للعالم. فواشنطن لم تنظر إلى صعود Huawei باعتباره مجرد تهديد تجاري، بل بوصفه تهديدا جيوسياسيايتعلق بإمكانية انتقال مركز الثقل التكنولوجي العالمي إلى بكين. وفي المقابل رأت الصين أن محاولات استبعاد شركاتها من الأسواق الغربية تمثل محاولة لاحتواء صعودها الاستراتيجي ومنعها من التحول إلى قطب تكنولوجي عالمي مستقل. وهكذا تحولت التكنولوجيا إلى أداة احتواء، وتحولت الرقائق الإلكترونية إلى سلاح جيوسياسي، وتحولت الخوارزميات إلى أدوات نفوذ دولي.

	كما يتجلّى هذا الاستقطاب في الصراع حول نماذج حوكمة البيانات والإنترنت، حيث برزت ثلاثة نماذج متنافسة: النموذج الأمريكي القائم على التدفق الحر للبيانات وهيمنة الشركات التقنية الكبرى؛ والنموذج الصيني المرتكز على مفهوم السيادة الرقمية الشاملة والرقابة المركزية؛ والنموذج الأوروبي الذي يسعى إلى بناء سلطة معيارية عبر قوانين حماية البيانات والحدّ من تغوّل الشركات الرقمية العملاقة. ولا يعكس هذا التباين مجرد اختلاف تقني أو قانوني، بل يعكس رؤى حضارية متناقضة حول العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع والفرد في العصر الرقمي.

	وفي هذا السياق يبرز مفهوم&laquo;Splinternet&raquo; بوصفه أحد أخطر تجليات الاستقطاب الجيوسيبراني المعاصر، حيث يتجه الإنترنت العالمي تدريجيا نحو التفكك إلى شبكات رقمية ذات سيادة مغلقة، لكل منها معاييرها وقواعدها ونظمها الأمنية الخاصة. وهذا التفكك لا يُهدد فقط وحدة الفضاء الرقمي العالمي، بل يُهدد أيضا فكرة العولمة ذاتها التي قامت على التدفق الحر للمعلومات ورأس المال والتكنولوجيا. فالعالم يتجه شيئا فشيئا نحو خرائط رقمية متوازية قد لا تتشارك مستقبلا حتى اللغة التقنية الموحدة التي قامت عليها شبكة الإنترنت الحديثة.

	وقد شكّلت الحرب الروسية-الأوكرانية نقطة انعطاف مركزية في فهم الطبيعة المستقبلية للصراعات الجيوسيبرانية. فهذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت أول حرب هجينة شاملة تتداخل فيها العمليات الميدانية مع الهجمات السيبرانية، والحرب المعلوماتية، والأقمار الصناعية التجارية، ومنصات الذكاء الاصطناعي، وعمليات التأثير النفسي الرقمي. لقد كشفت هذه الحرب أن الفضاء السيبراني لم يعد مجرد ساحة مرافقة للحرب، بل أصبح جزءا عضويا من بنية المعركة ذاتها. كما كشفت عن عجز القانون الدولي التقليدي عن مواكبة التحولات الجديدة، إذ لا تزال القواعد الدولية عاجزة عن تحديد الخطوط الفاصلة بين العمل السيبراني العدائي والعمل العسكري المباشر، وعن تحديد مسئولية الفاعلين في ظل تعقيد إشكالية الإسناد التقني للهجمات.

	وفي مقابل هذا المشهد التصادمي، برزت تجارب إقليمية حاولت بناء قدر من &laquo;الحياد الرقمي الاستراتيجي&raquo; القائم على موازنة العلاقات مع الأقطاب الرقمية الكبرى دون الانخراط الكامل في أي محور. فقد نجح الاتحاد الأوروبي في بناء إطار معياري مستقل نسبيا عبر منظومة تشريعية متقدمة شملت اللائحة العامة لحماية البيانات وقوانين الأسواق والخدمات الرقمية، بما منحه قدرة تفاوضية مستقلة نسبيا عن الهيمنة الأمريكية والصينية. كما سعت دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) إلى الحفاظ على قدر من المرونة الاستراتيجية في علاقاتها الرقمية، بما يمنع تحولها إلى ساحات احتواء متبادل بين القوى الكبرى.

	إن تصفير الاستقطاب الجيوسيبراني يقتضي إعادة هندسة بنية الحوكمة الدولية للفضاء الرقمي وفق مقاربة متعددة الأطراف تستوعب طبيعة التوازنات الجديدة. والمقصود هنا ليس العودة إلى نموذج الحوكمة الأحادي الذي ساد في بدايات الإنترنت، ولا الانزلاق نحو نموذج سيادة رقمية مغلقة بالكامل، بل بناء إطار توافقي جديد يوازن بين السيادة الوطنية والاعتماد المتبادل العالمي. وهذا يتطلب إصلاحا جذريا في هياكل الحوكمة الرقمية الدولية، بما يشمل توسيع تمثيل الدول النامية، وإنشاء آليات تحكيم دولية للنزاعات السيبرانية، وتأسيس مؤسسات تقنية مستقلة للتحقق من الهجمات الرقمية وتحديد المسئولية عنها.

	كما يتطلب الأمر بناء منظومة دولية للخطوط الحمراء الرقمية، على غرار الخطوط الحمراء النووية التي جرى تطويرها خلال الحرب الباردة. فغياب التوافق الدولي حول ما يُعد عملا عدائياً في الفضاء السيبراني يفتح المجال واسعا أمام سوء التقدير والتصعيد غير المقصود. ومن هنا تبرز الحاجة إلى صياغة قواعد ملزمة تُجرّم الهجمات على البنى التحتية المدنية الحيوية، وتضع قيوداً على استهداف الشبكات المالية والطاقة والاتصالات، وتُلزم الدول بآليات إخطار وتواصل قبل تنفيذ العمليات السيبرانية ذات الطابع الاستراتيجي.

	ويُعدّ بناء &laquo;دبلوماسية الثقة السيبرانية&raquo; من أهم مرتكزات تصفير الاستقطاب، إذ إن التجربة التاريخية للحرب الباردة تُظهر أن الردع وحده لا يكفي لمنع الكارثة، بل لا بد من وجود قنوات اتصال وآليات لإدارة الأزمات وتقليل مخاطر سوء الفهم. فكما نجحت خطوط الاتصال الساخنة ومعاهدات الحد من التسلح النووي في تقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة، يمكن اليوم بناء آليات مشابهة في الفضاء الجيوسيبراني، تشمل خطوط اتصال سيبرانية مباشرة، واتفاقيات عدم استهداف البنى التحتية الحيوية، وبرامج مشتركة لتبادل معلومات التهديدات الرقمية.

	ولعل أحد أهم أبعاد تصفير الاستقطاب يتمثل في تمكين الدول المتوسطة والصغيرة من تبنّي استراتيجيات &laquo;الحياد الرقمي الاستراتيجي&raquo;، بما يمنع تحويلها إلى ساحات صراع بين الأقطاب الرقمية الكبرى. فهذا الحياد لا يعني الانعزال عن العالم أو التخلي عن الشراكات التقنية، بل يعني بناء قدرة ذاتية على تنويع الشركاء، وتطوير البنى الوطنية للتحقق التقني، والمشاركة الفعالة في صياغة معايير الحوكمة الرقمية بدلا من الاكتفاء بتلقيها.

	غير أن الطريق نحو تصفير الاستقطاب الجيوسيبراني يواجه تحديات هيكلية عميقة. فإشكالية الإسناد التقني للهجمات لا تزال تمثل واحدة من أعقد معضلات الأمن السيبراني الدولي، إذ يصعب في كثير من الأحيان إثبات المسئولية بصورة قاطعة، مما يُبقي الباب مفتوحا أمام الإنكار والتلاعب والتصعيد. كما أن الفجوة الهائلة في القدرات التقنية بين الدول تُكرّس بنية غير متكافئة للنظام الجيوسيبراني، حيث تمتلك قلة من الدول والشركات قدرات هجومية ودفاعية هائلة مقابل هشاشة رقمية تعاني منها غالبية دول العالم النامي.

	ويزداد الأمر تعقيدا مع التسارع الهائل في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأقمار الصناعية منخفضة المدار، وهي تقنيات مرشحة لإعادة تشكيل موازين القوة الجيوسيبرانية بصورة جذرية خلال العقد المقبل. فالدبلوماسية التقليدية باتت تتحرك بوتيرة أبطأ بكثير من التحولات التقنية المتلاحقة، الأمر الذي يُنتج فجوة زمنية خطيرة بين سرعة التطور التكنولوجي وقدرة النظام الدولي على تنظيمه.

	وفي قلب هذه المعادلة المعقدة تبرز منطقة الشرق الأوسط بوصفها إحدى أكثر المناطق عرضة لتجليات الاستقطاب الجيوسيبراني، وفي الوقت ذاته إحدى أكثر المناطق امتلاكا لإمكانات التحول إلى فاعل إقليمي مؤثر في معادلات الحوكمة الرقمية. فالمنطقة تقع عند تقاطع المصالح الأمريكية، والصينية، والروسية، وتمتلك بنى طاقوية واتصالية حيوية تجعلها هدفا دائما للهجمات والاختراقات السيبرانية. لكنها تمتلك أيضا فرصااستراتيجية مهمة عبر مشروعات التحول الرقمي المتسارعة، والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، وإمكانية بناء أطر إقليمية مشتركة للأمن السيبرانيوالحوكمة الرقمية.

	إن الشرق الأوسط يمتلك فرصة تاريخية للتحول من &laquo;ساحة استقطاب&raquo; إلى &laquo;فاعل توازني&raquo; في النظام الجيوسيبراني العالمي، شرط أن يتمكن من بناء رؤية إقليمية مشتركة تقوم على تنسيق سياسات الأمن السيبراني، وتعزيز السيادة الرقمية، وتطوير القدرات الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحقق التقني والبنى التحتية السيادية. فالمعادلة المستقبلية لن تُحسم فقط بمن يمتلك التكنولوجيا، بل بمن يمتلك القدرة على توظيفها ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى.

	وخلاصة القول إن الاستقطاب الجيوسيبراني لم يعد ظاهرة عابرة أو أزمة مؤقتة، بل أصبح أحد المحددات البنيوية لإعادة تشكيل النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. غير أن خطورته لا تكمن فقط في احتمالات الحرب الرقمية، بل في احتمالات انهيار البنية المشتركة التي قامت عليها العولمة الرقمية الحديثة. ومن هنا فإن الاستثمار في تصفير الاستقطاب لا يمثل ترفا أكاديميا أو خطابا مثاليا، بل يُمثل استثمارا مباشرا في استقرار النظام الدولي ذاته.

	إن العالم لا يحتاج إلى فضاء رقمي خالٍ من التنافس، فذلك مستحيل في منطق السياسة الدولية، لكنه يحتاج إلى فضاء رقمي قابل للإدارة، تُنظّم فيه المنافسة ضمن قواعد واضحة وآليات ردع وتفاهم واتصال تمنع تحوله إلى فوضى استراتيجية مفتوحة. فالمعضلة الحقيقية ليست في وجود التنافس، بل في غياب الضوابط التي تمنع هذا التنافس من التحول إلى صراع وجودي شامل. وهنا تحديدا تتجلى القيمة الاستراتيجية لمفهوم تصفير الاستقطاب الجيوسيبراني: ليس بوصفه مشروعا لإلغاء التناقضات الدولية، بل بوصفه محاولة لبناء نظام عالمي قادر على التعايش مع تلك التناقضات دون أن ينهار تحت وطأتها.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 21 مايو 2026 03:35:31 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/24//22414/مقالات-رأى//-الحياد-الرقمي-الاستراتيجي--نحو-بنية-حوكمة-دولية-ل.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>وجه آخر للصورة.. ما لا نعرفه عن كوريا الشمالية</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/24//22413/مقالات-رأى//وجه-آخر-للصورة--ما-لا-نعرفه-عن-كوريا-الشمالية.aspx</link>
<description>
</description>
<fulldescription>

	يتناول هذا المقال الحديث عن بعض الانطباعات عن كوريا الشمالية من الداخل بصورة مختلفة ومغايرة للصورة النمطية السائدة التي تظهر في الإعلام الغربي، وذلك من منطلق رؤية شخصية ومعايشة لتفاصيل الحياة داخل الدولة، من خلال التركيز على الجوانب المعمارية، والبيئية، والاجتماعية، والصحية، والتعليمية، والاقتصادية. يعتمد المقال على الملاحظة المباشرة والتجربة الشخصية، وتخلص إلى أن كوريا الشمالية تمتلك مقومات ثقافية، واجتماعية، وإنسانية إيجابية تستحق المزيد من الدراسة الموضوعية.
	
	كثيرًا ما تُختزل صورة كوريا الشمالية في الإعلام الغربي بصور الصواريخ، والعقوبات، والمشاهد الوثائقية القاتمة، لكن عندما أتيحت لي الفرصة للإقامة هناك كزوجة دبلوماسي مصري، تفاجأت بفجوة كبيرة بين تلك الصورة وما عاينته بنفسي. في هذا المقال لا أدعي الموضوعية الكاملة،هو فقط انطباع شخصي بحكم معايشتي اليومية لكافة تفاصيل الحياة في كوريا الشمالية، ومروري بتجارب لا تتاح لمعظم المتابعين، من ولادة طفلي في المستشفى المركزي للنساء والتوليد، إلى زيارة للأقاليم والمناطق الريفية، وجولات في المتاحف والمكتبات وقصور الأطفال، ومشاهدة الناس وهم يتنزهون في الجبال الخضراء. الغرض ليس تقديم دراسة سياسية، بل إضاءة جوانب إنسانية وحضارية نادرًا ما تنعكس في الأبحاث الغربية.
	
	أولًا ــ الطبيعة والوجه المعماري:
	ما لفت نظري فور وصولي هو المستوى المعماري الرفيع فيبيونج يانج. الشوارع واسعة، الأبراج السكنية منظمة، والمباني الحكومية والثقافية (مثل قصر الشمس، وقاعة الرياضة، ومترو الأنفاق العميق) تحمل طابعًا ضخمًا وأنيقًافي آن واحد، النظافة لافتة جدًا، لا أوراق في الشوارع، ولاإهمال للواجهات.
	
	لكن الأجمل كان الطبيعة، كوريا الشمالية ليست مجرد مدن إسمنتية؛ هناك تلال خضراء، وغابات، وأنهار، ففي أيامالعطلات، اعتدت رؤية العائلات تتجه إلى الجبال القريبة منالمدينة، يحملون سلال الطعام، ويرقصون على أنغامالموسيقى التقليدية، ويشترون الهدايا التذكارية من الأكشاك البسيطة، رأيت أطفالًا يرسمون المناظر الطبيعية هناك، بفرح هادئ لم أكن أتوقعه، المشهد أشبه بنزهات العائلات في أي منتزه عربي أو أوروبي، لكن بطابع كوري شمالي خاص: نظام، وحب للمكان، واندماج مع الطبيعة.
	
	ثانيًا ــ الشعب الكورى الشمالى:
	أكثر ما أثر فيّ هو تعامل الناس، الشعب الكوري الشمالي،كما عرفته، طيب جدًا، ولطيف، ويحمل قدرا كبيرا من الذوقواحترام الآخرين، فعندما يعرفون أنني مصرية، تتحولوجوههم إلى ابتسامة عريضة، ويبدأون بذكر &quot;أهرامات الجيزة&quot; كدليل على معرفتهم البسيطة بالعالم العربي، ولكن كما هو المعتاد لا يمكن تعميم الحديث على الجميع بشكل متساو، فبعض المواطنين كانوا يتعاملون بتحفظ شديد.
	
	كما لاحظت ظاهرة لافتة: &quot;عدم التحرج من العمل اليدوي&quot;، في كثير من المجتمعات، ينظر البعض إلى وظائف النظافة،أو البناء، أو الخدمة على أنها &quot;دونية&quot;، إلا أنه في بيونج يانج رأيت شبابًا، وشيوخًا، ونساء يعملون بكل كرامةوابتسامة في أي مهنة لا يوجد كبر أو تعالٍ على العملالجاد، هذا يعكس ثقافة مجتمعية صحية جدًا، نادرة فيعصرنا.
	
	أيضا من الأمور التي يطلقها الإعلام الغربي على هذا الشعب أنه يعيش في حالة عزلة ولا يعرف ما يدور في العالم الخارجي، وهذا الأمر غير صحيح بالمرة، فهنا في التلفزيون الكوري رأيت نشرات الأخبار تذيع الأخبار العالمية، مع تسليط الضوء على تطورات الشرق الأوسط، خاصة الاعتداءات الإسرائيلية في المنطقة، مما يعكس حالة التضامن كما هو المعتاد من كوريا الشمالية مع القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
	
	ثالثًا ــ التماسك العائلي والاجتماعي:
	المشهد المتكرر في شوارع بيونج يانج هو أطفال يمشون ممسكين بأيدي أجدادهم، الجدات والجدود جزء لا يتجزأ منتربية الأحفاد، والعائلة الممتدة تعيش غالبًا في أحياء متقاربة، أو في البيت نفسه ، فهذه الروابط القوية توفرشبكة أمان عاطفي واقتصادي نابضة بالحياة.
	
	رابعًا ــ الرعاية الصحية.. &quot;تجربة شخصية&quot;:
	حين قررت خوض تجربة الولادة في كوريا الشمالية رأيت المستشفى نظيفا، مجهزا بأجهزة حديثة نسبيًا، والطاقم الطبي متخصص ومهتم جدًا. بعد الولادة فوجئت بهدية جاءتني عبر الممرضات: &quot;عبوة عسل نحل طبيعي&quot;، قيل لي إنها هدية من الزعيم كيم جونج أون لكل أم تلد، مما يعكس حالة من الاهتمام والرعاية من القيادة للشعب، الفكرة ذاتها تعطي شعورًا بالاحتفاء بالحياة، الكل يعالج هناك، لا فرق بين مسئول ومواطن عادي على مستوى الخدمة الأساسية التي رأيتها.
	
	خامسًا ــ قصر الأطفال: &quot;استثمار حقيقي فيالمستقبل&quot;:
	زرت &quot;قصر الأطفال&quot; في بيونج يانج، المكان ليس مدرسة عادية، بل مركزا متكاملا يذهب إليه الأطفال بعد انتهاء اليوم الدراسي (مشابه لأنشطة ما بعد المدرسة في الدول المتقدمة). يحتوي على:
	- قسم للفنون: رسم، وموسيقى، ورقص.
	- قسم للعلوم: كمبيوتر، وفيزياء، وكيمياء.
	- قسم للرياضة: جمباز، وسباحة، وتنس طاولة، وتايكوندو.

	رأيت أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 6 و15 سنة يتدربونبحماس شديد، ومعلمين شغوفين، التركيز على الطفل شامل: عقليًا، وجسديًا، وفنيًا. مما يعكس الاهتمام الشديد الذي توليه القيادة للأطفال بصفتهم مستقبل الدولة، رغم الحصارالاقتصادي.
	
	سادسًا ـ علاقة الشعب بالجيش والزعيم:
	رأيت بعيني حشودًا تشير لعربات الجيش المارة وهم يصفقون ويبتسمون، ليس خوفًا بل بحب حقيقي. بالنسبة للكوريين الشماليين، الجيش هو حامي الوطن من التهديدات الخارجية (خاصة من كوريا الجنوبية وأمريكا)، بغض النظرعن القراءة السياسية، الشعور الشعبي يبدو صادقًا: الجندي هو ابنهم أو أخوهم.
	أما عن الزعيم (كيم جونج أون)، فالاحترام يصل حدالتبجيل، لكن المهم أن هذا الاحترام ليس مفروضًا بالعنففي الحياة اليومية كما قد يتصور البعض، بل هو مدمج في النسيج الثقافي: صورة الزعيم في كل بيت، أناشيد وطنية في المناسبات، وعبارات شكر تتكرر في الأحاديث، وهنا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: هل هو &quot;قهر&quot; كما يزعمالغرب؟ أم هو ثقافة سياسية مختلفة عن الفردانية الغربية؟، الإجابة ببساطة ومن منظور شخصي ما رأيته في العاصمة بيونج يانج وفي مختلف المدن والأقاليم التي قمنا بزيارتها هو شعب يبدو راضيًا ومتماسكًا، وفق منظومته القيمية التقليدية المختلفة عن منظومة القيم التي فرضتها العولمة، وكرستها وسائل التواصل الاجتماعي، وليس &quot;مقهورًا&quot; كما تظهره وسائل الإعلام الغربية.
	
	سابعًا ــ تحول اقتصادي ملحوظ :
	أحد المؤشرات التي لفتت نظري بشدة هو موضوع تملكالسيارات للمواطنين. في الماضي كانت السيارات حكرًا علىالحكومة والجيش فقط. خلال فترة إقامتي لاحظت زيادة هائلة في عدد السيارات المملوكة للمواطنين العاديين في شوارع بيونج يانج، آخر موديلات صينية، ويابانية، وأوروبية. الناس فخورون بسياراتهم، والازدحام المروري بدأ يظهرلأول مرة. هذا التحول حدث في مدة قصيرة جدًا نسبيًا، لايزال مستمرًا في التزايد.
	
	هذا الانفتاح الاقتصادي الجزئي صاحبه أيضًا ظهورأسواق صغيرة، ومقاهٍ، ومحلات تذكارات. السياحة بدأت تأخذ منحنى تصاعديا، والسلطات هناك تبدو جادة فيجذب الزوار وتطوير بنية تحتية سياحية (فنادق جديدة، ومرشدين يتحدثون الإنجليزية، والصينية، والروسية).
	
	الخاتمة:
	كوريا الشمالية ليست جنة، ولا هي الجحيم الذي يرسمه الغرب، هي بلد معقد، له ظروفه التاريخية والسياسية الخاصة، وإنجازاته الحقيقية (في التعليم، والصحة، والتماسك الاجتماعي، والعمارة) ومشاكله (العزلة الاقتصادية، والندرة الدورية لبعض السلع، والقيود على حرية المعلومات). لكن كإنسانة عاشت هناك وخلف الجدران العالية، هناك شعب يحب بلده، ويربي أطفاله، ويضحك مع أصدقائه، ويفتخر بهديته من الزعيم &quot;عبوة عسل&quot; عند ولادة طفل جديد. أتمنى أن تسهم هذه الانطباعات في فتح نقاش أكاديمي أكثر توازنًا حول كوريا الشمالية، وأن تشجع على النظر إليها ليس ككيان غريب، بل كدولة تستحق الفهم قبل الإدانة.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 21 مايو 2026 03:12:50 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/24//22413/مقالات-رأى//وجه-آخر-للصورة--ما-لا-نعرفه-عن-كوريا-الشمالية.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>أبعاد استخدام الذكاء الاصطناعي في تحييد الألغام في مضيق هرمز</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22412/تحليلات//أبعاد-استخدام-الذكاء-الاصطناعي-في-تحييد-الألغام-في.aspx</link>
<description>
والجدير بالذكر أن هذه التضاريس دفعت الجغرافيون اعتبار مضيق هرمز نموذجًا لما يسمى عسكريًّا بـ "عقدة المضايق". وهو ما يجعلنا في النهاية نقول إن دمج القدرات التكنولوجية لشركة Domino Data Lab في منظومة الدفاع البحرية الأمريكية، لحل مشكلة مضيق هرمز ليس مجرد مهمة تقنية، بل هو تحول جذري واستراتيجي في السيادة البحرية والأمن البحري، ففي ممر مائي يوصف بـ"عقدة المضايق" نظرًا لما به من تعقيدات جغرافية، ومناخية، وعسكرية، لم يعد الانتصار لمن يمتلك القوة فحسب، بل لمن يمتلك الخوارزمية الأسرع والأدق في معالجة البيانات، وتحديد الأهداف والعمل عليها .ومن المهم قبل أن نتطرق إلى دور الذكاء الاصطناعي في تحديد الألغام لابد من معرفة مدى تطور الاستراتيجية الإيرانية تجاه الأمن البحري، وتحديدًا في مضيق هرمز</description>
<fulldescription>

	يُعتبر مضيق هُرمز ممرا مائيا استراتيجيا يقع في منطقة الخليج العربي، ويفصل بين مياه الخليج العربي من جهة، ومياه خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى.، وله دور حيوي في تجارة النفط والغاز الطبيعي العالمية، يتراوح عرض مضيق هرمز من 35 ميلًا إلى 60 ميلًا (نحو 55 كيلومترًا إلى 95 كيلومترًا) ويعمل كفاصل طبيعي بين إيران في الشمال وشبه الجزيرة العربية في الجنوب، حيث يمر عبره نحو 21% من البترول في العالم يوميًا، ومن ثم له أهمية اقتصادية والتي لا تقتصر على دول الخليج العربي مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة فحسب، بل تؤثر أيضًا على الأسواق العالمية في العقود الأخيرة، فهو يحد سلطنة عُمان والجمهورية اليمنية من الجنوب الغربي، والمملكة العربية السعودية من الغرب، والإمارات العربية المتحدة من الشمال.

	وعن الجغرافيا السياسية له، فهو يلعب دورًا مهمًا في ديناميكيات السياسة الإقليمية والدولية لاسيما مع التوترات المتكررة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، وقد أظهرت أحداث مثل الحرب الإيرانية ــ العراقية (1980 &ndash; 1988) وحرب الخليج الأولى (1990 &ndash; 1991) وهي صراعات تاريخية في المنطقة، إمكانية حدوث عدم استقرار إقليمي يؤثر على أسعار النفط العالمية، والاستقرار الاقتصادي، وقد شهد مضيق هرمز اضطرابات أمنية متكررة بما في ذلك الهجمات على ناقلات النفط وأعمال القرصنة.

	والجدير بالذكر أنه تعتمد اقتصادات كبرى، مثل الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، وبعض الدول الأوروبية، اعتمادًا كبيرًا على هذا الممر المائي، وهو ما يجعلنا نتطرق لمصطلح مهم وهو الأمن البحري، فهو مصطلح معقد نظرًا لتعدد الجهات الفاعلة، لذلك فإن الاستعداد له ضروري للدول لحماية حقوقها السيادية، وقد قال &quot;ألفريد ماهان&quot;إنه يمكن تحقيق مفهوم الأمن البحري لدول ما إذا تحققت القوة المادية، والقوة المعنوية، والقوة الجغرافية، والجدير بالذكر أن إيران تتفوق نسبيًّا في القوة البحرية، فهي مجهزة بصواريخ وأنظمة ألغام وغواصات ذكية، ومركبات غاطسة، وأنظمة ذكاء اصطناعي، وغير ذلك من الأسلحة المختلفة.

	الحرب بين الولايات المتحدة وإيران 2026:

	فى ٢٨فبراير 2026 أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق على إيران أُطلق عليها اسم &quot;الملحمة الغاضبة&quot;، استهدفت البنية التحتية العسكرية، ومنشآت البرنامج النووي، والقيادات العليا في طهران، مما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الموجة الأولى من الضربات.وقد ردت إيران بوابل من الصواريخ والمسيرات استهدفت القواعد الأمريكية في الدول العربية والسفن التجارية، وأعلنت إغلاق مضيق هرمز وقامت بوضع ألغام فيه، مما تسبب في قفزة هائلة في أسعار الطاقة العالمية وتعطيل سلاسل الإمداد.

	ومن بين أنواع الألغام التي قد تنشرها إيران في المضيق؛ الألغام التلامسية الشائكة، والألغام التأثيرية التي تنفجر بفعل الكهرباء الساكنة التي تولدها السفن أثناء تحركها عبر المياه المالحة، والألغام المغناطيسية التي تتفاعل مع التغيرات التي تطرأ على &quot;البصمة المغناطيسية&quot; للمياه عند مرور السفن من خلالها، والألغام الصوتية التي تتفاعل مع الضوضاء والأصوات التي تُحدثها السفن أثناء مرورها فوقها، والألغام الضغطية التي تنفجر عندما يتغير ضغط المياه بمقدارٍ تُحدده الألغام على أنه ناتج عن نوع معين من السفن صُممت تلك الألغام لتدميره.

	وهذا ما جعل إدارة الرئيس دونالد ترامب عززت قدرات البحرية الأمريكية لاستخدام الذكاء الاصطناعي وذلك لتحديد الألغام في مضيق هرمز، وقد تم الاتفاق على عقد مع شركة Domino Data Labبقيمة 99.7 مليون دولار، والجدير بالذكر أن لغما واحدا قد لا تتجاوز تكلفته بضعة آلاف من الدولارات يمكن أن يعطل ناقلة نفط بمليارات، وكذلك سوف يحتاج ميزانية ضخمة لتطوير تكنولوجيا معقدة لمواجهة هذه الألغام.

	شركة دومينو داتا لابDomino Data Lab:

	تُعتبر شركة دومينو داتا لابDomino Data Lab من كبرى الشركات التي تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث تقوم بتصميموتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. وتوفر تجربة متكاملة تشمل تطوير نماذج تكنولوجية، وعمليات تعلم الآلة(MLOps)، والتعاون، والحوكمة، كما أنها تُمكنالشركات العالمية من المساعدة في تطوير أدوية، وزراعة محاصيل أكثر إنتاجية، وتطوير منتجات أكثر تنافسية، وغير ذلك الكثير. وقد تأسستعام 2013م، وهي مدعومة من قبلSequoia Capital وCoatue Management وNVIDIA وSnowflake، وغيرها من المستثمرين الرائدين في مجال التكنولوجيا.

	وسوف تقوم الشركة بدعم عمليات تعلم الآلة(MLOps) هي مجموعة ممارسات تعمل على أتمتة وتبسيط مهام سير عملتعلم الآلة(ML)وعمليات النشر. يعد تعلم الآلةوالذكاء الاصطناعي(AI)من القدرات الأساسية التي يمكنك تنفيذها لحل مشكلات العالم الحقيقي المعقدة وتقديم قيمة لعملائك. عمليات تعلم الآلة(MLOps) هي ثقافة من ثقافات تعلم الآلة وممارسة توحد تطوير تطبيقات تعلم الآلة(Dev) مع نشر نظام تعلم الآلة وعملياته(Ops). يمكن لمؤسستك استخدامMLOpsفي أتمتة العمليات وتوحيدها عبر دورة حياة تعلم الآلة. تتضمن هذه العمليات تطوير النماذج، والاختبار، والتكامل، والإصدار، وإدارة البنية التحتية.

	كل هذا لاكتشاف الأجسام في قاع المضيق وهو في الحقيقة مهمة معقدة. كما أن مجال اكتشاف وتصنيف الألغام البحرية يزداد تعقيدًا بسبب طبيعة المكان المراد التعامل فيه، ومن هنا لابد من وصف الطبيعة الجغرافية لمضيق هُرمز.

	الطبيعة الجغرافية للمضيق صعبة جدًا؛ حيث إن طوله يقارب من 167 كيلو متر، وعرضه يقارب من 56 كيلومتر، وبه منطقة تسمى منطقة العنق عرضها 33 كيلو مترًا، كما أنه به ما يقارب 33 جزيرة أهمها &quot;قشم&quot; و&quot;هرمز&quot; اللتان بهما قواعد عسكرية للحرس الثوري، وجزيرتا &quot;سلامة&quot; و&quot;أبوراشد&quot; اللتان لهما اطلالتان على مسارات حركة السفن، وجزيرة &quot;هنجام&quot; التي استخدمتها بريطانيا كمنفي للعراقيين، وكل هذه الجُزر ليست جُزر عادية، لكنها نقاط تحكم ومراقبة عسكرية مهمة، وبعضها محل نزاع سياسي.

	ومن المهم القول أن المضيق يزداد عمقا كلما ابتعد عن إيران في اتجاه السواحل العربية، فعند جزيرة لارك الإيرانية مثلًا يبلغ العمق نحو 36 مترًا بينما يتجاوز 220 مترًا عند شبه جزيرة مسندم العمانية؛ وهو ما جعل المنظمة البحرية توصي بمسار معين لسير السفن، لأن أغلب السفن التي تعبر المضيق ناقلات نفط ضخمة وذلك لتفادي التعرض لأي أخطار ملاحية.

	بينما من الناحية العسكرية، فإن طبيعة المضيق القريبة من السواحل الإيرانية تتميز بوجود جبال شديدة الانحدار، وهذا يمنح ميزة عسكرية واستراتيجية كبيرة؛ لأن المرتفعات تسمح بالمراقبة والرصد ونشر الصواريخ والرادارات.

	كما أن هناك ارتفاع ملوحة المياه وحرارتها، وشعاب مرجانية وكائنات بحرية كثيرة، وكذلك ضباب وعواصف رملية وترابية، وهذه البيئة المعقدة لمضيق هرمز تخلق ما يسمى &quot;الضجيج البيئي&quot; الذي يخدع الرادارات التقليدية، وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في حل هذه المشكلة للتمييز بين صخرة طبيعية واللغم.

	والجدير بالذكر أن هذه التضاريس دفعت الجغرافيون اعتبار مضيق هرمز نموذجًا لما يسمى عسكريًّا بـ &quot;عقدة المضايق&quot;. وهو ما يجعلنا في النهاية نقول إن دمج القدرات التكنولوجية لشركة Domino Data Lab في منظومة الدفاع البحرية الأمريكية، لحل مشكلة مضيق هرمز ليس مجرد مهمة تقنية، بل هو تحول جذري واستراتيجي في السيادة البحرية والأمن البحري، ففي ممر مائي يوصف بـ&quot;عقدة المضايق&quot; نظرًا لما به من تعقيدات جغرافية، ومناخية، وعسكرية، لم يعد الانتصار لمن يمتلك القوة فحسب، بل لمن يمتلك الخوارزمية الأسرع والأدق في معالجة البيانات، وتحديد الأهداف والعمل عليها .ومن المهم قبل أن نتطرق إلى دور الذكاء الاصطناعي في تحديد الألغام لابد من معرفة مدى تطور الاستراتيجية الإيرانية تجاه الأمن البحري، وتحديدًا في مضيق هرمز:

	
		
			
				
					الحقبة
			
			
				
					أبرز الأحداث
			
			
				
					التركيز الاستراتيجي البحري
			
			
				
					الفاعل الرئيسي
			
			
				
					أبرز القدرات
			
		
		
			
				
					السبعينيات (قبل 1979)
				
					
			
			
				
					التحديث العسكري المدعوم من الولايات المتحدة في عهد الشاه
			
			
				
					بناء بحرية تقليدية ذات توجه غربي
			
			
				
					البحرية الإمبراطورية الإيرانية
			
			
				
					
						
							
								
						
					
				
				
					مدمرات وزوارق أمريكية الصنع
				
					
				
					
			
		
		
			
				
					1980&ndash;1988
				
					
				
					
			
			
				
					الحرب العراقية الإيرانية وحرب الناقلات
			
			
				
					الردع البحري وتعطيل الملاحة البحرية وحرب الألغام
			
			
				
					الحرس الثوري الإيراني + الجيش الإيراني (أرتش)
			
			
				
					ألغام بحرية، وزوارق صغيرة، ومعدات عراقية تم الاستيلاء عليها
			
		
		
			
				
					التسعينيات
				
					
			
			
				
					الوجود الأمريكي في الخليج والعقوبات
			
			
				
					العقيدة غير المتماثلة وبداية تكتيكات &ldquo;أسراب الزوارق&rdquo;
			
			
				
					بحرية الحرس الثوري الإيراني
			
			
				
					زوارق هجومية سريعة وزوارق خفيفة عالية المناورة
			
		
		
			
				
					الألفينايت
			
			
				
					الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان
			
			
				
					الدفاع الساحلي ودمج القدرات الصاروخية
			
			
				
					بحرية الحرس الثوري الإيراني
			
			
				
					صواريخ مضادة للسفن وغواصات &ldquo;غدير&rdquo;
			
		
		
			
				
					العقد 2010
				
					
			
			
				
					التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز وتطوير الطائرات المسيّرة
			
			
				
					تكتيكات &ldquo;المنطقة الرمادية&rdquo; والكمائن البحرية
			
			
				
					بحرية الحرس الثوري الإيراني
			
			
				
					طائرات مسيّرة، مثل &ldquo;شاهد&rdquo; و&ldquo;مهاجر&rdquo; وألغام لاصقة
			
		
		
			
				
					2020_ 2025
			
			
				
					الضربات بالطائرات المسيّرة، والتوتر مع إسرائيل، وحرب الذكاء الاصطناعي
			
			
				
					قدرات بحرية هجينة متعددة المجالات
			
			
				
					بحرية الحرس الثوري الإيراني
			
			
				
					زوارق غير مأهولة، وطائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي
			
		
	


	

	دور الذكاء الاصطناعي في تحديد الألغام:

	سوف تقوم تقنيات الذكاء الاصطناعي بتحليل البيانات الضخمةومعالجة كميات هائلة من البيانات التي تجمعها المركبات المزودة بأنظمة ذكاء اصطناعي والتي يتم ضبطها على عمل مهام معينة؛ منها التفريق بين الصخرة الطبيعية في قاع البحر وبين اللغم، وهو أمر يتطلب دقة عالية لتقليل الإنذارات الكاذبة، ومن ثَم سرعة اتخاذ القرارمما يعمل على تقليلالوقت بين &quot;الاكتشاف&quot; و&quot;التدمير&quot;، وهو الذي سوف يحمي السفن التجارية التي تمر عبر المضيق.

	كما أن الشركة تدعم نظام المكافحة الألغام يُطلق علية (MCM)،وهونظام متعددالمهام مصممللبحث عن الألغام وتدميرها بشكل شبه ذاتي باستخدام السونار، ويتزامن ذلك مع دمج حمولات سونار متقدمة، مثلAQS-20 وAQS-24، لتتمكن من التعامل مع الأماكن الضيقة.

	وكذلك استخدام سفينة القتال الساحلية(LCS) وهي فئة من السفن الحربية الأمريكية الصغيرة والسريعة، صُممت للعمليات المرنة في المياه الضحلة (الساحلية) لمواجهة التهديدات، مثل الألغام، والغواصات الصغيرة، والقوارب السريعة. تتميز بالسرعة العاليةمن خلال استخدام أصول جوية ومركبات سطحية وتحت مائية، على أن تكون مُجهزة بأجهزة استشعار وأنظمة للكشف عن الألغام السطحية، والقريبة من سطح المياه، وكذلك الداخلية، والمثبتة، والقاعية في المناطق الساحلية، وتحديد مواقعها، واستهدافها.

	وكذلك تدعم نظامMCM وهو عبارة عن حزمة برامج تطبيقية،(MPAS)ونظام اتصالات متعدد المركبات(MVCS)وهو نظام اتصالات متكامل يُمكّن من الاتصالات المتزامنة لمركبتين سطحيتين معًا، وذلك للإنذار بوجود لغم. جدير بالذكر أن وحدة البحث عن الألغام عن بُعد(RMH) تتميز بقدرتهاعلى:

	اكتشافوتصنيفوتحديد الألغام في قاع المضيق والمثبتة باستخدام المركبة السطحية (USV) وجهاز السونارAN/AQS-20 ،حيث ترسل موجات صوتية وتُحلّل انعكاساتها لرسم خرائط دقيقة لقاع البحر وتحديد الأجسام الكامنة فيه.

	المركبة السطحية غير المأهولة(USV) هي مركب بطول 38.5 قدمًا مزودة بحجرة فحص بيانات وفرزها، بعد انتهاء مهمتها، تقوم بمعالجة البيانات في محطة تحليل البيانات كي تتمكن من تجنب الألغام، ويأتي التعامل مع الألغام كالتالي:

	حيث تقوم وحدة الكشف عن الألغام القريبة من السطح(NSD)بالكشف عن الألغام المثبتة وتصنيفها في المنطقة القريبة من السطح باستخدام طائرة هليكوبترMH-60S التي تحمل نظام الكشف عن الألغام بالليزر.

	ومن كل ما سبق يمكن تقسيم الأنظمة التي سوف تعمل بها الشركة إلى:
	(1)أنظمة المهام،وهي تتمثل فيالمركبات، وأجهزة الاستشعار، وأسلحة.
	(2)وحدة المهام، عبارة عن أنظمة المهام ومعدات دعم.
	(3)حزمة المهام، وهي عبارة عن وحدات المهام والطائرات ووحدات أطقم الطيران

	(4)كما أنها تستعين بفرق مختصة بغواصين مدرّبين للتعامل المباشر مع الألغام.

	الحروب الهجينة:

	في عصرنا هذا لم تركز الحروب الهجينة على تدمير الأصول المادية فقط، ولكن تستخدم الذكاء الاصطناعي في ضرب الأهداف المعرفية، والاجتماعية والنفسية للمجتمعات المختلفة، من خلال زعزعةثقة الأفراد في مؤسساتهم، مما يؤدي إلي زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ليس فقط بل يمكن استخدام تطبيقات الأمن السيبراني للتشويش على تطبيقات أخرى، مثل الجماعات السيبرانيةالمرتبطة بالحرس الثوري، فيمكنها القيام بالتشويش الإلكتروني على عمل شركة دومينو داتا لاب من خلالإرسال إشاراتGPSتعمل على إرباك خوارزميات تحديد اللغم، كما أنه يمكن العمل على تشويش بيانات الـAIS الخاصة بالسفن.

	وهو ما يجعلنا نقول إنه يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخطئ ويصنف سفينة أو حطام سفينة كهدف، فالسونار والأنظمة المرئية التي تعتمد عليها المسيّرات تحت الماء(UUVs) قد تعطي نتائج خاطئة نتيجة كثرة الصخور والشوائب التي قد تكون في المياه.ولتقليل هذه الأخطاء، تعتمد البحرية الأمريكية على نظام الهجين الذي يدمج الذكاء الاصطناعي والتوجيه البشري في الوقت نفسه، حيث تقوم المسيّرات بالمسح السريع، ولكن تظل عملية التحقق النهائية للعامل البشري.

	التطهير التقليدي للألغام، والتطهير باستخدام الذكاء الاصطناعي:

	فيما يلي جدول للمقارنة بين التطهير التقليدي للألغام باستخدام العنصر البشري، وبين التطهير المدعوم بالذكاء الاصطناعي:

	
		
			
				
					
			
			
				
					التطهير التقليدي للألغام
			
			
				
					التطهير باستخدام الذكاء الاصطناعي
			
		
		
			
				
					الوقت
			
			
				
					التطهير التقليدي بطيء مما يستغرق شهورًا أو سنوات.
			
			
				
					سهولة رصد تحليل البيانات من خلال (طائرات مسيرة/صور) في دقائق أو ساعات لتحديد المناطق الخطرة.
			
		
		
			
				
					الدقة
			
			
				
					الاعتماد على العنصر البشري فقط والقدرة على اكتشاف المعادن، قد يؤدي إلى عدم الدقة واحتمالية الخطر.
			
			
				
					تقنيات وأنظمة استشعار متقدمة وخوارزميات تقلل الإنذارات الكاذبة وبدقة عالية.
			
		
		
			
				
					التكلفة
			
			
				
					لا شك أن التكاليف سوف تكون مرتفعة (رواتب، ومعدات، ولوجستيات) وذلك لفترات طويلة.
			
			
				
					تكلفة أكثر ارتفاعًا، ولكن توفر الكثير من الوقت.
			
		
		
			
				
					الأمان
			
			
				
					خطر مباشر على حياة من يقومون بالتطهير.
			
			
				
					الاعتماد على الروبوتات والمسيرات والأنظمة المختلفة تقلل نسبة الخطر على الإنسان.
			
		
	


	

	ختامًا:

	يتضح لنا أن مضيق هرمز لم يعد مجرد مساحة جغرافية من المياه واليابس، بل تحول إلى ساحة لاختبار التطور التكنولوجي العسكري. وأن دمج قدرات شركة&quot;Domino Data Lab&quot; والذكاء الاصطناعي في منظومة الدفاع البحري يمثل تحولًا جذريًّا في عقيدة &quot;الأمن البحري&quot;؛ حيث انتقل ميزان القوى من &quot;من يمتلك السلاح الأقوى&quot; إلى &quot;من يمتلك الخوارزمية الأسرع والأدق&quot;.

	بينما تظل &quot;عقدة المضايق&quot; بتضاريسها القاسية وضجيجها البيئي تحديًّا للطبيعة البشرية، يأتي الذكاء الاصطناعي ليكون العين التي لا تنام تحت الماء، واليد التي تحيد الخطر قبل وقوعه. ومع ذلك، تبقى الحرب الهجينة والتشويش السيبراني ظلالا تلاحق هذا التطور، مما يجعل التفوق في مضيق هرمز مرهونًا بالقدرة على الجمع بين ذكاء الآلة وحكمة القرار البشري، لضمان استمرار تدفق شريان الحياة للاقتصاد العالمي بعيدا عن حقول الألغام السياسية والمادية.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 21 مايو 2026 03:03:12 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22412/تحليلات//أبعاد-استخدام-الذكاء-الاصطناعي-في-تحييد-الألغام-في.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>لعبة العروش الإسرائيلية 2026.. انهيار معسكر اليمين وصعود بدائل نتنياهو في السلطة</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22410/تحليلات//لعبة-العروش-الإسرائيلية----انهيار-معسكر-اليمين-وصع.aspx</link>
<description>
إذا نجح نتنياهو في تجاوز هذه العاصفة، إن عبر الليكود وحلفاؤه عتبة الحسم وحافظوا على كتلة صلبة، فالثمن سيكون باهظا. لضمان بقاء شركائه الصغار في الائتلاف، سيضطر لتقديم تنازلات دراماتيكية في ملفات الاستيطان والضم والسيادة. هذا يعني تصعيدا خطيرا في الضفة الغربية، ومواجهة محتملة مع الإدارة الأمريكية إذا كان ترامب أو خليفته غير مستعدين لمنحه بطاقة بيضاء. وبالنسبة للفلسطينيين، هذا السيناريو يعني استمرار، بل تعميق، التوسع الاستيطاني، وموت أي أمل في حل الدولتين حتى كوهم سياسي.</description>
<fulldescription>

	لا شيء يعكس هشاشة المشهد السياسي الإسرائيلي اليوم أكثر من استطلاعات الرأي التي تثير الرعب في أروقة الليكود. فما يجري داخل &quot;معسكر نتنياهو&quot; ليس مجرد قلق اعتيادي يسبق أي استحقاق انتخابي، بل هو ذعر حقيقي من احتمال فقدان السلطة، والأخطر من ذلك من سيناريو دراماتيكي يتمثل في عدم تمكن حزب &quot;الصهيونية الدينية&quot; بزعامة وزير المالية الحالي بتسلئيلسموتريتش من تجاوز نسبة الحسم.

	هذا السيناريو، كما تدرك القيادة في الليكود جيدا، ليس مجرد إحراج سياسي، بل هو كارثة بنيوية تهدد بتفكك الكتلة اليمينية بأكملها. فكل مقعد سيخسره سموتريتش وأنصاره هو مقعد ثمين قد يكلف اليمين السلطة في معركة متكافئة مع معسكر التغيير. وهنا يبرز دهاء نتنياهو السياسي، أو ما يمكن تسميته &quot;فن المناورة في اللحظات الحرجة&quot;، حيث بدأ يدرس بدءاً من إمكانية إعادة توحيد سموتريتش مع وزير الأمن القومى إيتمار بن غفير، وصولاً إلى حلول أكثر إبداعا وتحديا.

	الصراع الداخلي في الليكود:

	في بداية شهر يونيو المقبل، من المتوقع أن تصدر &quot;المحكمة الحزبية&quot; لليكود قراراتها بشأن القضايا الخلافية التي سترسم ملامح الانتخابات التمهيدية (البرايمرز) داخل الحزب. والمحكمة الحزبية ليست محكمة قضائية رسمية، بل هي هيئة داخلية تتألف من قضاة متقاعدين أو محامين كبار من أعضاء الحزب، مهمتها الفصل في النزاعات حول تفسير النظام الداخلي للليكود. قراراتها ملزمة للجميع داخل الحزب، ولا يمكن الطعن عليها إلا في محكمة العدل الإسرائيلية في حالات نادرة.

	ما الذي تختلف عليه الأطراف داخل الليكود؟ هناك أربع قضايا مصيرية تنتظر قرار المحكمة:

	أولاً ــ آلية الاقتراع&ndash; هل يحق لجميع أعضاء الحزب التصويت وعددهم نحو 150 ألفا، أم يقتصر الحق على أعضاء &quot;مركز الليكود&quot; وعددهم نحو 4 آلاف فقط؟ هذا ليس خلافاتقنيا بسيطاً، بل هو صراع على السيطرة. نتنياهو يفضل توسيع دائرة المصوتين لأنه يتحكم بالجهاز الحزبي الواسع، بينما خصومه يريدون تضييقها لزيادة نفوذهم النسبي.

	ثانياً ــ موعد إجراء الانتخابات التمهيدية&ndash; هل تجرى مبكرا قبل حل الكنيست رسميا، أم تتأخر إلى ما قبل الانتخابات العامة بأسبوعين أو ثلاثة؟ الموعد يؤثر بشكل كبير على قدرة المرشحين على تنظيم حملاتهم الانتخابية، وعلى فرصة نتنياهو في عقد تفاهمات مع الشخصيات القيادية خارج إطار المنافسة المباشرة.

	ثالثاً ــ عدد التخصيصات أو ما يعرف بـ&quot;الشرايونيم&quot;&ndash; التخصيص هو مقعد مضمون في القائمة الحزبية يمنحه رئيس الحزب لشخص معين دون حاجة لخوض الانتخابات التمهيدية. والسؤال الخلافي هنا: كم عدد المقاعد التي يحق لنتنياهو تخصيصها؟ اثنين؟ خمسة؟ عشرة؟ نتنياهو يسعى حالياللحصول على خمسة تخصيصات على الأقل، وهو رقم يعتبره خصومه مفرطاً.

	رابعاًــ آلية ترتيب القائمة النهائية&ndash; بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية وحصول كل مرشح على عدد من الأصوات، هل توزع المقاعد حسب الأصوات فقط، أم إن لرئيس الحزب صلاحية إعادة ترتيب القائمة وفق رؤيته السياسية؟

	هذه القضايا الأربع لن تحسم بالتصويت داخل الحزب، لأن الانقسامات عميقة، بل ستفصل فيها المحكمة الحزبية التي ستنظر في الالتماسات المقدمة من مختلف الأطراف. وأي قرار تصدره سيكون بمثابة &quot;قواعد اللعبة&quot; التي سيجري على أساسها التنافس على المقاعد الواقعية في القائمة.

	جدير بالذكر أن نتنياهو لا ينتظر قرارات المحكمة. فهو يعمل في الخلفية على عقد تفاهمات مع مراكز القوى في الحزب، أمثالدافيد بيتان، رئيس لجنة الاقتصاد في الكنيست والذي يُعتبر صوتاً معارضاً داخل الليكود معروفا بجرأته في انتقاد السياسات الحكومية، وحاييم كاتس، وزير الإسكان الذي يُعد من المقربين التقليديين لنتنياهو ويتمتع بعلاقات واسعة داخل أروقة الحزب.

	وثمن هذه المناورات يدفعه آخرون. ففي محيط بنيامين نتنياهو، يُذكر اسمديدي شمخي، الشخصية الأمنية السابقة والمقربة من نتنياهو، كمرشح محتمل للتخصيص، لكنه اشترط موافقته على الانضمام بحصوله على مكان متقدم ومضمون في القائمة. ومعنى ذلك أن أعضاء كنيست حاليين سيجدون أنفسهم إما خارج دائرة الضوء تماما، أو على الأقل خارج المقاعد الواقعية التي تضمن بقاءهم في البرلمان المقبل.

	هذه المعادلة الصعبة أوجدت ما يصفه مراقبون إسرائيليون بـ&quot;الضغط الهائل&quot; داخل الليكود. واللافت أن بعض أعضاء الكنيست المضغوطين بدأوا بهدوء بفحص خيارات بديلة، ولم يتردد بعضهم في التواصل مع أنصار إيتمار بن جفير لاستكشاف إمكانية الاندماج في قائمة &quot;القوة اليهودية&quot;.

	إنها لحظة مفارقة تاريخية بكل المقاييس: ليكوديون يبحثون عن ملاذ في حزب كان حتى الأمس القريب يعتبر متطرفا جدا حتى بمعايير اليمين الإسرائيلي نفسه.

	المحاكمة: نتنياهو بين القضاء والسياسة:

	بينما تخوض قيادة الليكود معركتها الانتخابية، يقاتل نتنياهو معركة جبهة أخرى لا تقل خطورة: قاعة المحكمة. فمنذ العام 2020، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي تهما بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا منفصلة، جمعتها السلطات القضائية الإسرائيلية في ملف واحد.

	القضية 1000، التي يصفها نتنياهو ساخراً بـ&quot;قضية باجز باني والسيجار&quot;، تتعلق بتلقيه هدايا فاخرة بمئات آلاف الشواكل من رجال أعمال أجانب، بينهم الملياردير أرنون ميلشن، مقابل تسهيلات وتفضيلات سياسية.أما القضية 2000، فتركز على محادثاته مع ناشر &quot;يديعوت أحرونوت&quot; نوني موزيس، حيث يُشتبه بمحاولة التوصل إلى صفقة غير قانونية: تغطية إعلامية إيجابية مقابل التشريع لإضعاف صحيفة &quot;إسرائيل هيوم&quot; المنافسة.والقضية 4000، الأخطر والأكثر تعقيدا، والتي لا تزال تشمل تهمة الرشوة، تتعلق بقيام نتنياهو، عندما كان وزيرا للمواصلات، بإصدار قرارات تنظيمية أفادت شركة &quot;بيزيك&quot; (Bezeq) للاتصالات بمئات الملايين من الشيكلات، وفي المقابل حصل على تغطية إعلامية إيجابية في موقع &quot;واللا&quot; الإخباري المملوك لمساهم الشركة شاؤول إيلوفيتش.

	ما يجعل شهادة نتنياهو في هذه القضايا مثيرة للاهتمام، خاصة في القضية 2000 التي تناقشها وسائل الإعلام حالياً، ليس تفاصيلها القانونية وحدها، بل الطريقة التي يصوغ بها رئيس الوزراء روايته. فبدلاً من أن يظهر في قفص الاتهام كمسئول يخضع للتحقيق، يحاول نتنياهو باستمرار قلب الطاولة وتقديم نفسه كرجل سياسي يحارب من أجل الديمقراطية وحرية الصحافة. في شهادته، لا يتحدث عن رشوة أو صفقات غير قانونية، بل عن &quot;محادثات فارغة&quot; مع &quot;خصم سياسي قوي&quot;.

	ووفقاً لتحليلات صحفية إسرائيلية، مثل تلك المنشورة في &quot;إسرائيل هيوم&quot; و&quot;يديعوت أحرونوت&quot;، فإن نتنياهو يتبع استراتيجية مدروسة تحول المحكمة إلى منصة سياسية بامتياز.فهو يوظف جلسات الاستماع العلنية لترسيخ سردية &quot;المطاردة السياسية&quot; (political witch hunt) في أذهان الجمهور، متجاهلا الأسئلة الإجرائية للمحققين ليتحدث مباشرة إلى الكاميرات وأنصاره. أحدث تجليات هذه الاستراتيجية كان طلبه المفاجئ للعفو الرئاسي في نهاية عام 2025، بحجة أن &quot;استمرار المحاكمة يمزقنا من الداخل&quot;، وهو طلب صادم نظرا لأنه قدم قبل إدانته، وبدون اعتراف بالذنب، وهو ما وصفه نقاده بأنه اعتراف ضمني منه بأنه لا يملك ثقة كاملة في تبرئته عبر القنوات القانونية العادية.

	هذه السردية تتلقى دعما كبيرا من شبكة دعايته الإعلامية المتمثلة بقناة 14، والتي وصفتها صحيفة &quot;العين السابعة&quot;العبرية بـ &quot;آلة السموم&quot;.فالقناة لا تكتفي بتغطية المحاكمة، بل تعمل على نسج مؤامرة كبرى تربط بين هيئات إنفاذ القانون، والقضاء، والإعلام التقليدي، وتصفهم جميعا بأنهم جزء من &quot;دولة عميقة&quot; تسعى للإطاحة بنتنياهو المنتخب ديمقراطيا.وبهذه الطريقة لا يظهر نتنياهو كمتهم في قضايا فساد، بل كضحية للنخبة التي تريد إسكات صوته، ويتم تحويل المحاكمة من قضية قانونية إلى معركة وجودية بين &quot;الشعب&quot; و&quot;النخبة الحاكمة&quot;.

	وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها الكثير من المحللين: بينما يقدم نتنياهو نفسه في قاعة المحكمة كمدافع عن الديمقراطية الإسرائيلية، فإن هذه الديمقراطية نفسها هي التي تقدمه للمحاكمة. القضاء الإسرائيلي، بكل عيوبه وانحيازاته السياسية المحتملة، هو الذي فتح ملفات الفساد ضده، والصحافة المستقلة هي التي نشرت تفاصيل التحقيقات. إن نجاح نتنياهو في إقناع جمهوره بأن هذه المؤسسات &quot;فاسدة&quot; أو &quot;مسيسة&quot; هو بحد ذاته أهم وأخطر تهديد على الديمقراطية الإسرائيلية من صنع سياسي يريد إنقاذ نفسه.فبينما تدور رحى المعركة في قاعة المحكمة، تُعاد في الوقت نفسه صياغة قواعد اللعبة السياسية الإسرائيلية برمتها.

	منافسو نتنياهو على مقعد رئيس الوزراء:

	في الطرف الآخر من الخريطة السياسية، يقدم أفيجدور ليبرمان زعيم من زعماء المعارضة في إسرائيل ورئيس حزب &quot;يسرائيلبيتنو&quot; نفسه كبديل صريح وجريء. تصريحاته الأخيرة لا تحتمل التأويل: &quot;أريد أن أكون رئيس وزراء&quot; و&quot;لن أجلس مع نتنياهو حتى لو انقلب العالم&quot;. هذا التصعيد ليس مجرد خطاب انتخابي، بل هو قراءة دقيقة للحظة السياسية التي يمر بها اليمين الإسرائيلي.

	يضع ليبرمان شروطا واضحة لأي تحالف مستقبلي، وفي مقدمتها قانون تجنيد كامل يلزم الحريديم بالخدمة العسكرية. هذا الشرط، كما يعلم الجميع، هو قنبلة موقوتة داخل أي ائتلاف مستقبلي، لأنه يمس أحد أكثر الخطوط الحمراء حساسية في السياسة الإسرائيلية الداخلية.

	وبالنسبة لإمكانية التوحد مع جادي آيزنكوت (رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق ومرشح لرئاسة الوزراء في انتخابات 2026)، يصر ليبرمان على وجود &quot;فجوات جوهرية&quot; بينهما في التصور، خاصة فيما يتعلق بقانون التجنيد. لكنه يبقى الباب مفتوحا لأي تحالف يخدم هدفه المزدوج: &quot;استبدال حكومة الشر-يقصد حكومة نتنياهو، وأن أكون رئيس وزراء&quot;.

	في المقابل، يلعب نفتالي بينت (رئيس وزراء سابق) دورا أكثر حذرا. وصفه ليبرمان بأنه &quot;شريك جاد ومسئول&quot; و&quot;يضع الدولة فوق الأنا&quot;، الوصف الذي يعكس استراتيجية واضحة: إبقاء خيار التحالف مفتوح دون حرق المراحل. يدرك بينت أن الصورة متضررة، لكنه يدرك أيضاً أن أي حكومة بديلة لن تمر دون مشاركته أو مشاركة ليبيرمان، أو كليهما معاً.

	السيناريوهات المستقبلية: ماذا ينتظر المنطقة؟:

	كمراقبة عربية، لا يمكن الاكتفاء بتحليل المشهد الإسرائيلي الداخلي كحدث بذاته، بل يجب وضعه في سياقه الإقليمي وتداعياته على القضية الفلسطينية والمصالح العربية.

	السيناريو الأول: بقاء اليمين بقيادة نتنياهو:
	إذا نجح نتنياهو في تجاوز هذه العاصفة، إن عبر الليكود وحلفاؤه عتبة الحسم وحافظوا على كتلة صلبة، فالثمن سيكون باهظا. لضمان بقاء شركائه الصغار في الائتلاف، سيضطر لتقديم تنازلات دراماتيكية في ملفات الاستيطان والضم والسيادة. هذا يعني تصعيدا خطيرا في الضفة الغربية، ومواجهة محتملة مع الإدارة الأمريكية إذا كان ترامب أو خليفته غير مستعدين لمنحه بطاقة بيضاء. وبالنسبة للفلسطينيين، هذا السيناريو يعني استمرار، بل تعميق، التوسع الاستيطاني، وموت أي أمل في حل الدولتين حتى كوهم سياسي.

	السيناريو الثاني: حكومة تغيير بقيادة ليبرمان - بينت
	هذا السيناريو، رغم كل الصعوبات، يبقى وارداً. لكن هل يعني تغييرا حقيقيا بالنسبة لنا؟ أفيجدورليبرمان، المعروف بتطرفه ضد القيادة الفلسطينية ودعواته المتكررة لإعدام أسرى وضرب غزة بـ&quot;الجرافة&quot;، ليس صديقاً للقضية الفلسطينية. لكن التركيز مختلف. حكومة برئاستها قد تنشغل أكثر بالصراع الداخلي: مع الحريديم حول التجنيد، مع الطبقة الوسطى حول الاقتصاد، ومع النظام القضائي حول سلطاته. هذا الانشغال قد يترجم تراجعا في زخم التوسع الاستيطاني البرّاق، لكن الحصار المفروض على غزة والضفة سيبقى، والقدس ستبقى هدفاً للتهويد. الفرق قد يكون في الشدة والسرعة وليس في الجوهر.

	السيناريو الثالث: الانهيار والتجميد:
	إذا لم يتمكن أي من المعسكرين من تشكيل حكومة مستقرة، وهو احتمال قوي بالنظر إلى تعقيدات المشهد، فسنشهد انتخابات خامسة أو سادسة. هذا الشلل السياسي الإسرائيلي هو نقطة ضعف حقيقية. فحكومة مشغولة بذاتها، غير قادرة على تجاوز خلافاتها الداخلية، هي حكومة أقل قدرة على شن حروب أو تمرير قوانين مصيرية. بالنسبة للمجتمع الدولي، هذا السيناريو قد يكون فرصة للضغط من أجل تجميد الاستيطان في غياب سلطة فاعلة في تل أبيب. بالنسبة للفلسطينيين، قد يكون فرصة لتعزيز الوحدة الداخلية وإعادة بناء المؤسسات في غياب ضغط إسرائيلي يومي منظم.

	العرب في مواجهة فوضى تل أبيب:

	ما يحدث اليوم في إسرائيل هو أكثر من مجرد انتخابات. إنه انعطاف بنيوي يعكس انهيار نموذج الحكم اليميني التقليدي الذي هيمن على المشهد السياسي لعقد كامل. اليمين الذي بنى نفسه على ثلاثية &quot;الأمن - الاستيطان - القيادة القوية&quot; يجد نفسه اليوم ممزقاً بين طموحات زعاماته الصاعدة، وخوف قاعدته الجماهيرية من التشرذم، ومخاوف نتنياهو الشخصية من السجن وفقدان الحصانة.

	نتنياهو يحارب على ثلاث جبهات متزامنة:

	1. القانون الذي قد يرسله إلى السجن.

	2. السياسة التي قد تبعده عن الكرسي.

	3. البقاء الشخصي الذي يدفعه لمناورات قد تزيد الأمور تعقيدا.

	أخيرا،لا ينبغي الرهان على &quot;خيرية&quot; أي طرف. السياسة الإسرائيلية، حتى في أعمق فوضى، تظل معادية للحقوق الفلسطينية، ومشروعة أيديولوجيا على حساب الأرض والإنسان. لكن علينا أن نقرأ الخريطة بدقة: فالحكومة الإسرائيلية الضعيفة، المنشغلة بصراعاتها الداخلية، غير القادرة على تجاوز خلافاتها وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار، هي حكومة أقل قدرة على شن حروب جديدة أو تنفيذ خطوات ضم واسعة.

	تشكل الفوضى السياسية في تل أبيب، في هذا السياق المحدد، فرصة للضغط الدولي لوقف الاستيطان، وفرصة لإعادة تعريف الأولويات في الخطاب السياسي العربي، وفرصة لفضح التناقضات الداخلية للكيان الذي يقدم نفسه دائما كحصن ديمقراطي مستقر في منطقة مضطربة.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 21 مايو 2026 02:44:51 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22410/تحليلات//لعبة-العروش-الإسرائيلية----انهيار-معسكر-اليمين-وصع.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>أوروبا وترامب بين التبعية والاستقلال ومحاولة إنقاذ النظام الغربي</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22409/تحليلات//أوروبا-وترامب-بين-التبعية-والاستقلال-ومحاولة-إنقاذ.aspx</link>
<description>
لم تعد أوروبا تنظر إلى عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بوصفها مجرد تغيير في إدارة أمريكية، بل باعتبارها لحظة اختبار كبرى لموقعها في العالم. فالرجل الذي عاد بخطاب صدامي تجاه الحلفاء، وبنظرة تجارية إلى التحالفات، أعاد فتح أسئلة كانت أوروبا تؤجلها منذ سنوات: هل لاتزال الولايات المتحدة شريكًا يمكن الاعتماد عليه كما في السابق؟ وهل يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يبقى قويًا سياسيًا وأمنيًا في ظل تراجع الثقة بالمظلة الأمريكية؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت أساسًا لتحركات أوروبية متسارعة على أكثر من جبهة.</description>
<fulldescription>

	لم تعد أوروبا تنظر إلى عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بوصفها مجرد تغيير في إدارة أمريكية، بل باعتبارها لحظة اختبار كبرى لموقعها في العالم. فالرجل الذي عاد بخطاب صدامي تجاه الحلفاء، وبنظرة تجارية إلى التحالفات، أعاد فتح أسئلة كانت أوروبا تؤجلها منذ سنوات: هل لاتزال الولايات المتحدة شريكًا يمكن الاعتماد عليه كما في السابق؟ وهل يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يبقى قويًا سياسيًا وأمنيًا في ظل تراجع الثقة بالمظلة الأمريكية؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت أساسًا لتحركات أوروبية متسارعة على أكثر من جبهة.

	التحول الأهم هنا أن أوروبا لم تعد تتصرف ككتلة مطمئنة إلى أن واشنطن ستتولى دائمًا قيادة النظام الغربي. فمع كل تصريح جديد لترامب عن الناتو، أو عن القادة الأوروبيين، أو عن تكلفة الدفاع، يتأكد لدى العواصم الأوروبية أن زمن اليقين من الشريك الأمريكي قد انتهى أو على الأقل تراجع كثيرًا.
	ولهذا بدأت أوروبا في إعادة ترتيب أولوياتها بقيادة فرنسا وألمانيا وذلك عن طريق رفع مستوى التنسيق الداخلي، ورفع الإنفاق الدفاعي بشكل غير مسبوق مما انعكس علي خطط أخرى للتنمية الداخلية، بل والتفكير في استقلالية أكبر عن الولايات المتحدة او الاستعداد للغياب الكامل لحليفهم الكبير وفي الوقت نفسه الإصرار على عدم انهيار الناتو، لأنه لايزال الإطار الوحيد القادر على منع فراغ أمني خطير في القارة أمام تهديدات روسيا وربما غيرها.

	هذا التوتر بين الرغبة في الاستقلال والحاجة إلى المظلة الأمريكية يفسر كثيرًا من التحركات الأوروبية في المرحلة الحالية. فالاتحاد الأوروبي لا يريد القطيعة مع واشنطن، لكنه لم يعد مستعدًا أيضًا للعيش على افتراض أن الحماية الأمريكية مضمونة بلا شروط. لذلك نرى دولًا أوروبية كبرى تتحرك باتجاه بناء قدرة دفاعية أوضح وأكثر مؤسسية، سواء عبر زيادة ميزانيات التسلح، أو عبر دعم الصناعة العسكرية الأوروبية، أو عبر تنسيق أكبر في إدارة الأزمات.
	الفكرة ببساطة هي أن أوروبا تحاول أن تصير أكثر استعدادًا لاحتمال أن أمريكا لن تكون دائمًا كما كانت، فملف أوكرانيا قد كشف هذه الحقيقة بوضوح فالحرب هناك لم تعد بالنسبة إلى الأوروبيين مجرد أزمة على الحدود الشرقية، بل اختبارًا مباشرًا لجدية أوروبا نفسها. مع تراجع ثقة الأوروبيين في استمرار الدعم الأمريكي بلا حدود بعد رحيل بايدن واتخاذ ترامب لسياسة مغايرة تماما، أصبحت مسألة مساندة كييف جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الأوروبية، لا مجرد موقف تضامني.

	من هنا جاء التوجه الأوروبي نحو سد بعض الفجوات المالية والعسكرية، ومحاولة الحفاظ على استمرارية الدعم لكييف، لأن سقوط أوكرانيا أو إضعافها بشدة سيعني بالنسبة إلى أوروبا تهديدًا مباشرًا لأمنها الداخلي ولمعادلة الردع ضد روسيا و سيخشون أن يستمر التوجه الروسي في التوسع تهديدا يوميا.
	لكن الأمر لا يتوقف عند أوكرانيا. فداخل أوروبا نفسها، بدأ نقاش أعمق حول معنى الناتو وموقعه في المرحلة المقبلة. الحلف الأطلسي لايزال بالنسبة إلى الأوروبيين ضرورة لا غنى عنها، لكنه لم يعد يُرى بالطريقة ذاتها التي سادت خلال العقود الماضية. هناك إدراك متزايد بأن الناتو يجب أن يبقى، لكن بشروط جديدة، أهمها أن تتحمل أوروبا نصيبًا أكبر من العبء، وأن لا تبقى قرارات الأمن القاري مرهونة بالكامل بالمزاج السياسي في واشنطن والذي يحركه الناخب الأمريكي الذي اختار ترامب للمرة الثانية رغم تجربتهم له في الولاية الأولى.
	ولهذا يمكن القول إن أوروبا لا تفكر في إنهاء الناتو، بل في &ldquo;أوربته&rdquo; من الداخل، أي تحويله إلى إطار أكثر توازنًا في القيادة والأعباء.
	إلى جانب ذلك بدأت بعض العواصم الأوروبية تنظر إلى الصين بوصفها جزءًا من معادلة التوازن الجديدة. هذا لا يعني بالضرورة انحيازًا إلى بكين، لكنه يعكس رغبة في تنويع الخيارات وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها.

	واللافت للنظر أن الصين أيضا تسعى للتقارب مع أوروبا وتجد فرصة الشرخ الأمريكي ــ الأوروبي فرصة سانحة لبناء علاقات أكثر استقلالية وانضباطا مع أوروبا التي أيقنت ان التقارب الحذر مع الصين يمنح الأوروبيين هامش مناورة أوسع، خاصة في لحظة تتسم فيها السياسة الأمريكية بالتقلب والضغط والرسائل المتشددة.
	ومع ذلك لا يبدو أن أوروبا مستعدة للمجازفة بعلاقة كاملة ومفتوحة مع الصين، لأن هذا التقارب نفسه محفوف بمخاوف اقتصادية وأمنية، ولأن الأوروبيين يدركون أن بكين ليست شريكًا بديلًا بالمعنى الكامل، بل قوة كبرى لها حساباتها الخاصة.
	في هذا السياق تصبح تصريحات ترامب المثيرة للجدل ضد القادة الأوروبيين أكثر من مجرد مادة إعلامية. فهي تؤدي وظيفة سياسية واضحة هدفها إضعاف الثقة، وإظهار التفوق، ودفع الأوروبيين إلى موقع الدفاع فالرئيس ترامب لا يتعامل مع الحلفاء بوصفهم شركاء ثابتين، بل بوصفهم أطرافًا يجب إعادة تقييمها باستمرار، وهو ما يخلق حالة من القلق الدائم داخل أوروبا. وقد انعكس هذا القلق في ارتفاع مستوى الحساسية الأوروبية تجاه أي تهديد أميركي بالرسوم، أو أي تلميح بانسحاب، أو أي خطاب يقلل من قيمة الحلفاء الأوروبيين في مواجهة روسيا أو في ملفات التجارة والأمن.

	أما في الشرق الأوسط، فإن أوروبا تتحرك في ملفات غزة وإيران ضمن سقف ضيق لكنه مهم ولافت. ففي غزة تحركت العواصم الأوروبية في اتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية في إشارة للولايات المتحدة أننا أيضا نملك عدوانا ونستطيع ان نظهر قدرتنا علي العمل الأحادي ورفع التكاليف السياسية علي واشنطن
	كذلك في الملف الإيراني، ابدت اوروبا موقفا مغايرا للتحرك الأمريكي بل ورفضت الحرب واستمرارها و فضلت إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، لأن أي تصعيد كبير ستكون كلفته مضاعفة على الأمن الأوروبي، والطاقة، والأسواق.
	من هنا يمكن فهم الحركة الأوروبية الحالية بوصفها تقول عمليًا إنها لم تعد تستطيع أن تراهن علي واشنطن، وأنها ستبحث عن صيغة جديدة تحفظ لها الموقع نفسه تقريبًا، لكن بأدوات أكثر استقلالًا وأكثر تنوعًا.إنها لحظة انتقال من التبعية المريحة إلى الاستقلال القلق، ويفتح الباب أمام أربعة سيناريوهات رئيسية للمستقبل.

	السيناريو الأول هو أن تنجح أوروبا في بناء استقلال دفاعي تدريجي، بحيث تزيد قدرتها على التحرك دون أن تقطع مع الولايات المتحدة.
	السيناريو الثاني هو أن يستمر الوضع الحالي: تحالف قائم لكن متوتر، وشراكة مضطربة تحكمها الأزمات والتجاذبات، عسى أن يرحل ترامب ويأتي رئيس أمريكي جديد يرأب الصدع.
	السيناريو الثالث هو أن تمضي أوروبا في سياسة توازن أوسع مع الصين وقوى أخرى، لتخفيف الضغط الأمريكي.
	أما السيناريو الرابع فهو الأسوأ وان كان الأكثر استبعادا، ويتمثل في انقسامات أوروبية داخلية تُضعف قدرة القارة على اتخاذ موقف موحد.

	في كل الأحوال، يبدو واضحًا إن أوروبا بعد ترامب ليست أوروبا السابقة. فالقارة القديمة تدخل اليوم مرحلة مراجعة عميقة لمعنى الأمن، والتحالف، والسيادة. والأرجح أن السنوات المقبلة لن تحدد فقط شكل العلاقة مع واشنطن، بل ستحدد أيضًا إن كانت أوروبا قادرة فعلًا على التحول من تابع إلى لاعب استراتيجي كامل. وهذه ربما هي أهم معركة سياسية تخوضها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 21 مايو 2026 02:42:10 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22409/تحليلات//أوروبا-وترامب-بين-التبعية-والاستقلال-ومحاولة-إنقاذ.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>أبعاد وتحديات مستقبل النفوذ الفرنسي بإفريقيا بعد "قمة إفريقيا إلى الأمام"</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22408/تحليلات//أبعاد-وتحديات-مستقبل-النفوذ-الفرنسي-بإفريقيا-بعد-ق.aspx</link>
<description>
عقدت بالعاصمة الكينية نيروبي يومي (11 ،12) مايو 2026 قمة "إفريقيا نحو الأمام"، برئاسة مشتركة من الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" ونظيره الكيني "وليام روتو"، وحضرها وفود من 30 دولة إفريقية من بينها مصر. كما شارك بالقمة 1500 شخصية اقتصادية وممثلين عن منظمات المجتمع المدني.وبختام القمة صدر "إعلان نيروبي 2026" الذي يمهد لمرحلة جديدة في التعاون الفرنسي الإفريقي، تبني على أسس متكافئة من الاعتماد المتبادل والشراكة الثنائية والتركيز على تعزيز التعاون بالمجالات الاقتصادية والتكنولوجية. وتمثل نتائج هذه القمة نقطة تحول في السياسة الفرنسية تجاه القارة الإفريقية، بعد إنهاء الوجود العسكري الفرنسي بدول غرب إفريقيا وما أعقبه من تراجع النفوذ الفرنسي بالقارة السمراء لصالح قوى دولية أخرى، نجحت في ترسيخ نفوذها الإفريقي. ورغم نجاح القمة إلا أن هناك تشكيك في مصداقية التوجه الفرنسي لتبني توجهات جديدة بالقارة الإفريقية.  </description>
<fulldescription>

	عقدت بالعاصمة الكينية نيروبي يومي (11 ،12) مايو 2026 قمة &quot;إفريقيا نحو الأمام&quot;، برئاسة مشتركة من الرئيس الفرنسي &quot;إيمانويل ماكرون&quot; ونظيره الكيني &quot;وليام روتو&quot;، وحضرها وفود من 30 دولة إفريقية من بينها مصر. كما شارك بالقمة 1500 شخصية اقتصادية وممثلين عن منظمات المجتمع المدني.وبختام القمة صدر &quot;إعلان نيروبي 2026&quot; الذي يمهد لمرحلة جديدة في التعاون الفرنسي الإفريقي، تبني على أسس متكافئة من الاعتماد المتبادل والشراكة الثنائية والتركيز على تعزيز التعاون بالمجالات الاقتصادية والتكنولوجية. وتمثل نتائج هذه القمة نقطة تحول في السياسة الفرنسية تجاه القارة الإفريقية، بعد إنهاء الوجود العسكري الفرنسي بدول غرب إفريقيا وما أعقبه من تراجع النفوذ الفرنسي بالقارة السمراء لصالح قوى دولية أخرى، نجحت في ترسيخ نفوذها الإفريقي. ورغم نجاح القمة إلا أن هناك تشكيك في مصداقية التوجه الفرنسي لتبني توجهات جديدة بالقارة الإفريقية.

	نتائج استراتيجية:

	عقدت قمة &quot;إفريقيا إلى الأمام&quot; على مدار يومين تبني اليوم الأول شعار &quot;إلهامٌ وتواصل&quot;، ونظم خلاله &quot;منتدى أعمال فرنسي إفريقي&quot; بجامعة نيروبي. لتعزيز دور القطاع الخاص في الشراكات الاقتصادية بين إفريقيا وفرنسا، وعقد باليوم الثاني الجلسة الافتتاحية للقمة وجلسةً عامة لبحث قضايا السلم والأمن الإفريقي، وأربعة جلسات حوارية حول (التنمية المالية، السلام، الذكاء الاصطناعي، القضايا الدولية)، وقد أسفرت القمة عن عدد من النتائج الاستراتيجية ومنها ما يلي:

	-الإعلان عن أكبر حزمة استثمارات فرنسية بالقارة الإفريقية: أعلن &quot;ماكرون&quot;خلال القمة عن حزمة استثمارية فرنسية ضخمة للدول الإفريقية تقدر بنحو 23 مليار يورو، تستهدف قطاعات (التحوّل في الطاقة، البنية التحتية الرقمية،والزراعة). وستقدم باريس 14 مليار يورو منهم بينما سيقدم المستثمرون الأفارقة 9 ملياراتيورو. مما سيؤدي لتوفير ربع مليون فرصة عمل بإفريقيا، وجاء هذا الإعلان للتأكيد على تبني نهج اقتصادي فرنسي جديد للاعتماد على الشراكة والاستثمار للتنمية في إفريقيا. جدير بالذكر، أن فرنسا تعد رابع أكبر مستثمر خارجي بإفريقيا باستثمارات بلغت 52 مليار يورو بنهاية عام 2024، بينما وصل حجم التجارة بينها وبين دول القارة مجتمعة 65 مليار يورو للعام نفسه.

	-تعزيز الشراكة الاقتصادية الفرنسية ــ الإفريقية:استحوذت كينيا بوصفها الدولة المضيفة للقمة على أكبر عدد من اتفاقيات التعاون مع فرنسا، حيث تم التوقيع على 11 اتفاقيةً للتعاون بين الدولتين تشمل قطاعات (الطاقة، والبنية التحتية، والرعاية الصحية، والذكاء الاصطناعي، والمرونة المناخية). وسيتم بموجبها مشاركة فرنسا في تنفيذ (تحديثَ منظومة إشارات قطار ركّاب نيروبي، وتحديث ميناء مومباسا، وتجديد سدّ ماسينجا).من جهة أخرى تم توقيع اتفاق لبناء أول منصةٍ فندقية وطنية في نيجيريا مع شركة فرنسية، ومنحت فرنسا جنوب إفريقيا فرضا بقيمة 20 مليون دولار لإنتاج اللقاحات.

	-عزم فرنسا إعادة القطع الفنية الإفريقية:كشف &quot;ماكرون&quot;عنتشريع فرنسي جديد سيلزم باريس &quot;بإعادة القطع الفنية والأثرية المنهوبة في العصر الاستعماري الفرنسي&quot; للدول الإفريقية، وكان &quot;ماكرون&quot; قد تعهَّد بذلك فور توليه منصبه عام 2017 ، بيد أنه لم يلتزم بتنفيذ ذلك التعهد. جدير بالذكر أن البرلمان الفرنسي قد وافق مطلع مايو الحالي على قانون يسمح للحكومة الفرنسية بإعادة قِطَع فنية دون اللجوء لتمرير قوانين مفردة لكل قطعة فنية. وهذا القانون حال تم تنفيذه فإنه سيؤدي لتفريغ عدد كبير من المتاحف الفرنسية من مقتنياتها لأنها تعود للدول الإفريقية التي خضعت للاستعمار الفرنسي، ومنها المئات من القطع الفنية المصرية التي تعود للحضارة الفرعونية.

	- التأكيد على تعزيز التعاون بالمجالات التكنولوجية: عقدت القمة تحت شعار &quot;شراكات إفريقيا&ndash;فرنسا من أجل الابتكار والنمو&quot;، حيث أولت اهتماما كبيرا بضرورة تطوير الاستثمار في المجالات التكنولوجية الإفريقية، وأكد &quot;ماكرون&quot; أن &quot;التعاون الأوروبي-الإفريقي سيضع أولوية للعلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والذكاء الاصطناعي، والمهارات الرقمية، وبرامج التدريب المدفوعة بالابتكار للشباب في أرجاء القارة&quot;، وشهد &quot;ماكرون&quot; افتتاح مجمع هندسي وعلمي جديد بجامعة نيروبي، تم تطويره بدعم فرنسي. مما يشير لتصدر المجالات التكنولوجية الحديثة أجندة الاستثمارات الفرنسية في إفريقيا، لتنافس دولا أخرى كالصين حققت تقدما في هذا المجال من خلال استثماراتها بالقارة.

	-دعوة مصر لإصلاح الهيكل المالي العالمي:شارك الرئيس المصري &quot;عبد الفتاح السيسي&quot; في القمة، ودعا في كلمته لتبني &quot;مداخلات تشكل أساساً لإصلاح الهيكل المالي العالمي، بما يراعي شواغل الدول النامية، وضرورة كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون السيادية، خاصة في الدول الإفريقية&quot;، ودعا لتشجيع صادرات الدول النامية إلى الأسواق الخارجية، ودعم فرص نمو الصناعات الوليدة بالقارة الإفريقية وتفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية. وقد منحت مشاركة مصر ثقلا جيوسياسي للقمة، لأنه يؤكد الدعم المصري للمساعي الفرنسية لإعادة صوغ العلاقات المشتركة بين باريس والدول الإفريقية، ويبرز انخراط مصر في قضايا القرن الإفريقي التي تعد جزءا من الأمن القومي المصري لأنها ترتبط بأمن البحر الأحمر، ودول منابع النيل. وهو ما يؤكد استمرار الدور المصري الإقليمي المؤثر في القارة الإفريقية.

	دلالات جيوسياسية:

	تكتسب قمة &quot;إفريقيا إلى الأمام&quot; أهمية جيوسياسية لأنها تمهد لإعادة صوغ سياسة فرنسية جديدة في القارة السمراء، من خلال بناء شراكات متكافئة وتطوير قطاعات اقتصادية حديثة، وهناك عدد من الدلالات المهمة التي يمكن استنتاجها من القمة، منها ما يلي:

	-أهمية اختيار كينيا لاستضافة القمة:تعد كينيا أول دولة إفريقية ناطقة باللغة الإنجليزية تستضيف قمة (فرنسية ــ إنجليزية)، وهو ما يؤكد وجود تحول في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه إفريقيا، لتنويع شراكاتها مع مختلف دول القارة وليس الدول الناطقة بالفرنسية فقط، التي كانت باريس تحظى بنفوذ تقليدي فيها. كما يشير اختيار كينيا لتحول اهتمام باريس من دول غرب إفريقيا إلى شرق إفريقيا حيث كانت التحالفات الفرنسية تاريخيا تركز على دول الساحل والغرب الإفريقي، كما قدمت باريس دعوة لكينيا لحضور قمة مجموعة السبع التي ستعقد في 17 يونيو 2026 بفرنسا، مما يدلّ على رغبة الأخيرة في تطوير الشراكة بين الدولتين. كما يحمل اختيار كينيا بعدا اقتصاديا مهما حيث إن نيروبي تعد مركز الصناعات التكنولوجية بشرق إفريقيا، وهو المجال الذي تسعى باريس لتعزيز وجودهل فيه من خلال شراكات متعددة بين الشركات الفرنسية والإفريقية.

	-طرح &quot;مبدأ ماكرون&quot; للشراكة الفرنسية الإفريقية:أشار &quot;ماكرون&quot; ضمناً خلال وجوده في نيروبي لخطأ السياسات التقليدية الفرنسية بإفريقيا ولتعدد المنافسين الدوليين لنفوذ بلاده بالقارة السمراء، وأكد أن باريس ستعمل على تعزيز تعاونها مع الدول الإفريقية من خلال مبدأ &quot;الشراكة على قدم المساواة&quot;. ويعتمد المبدأ على توظيف الأدوات الاقتصادية والشراكة في مجالات جديدة (الطاقة الخضراء، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية) بدلا من التعاون الأمني والعسكري. وهذا يشير إلى أن باريس تطرح رؤية جديدة لسياستها الخارجية في إفريقيا، تتخلى فيها عن قوتها الصلبة من خلال إنهاء الوجود العسكري الفرنسي في عدد من الدول الإفريقية والذي فقدت جزءا منه بالفعل من خلال انسحاب القواتالفرنسيةمن (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، وستقوم باريس بتوظيف أدوات قوتها الناعمة من خلال الشركات الفرنسية، ومنح القروض، والترويج للثقافة الفرنسية حتى بالدول الناطقة باللغة الإنجليزية. وقد أطلقت على تلك التوجهات &quot;مبدأ ماكرون&quot; وهو يعكس رؤية الرئيس الفرنسي لمستقبل سياسة بلاده في إفريقيا التي تقوم على ثلاثة عناصر هي (الاعتذار عن أخطاء الحقبة الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا، دعم الشركات الصغيرة بإفريقيا، وتنويع التعاون مع كافة الدول الإفريقية وليس الناطقة بالفرنسية فقط)، ويعد هذا المبدأ &quot;تحولا استراتيجيا&quot; في السياسة الفرنسية تجاه إفريقيا.

	- افتتاح جامعة &quot;سنجور&quot; لتعزيز القوة الناعمة المصرية والفرنسية: قام &quot;ماكرون&quot; بزيارة لمحافظة الإسكندرية المصرية وشارك مع الرئيس المصري &quot;عبد الفتاح السيسي&quot; في افتتاح المقر الجديد &quot;لجامعة سنجور&quot;الفرنسيةبمدينة برج العرب الجديدةيوم 9 مايو 2026، وأكد الرئيس &quot;السيسى&quot;، أن &quot;افتتاح الجامعة يكتسب أهمية خاصة، لأنه يأتي في إطار تعاظم التحديات التنموية لدول الجنوب، وتزايد الحاجة إلى بناء شراكات دولية فعالة، قائمة على التضامن والتكامل&quot;، بينما أكد &quot;ماكرون&quot; &quot;أن الجامعة ستعزز التعاون العلمي والثقافي بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية الفرانكفونية، وستقوم بإعداد الكوادر المؤهلة للقيادة&quot;. ويعد افتتاح الجامعة تأكيدا على استمرار أهمية &quot;الثقافة الفرانكوفونية&quot; واختيار مدينة الإسكندرية كمقر للجامعة يعكس أهمية الدور المصري كجسر بين الثقافة الإفريقية والفرنسية، كما أنه يعد تأكيدا على دور الأدوات الثقافية (اللغة، التاريخ المشترك، الفنون المختلفة) في تعزيز التعاون الدولي لاسيما بين مصر وفرنسا من جهة وبين الدول الإفريقية وفرنسا من جهة آخرى.

	-تجديد التوافق المصري ــ الفرنسي بالشأن الإقليمي:خلال المباحثات الثنائية بين الرئيسين &quot;السيسي&quot; و&quot;ماكرون&quot; بالإسكندرية جددا التوافق في الرؤى المصرية والفرنسية، حول مختلف القضايا الإقليمية الراهنة، حيث أكد الرئيس &quot;السيسي&quot; أهمية الحفاظ على سيادة ووحدة واستقلال الدول العربية، وضرورة تثبيت اتفاق وقف الحرب بقطاع غزة وتنفيذ بنود المرحلة الثانية من &quot;خارطة الطريق&quot; الأمريكية لوقف الحرب التي أعقبت عقد مؤتمر &quot;شرم الشيخ للسلام من أجل غزة&quot; بأكتوبر 2025 وحضره &quot;ماكرون&quot;، وصولا لإعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية. وأشاد الرئيس &quot;السيسي&quot; بالموقف الفرنسي الداعم للقضية الفلسطينية.كما تناول الرئيسان تطورات الوضع السياسي والأمني في لبنان، كما اتفقا على ضرورة استمرار التعاون المشترك على الصعيد الثنائي أو القاري لمحاربة الإرهاب، والحفاظ على استقرار دول شرق وشمال إفريقيا في ظل وجود حركات إرهابية في (الصومال، مالي).

	- أهمية الدور المصري في تعزيز التعاون الفرنسي الإفريقي:ثمّن الرئيسان التقدم الراهن في العلاقات الثنائية، لاسيما بعد توقيع اتفاقية &quot;الشراكة الاستراتيجية&quot; بين مصر وفرنسا عام 2025.وأكد الرئيس &quot;السيسى&quot;أهمية مواصلة تعزيز التعاون المصري ــ الفرنسي بمجالات (الاستثمار، والتعليم، والصناعة، والنقل)، بما يدفع العلاقات الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي. ونلاحظ أن الأهداف المصرية تتوافق مع الأهداف التي أعلنها &quot;ماكرون&quot; لتعزيز التعاون الفرنسي الإفريقي أيضا، وهو ما يبرز أهمية الدور المصري في تطوير الشراكات الاقتصادية متعددة الأطراف بالقارة السمراء. لاسيما وأن مصر أصبحت تمتلك بنية تحتية في مجالات النقل والتكنولوجيا الرقمية فضلا عن الكوادر التي تنقل هذه الخبرات المصرية للدول الإفريقية، وهو ما سيعزز الشراكات الإقليمية متعددة الأطراف في ظل حالة من &quot;التكامل الاقتصادي&quot; الفرنسي ــ المصري ــ الإفريقي.

	تحديات مستقبلية:

	خلاصة القول، أن قمة &quot;إفريقيا إلى الأمام&quot; مثلت الخطوة الأولى لإعادة بناء علاقات تعاون فرنسية إفريقية قائمة على الشراكة الاستراتيجية واحترام سيادة الدول الإفريقية وتحقيق المصالح المشتركة، ما يعكس صوغ استراتيجية فرنسية جديدة تجاه إفريقيا. بيد أن تنفيذها سيواجه عددا من التحديات أبرزها (رفض &quot;ماكرون&quot; إدانة الجرائم الفرنسية بحقبة الاستعمار للدول الإفريقية، وتأزم العلاقات بين باريس وبعض دول غرب إفريقيا وهي &quot;مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر&quot; حيث لم يحضر ممثلون حكوميون عنهم القمة، ورفض بعض القوى الفرنسية توجهات &quot;ماكرون&quot;، انتقاد منظمات المجتمع المدني الإفريقي التغلغل الفرنسي الجديد بالقارة، حيث عقدت قمة موازية في نيروبي باسم (قمة الإفريقانية ضد الإمبريالية(PASAI 2026 وصفت التوجهات الفرنسية الجديدة بإفريقيا بأنها &quot;تغليف النفوذ الاستعماري الجديد الفرنسي في ثوب التعاون الاقتصادي والشراكة التنموية&quot;)، فضلا عن ديمومة الاستراتيجية الفرنسية التي طرحها &quot;ماكرون&quot;. حيث إنه من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، وسيتولى رئيس فرنسي جديد رئاسة البلاد يتبني توجهات جديدة ربما تتناقض مع سياسات سلفه تجاه القارة الإفريقية، ويبقى التحدي الأبرز وهو تصاعد التنافس الإقليمي والدولي بإفريقيا حيث نجحت (الصين، وتركيا، وروسيا) خلال العقد الماضي بترسيخ نفوذهم الاستراتيجي بالقارة السمراء، فضلا عن النفوذ الأمريكي بالتقليدي بها من خلال القواعد العسكرية والشراكات الاقتصادية، ولذا فإن السياسة الفرنسية الجديدة بالقارة الإفريقية تواجه عددا من التحديات الجيوسياسية لتنفيذها.
</fulldescription>
<pubDate>الثلاثاء , 19 مايو 2026 03:29:05 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22408/تحليلات//أبعاد-وتحديات-مستقبل-النفوذ-الفرنسي-بإفريقيا-بعد-ق.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>الدلتا الجديدة.. مشروع الأمن الغذائي المصري وإعادة هندسة الدولة التنموية في إطار رؤية مصر 2030</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/20//22407/تقارير//الدلتا-الجديدة--مشروع-الأمن-الغذائي-المصري-وإعادة-.aspx</link>
<description>
</description>
<fulldescription>

	في عالم تتسارع فيه الاضطرابات الجيوسياسية وتتفاقم فيه تداعيات التغيرات المناخية، لم يعد مفهوم &ldquo;الأمن الغذائي&rdquo; مجرد ملف فرعي ضمن السياسات الزراعية أو الاقتصادية، بل تحول إلى أحد المرتكزات الأساسية لمفهوم &ldquo;الأمن القومي&rdquo; في الدولة الحديثة. فقد كشفت الأزمات الدولية المتلاحقة، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التصعيد الأمريكي الإيراني وما ارتبط به من تهديدات لحركة الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وعن المخاطر الاستراتيجية للاعتماد المفرط على الخارج في السلع الأساسية والغذائية.

	وفي هذا السياق، تبرز التجربة المصرية بوصفها محاولة لإعادة بناء مفهوم &ldquo;الدولة التنموية&rdquo; القادرة على الانتقال من منطق &ldquo;إدارة الأزمات&rdquo; إلى منطق &ldquo;التخطيط الاستباقي&rdquo;. ومن هنا يكتسب مشروع &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo;، الذي يتولى تنفيذه وإدارته جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، أهمية استثنائية؛ إذ لا يقتصر على كونه مشروعًا زراعيًا واسع النطاق، بل يمثل إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين الدولة والمجال الزراعي والإنتاجي، عبر الانتقال من نموذج الزراعة التقليدية المحدودة بقيود الوادي والدلتا القديمة، إلى نموذج جديد قائم على التوسع الأفقي واستصلاح الصحراء وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة الموارد.

	ومع ترقب الأوساط السياسية والاقتصادية افتتاح المشروع رسميًا من قبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الفترة المقبلة، تتبلور ملامح مرحلة جديدة من بناء &ldquo;الجمهورية الجديدة&rdquo;، وهي مرحلة تسعى فيها الدولة إلى نقل مركز الثقل الاقتصادي والإنتاجي نحو آفاق تنموية أكثر اتساعًا، تتسق مع مستهدفات رؤية مصر 2030، وتعكس قدرة الدولة على تحويل الضغوط الجيوسياسية والتحديات الهيكلية إلى فرص لإعادة البناء وتعزيز القدرة الوطنية الشاملة.

	##

	أولًا: مشروع الدلتا الجديدة في إطار &ldquo;الدولة التنموية&rdquo;

	يعكس مشروع الدلتا الجديدة عودة واضحة لمفهوم &ldquo;الدولة التنموية&rdquo;، وهي الدولة التي لا تكتفي بدور المنظم أو المراقب للسوق، وإنما تمارس دورًا مباشرًا في توجيه الاقتصاد الوطني، من خلال الاستثمار الكثيف في البنية التحتية الإنتاجية، وإعادة تخصيص الموارد نحو القطاعات ذات القيمة المضافة الاستراتيجية.

	وفي هذا الإطار، يمثل مشروع الدلتا الجديدة أحد أكبر المشروعات الزراعية والتنموية في تاريخ مصر الحديث، إذ يستهدف استصلاح وزراعة أكثر من 2.2 مليون فدان، تبدأ مرحلته الأولى بزراعة نحو 810 آلاف فدان، بما يجعله مشروعًا يتجاوز البعد الزراعي التقليدي إلى كونه مشروعًا &ldquo;عمرانيًا &ndash; صناعيًا &ndash; لوجستيًا&rdquo; متكاملًا.

	ولا تقتصر أهداف المشروع على زيادة الرقعة الزراعية فقط، بل تمتد إلى تأسيس فضاءات تنموية جديدة على امتداد محور روض الفرج &ndash; الضبعة، بما يربط بين الزراعة الذكية، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، والطاقة، وشبكات النقل الحديثة. وهو ما يعكس توجهًا استراتيجيًا لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي خارج النطاق التقليدي للوادي والدلتا، وبناء مجتمعات إنتاجية جديدة قادرة على استيعاب الزيادة السكانية وتخفيف الضغط عن الكتلة العمرانية القديمة.

	ويكشف المشروع أيضًا عن تحول في فلسفة الدولة المصرية تجاه التنمية؛ فبدلًا من التركيز على النمو الخدمي والاستهلاكي، يجري إعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية بوصفها قاعدة حقيقية للاستقرار الاقتصادي والسياسي. فالدولة هنا لا تتحرك باعتبارها &ldquo;دولة رعاية&rdquo; بالمعنى التقليدي فقط، وإنما باعتبارها &ldquo;دولة تعبئة وتنمية&rdquo; تسعى إلى خلق أصول استراتيجية طويلة المدى تعزز مناعتها الاقتصادية في مواجهة الأزمات الدولية.

	##

	ثانيًا: خريطة زراعية أكثر اتساعًا واستدامة

	لا تكمن القيمة الجوهرية لمشروع الدلتا الجديدة في ضخامته الهندسية فقط، بل في كونه يمثل تحولًا بنيويًا في إدراك الدولة المصرية لطبيعة المجال الجغرافي والموارد الاقتصادية المتاحة. فالمشروع يعكس محاولة لإعادة إنتاج المجال الحيوي المصري خارج حدود الوادي التقليدي، بما يسمح ببناء خريطة زراعية أكثر تنوعًا واستدامة.

	&bull; كسر حيز &ldquo;الوادي الضيق&rdquo; وتصحيح المسار الجغرافي

	يمثل المشروع محاولة لإعادة التوازن إلى الجغرافيا الاقتصادية المصرية، التي ظلت لعقود طويلة شديدة التركز حول شريط ضيق من الأراضي الخصبة. فمن خلال استصلاح أكثر من 2.2 مليون فدان، تسعى الدولة إلى توسيع الرقعة المعمورة والإنتاجية، وتقليل الاختناق السكاني والاقتصادي الذي عانت منه الدلتا القديمة.

	ولا يتعلق الأمر فقط بزيادة مساحة الأراضي الزراعية، بل بإعادة توزيع الكثافة السكانية والأنشطة الاقتصادية على مساحة جغرافية أوسع، بما يعزز من مفهوم &ldquo;السيادة المكانية&rdquo;، أي قدرة الدولة على توظيف كامل إقليمها الجغرافي في عملية التنمية والإنتاج.

	كما أن هذا التوسع يمثل تحولًا في النظرة إلى الصحراء ذاتها؛ فبدلًا من اعتبارها عبئًا جغرافيًا، يجري تحويلها إلى مخزون استراتيجي للتوسع العمراني والزراعي والصناعي.

	&bull; التحول نحو الإدارة المستدامة للموارد المائية

	يعكس المشروع تحولًا مهمًا في &ldquo;الاقتصاد السياسي للمياه&rdquo; في مصر. ففي ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية وأزمة سد النهضة، لم يعد ممكنًا الاعتماد على أنماط الإدارة التقليدية للموارد المائية.

	ومن هنا اتجهت الدولة إلى بناء منظومات متطورة لمعالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها، إلى جانب تطبيق نظم ري حديثة تعتمد على ترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة الاستخدام. وهو ما يمثل انتقالًا من منطق &ldquo;إدارة الندرة&rdquo; إلى منطق &ldquo;تعظيم كفاءة الموارد&rdquo;.

	كما أن اعتماد المشروع على شبكات ري ذكية ومحطات رفع عملاقة يوضح حجم التحول التكنولوجي الذي تشهده الزراعة المصرية، حيث لم تعد الزراعة قائمة على الجهد التقليدي فقط، وإنما أصبحت جزءًا من اقتصاد يعتمد على البيانات والتكنولوجيا والبنية التحتية المتقدمة.

	&bull; التكامل اللوجستي والربط مع الاقتصاد العالمي

	لم يعد المشروع مجرد مساحة زراعية معزولة، بل تحول إلى جزء من شبكة اقتصادية ولوجستية متكاملة ترتبط بالموانئ والطرق ومحاور النقل الحديثة. وهذا البعد اللوجستي يمثل عنصرًا حاسمًا في تقليل تكلفة النقل والتخزين، وزيادة القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الإقليمية والدولية.

	كما أن قرب المشروع من الموانئ الرئيسية وشبكات الطرق الجديدة يخلق بيئة جاذبة للاستثمارات في مجالات التصنيع الغذائي وسلاسل الإمداد والتعبئة والتغليف، بما يحول القطاع الزراعي من نشاط أولي محدود القيمة إلى قطاع اقتصادي متكامل قادر على إنتاج قيمة مضافة مرتفعة.

	&bull; تحفيز القطاعات الصناعية وتحقيق &ldquo;النمو الاحتوائي&rdquo;

	يكشف حجم الأعمال الإنشائية المرتبطة بالمشروع عن الترابط العميق بين التنمية الزراعية وبقية القطاعات الاقتصادية. فالمشروع لم يحفز القطاع الزراعي فقط، بل أدى إلى تنشيط قطاعات التشييد والبناء والصناعات الثقيلة والطاقة والنقل.

	وهذا النمط من التنمية يعكس مفهوم &ldquo;النمو الاحتوائي&rdquo;، أي التنمية التي تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات والشرائح الاجتماعية، بدلًا من تركز العوائد داخل قطاعات محدودة. فالمشروع يستهدف خلق ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب تأسيس مجتمعات عمرانية جديدة قائمة على الإنتاج والعمل، وليس مجرد التوسع السكني التقليدي.

	##

	ثالثًا: الربط بين الدلتا الجديدة ورؤية مصر 2030

	يمثل مشروع الدلتا الجديدة ترجمة عملية لعدد من المحاور الرئيسية في رؤية مصر 2030، حيث يتقاطع مع أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بصورة مباشرة.

	&bull; المحور الاقتصادي

	يسهم المشروع في تقليل فجوة الاستيراد في عدد من المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والذرة والبذور الزيتية، وهو ما يخفف الضغط على النقد الأجنبي، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

	كما يفتح المشروع المجال أمام زيادة الصادرات الزراعية والصناعات الغذائية، بما ينعكس إيجابيًا على الميزان التجاري، ويعزز مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي.

	&bull; المحور البيئي

	يعتمد المشروع على نظم ري حديثة وتقنيات زراعية أكثر كفاءة في استهلاك المياه، بما يتوافق مع متطلبات الاستدامة البيئية وترشيد استخدام الموارد الطبيعية، خصوصًا في ظل تصاعد الضغوط المائية التي تواجهها الدولة المصرية.

	&bull; محور العدالة الاجتماعية

	لا يقتصر المشروع على البعد الاقتصادي، بل يحمل بعدًا اجتماعيًا واضحًا، من خلال خلق فرص عمل واسعة، وتأسيس مجتمعات تنموية جديدة، وإعادة توزيع فرص التنمية جغرافيًا، بما يحد من التركز السكاني ويخلق مساحات جديدة للحراك الاجتماعي والاقتصادي.

	&bull; محور المعرفة والابتكار

	يعكس المشروع توجهًا متزايدًا نحو دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ونظم الاستشعار عن بعد في إدارة العملية الزراعية، وهو ما يشير إلى تحول تدريجي نحو نموذج &ldquo;الزراعة الذكية&rdquo; القائم على البيانات والتخطيط العلمي.

	وفي هذا السياق، لا يستهدف المشروع تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، وهو هدف يصعب تحقيقه في ظل القيود المائية والجغرافية، وإنما يسعى إلى تعزيز &ldquo;الاكتفاء النسبي&rdquo;، أي تقليل هشاشة الاقتصاد الوطني ورفع القدرة التفاوضية للدولة في الأسواق الدولية.

	##

	رابعًا: البعد الجيوسياسي والأمن الغذائي كأداة للسيادة

	في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، أصبح الأمن الغذائي أحد أدوات القوة والسيادة الوطنية. فالدول التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الخارج في تأمين غذائها تصبح أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية الدولية.

	ومن هنا يمنح مشروع الدلتا الجديدة مصر قدرًا أكبر من &ldquo;المرونة الاستراتيجية&rdquo;، من خلال تقليل حساسيتها تجاه تقلبات أسعار الغذاء العالمية وأزمات الإمداد.

	كما تزداد أهمية المشروع في ظل التحديات المائية المرتبطة بحوض النيل وسد النهضة، إذ يمثل التوسع في نظم الري الحديثة وإعادة استخدام المياه جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة ومواردها الطبيعية.

	وفي هذا الإطار، لا يهدف المشروع فقط إلى زيادة الإنتاج الزراعي، بل إلى إعادة تموضع مصر داخل منظومة الأمن الغذائي الإقليمي، عبر تحسين قدرتها على التفاوض الاقتصادي والتجاري، وتقليل درجة انكشافها أمام التحولات الدولية.

	##

	خامسًا: تعظيم القيمة الاقتصادية للإنتاج الزراعي

	يسهم المشروع في دعم توجه الدولة نحو تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعات الغذائية، من خلال الربط بين التوسع الزراعي والبنية اللوجستية الحديثة والموانئ وشبكات النقل.

	ويتيح ذلك بناء سلاسل إنتاج متكاملة تبدأ من الزراعة، مرورًا بالتصنيع والتعبئة والتخزين، وصولًا إلى التصدير، بما يعزز القيمة المضافة للمنتجات الزراعية المصرية.

	كما يوفر المشروع فرصًا للتوسع في زراعة المحاصيل التصديرية، مثل الخضروات والفاكهة والأعلاف والمحاصيل السكرية، وهو ما يعزز قدرة مصر على النفاذ إلى الأسواق العربية والأوروبية والأفريقية.

	غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على الالتزام بمعايير الجودة والسلامة الغذائية الدولية، إلى جانب تطوير منظومات التخزين والنقل والتعبئة، بما يسمح بتحويل الطموح التصديري إلى قدرة تنافسية حقيقية ومستدامة.

	##

	سادسًا: خلق مجتمعات تنموية وإعادة توزيع السكان

	لا يتوقف مشروع الدلتا الجديدة عند حدود تحقيق الأمن الغذائي، بل يمثل جزءًا من رؤية أشمل لإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية في مصر.

	فالمشروع يرتبط بأجندة &ldquo;التنمية الإقليمية المتوازنة&rdquo;، عبر إنشاء مراكز إنتاج وتنمية جديدة خارج نطاق الوادي والدلتا التقليديين، بما يخفف الضغط عن المدن الكبرى، ويعيد توجيه النمو العمراني نحو مناطق جديدة أكثر قدرة على الاستيعاب.

	كما يعكس المشروع توجهًا استراتيجيًا نحو تعمير الصحراء وإعادة تشكيل الخريطة السكانية المصرية، بحيث تصبح التنمية أكثر انتشارًا وتوازنًا على المستوى الجغرافي.

	##

	سابعًا: التحديات وإدارة المخاطر

	رغم الأبعاد الاستراتيجية الكبرى للمشروع، فإن نجاحه على المدى الطويل يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على إدارة مجموعة من التحديات الهيكلية.

	&bull; استدامة الموارد المائية

	يظل تحدي المياه هو التحدي الأكثر حساسية، بما يفرض استمرار الاستثمار في تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الزراعي وتطوير تقنيات الري الحديثة.

	&bull; الإدارة الاقتصادية الرشيدة

	يتطلب المشروع الحفاظ على الطابع الإنتاجي للأراضي المستصلحة، ومنع تحولها إلى مجال للمضاربات العقارية أو الاستخدامات غير الزراعية.

	&bull; دمج القطاع الخاص

	يعتمد نجاح المشروع بدرجة كبيرة على قدرة الدولة على جذب استثمارات القطاع الخاص، ودمج صغار المزارعين في كيانات إنتاجية وتعاونية حديثة قادرة على تحقيق الكفاءة والتنافسية.

	&bull; المعايير الدولية والتحديات اللوجستية

	تمثل معايير الجودة والسلامة الغذائية، إلى جانب تكاليف الشحن والتخزين، تحديات حقيقية أمام القدرة التصديرية للمشروع، وهو ما يتطلب تطويرًا مستمرًا للبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

	##

	ثامنًا: الاقتصاد التنموي والدولة الحارسة&hellip; الإطار النظري لتحليل مشروع الدلتا الجديدة

	يمكن قراءة مشروع الدلتا الجديدة في إطار نظريات &ldquo;الاقتصاد التنموي&rdquo; التي ترى أن الأسواق وحدها لا تمتلك القدرة الكافية لإحداث التحولات الهيكلية الكبرى في الدول النامية، وأن الدولة تضطلع بدور مركزي في توجيه عملية التنمية، وبناء البنية التحتية، وتعبئة الموارد، وخلق القطاعات الإنتاجية القادرة على تحقيق النمو طويل المدى.

	وفي هذا السياق، يبرز مفهوم &ldquo;الدولة الحارسة&rdquo; أو &ldquo;الدولة القائدة للتنمية&rdquo;، وهي الدولة التي لا تنسحب من المجال الاقتصادي لصالح السوق بصورة كاملة، ولا تحتكر النشاط الاقتصادي بصورة بيروقراطية مغلقة، وإنما تمارس دورًا توازنيًا يقوم على التخطيط الاستراتيجي، وقيادة الاستثمارات الكبرى، وتأمين القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن القومي.

	ومن هذا المنظور، يمكن فهم مشروع الدلتا الجديدة باعتباره نموذجًا لتدخل الدولة في لحظة تاريخية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين العالمي، واضطراب الأسواق، وتصاعد الصراعات على الموارد والطاقة والغذاء.

	فالمشروع لا يعكس فقط رغبة في زيادة الإنتاج الزراعي، بل يعبر عن محاولة لإعادة بناء &ldquo;القدرة الاستراتيجية للدولة&rdquo;، عبر:

	توسيع القاعدة الإنتاجية.

	تقليل الاعتماد على الخارج.

	إعادة توزيع السكان والموارد.

	بناء أصول اقتصادية طويلة المدى.

	وتعزيز القدرة الوطنية على امتصاص الصدمات الدولية.

	كما يعكس المشروع تحولًا في فلسفة التنمية ذاتها؛ إذ لم تعد التنمية تُقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي، وإنما بقدرة الدولة على تحقيق &ldquo;المرونة الاستراتيجية&rdquo;، أي الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في بيئة دولية شديدة التقلب.

	وفي هذا الإطار، يصبح مشروع الدلتا الجديدة جزءًا من عملية أوسع لإعادة تعريف دور الدولة المصرية في الاقتصاد، ليس باعتبارها مجرد منظم للسوق، بل باعتبارها فاعلًا استراتيجيًا يقود عملية إعادة بناء المجال الاقتصادي والجغرافي للدولة في إطار رؤية طويلة المدى.

	##

	تاسعًا: الدلتا الجديدة كعنوان للجمهورية الجديدة

	إن مشروع &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; لا يمثل مجرد استجابة ظرفية لأزمة غذاء عالمية أو تحديات مائية متصاعدة، بل يعكس تحولًا أعمق في تصور الدولة المصرية لمفهوم الأمن القومي والتنمية الشاملة.

	فالمشروع يمثل انتقالًا من منطق رد الفعل إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، ومن إدارة الندرة إلى محاولة إعادة إنتاج الموارد وتوسيع المجال الحيوي للدولة.

	وعبر إعادة هندسة المجال الزراعي والإنتاجي، تسعى مصر إلى بناء نموذج أكثر قدرة على تحقيق &ldquo;المرونة الاستراتيجية&rdquo;، أي القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية والحفاظ على التوازن الاقتصادي والاجتماعي في عالم يتجه نحو مزيد من التنافس على الغذاء والطاقة والمياه.

	غير أن نجاح هذا التحول يظل مرهونًا بعدة شروط أساسية، في مقدمتها:

	الاستمرار في الاستثمار في رأس المال البشري والتكنولوجيا الزراعية.

	بناء منظومة حوكمة رشيدة قادرة على إدارة الموارد والأصول بكفاءة.

	تعزيز التكامل بين الدولة والقطاع الخاص.

	وتطوير القدرة التنافسية للصادرات الزراعية المصرية.

	ومع نجاح الدولة في تحقيق هذه الشروط، فإن &ldquo;الدلتا الجديدة&rdquo; لن تكون مجرد مشروع استصلاح زراعي واسع النطاق، بل ستتحول إلى أحد أهم مرتكزات إعادة بناء القوة الاقتصادية المصرية، ونقطة ارتكاز رئيسية في مشروع &ldquo;الجمهورية الجديدة&rdquo; ورؤية مصر 2030.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 14 مايو 2026 04:02:25 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/20//22407/تقارير//الدلتا-الجديدة--مشروع-الأمن-الغذائي-المصري-وإعادة-.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>”تصفير الاستقطاب“.. التحرك المصري في الخليج وإدارة الأزمة استراتيجية: التوازن المصري في الخليج العربي</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22406/تحليلات//”تصفير-الاستقطاب“--التحرك-المصري-في-الخليج-وإدارة-.aspx</link>
<description>
جاءت الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو الحالي في لحظة تُعد من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخ الوطن العربيحديثًا، حيث تتداخل الحروب المباشرة مع الانقسامات السياسية الحادة، وتتراجع قدرة النظام العربي على إنتاج مقاربات جماعية لإدارة التهديدات المتصاعدة، في ظل تمدد أدوار القوى الإقليمية والدولية داخل المجال العربي. فالمشهد لم يعد مجرد توترات تقليدية بين دول متنافسة، بل أصبح أقرب إلى إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، بما يفرض على الدول العربية المركزية إعادة تعريف أدوارها ووظائفها الأمنية والسياسية. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة التحرك المصري باعتباره زيارة بروتوكولية أو نشاطًا دبلوماسيًا عاديًا، بل باعتباره جزءًا من مقاربة استراتيجية أوسع تحاول من خلالها القاهرة إعادة تثبيت مفهوم ”الاتزان الاستراتيجي“داخل النظام الإقليمي العربي، في مواجهة بيئة تتجه تدريجيًا نحو الاستقطاب الحاد والانفجار المفتوح. فالدولة المصرية تدرك أن المنطقة تقف أمام مرحلة فارقة قد تعيد إنتاج خرائط النفوذ والتحالفات بصورة مختلفة تمامًا عما عرفته العقود الماضية، وأن ترك المجال العربي </description>
<fulldescription>

	جاءت الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو الحالي في لحظة تُعد من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخ الوطن العربيحديثًا، حيث تتداخل الحروب المباشرة مع الانقسامات السياسية الحادة، وتتراجع قدرة النظام العربي على إنتاج مقاربات جماعية لإدارة التهديدات المتصاعدة، في ظل تمدد أدوار القوى الإقليمية والدولية داخل المجال العربي. فالمشهد لم يعد مجرد توترات تقليدية بين دول متنافسة، بل أصبح أقرب إلى إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، بما يفرض على الدول العربية المركزية إعادة تعريف أدوارها ووظائفها الأمنية والسياسية.

	وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة التحرك المصري باعتباره زيارة بروتوكولية أو نشاطًا دبلوماسيًا عاديًا، بل باعتباره جزءًا من مقاربة استراتيجية أوسع تحاول من خلالها القاهرة إعادة تثبيت مفهوم &rdquo;الاتزان الاستراتيجي&ldquo;داخل النظام الإقليمي العربي، في مواجهة بيئة تتجه تدريجيًا نحو الاستقطاب الحاد والانفجار المفتوح. فالدولة المصرية تدرك أن المنطقة تقف أمام مرحلة فارقة قد تعيد إنتاج خرائط النفوذ والتحالفات بصورة مختلفة تمامًا عما عرفته العقود الماضية، وأن ترك المجال العربي نهبًا للفوضى أو للصراعات الممتدة سوف ينعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري ذاته.

	ومن هنا، تتحرك القاهرة وفق رؤية مزدوجة تجمع بين هدفين متوازيين: الأول هو منع انهيار البيئة الأمنية العربية، باعتبار أن تفكك أي دولة عربية محورية، أو سقوط التوازنات الإقليمية التقليدية، سوف يؤدي إلى انتقال موجات عدم الاستقرار إلى مجمل المجال العربي، والثاني هو تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة تستنزف الجميع، وتفتح المجال أمام تدخلات خارجية أوسع وأكثر عمقًا. ولهذا اكتسبت الجولة أهميتها، ليس فقط بسبب توقيتها الحساس، وإنما أيضًا بسبب الرسائل السياسية والاستراتيجية التي حملتها، والتي تعكس محاولة مصرية للجمع بين التضامن العربي، والحفاظ على قنوات الاتصال السياسية، ومنع الوصول إلى لحظة الانهيار الكامل للنظام الإقليمي.

	ترتكز الرؤية المصرية الحالية على مفهوم الأمن القومي العربي باعتباره منظومة مترابطة لا يمكن تجزئتها، تقوم على أن أمن الدول العربية ليس شأنًا محليًا منفصلًا، بل يعد جزءًا من معادلة جماعية تتأثر فيها كل دولة بما يحدث في محيطها الإقليمي. ووفق هذا التصور، فإن أي اختراق استراتيجي في دولة عربية محورية يتحول تدريجيًا إلى تهديد مباشر لبقية الدول العربية، سواء عبر التأثيرات الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.

	بناءً على ذلك، فإن التحرك المصري الراهن لا ينطلق فقط من اعتبارات التضامن السياسي أو الالتزامات العربية التقليدية، بل من إدراك استراتيجي أعمق يرى أن انهيار التوازن في الخليج أو اتساع نطاق الصراع الإقليمي سوف ينعكس مباشرة على الداخل المصري، سواء من خلال التأثير على الاقتصاد والطاقة والملاحة، أو عبر فتح المجال لموجات جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار الإقليمي.

	1.الاتزان الاستراتيجي المصري بهدف &quot;تصفير الاستقطاب&quot;

	تتحرك القاهرة وفق مفهوم &rdquo;الاتزان الاستراتيجي&ldquo;، وهو مفهوم يقوم على إدارة العلاقات والتوازنات الإقليمية بصورة تمنع الانخراط الكامل في أي محور يؤدي إلى تقييد حرية الحركة المصرية أو استنزاف الدولة في صراعات مفتوحة. فالمقاربة المصرية الحالية لا تقوم على سياسة الاصطفاف الحاد، وإنما على محاولة الحفاظ على شبكة علاقات متوازنة تسمح للقاهرة بالتحرك كقوة توازن إقليمي لا كطرف في حالة استقطاب دائم.

	ويستند هذا المفهوم إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها الحفاظ على التحالفات العربية التقليدية، وتجنب القطيعة الكاملة مع القوى الإقليمية المتنافسة، ودعم استقرار الدولة الوطنية العربية باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الفوضى، إلى جانب منع انتقال الأزمات إلى المجال الحيوي المصري، مع الاعتماد بصورة أكبر على أدوات السياسة والدبلوماسية وإدارة التوازنات، بدلاً من الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية الممتدة.

	ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الجولة الخليجية باعتبارها محاولة مصرية للحفاظ على هذا الاتزان الدقيق؛ فهي من ناحية تعكس إظهارًا واضحًا للتضامن السياسي العربي في ظل التهديدات المتصاعدة، لكنها من ناحية أخرى تؤكد تمسك القاهرة بمسارات التهدئة والحلول السياسية، ورفضها الانجرار نحو منطق الحرب الشاملة أو الاستقطاب المطلق. فالقاهرة تدرك أن الحفاظ على التوازن الإقليمي لم يعد خياراً سياسياً فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الدولة الوطنية العربية ومنع انهيار المجال العربي بأكمله

	المحور الأول: البُعد السياسي للجولة ورسائل إعادة التموضع العربي

	تكشف الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي عن تحرك مصري يتجاوز حدود التضامن السياسي التقليدي، ليعكس محاولة أوسع لإعادة تثبيت موقع القاهرة داخل معادلة الأمن العربي وإعادة تعريف دورها الإقليمي في مرحلة تشهد تحولات غير مسبوقة في بنية الشرق الأوسط. فالمنطقة تمر اليوم بحالة سيولة استراتيجية شديدة التعقيد، لم تعد فيها موازين القوى ثابتة كما كانت في العقود السابقة، بل أصبحت خاضعة لتغيرات متسارعة فرضتها الحروب الممتدة، وتراجع فعالية الدولة الوطنية في بعض الساحات، وصعود قوى إقليمية غير عربية تسعى إلى إعادة تشكيل المجال العربي وفق مصالحها ونفوذها الخاص.

	وفي ظل هذا المشهد، تبدو القاهرة مدركة أن الفراغات السياسية والأمنية لا تبقى فارغة طويلاً، وأن تراجع الدور العربي الجماعي خلال السنوات الماضية فتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية واسعة أعادت رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة. فمنذ ما بعد أحداث ما سُمي بالربيع العربي، دخل النظام الإقليمي العربي في حالة إنهاك ممتدة، حيث تراجعت قدرة المؤسسات العربية التقليدية على إدارة الأزمات، بينما تحولت بعض الدول العربية إلى ساحات صراع مفتوح تتداخل فيها الحسابات الدولية والإقليمية بصورة غير مسبوقة.

	وفي هذا السياق، جاءت الجولة المصرية لتعكس إدراكاً بأن المنطقة لم تعد تواجه مجرد أزمات منفصلة، بل أزمة بنيوية تتعلق بمستقبل النظام العربي نفسه. فالتصعيد العسكري المتزايد، واهتزاز منظومات الردع التقليدية، واتساع نطاق الحروب غير المباشرة، كلها عوامل دفعت القاهرة إلى التحرك بهدف منع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الفوضى الإقليمية بصورة أكثر خطورة.

	فالاستقطاب العسكري الحالي لم يعد يقتصر على التنافس التقليدي بين الدول، وإنما أصبح يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، تشمل الحروب بالوكالة، واستخدام الفاعلين من دون الدول، وتصاعد أدوار الميليشيات الإجرامية والتنظيمات المسلحة، فضلًا عن توظيف أدوات الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية في الصراع السياسي والعسكري. ومع اهتزاز بنية الردع التقليدية، أصبحت المنطقة أقرب إلى حالة &rdquo;اللايقين الاستراتيجي&ldquo;، حيث تتزايد احتمالات الانفجار الواسع نتيجة غياب قواعد اشتباك مستقرة أو توازنات واضحة يمكن البناء عليها.

	وفي الوقت نفسه، برزت أدوار متزايدة لقوى غير عربية تسعى إلى توسيع نفوذها داخل المجال العربي، مستفيدة من الانقسامات العربية ومن ضعف القدرة الجماعية على إدارة التهديدات. وهو ما خلق بيئة إقليمية شديدة الحساسية والسيولة، تدرك القاهرة أن استمرارها لفترة طويلة قد يؤدي إلى تآكل مفهوم الأمن العربي ذاته، وتحويل المنطقة إلى مجموعة من الساحات المتنازعة التي تُدار وفق مصالح القوى الخارجية لا وفق أولويات الدول العربية.

	ومن هنا يمكن فهم الرسالة السياسية الأعمق للجولة، إذ تسعى مصر إلى إعادة تقديم نفسها باعتبارها &rdquo;دولة ارتكاز عربي&ldquo;قادرة على لعب دور الضابط النسبي للتوازنات داخل الإقليم. فالقاهرة لا تتحرك فقط بوصفها دولة تبحث عن حماية مصالحها المباشرة، وإنما باعتبارها دولة ترى أن الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن داخل النظام العربي يمثل ضرورة لحماية استقرار المنطقة بأكملها.

	كما تحاول مصر التأكيد على أنها ما تزال تمتلك قدرة على التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، دون الانغلاق داخل محور واحد أو الدخول في حالة استقطاب كامل. وهذه النقطة بالذات تمثل أحد أهم عناصر التحرك المصري الحالي؛ فالقاهرة تدرك أن البيئة الإقليمية الحالية لا تسمح بسياسات الصدام المطلق أو التحالفات الجامدة، بل تتطلب قدرة عالية على إدارة التناقضات والحفاظ على مساحات الحركة السياسية والدبلوماسية.

	فالقاهرة تدرك أن غياب التوازن لا يعني فقط تصاعد الحروب، بل يعني أيضًا انهيار قدرة الدول الوطنية على البقاء، وفتح المجال أمام موجات ممتدة من الفوضى العابرة للحدود، بما يشمل الإرهاب والهجرة غير الشرعية والانهيارات الاقتصادية والأمنية.ولذلك، فإن الرسالة الأساسية التي تحملها الجولة تتمثل في رفض القاهرة لإعادة تشكيل المجال العربي عبر منطق القوة العسكرية المنفردة أو الهيمنة الإقليمية الأحادية. فمصر ترى أن أي محاولة لفرض ترتيبات إقليمية بالقوة سوف تؤدي في النهاية إلى مزيد من التفكك والصراع، وليس إلى بناء استقرار دائم. ولهذا تتحرك القاهرة باتجاه صياغة توازنات سياسية جديدة، تقوم على فكرة احتواء الصراعات لا توسيعها، والحفاظ على الدولة الوطنية العربية لا تفكيكها، ومنع انهيار الإقليم في لحظة تبدو فيها المنطقة أقرب من أي وقت مضى إلى إعادة رسم شاملة لخرائط النفوذ والقوة

	المحور الثاني: البُعد الدبلوماسي ومسار التهدئة الإقليمية

	يُعد البُعد الدبلوماسي أحد أكثر الأبعاد وضوحًا في الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي، إذ كشفت التحركات المصرية عن تمسك واضح بفكرة إدارة الصراعات عبر الأدوات السياسية والدبلوماسية، لا عبر الانزلاق إلى مواجهات إقليمية مفتوحة يصعب التحكم في تداعياتها. فالقاهرة تتحرك انطلاقًا من إدراك استراتيجي يعتبر أن المنطقة وصلت بالفعل إلى مستوى مرتفع من الهشاشة الأمنية والسياسية، وأن أي توسع إضافي للصراع الحالي قد يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار تتجاوز حدود الأطراف المنخرطة مباشرة في الأزمة.

	وفي هذا السياق، تبدو الرؤية المصرية امتدادًا لعقيدة سياسية ترسخت عبر عقود، تقوم على تجنب الحروب الإقليمية الشاملة باعتبارها من أكثر العوامل تهديدًا لبقاء الدولة الوطنية واستقرار المجتمعات. فالتجربة التاريخية في المنطقة أثبتت، من وجهة النظر المصرية، أن الحروب الممتدة لا تُنتج انتصارات مستقرة بقدر ما تُنتج فراغات أمنية وسياسية، وتُضعف المؤسسات الوطنية، وتفتح المجال لتدخلات خارجية متزايدة، سواء من القوى الكبرى أو من الفاعلين الإقليميين الساعين إلى توسيع نفوذهم داخل ساحات الصراع.

	كما تنطلق القاهرة من قناعة راسخة بأن اتساع الحروب الإقليمية يؤدي تدريجيًا إلى إعادة إنتاج بيئات الفوضى والتنظيمات الإرهابية المسلحة، وهو ما شهدته المنطقة خلال العقدين الماضيين بصورة واضحة. فكلما تراجعت قدرة الدولة الوطنية على فرض السيطرة والاستقرار، ظهرت أنماط جديدة من التهديدات العابرة للحدود، بما يشمل الميليشيات المسلحة، والتنظيمات المتطرفة، وشبكات التهريب والهجرة غير الشرعية، فضلاً عن الانهيارات الاقتصادية والإنسانية التي تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله.

	ومن هنا، جاء التركيز المصري خلال الجولة على دعم مسارات الحوار والحلول السياسية باعتبارها الخيار الأقل كلفة والأكثر قدرة على منع انهيار التوازنات الإقليمية بالكامل. حيث حرصت مصر على التأكيد على أهمية الحفاظ على القنوات السياسية مفتوحة بين مختلف الأطراف، لأن انهيار الاتصالات الدبلوماسية يعني عمليًا فقدان أدوات احتواء الأزمة. فالدبلوماسية المصرية تتحرك وفق منطق يقوم على أن بقاء خطوط التواصل، حتى في ذروة التصعيد، يظل ضرورة استراتيجية لمنع الوصول إلى نقطة اللاعودة، خاصة في منطقة تتشابك فيها المصالح والتحالفات بصورة معقدة تجعل أي انفجار واسع النطاق قابلًا للامتداد خارج الحدود التقليدية للصراع.

	كما يعكس التحرك المصري دعمًا واضحًا لفكرة الوساطات الإقليمية باعتبارها أحد أهم أدوات منع التصعيد. فالقاهرة ترى أن الحلول التي تُفرض بالكامل من الخارج غالبًا ما تفتقر إلى القدرة على إنتاج استقرار دائم، بينما تظل التفاهمات الإقليمية أكثر قابلية للاستمرار إذا استندت إلى إدراك مشترك لمخاطر الانفجار الشامل. ولهذا فإن دعم الوساطات السياسية لا يرتبط فقط بمحاولة إنهاء الأزمة الحالية، وإنما أيضًا بمحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن داخل الإقليم ومنع انهيار فرص التفاوض بصورة كاملة.

	المحور الثالث: البُعد الاقتصادي وأمن الدولة الوطنية

	لا يمكن فهم الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي بمعزل عن البُعد الاقتصادي، لأن مفهوم الأمن القومي في الرؤية المصرية الحديثة لم يعد مقتصرًا على الاعتبارات العسكرية أو الأمنية التقليدية، بل أصبح يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على حماية استقرارها الاقتصادي والحفاظ على تماسكها الداخلي في مواجهة الاضطرابات الإقليمية والدولية. فالقاهرة تنظر اليوم إلى الاقتصاد باعتباره أحد المكونات الرئيسية للأمن القومي، بل ربما أحد أكثرها حساسية، في ظل عالم تتداخل فيه الأزمات الجيوسياسية مع أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار وحركة النقل والممرات البحرية.

	في هذا السياق، تدرك القيادة المصرية أن أي اضطراب واسع النطاق في منطقة الخليج لن يظل محصورًا داخل الإطار العسكري أو السياسي، بل سيمتد سريعًا إلى المجال الاقتصادي بصورة قد تؤثر مباشرة على الداخل المصري. فالخليج يمثل أحد أهم المراكز الحيوية للاقتصاد الإقليمي والعالمي، سواء باعتباره محورًا رئيسيًا للطاقة، أو بوصفه مركزًا ماليًا واستثماريًا مؤثرًا، أو باعتباره نقطة ارتكاز لحركة التجارة والملاحة الدولية.

	من هنا، فإن اتساع دائرة التوترات الإقليمية يهدد بإحداث اضطرابات مباشرة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما ينعكس تلقائيًا بحكم اقتصاد الشبكة على الاقتصادات المستوردة للطاقة أو المرتبطة بحركة التجارة الدولية. كما أن أي تهديد للممرات البحرية أو لحرية الملاحة في البحر الأحمر والخليج والمضائق الاستراتيجية سوف يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، بما يفرض ضغوطاً إضافية على اقتصادات المنطقة بأكملها، وفي مقدمتها الاقتصاد المصري الذي يعتمد بصورة كبيرة على استقرار حركة التجارة الدولية وعوائد الممرات البحرية.

	لا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمتد أيضًا إلى ملف الاستثمارات العربية، حيث تنظر مصر إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره شرطًا أساسيًا لاستمرار تدفقات الاستثمار والتعاون الاقتصادي التنموي. فالمناخ الإقليمي المضطرب يؤدي عادة إلى تراجع الاستثمارات، وارتفاع معدلات المخاطرة، وتعطل خطط التنمية والتوسع الاقتصادي، وهي أمور تدرك القاهرة أنها تمثل تحديًا مباشرًا لمفهوم &rdquo;أمن الدولة الوطنية&ldquo;في صورته الاقتصادية الحديثة.

	لهذا، فإن البُعد الاقتصادي للجولة لا يقل أهمية عن أبعادها السياسية أو الدبلوماسية، لأنه يكشف عن إدراك مصري متزايد بأن معارك المستقبل لن تُحسم فقط بالقوة العسكرية، وإنما أيضًا بقدرة الدول على حماية اقتصاداتها الوطنية، وتأمين مصالحها الاستراتيجية، والحفاظ على استقرار المجال الإقليمي الذي تتحرك داخله.

	المحور الرابع: إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية

	تكشف الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي عن أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية ما بعد الحرب الحالية، والتي ستختلف بصورة جوهرية عن أنماط التحالفات التقليدية التي حكمت الشرق الأوسط لعقود طويلة. فالمعادلات القديمة التي تأسست على الانقسامات الأيديولوجية أو الاصطفافات السياسية الجامدة، لم تعد وحدها قادرة على تفسير طبيعة التحركات الحالية أو شكل التفاعلات الإقليمية المتسارعة، بعدما فرضت التحولات الأمنية والاقتصادية والعسكرية واقعاً أكثر تعقيداً وسيولة.

	فالشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة إعادة تعريف لمفهوم التحالف ذاته؛ إذ لم تعد الدول تتحرك فقط وفق اعتبارات الهوية السياسية أو الانتماء الأيديولوجي، وإنما وفق حسابات تتعلق بإدارة التهديدات العابرة للحدود، وحماية الأمن الاقتصادي، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على استقرار الدولة الوطنية في مواجهة موجات الفوضى والانهيار، وفوق كل ذلك تحقيق مصالحها الوطنية. ومن هنا أصبحت قضايا مثل أمن الطاقة، وأمن الملاحة الدولية، ومكافحة التنظيمات المسلحة، ومنع تفكك الدول، عناصر مركزية في تشكيل التحالفات الجديدة، ربما أكثر من الشعارات السياسية التقليدية التي حكمت المنطقة في مراحل سابقة.

	لذلك تسعى مصر إلى بناء شبكة من التوازنات الإقليمية المرنة، تقوم على التنسيق العربي والانفتاح السياسي وتعدد الشراكات، بدلًا من الانخراط في استقطاب حاد قد يقود المنطقة إلى مزيد من الانقسام والتفكك.حيث تعكس هذه المقاربة المصرية إدراكًا بأن موازين القوة في الشرق الأوسط لم تعد مستقرة أو قابلة للتنبؤ بصورة كاملة، وأن المنطقة تتجه نحو نظام إقليمي أكثر سيولة وتعقيدًا، تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الأمني والسياسي والاقتصادي. فالقوى الإقليمية لم تعد تستخدم فقط أدوات القوة العسكرية التقليدية، بل باتت تعتمد أيضاً على الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والفاعلين غير الدولتيين والتأثيرات التكنولوجية والإعلامية كأدوات لإعادة تشكيل النفوذ داخل الإقليم.

	من هنا، يبدو أن القاهرة تحاول إعادة صياغة دورها الإقليمي بما يتلاءم مع هذه البيئة الجديدة، فالدبلوماسية المصرية الحالية تتحرك وفق منطق &rdquo;إدارة التوازن&ldquo;لا&rdquo;حسم الصراع&ldquo;، إدراكًا منها أن طبيعة المرحلة لم تعد تسمح بحلول حاسمة بقدر ما تفرض البحث عن صيغ تمنع الانفجار وتحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي من خلال &rdquo;تصفير الاستقطاب&ldquo;.

	2.التحديات الاستراتيجية أمام القاهرة

	ورغم أهمية التحرك المصري ودلالاته الإقليمية الواسعة، فإن القاهرة تتحرك داخل واحدة من أكثر البيئات الاستراتيجية تعقيدًا منذ عقود، بسبب تراكم الأزمات وتداخل الضغوط الأمنية والسياسية والاقتصادية في وقت واحد. فصانع القرار المصري لا يتعامل مع أزمة منفردة يمكن احتواؤها بصورة مستقلة، وإنما مع طوق ممتد من التهديدات المتزامنة التي تفرض على الدولة المصرية إعادة حساب أولوياتها بصورة مستمرة.

	أولًا: الضغوط الجيوسياسية المتزامنة

	تواجه مصر حاليًا شبكة معقدة من الأزمات الإقليمية الممتدة، تبدأ من الحرب في غزة وما تفرضه من ضغوط أمنية وإنسانية وسياسية على الحدود المصرية، ولا تنتهي عند الأزمة السودانية التي تمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار جنوبًا، مرورًا بالانقسام الليبي الذي ما يزال يمثل أحد أبرز مصادر القلق الاستراتيجي غربًا، فضلًا عن التهديدات المتزايدة المرتبطة بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.

	وفي الوقت نفسه، تستمر أزمة السد الإثيوبي باعتبارها أحد أخطر التحديات المرتبطة بالأمن القومي المصري، نظرًا لاتصالها المباشر بقضية المياه بوصفها قضية وجودية للدولة المصرية. كما يتصاعد التنافس الدولي والإقليمي في شرق المتوسط بصورة تعكس حجم التحولات التي يشهدها الإقليم، خاصة مع ارتباط المنطقة بملفات الطاقة والممرات البحرية والتحالفات العسكرية الجديدة.ولذلك تتحرك مصر بحذر شديد، في محاولة للحفاظ على توازن يسمح لها بحماية مصالحها الحيوية دون الانجرار إلى استنزاف طويل المدى.

	ثانيًا: هشاشة النظام الإقليمي العربي

	تكشف التطورات الحالية أيضاً عن أزمة أعمق تتعلق بهشاشة النظام العربي ذاته، بعدما تراجعت خلال السنوات الماضية قدرة الدول العربية على إنتاج مواقف جماعية موحدة أو بناء آليات فعالة لإدارة الأزمات الإقليمية بصورة مؤسسية. فالنظام العربي الذي كان يمتلك في مراحل سابقة قدرًا من التماسك النسبي، أصبح اليوم أكثر عرضة للانقسام والاستقطاب، في ظل اختلاف أولويات الدول العربية وتباين تصوراتها للتهديدات الإقليمية.

	كما تراجعت فعالية مفاهيم الردع الجماعي والأمن العربي المشترك، لتحل محلها ترتيبات أكثر مرونة وأقل استقرارًا، تعتمد غالبًا على التحالفات المؤقتة أو التفاهمات المرحلية. وهذا الوضع خلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا واسع المجال، استغلته قوى إقليمية ودولية لتعزيز حضورها داخل المجال العربي.غير أن قدرة مصر على التأثير تظل مرتبطة بطبيعة الانقسامات الحالية وبمدى استعداد الأطراف المختلفة لبناء مقاربات جماعية لإدارة التهديدات الإقليمية.

	ثالثاً: معادلة التوازن بين الردع والتهدئة

	تمثل معادلة التوازن بين الردع والتهدئة واحدة من أكثر التحديات تعقيداً أمام السياسة المصرية الحالية. فالقاهرة مطالبة من ناحية بدعم الأمن العربي والتأكيد على رفض تهديد استقرار الدول العربية أو المساس بسيادتها، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد يقود إلى نتائج كارثية على المنطقة بأكملها.

	ومن هنا، تحاول مصر إدارة معادلة دقيقة تقوم على استخدام الحضور السياسي والدبلوماسي كوسيلة لمنع الانفجار لا لتوسيعه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على رسائل واضحة تؤكد تمسكها باستقرار النظام الإقليمي العربي ورفضها فرض ترتيبات جديدة بالقوة العسكرية وحدها.

	نخلص أن الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي تكشف أن القاهرة لم تعد تتعامل مع أزمات المنطقة بوصفها تطورات منفصلة أو تهديدات مؤقتة، بل باعتبارها جزءًا من تحوّل أوسع يطال شكل النظام الإقليمي العربي نفسه. فالمشهد الحالي لا يعكس فقط تصاعدًا في التوترات، وإنما يعكس لحظة إعادة تشكيل لموازين القوة والتحالفات ومفاهيم الأمن داخل الشرق الأوسط.

	ومن هنا، يبدو التحرك المصري محاولة لإعادة تثبيت فكرة &rdquo;التوازن العربي&ldquo;في مواجهة بيئة تتجه تدريجيًا نحو الاستقطاب والفوضى المفتوحة. فالقاهرة تتحرك انطلاقًا من قناعة بأن انهيار المجال العربي لن يهدد دولة بعينها، بل سيقود إلى تفكك إقليمي واسع تتجاوز تداعياته الحدود السياسية التقليدية، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي العربي وللدولة الوطنية في المنطقة.

	كما تعكس الجولة إدراكًا مصرياً بأن المرحلة المقبلة لن تُدار عبر التحالفات الصلبة أو الاصطفافات التقليدية، وإنما عبر شبكات مرنة من التفاهمات والتوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية، تتيح قدرًا من الاستقرار في إقليم أصبح أكثر اضطراباً وسيولة وتعقيداً من أي وقت مضى.
</fulldescription>
<pubDate>الخميس , 14 مايو 2026 08:23:02 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22406/تحليلات//”تصفير-الاستقطاب“--التحرك-المصري-في-الخليج-وإدارة-.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>مضيق هرمز بين قواعد الاشتباك الجديدة وتغيرات موازين القوى</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22405/تحليلات//مضيق-هرمز-بين-قواعد-الاشتباك-الجديدة-وتغيرات-موازي.aspx</link>
<description>
في المحصلة، برغم التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز، ترى طهران في أزمة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وتعثر التوافقات لإنهاء الحرب، فرصةً لتأكيد قدرتها على صياغة معادلات الطاقة العالمية وفرض قواعد اشتباك جديدة. ورغم أن هذا المسار يقابله تصاعد في الضغوط الدولية والمطالبات بتأمين الممرات المائية، وبالتالي رفع كلفة التأمين والشحن للموانئ الإيرانية، إلا أن إيران استبقت ذلك بتسريع نقل منصات التصدير نحو ميناء جاسك الواقع خارج المضيق على بحر عمان، رغبةً منها في فك الارتباط العضوي بهرمز وتأمين صادراتها ضد أي سيناريوهات إغلاق مستقبلية.</description>
<fulldescription>

	بعد أقل من 48 ساعة على إطلاق مشروع الحرية، الذي استهدف تأمين خروج ناقلات النفط العالقة في مضيق هرمز بالقوة، أعلن الرئيس الأمريكي ترامب تعليقه، عازيًا هذا القرار إلى مقترحات تقدمت بها باكستان ودول أخرى. ومع ذلك، لا يمكن تصنيف هذا القرار كتراجع تكتيكي فحسب، بل هو إقرار ضمني بنجاح إيران في فرض قواعد اشتباك معقدة.

	ولذلك، يمكن القول إن المبادرة الدبلوماسية الإيرانية ببنودها الـ 14 لم تكن سوى غطاء ذكي لرفع سقف التفاوض، وصولًا إلى الهدف النهائي المتمثل في المساومة على فرض السيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز. ورغم محاولة البحرية الأمريكية الدفع بناقلات نفط للعبور قسرًا، إلا أن الرد الإيراني جاء حاسما باستهداف فرقاطة أمريكية بطلقات تحذيرية دفعها لتغيير مسارها، ثم معاودة استهداف الإمارات بتبرير اضطلاعها في دعم العملية الأمريكية التي طالت زورقين مدنيين إيرانيين ومصفاة في جزيرة لاوان.

	حدود مقاومة إيران للحصار البحري الأمريكي:

	يتساءل الكثيرون عن مدى قدرة إيران على تحمل الحصار الأمريكي، لكن حقيقة الصمود ليست نابعة من رفاهية اقتصادية، بل من استراتيجية النفس الطويل، والتكيف القسري مع الأزمات، إذ طورت إيران على مدار عقود بنية تحتية تهدف إلى الفصل بين الاحتياجات الأساسية للداخل وبين مسارات التجارة الخارجية، وهذا جعل اعتمادها على الإنتاج المحلي في قطاعات معينة يقلل من حدة الصدمة الفجائية للحصار البحري، مقارنة بدول أخرى تعتمد كليًا على الاستيراد الاستهلاكي.

	وفي الوقت ذاته، تمتلك إيران تاريخيًا شبكات غير رسمية ومعقدة لتصدير النفط والالتفاف على القيود البحرية، وهو ما يجعل الحصار -إن كان مؤلمًا وخانقًا- غير قادر على تصفير الصادرات بشكل كامل أو فوري. وبالمقابل، ترتكز السياسة الإيرانية على فرضية مفادها أن قدرة النظام على تحمل الضغط الداخلي تفوق قدرة الحكومات الديمقراطية (مثل اليابان، أو كوريا، أو حتى أمريكا) على تحمل سخط شعوبها الناتج عن ارتفاع أسعار الوقود، الأمر الذي يحول الأزمة إلى حالة عض أصابع دولية، ويكشف سر مراهنة إيران على ديمومة الوضع الحالي.

	بمعنى أوسع، تستفيد إيران من الحصار البحري داخليًا، من أجل تعزيز الرواية السياسية حول المظلومية والاستهداف الخارجي، وبالتالي منح القيادة الإيرانية غطاءً لتمرير إجراءات اقتصادية تقشفية قاسية كانت ستواجه معارضة أشد في الظروف الطبيعية. باختصار، هي تتحمل، لأن خياراتها البديلة أكثر صعوبة، ولأن بنيتها مصممة أساسًا للعمل تحت ضغط اقتصاد المقاومة، مدعومة بأدوات سلطوية وأيديولوجية ترفع من قدرة النظام على امتصاص الضغط الشعبي لفترات طويلة.

	وعلى النقيض، نجد الدول الصناعية الكبرى مصممة للعمل في بيئة تدفقات تجارية مستقرة، حيث يمكن لخلل بسيط أو زيادة طفيفة في سعر جالون البنزين أن تسقط حكومات أو تغير نتائج انتخابات، وهذا هو الرهان الإيراني الراهن. أما النقطة الأبرز، فهي أن تصوير الحصار البحري كحرب أمريكية ضد الشعب الإيراني يمنح صانع القرار تفويضًا أخلاقيًا-من وجهة نظر أنصاره- لفرض التقشف، ويحول أي صوت معارض للسياسات الاقتصادية إلى صوت متماهٍ مع العدو، مما يؤدي بلا شك إلى إفراغ المعارضة الداخلية من زخمها المطلبي.

	تغير موازين الصراع الإيراني الأمريكي:

	بينما انشغل العالم بمراقبة الحشود العسكرية والأساطيل الأمريكية، كان ثمة جانب ليسفى الحسبان يتلخص في أن إيران لم تكن غارقة في تداعيات الحصار البحري كما رُوّج، بل مارست صبرًا استراتيجيًا مكنها من تثبيت سلطتها الميدانية على المضيق بالقوة رغم الضغوط. ومع تعليق المشروع الأمريكي، استحال خضوع السفن التجارية لإجراءات التسجيل الإيرانية واقعًا مفروضًا يفتقر إلى معارضة عسكرية حقيقية،وهذايمنح طهران نقاط هذه الجولة كاملة عبر أدوات الضغط الميداني.

	يتزامن هذا المشهد مع تلويح الإدارة الأمريكية بنفاد صبر ترامب 22 مايو الجاري، إزاء استمرار إغلاق المضيق، بل وهددت بعودة العمليات العسكرية، وهو ما يؤكد أن ترامب لا يسعى لحرب تستنزف الميزانية أو تؤدي لقفزة جنونية في أسعار النفط، التي ارتفعت بالفعل بنسبة 55% في أمريكا، بل يبحث في جوهره عن صفقة عادلة تضمن له خروجًا آمنًا دون حرج دولي. ويبدو أن طهران تدرك هذه الرغبة جيدًا، لذا فهي مستعدة لتحمل كلفة الحصار في سبيل كسر الإرادة السياسية لترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، أو استباقًا لانفجار اقتصادي عالمي وشيك.

	وللحق، يبعث هذا السلوك الأمريكي برسالة صريحة للقوى الإقليمية، وللصين وروسيا تحديدًا، مفادها أن واشنطن غير مستعدة للذهاب إلى النهايات القصوى في أي مواجهة مباشرة، وهذا بلا شك يعزز الموقف التفاوضي الإيراني في أي جولات مقبلة. خاصة وأن طهران نجحت في تحويل استراتيجية حافة الهاوية إلى آلية فعالة لابتزاز التنازلات، واضعةً واشنطن في مأزق حقيقي. فلا هي قادرة على استئناف حرب مباشرة نظرًا لمخاطرها الكبرى، ولا هي قادرة على الرهان على الحصار السلبي بعد أن غيّرت إيران الواقع الميداني في قلب هرمز.

	تداعيات إغلاق هرمز على موازين الدول:

	ذكرت مجلة فورين أفيرز أن إغلاق مضيق هرمز في أوائل شهر مارس الماضي تسبب في واحدة من أكبر صدمات الطاقة خلال العقد الأخير، وهذا كشف عن التبعية الشديدة لكثير من الدول لمسارات نقل النفط والغاز الحيوية. ومع انسداد هذا الممر الاستراتيجي الذي يعبر من خلاله نحو 20% من النفط والغاز المسال في العالم، ارتفعت أسعار الطاقة بسرعة فائقة، مما أدى إلى دفع الحكومات لاتخاذ إجراءات طارئة، بدءًا من إعلان حالة الطوارئ في قطاع الطاقة في الفلبين والتعليق المؤقت لضرائب الوقود في زامبيا، وصولاً إلى تقنين توزيع الوقود في سلوفينيا.

	وفي شرق آسيا، كانت اليابان وكوريا الجنوبية الأكثر تضررًا نظرًا لتأمين الجزء الأكبر من احتياجاتهما من الخليج العربي، حيث قفزت تكلفة واردات الطاقة اليابانية بنسبة 45%، واضطرت سيول للسحب من احتياطياتها الاستراتيجية. ولم تكن الولايات المتحدة، رغم زيادة إنتاجها من النفط الصخري، بمنأى عن هذه الموجة من الغلاء، إذ سجلت أسعار البنزين فيها أعلى مستوياتها منذ سبع سنوات، وحطم العجز في ميزانها التجاري أرقامًا قياسية بسبب قفزة تكاليف استيراد المشتقات النفطية.

	علاوة على ذلك، أدى الاضطراب في سلاسل التوريد العالمية إلى مواجهة صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى أوروبا صعوبات مؤقتة، وانخفضت إيرادات شركات الطاقة الأمريكية في الأسواق الدولية بمليارات الدولارات. وفي المقابل، كانت الدول التي توجهت نحو الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة أقل تضررًا، حيث وجدت الهند -بتقليل اعتمادها على الواردات- وإسبانيا والبرازيل، بفضل حصصهما العالية من الكهرباء النظيفة، أنفسها في وضع أكثر استقرارًا.

	وفي خضم ذلك، برزت الصين كأحد الرابحين الرئيسيين من الأزمة، إذ شهدت شركاتها العاملة في مجال الطاقة النظيفة نموًا ملحوظًا، وتعززت مكانة بكين في السلسلة العالمية لتكنولوجيا الطاقة أكثر من ذي قبل، وهو الحدث الذي أكد مرة أخرى مقولة أن استقلال الطاقة يمكن أن يعني الاستقلال السياسي والاقتصادي للدول. بينما حملت انعكاسات هذه الأزمة على إيران طبيعة مزدوجة ومعقدة، فهي تتأرجح بين المكاسب الجيوسياسية والخسائر الاقتصادية واللوجستية الحادة المتمثلة في خنق شريانها التصديري. خاصة أن الموانئ الإيرانية الرئيسية في الخليج تعتمد كليًا على هذا الممر، وأي إغلاق طويل سيؤدي بالضرورة إلى تكدس الناقلات وتوقف التدفقات النقدية من مبيعات النفط،وبالتالي تفاقم أزمة العملة الصعبة للداخل الإيراني .زد على ذلك، تأثر الداخل الإيراني بارتفاع تكاليف الاستيراد، فالمضيق ليس فقط لتصدير النفط، بل هو ممر حيوي للسلع الأساسية، والحبوب، والمواد الأولية التي تحتاجها الصناعة الإيرانية، وهذا تسبب في موجات تضخمية إضافية أثقلت كاهل الاقتصاد المحلي.

	خاتمة:

	في المحصلة، برغم التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز، ترى طهران في أزمة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وتعثر التوافقات لإنهاء الحرب، فرصةً لتأكيد قدرتها على صياغة معادلات الطاقة العالمية وفرض قواعد اشتباك جديدة. ورغم أن هذا المسار يقابله تصاعد في الضغوط الدولية والمطالبات بتأمين الممرات المائية، وبالتالي رفع كلفة التأمين والشحن للموانئ الإيرانية، إلا أن إيران استبقت ذلك بتسريع نقل منصات التصدير نحو ميناء جاسك الواقع خارج المضيق على بحر عمان، رغبةً منها في فك الارتباط العضوي بهرمز وتأمين صادراتها ضد أي سيناريوهات إغلاق مستقبلية.

	بموازاة ذلك، تدرك طهران جيدًا أن اقتصادات دول الخليج العربية بُنيت تاريخيًا تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، وتراهن على أن انحسار هذه الهيمنة مقابل ديمومة السيادة الإيرانية على المضيق، سيجبر تلك الدول حتما على البحث عن صيغ توافقية معها. ولن تقتصر هذه الضرورة على القوى الإقليمية فحسب، بل ستمتد لتشمل كافة الدول المعتمدة على طاقة الخليج، والتي ستجد نفسها مضطرة لوضع ترتيبات خاصة تضمن مصالحها.

	وفي حال استمرت التهديدات الأمريكية باللجوء إلى الخيار العسكري، فإن الواقع الميداني قد كشف للعالم كيف أن أسابيع قليلة من المواجهة مع قوة من الدرجة الثانية كانت كفيلة باستنزاف مخزون الأسلحة الأمريكية إلى مستويات خطيرة دون وجود حلول سريعة في الأفق، وهو موقف يضع مصداقية واشنطن وجديتها في خوض صراع كبير آخر محل تساؤل حقيقي، ويعزز في المقابل من أوراق القوة التي تلاعب بها إيران المجتمع الدولي.
</fulldescription>
<pubDate>الثلاثاء , 12 مايو 2026 05:41:11 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22405/تحليلات//مضيق-هرمز-بين-قواعد-الاشتباك-الجديدة-وتغيرات-موازي.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>لماذا لا يزال البعض يراهن على ترامب؟ (حوار مع صديق جمهوري)</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/24//22404/مقالات-رأى//لماذا-لا-يزال-البعض-يراهن-على-ترامب؟-حوار-مع-صديق-.aspx</link>
<description>
</description>
<fulldescription>

	في أحد الأحاديث الطويلة مع أحد الأصدقاء المصريين ممن أتوا للولايات المتحدة الأمريكية أطفالا منذ الثمانينيات ومن المنتمين للحزب الجمهوري بل وأيضا من المؤيدين للرئيس ترامب، اكتشفت أن الخلاف بيننا لم يكن مجرد اختلاف في الرأي حول رئيس أمريكي، بل كان اختلافًا أعمق حول معنى الدولة نفسها من المنظور الأمريكي، والذي روجت له كافة الإدارات الأمريكية بوصفه النموذج الواجب تطبيقه في كل مكان، وما هي حدود القوة، وطبيعة الدور الأمريكي في العالم.

	وجدت أن صديقي الجمهوري المحافظ يرى أن ترامب أعاد السياسة إلى أرض الواقع بعد سنوات من الخطاب المنمق والوعود غير المنجزة.

	ودار بيننا نقاش مفتوح حول مختلف الموضوعات المثارة، بدءًا من الهجرة والتضخم، مرورًا بالعلاقات مع الجيران والحلفاء والحروب والاقتصاد، وصولًا إلى سؤال أكثر خطورة: هل ما يفعله ترامب هو إنقاذ لأمريكا، أم إعادة تعريف لها بطريقة أكثر حدة وانقسامًا؟

	قال لي صديقي منذ البداية إن سبب دعمه لترامب بسيط: &ldquo;أمريكا كانت بحاجة إلى رجل لا يخاف من المواجهة&rdquo; وبالنسبة له فإن ترامب ليس سياسيًا تقليديًا، ولا ابنًا للمؤسسة، ولا أسيرًا للبروتوكولات المنمقة، بل هو رجل يهاجم الحدود المفتوحة، والبيروقراطية، والصفقات التجارية غير المتوازنة، ويفرض على الجميع سؤالًا مزعجًا من يدفع الثمن؟

	هذا المنطق، في نظره، يجعل ترامب مختلفًا عن سياسيين وعدوا كثيرًا ولم يغيّروا كثيرًا. ولهذا أيضًا يستمر في دعمه، حتى عندما يكون ترامب مثيرًا للجدل، أو عندما تبدو قراراته صادمة لحلفائه قبل خصومه.

	بدأنا بملف الهجرة، فصديقي يرى أن الحدود ليست مجرد خط جغرافي، بل خط سيادة. وهو مقتنع بأن أي دولة تتساهل في ضبط الهجرة تفقد جزءًا من قدرتها على التحكم في سوق العمل والخدمات، والأمن العام. وقد جعلت إدارة ترامب الهجرة محورًا مركزيًا في 2026، مع استمرار التوجه نحو تشديد الإجراءات وتوسيع حملات الضبط، مما يعني أن هذه القضية ليست هامشية بل من صميم مشروعه السياسي ورغم أن صديقي هو ابن أحد المهاجرين والذي قد استفاد شخصيا من الحدود المفتوحة إلا أنه الآن يقف وبشدة ضد استمرار هذا الوضع.

	ثم جاء الحديث عن التضخم، وهنا ظهرت منطقة رمادية. صديقي يعترف بأن الأسعار مؤلمة، لكنه يصر على أن ترامب &ldquo;أقرب إلى الفهم الشعبي&rdquo; من خصومه، وأنه يتحدث بلغة الطاقة، والإنتاج، والضرائب، لا بلغة البيانات الجافة. غير أن استطلاعات الرأي الحديثة تشير إلى أن الأمريكيين لا يزالون متشككين في أداء ترامب في ملف التضخم، وأن نسبة التأييد لطريقته في إدارة الأسعار منخفضة للغاية مقارنة بملفات أخرى، مثل الهجرة أو الأمن. هذا لا يعني أن المؤيدين له تخلوا عنه، بل يعني أنهم يفصلون أحيانًا بين &ldquo;الزعيم الذي أحبوا صوته&rdquo; وبين &ldquo;النتائج التي يرونها كل يوم في فاتورة السوبرماركت ومحطات البنزين&rdquo;.

	في العلاقات مع الجيران، خاصة كندا والمكسيك، كان صديقي أكثر وضوحًا: &ldquo;لماذا يجب أن تتحمل أمريكا الكلفة الأكبر دائمًا؟&rdquo; هذه الجملة تكشف جوهر التفكير الترامبي عند كثير من أنصاره. هم لا يرون أن الضغط على الجيران عداء، بل يرونه إعادة تفاوض على الأدوار. ترامب، كما يشرح هؤلاء، لا يريد أن تكون الولايات المتحدة بنكًا مفتوحًا أو شرطيًا دائمًا أو مستوردًا صبورًا لكل الاختلالات. ويرون أن الشدة مع كندا والمكسيك ليست انهيارًا للدبلوماسية، بل تصحيحًا لعلاقات اعتاد الأمريكيون فيها، في نظرهم، دفع أكثر مما يأخذون.

	وعندما انتقلنا إلى أوروبا، تكرر المنطق نفسه فأنصار ترامب بالفعل يرون أن الحلفاء الأوروبيين استفادوا طويلًا من المظلة الأمريكية دون أن يتحملوا نصيبهم الكامل من الأعباء. ولذلك فهو يرحب بأي ضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة الإنفاق وتحمل المسئولية، هذه بالفعل قناعاتهم دون اكتراث بالخلل الذي سيطول الثقة السياسية؛ فحين تتعامل مع الحلفاء بوصفهم متقاعسين دائمًا، فإنك قد تكسب معركة داخلية قصيرة وتخسر شبكة تحالف طويلة المدى.

	ثم تطرقنا للحديث عن حليفهم الأقرب دائما وأعني هنا إسرائيل، وجدت أن الموقف كان لديه شبه محسوم فهو يرى أن ترامب أوضح من غيره في دعم إسرائيل، وأقل التباسًا في لغة التحالف. وعندما سألته هل الدعم غير المشروط يبني سلامًا أم يرسّخ أزمات جديدة؟ هنا لم يكن الجواب سهلًا، لأن ملف غزة لا يحتمل شعارات سهلة. فالحديث عن دعم التهجير أو فرض وقائع قسرية على الأرض يجعل القضية تتجاوز التحالف السياسي إلى سؤال أخلاقي، وقانوني، وإنساني. وقلت له إن أي سياسة لا ترى الفلسطينيين إلا من زاوية الصراع العسكري ستبقى عاجزة عن إنتاج استقرار حقيقي أو أن تقوم بدور الوسيط النزيه.

	ثم جاء الحديث عن أوكرانيا وروسيا، وهنا ظهر الفرق بين &ldquo;الواقعية&rdquo; و&ldquo;الانسحاب&rdquo;. صديقي يرى أن ترامب يفضّل إنهاء الحروب بدل إطالتها، وأنه أقل ميلًا إلى التورط الطويل في صراعات خارجية. بالنسبة له هذه فضيلة لا عيب. أما أنا فقلت إن تقليل التورط شيء، وترك فراغات استراتيجية تملؤها روسيا أو غيرها شيء آخر وخاصة أن أوروبا لم تكن مستعدة لمثل هكذا مفاجآت .

	ومع إيران، وسوريا، وفنزويلا، ومضيق هرمز، صار الحوار أشد تعقيدًا. صديقي يفضّل أن تُقاس السياسة الخارجية بميزان الكلفة والمنفعة: هل التدخل ضروري؟ هل يحمي المصالح الأمريكية؟ هل يقلل الخسائر؟

	وفي منطقة مثل الخليج، حيث يمر مضيق هرمز، لا تبدو الحسابات بسيطة أبدًا؛ لأن أي تصعيد هناك ينعكس على الطاقة، والأسواق، والأمن العالمي، لا على واشنطن وحدها وهو ما عجز صديقي عن الدفاع عنه وقال فلننتظر حتى ينتهي الأمر لنحسب الفوائد والخسائر .

	وعندما تحدثنا عن من هم أكبر أنصار ترامب في المشهد ومن هم كبار الداعمين وصلنا إلى نقطة لا تقل أهمية عن سياساته نفسها تحالف ماجا الذي يقف خلفه.

	هذا التحالف ليس كتلة واحدة متجانسة، بل شبكة من اليمين القومي، والمحافظين الاجتماعيين، وأنصار تشديد الهجرة، وشرائح غاضبة من النخبة السياسية التقليدية.

	إن ما يجمعهم ليس اتفاقًا كاملًا على كل القضايا، بل إحساسا مشتركا بأن المؤسسة القديمة لم تعد تمثلهم، وأن ترامب هو الأداة الأكثر جرأة لكسر هذا الجمود.

	لكن العلاقة بين ترامب وهذا التحالف ليست علاقة ولاء مطلق؛ إنها علاقة تبادل دائم: هو يمنحهم الصوت والرمزية والعداء للمؤسسة، وهم يمنحونه الشرعية الشعبية والقدرة على البقاء وهي علاقة أصبحت أكثر نضجًا من ناحية التنظيم، لكنها أيضًا أكثر تعقيدًا من ناحية التماسك. فكلما طال بقاؤه في الساحة، تحوّل التحالف من مجرد &ldquo;حركة احتجاج&rdquo; إلى بنية سياسية تبحث عن نفوذ داخل الحزب الجمهوري والكونجرس والإعلام المحلي. وفي الوقت نفسه، لا يزال هذا التحالف يعتمد على شخص ترامب نفسه أكثر مما يعتمد على برنامج مؤسسي ثابت.

	فتحالف ماجا ليس مجرد مؤيدين لترامب، بل هي القاعدة التي تجعل ترامب أكبر من مجرد مرشح، كما أنها أيضًا القاعدة التي قد تتعرض للاهتزاز إذا تراجع تأثيره الشخصي أو خسر قدرته على التعبئة.

	في نهاية الحوار، أدركت أن صديقي لا يدعم ترامب لأنه يوافقه على كل شيء، بل لأنه يرى فيه ردًا على شعور أوسع بالإرهاق من السياسة التقليدية.

	هو يفضله لأنه يَعِدُ بالوضوح، حتى لو كان الوضوح فظًا ودون أن يخشى أن تتحول الصرامة إلى عادة، وأن تتحول الفوضى إلى أسلوب حكم.

	وللحديث بقية ولكن سيكون الحوار مع أحد المعارضين الديمقراطيين.
</fulldescription>
<pubDate>الثلاثاء , 12 مايو 2026 05:35:26 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/24//22404/مقالات-رأى//لماذا-لا-يزال-البعض-يراهن-على-ترامب؟-حوار-مع-صديق-.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>تداعيات الحرب الإيرانية على الصعود الصينى فى النظام العالمى</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/27//22403/دراسات//تداعيات-الحرب-الإيرانية-على-الصعود-الصينى-فى-النظا.aspx</link>
<description>
 فالصين تنظر إلى إيران كشريك في موازنة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وتسعي إلى تقويض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وكذلك كمورد رئيسي لموارد الطاقة المخفضة، كما ترتبط الصين في الوقت ذاته مع دول الخليج بشراكات اقتصادية واستثمارات كبيرة، تجعلها تحتاج إلى الموازنة الاستراتيجية في قراراتها. وللإجابة عن هذا التساؤل يجب علينا النظر في حدود الدور الصيني في الحرب الإيرانية-الأمريكية الإسرائيلية والمكاسب والخسائر التي طالت الصين من الحرب، وذلك من أجل تحليل الاستراتيجية الصينية التي اتبعتها الصين خلال الحرب في الشرق الأوسط. وتهدف هذه الدراسة إلى استكشاف أثر التصعيد في منطقة الشرق الأوسط على الصعود الصيني العالمي، واستكشاف قدرة الصين على الموازنة بين مصالحها الاستراتيجية، ومدى قدرتها على مناصرة حلفائها.</description>
<fulldescription>

	دخل النظام العالمي مرحلة جديدة من القطبية عقب 28 فبراير 2026، الذي شنت القوات الأمريكية- الإسرائيلية خلاله ضربات عسكرية جوية ضد أهداف داخل إيران، ليشهد العالم عقبها تصعيدا خطيرا في منطقة الشرق الأوسط، أدى إلى عواقب اقتصادية وخيمة، خاصة بعد قرار إيران بغلق مضيق هرمز،مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، وأضر بالمصالح الاقتصادية لكافة الدول. وأمام الصمود الإيراني غير المتوقع في الحرب والذي أرجعه الخبراء إلى المساندة الخفية من قبل الصين وروسيا لها، ثبت فشل القوات الأمريكية في خوض حرب خاطفة في المنطقة، خاصة مع تخلي حلفائها عنها، وربما تراجع مكانتها كقوة عظمى، مما أثار التساؤل حول الحسابات الصينية تجاه الحرب وفرصتها في الصعود وزيادة نفوذها في المنطقة، حيث تطورت علاقة الصين بإيران على مدى عقود من تعاون محدود إلى شراكة استراتيجية واسعة تشمل الأبعاد الاقتصادية، والدبلوماسية، والأمنية، والذي يتعارض الكثير منها بشكل مباشر مع السياسة الخارجية الأمريكية ومصالح الأمن القومي الأمريكي، فالصين تنظر إلى إيران كشريك في موازنة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وتسعي إلى تقويض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وكذلك كمورد رئيسي لموارد الطاقة المخفضة، كما ترتبط الصين في الوقت ذاته مع دول الخليج بشراكات اقتصادية واستثمارات كبيرة، تجعلها تحتاج إلى الموازنة الاستراتيجية في قراراتها. وللإجابة عن هذا التساؤل يجب علينا النظر في حدود الدور الصيني في الحرب الإيرانية-الأمريكية الإسرائيلية والمكاسب والخسائر التي طالت الصين من الحرب، وذلك من أجل تحليل الاستراتيجية الصينية التي اتبعتها الصين خلال الحرب في الشرق الأوسط.

	وتهدف هذه الدراسة إلى استكشاف أثر التصعيد في منطقة الشرق الأوسط على الصعود الصيني العالمي، واستكشاف قدرة الصين على الموازنة بين مصالحها الاستراتيجية، ومدى قدرتها على مناصرة حلفائها.

	أولا- الموقف الصيني من الحرب:

	منذ بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حاولت الصين تحقيق معادلة التوازن الاستراتيجي تجاه كل من إيران ودول الخليج؛ فاتخذت موقفا محايدا تجاه الأطراف المتصارعة دون التدخل الفعلي، واكتفت بإعلان قلقها من الضربات العسكرية[1]، كما أدانت قتل المرشد الإيراني &quot;على خامنئي&quot; وقادة إيران، وطالبت بوقف فوري للأعمال العدائية كافة، وحثت دول الخليج على الاتحاد لمعارضة التدخل الخارجي[2]، وخلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في 8 مارس الماضى قام عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ووزير الخارجية &quot;وانغ يي&quot; بتوضيح موقف الصين بشأن الوضع في إيران، حيث أشار إلى أن موقف الصين من هذه القضية موضوعي ومحايد، ويمكن تلخيصه في رسالة أساسية واحدة، وهي تحقيق وقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية، كما أوضح أن هذه الحرب ما كان ينبغي أن تحدث، ولا تعود بالنفع على أحد. كما دعت الصين إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية لتجنب تصاعد الوضع بشكل متسارع ومنع امتداد الصراع وانتشاره، ومن أجل التوصل إلى حل مناسب للقضايا المتعلقة بإيران والشرق الأوسط، يجب الالتزام بالمبادئ الأساسية التالية: احترام السيادة الوطنية، ورفض إساءة استخدام القوة خاصة ضد المدنيين، وعدم التدخل في الشئون الداخلية لمنطقة الشرق الأوسط والتي يجب أن تحدد من قبل دول المنطقة بشكل مستقل، والدفع نحو تسوية سياسية للقضايا الساخنة، كما يجب على الدول الكبرى أن تلعب دورًا بنّاءً وأن تستخدم قدراتها بحسن نية، كما أشارت الصين إلى استعدادها للعمل مع دول الشرق الأوسط لتنفيذ مبادرة الأمن العالمي، واستعادة النظام في الشرق الأوسط، وإعادة الطمأنينة إلى الشعوب، وإحلال السلام في العالم[3].

	وبالنسبة لموقف الصين من الاعتداء الإيراني على دول الخليج، فقد صرحت بأنها لا توافق على الهجمات ضد دول منطقة الخليج وتدين الهجمات العشوائية ضد المدنيين أو الأهداف غير العسكرية، كما أعلنت أن الأولوية الملحة هي وقف العمليات العسكرية فورا ومنع انتشار الصراع،وأشارت أن الحل للخروج من الصراع هو العودة إلى الحوار والتفاوض في أسرع وقت ممكن والسعي لاستعادة السلام،والعودة المشتركة إلى المسار الصحيح للالتزام بالقانون الدولي والمعايير الأساسية للعلاقات الدولية[4].

	وعلى الرغم من الموقف المحايد الذي حاولت الصين المحافظة عليه،إلا أنها مالت قليلا نحو إيران في مجلس الأمن للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة،حيث استخدم الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة&quot;فو تسونغ&quot; حق النقض ضد مشروع القرار البحريني في الأمم المتحدة والذي يشجع الدول &zwnj;على تنسيق الجهود لحماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، وبرر ذلك أمام الجمعية العامة يوم 16 أبريل بأنه أدى إلى منع تصعيد التوتر وتهيئة ظروف مواتية للتوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت وبدء الحوار والمفاوضات[5].

	وفي الوقت نفسه أولت الصين اهتماما بالغا لتطوير علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، حيث صادف هذا العام الذكرى السنوية الـ10 لإقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وحرصت الصين على انتهاز هذه الفرصة للعمل مع الجانب السعودي على تعميق الثقة المتبادلة على الصعيد الاستراتيجي، وتدعيم التعاون العملي، وتوسيع التبادلات على كافة المستويات، ومواصلة تعزيز العلاقات الصينية السعودية عمقا واتساعا[6].

	أما بالنسبة للإمارات أعلنت الصين أنها تولي اهتماما كبيرا لتطوير العلاقات معها، كما أشار الرئيس الصيني &quot;شي جين بينغ&quot; إلى أن الدول في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج هي دول جيران لا يمكن فصلها عن بعضها بعضا، وتعتمد كل منها على الأخرى. وشدد على أنه يتعين بذل جهود بغية دعم هذه الدول في تحسين علاقاتها، وأشار إلى أنه من الضروري تعزيز بناء هيكل أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام لمنطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج[7].

	ثانيا- مكاسب الصين من الحرب:

	أشارت العديد من التقارير المختلفة إلى أن الصين أحد المستفيدين من الحرب في الشرق الأوسط، وفي الحقيقة لا يمكن إنكار ذلك، نظرا لوجود عدد من المكاسب التي تجنيها الصين من تلك الحرب والتي من بينها:

	1- تعزيز مكانتها كوسيط إقليمي؛ حيث حاولت الصين التدخل من أجل الوساطة في حل الأزمة والمشاركة في وقف إطلاق النار، وقدمت في نهاية مارس بالمشاركة مع باكستان مقترحا يتكون من خمس نقاط، دعت خلاله إلى وقف فوري للأعمال العدائية في المنطقة وإجراء محادثات سلام في أسرع وقت مع صون سيادة ووحدة أراضي واستقلال وأمن إيران ودول الخليج، ووقف الهجمات على المدنيين والأهداف غير العسكرية، وضمان أمن الممرات الملاحية، وأخيرا بذل الجهود لتطبيق تعددية حقيقية، وتعزيز مكانة الأمم المتحدة، ودعم التوصل إلى اتفاق لإرساء إطار شامل للسلام وتحقيق سلام دائم، استنادًا إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي[8]،ويُنسب إلى صُنّاع القرار في بكين أنهم دفعوا إيران نحو الموافقة على وقف إطلاق النار[9]، على الرغم من عدم وجود تأكيد على ذلك.

	2- مكاسب اقتصادية: تتمثل في صفقات بيع السلاح غير المعلنة بشكل رسمي من قبل الصين، حيث أشارت تقارير الصحف الأمريكية إلى معلومات استخباراتية أمريكية تتهم الصين بالاستعداد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران،كما أن هناك مؤشرات على أن بكين تعمل على تمرير الشحنات عبر دول ثالثة لإخفاء مصدرها الحقيقي،وأنها تستعد لنقل أنظمة صواريخ مضادة للطائرات تُطلق من على الكتف، تُعرف باسم MANPADS، والتي شكلت تهديدًا غير متماثل للطائرات العسكرية الأمريكية التي تحلق على ارتفاع منخفض طوال فترة الحرب التي استمرت ستة أسابيع، ويمكن أن تفعل ذلك مجددًا إذا انهار وقف إطلاق النار. لكن الصين نفت ذلك، حيث صرح المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن: &quot;لم تقدم الصين أبدًا أسلحة لأي طرف في النزاع؛ والمعلومات المذكورة غير صحيحة&quot;[10].

	3- اختبار الأسلحة الصينية: تعتبر الحرب في الشرق الأوسط الاختبار الثاني للأسلحة الصينية في مواجهة الأسلحة الأمريكية والغربية بعد الحرب الهندية-الباكستانية، حيث أدعت الولايات المتحدة أن الصين قدمت دعمًا عسكريًا لإيران، بما في ذلك مكونات تستخدم في الصواريخ الباليستية، وقد ترفع مستوى دعمها عبر أنظمة رادار متقدمة وصواريخ بحرية[11]. وأشار الرئيس الأمريكي &quot;ترامب&quot; خلال مؤتمر صحفي إلى أن طائرة مقاتلة من طراز F-15أُسقطت فوق إيران أصيبت بـ&quot;صاروخ يُطلق من الكتف، وصاروخ موجه بالحرارة&quot;، بينما قالت إيران إنها استخدمت نظام دفاع جوي &quot;جديد&quot; لإسقاط الطائرة دون تقديم مزيد من التفاصيل، وليس من الواضح ما إذا كان هذا النظام صيني الصنع[12]. كما أن هناك أدلة قوية على أن روسيا والصين قدمتا لإيران معلومات استخباراتية، بما في ذلك صور وبيانات إشارات، لمساعدتها في الاستهداف وتقييم الأضرار[13].

	كما أشارت الصحف الأمريكية إلى أن الصين واصلت تزويد إيران بتقنيات ومواد مزدوجة الاستخدام ساعدتها على تطوير ترسانة من الصواريخ والطائرات بدون طيار. وشمل ذلك:مواد كيميائية تُستخدم في إنتاج وقود الصواريخ الباليستية، ومكونات للطائرات بدون طيار، مثل موصلات الترددات الراديوية وشفرات التوربينات، ويعد هذا الدعم حاسما، نظرًا لاعتماد إيران على الصواريخ والطائرات بدون طيار في استهداف القوات الأمريكية والإسرائيلية،وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركات صينية وشركات واجهة في هونج كونج قالت إنها كانت توفر مكونات للصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية [14].وأشار تقرير نشر عن &quot;لجنة مراجعة الاقتصاد والأمن بين الولايات المتحدة والصين&quot; الأمريكية، بعنوان &quot;ورقة حقائق بين الصين وإيران: مقدمة قصيرة عن العلاقة&quot; إلى أنه في الأيام التي سبقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية في فبراير 2026، أشارت عدة تقارير إلى أن الصين كانت منخرطة في مبيعات أسلحة مباشرة لإيران &mdash; طائرات بدون طيار هجومية وصفقة شبه مكتملة لبيع صواريخ كروز مضادة للسفن، رغم أن الطرفين لم يتفقا على موعد التسليم،أيضا غادرت سفينتان إيرانيتان مملوكتان للدولة في 2 مارس ميناء غاولان في الصين إلى إيران، ويُعتقد أنهما تنقلان بيركلورات الصوديوم، وهو مادة أولية رئيسية تُستخدم في وقود الصواريخ الصلبة[15]، وقد رفعت تلك المساعدات قدرة إيران على توجيه ضربات لكل من إسرائيل ودول الخليج، وأيضا زادت من قدراتها على التصدي للضربات الأمريكية-الإسرائيلية. ولكن تظل جميع تلك الادعاءات بمساندة الصين لإيران عسكريا وتزويدها بتكنولوجيا استخباراتية مجرد ادعاءات أمريكية فقط، نفت الصين جميعها، كما اعترضت الصين على فرض عقوبات أمريكية على خمس شركات صينية، حيث أصدرت وزارة التجارة الصينية، حظرا يمنع أي اعتراف أو إنفاذ أو امتثال للعقوبات الأمريكية المفروضة على الشركات الخمس، على خلفية مزاعم تورطها في تعاملات نفطية مع إيران.

	4- تمدد النفوذ الصيني:ساهمت الحرب في الشرق الأوسط على تمدد النفوذ الصيني، ويرجع ذلك إلى تراجع الهيمنة الأمريكية نتيجة لسوء أدائها في الحرب،فطبقا لمقال نشرته صحيفة The Economistبعنوان &quot;كيف تأمل الصين في الفوز في الحرب&quot; ترى بكين أن أمريكا تهاجم إيران لأنها تشعر بأن قوتها تتراجع، وتُعد أفكار &quot;ترامب&quot; حول عملية برية علامة على مدى سهولة أن تقود خطوة غير محسوبة إلى أخرى. وإذا غرقت إيران في الفوضى أو تمسك النظام بالسلطة، فقد تقضي أمريكا سنوات في إخماد الحرائق في الشرق الأوسط. كل ذلك سيشتت الولايات المتحدة عن شرق آسيا، كما ستقلق هذه الحرب الدول التي تعتمد على الولايات المتحدة. فحليفها لم يصبح أقل موثوقية فحسب، بل إنها تدفع ثمن اندفاعه عبر ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام. فهل ستصبح الدول الآسيوية أكثر حذرًا من إغضاب الصين؟ يرى المسئولون الصينيون أن الحرب تُظهر حكمة تركيز الرئيس الصيني على تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا والموارد، حتى وإن جاء ذلك على حساب النمو الاقتصادي. فقد سعى الرئيس الصيني&quot;شي جين بينغ&quot; إلى حماية الصين من الاختناقات المحتملة، وأنشأ احتياطيًا استراتيجيًا من النفط الخام يبلغ 1.3 مليار برميل، يكفي لعدة أشهر، كما نوّع مصادر الطاقة إلى النووية، والشمسية، والرياح، مع الحفاظ على الفحم المحلي، وتتبع الصين نهجًا عمليًا بتسهيل تجارة النفط الإيراني[16]. كل ذلك سيدفع الدول المحيطة بالصين إلى محاولة التوصل إلى نقاط تفاهم وتقارب معها لتجنب الصدام مع الصين، خاصة بعد تراجع الثقة في الولايات المتحدة وفي قدرتها على اتخاذ قرارات حكيمة تحجب الصراعات والخسائر. أيضا ترى كل من موسكو وبكين في هذا الصراع فرصة لتقويض المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى. كما يسعى الطرفان إلى استغلال الحرب لإضعاف القوة الأمريكية، والحصول على معلومات استخباراتية حول الأنظمة العسكرية الأمريكية، وتقويض النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وكلاهما يمتلك مجموعة واسعة من الأدوات لتحقيق ذلك، سواء كانت دبلوماسية أو عسكرية، علنية أو سرية.

	5- زيادة الشراكات الاقتصادية: من المتوقع أن تستفيد الشركات الصينية بعد انتهاء الحرب من إعادة الإعمار في دول الخليج وإيران، نظرا لسهولة وسرعة وصول تلك الشركات للمنطقة، وأيضا التقنيات التكنولوجية العالية التي تمتلكها الشركات الصينية والتي تؤهلها لتلك المهمة.

	6- زيادة الطلب على اليوان الصيني:أدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز من قبل إيران، وقرارها بالسماح لبعض السفن بالمرور في حال دفعها باليوان الصيني، إلى تحويل &quot;البترويوان&quot; من بديل نظري إلى أداة جيوسياسية ناشئة. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه التطورات تمثل نقطة تحول مهمة، فإنها لا تبشر بإزاحة فورية لنظام &quot;البترودولار&quot;. بل تشير إلى نظام نقدي أكثر تفتتًا، قائم على الإكراه، ومتعدد الأقطاب. وفي الوقت نفسه، لا يعني هذا التحول تلقائيًا هيمنة البترويوان؛ إذ لا يزال المصدرون يفضلون سيولة وقابلية تحويل الأصول الدولارية، كما يستمر العديد منهم في التسعير بالدولار حتى عندما تتم التسوية بعملات أخرى. والنتيجة هي انفصال تدريجي بين التسعير والتسوية، أي نظام هجين يتوسع فيه استخدام اليوان دون أن يحل محل الدولار كوحدة حساب عالمية،فضلا عن أن تقييد المرور، وفرض رسوم، والإبلاغ عن المطالبة بالدفع باليوان الصيني، أدخلت طهران شكلًا من &laquo;الإكراه النقدي&raquo; غير المسبوق في أسواق الطاقة الحديثة،وسيتوسع البترويوان كنظام موازٍ، مدعومًا بشبكات التجارة الصينية، والبنية التحتية البديلة، والدول التي تسعى لتجنب الهيمنة المالية الأمريكية. وفي النهاية، سيعتمد مستقبل البترويوان على قدرة الصين على بناء أسس مؤسسية لعملة عالمية، إذ إن الصدمات الجيوسياسية قد تسرّع التغيير، لكنها لا يمكن أن تحل محل الشروط العميقة اللازمة لهيمنة العملة[17].

	7- قضية تايوان: أثبتت الحرب في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة شريك غير جدير بالثقة، ولا يمكن الوثوق به في التدخل عسكريا من أجل تايوان ضد الصين، في حين أنه لم يستطع تحقيق أهدافه المعلنة كاملة في إيران، رغم وجود القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة، وأيضا تخلي الناتو عن الولايات المتحدة وعدم مساعدته عسكريا في الحرب، مما يثير التساؤل حول قدرة الولايات المتحدة على الحرب داخل المجال الحيوي الصيني، وداخل منطقة نفوذ الصين نفسها، وبالتالي ستحقق الصين العديد من المكاسب في تلك القضية.

	ثالثا- خسائر الصين من الحرب:

	على الرغم من المكاسب التي جنتها الصين من الحرب، إلا أن هناك العديد من الخسائر الصينية الكبرى، والتي تدفع الصين إلى التدخل من أجل إنهاء الحرب في المنطقة، والتوصل إلى تسوية سريعا، ومن بين تلك الخسائر ما يلي:

	1- الإحراج السياسي: تطرح الصين نفسها بصفتها قوة عظمى مؤثرة في النظام العالمي، لذلك يمثل موقفها المحايد السلبي من الحرب إحراجا سياسيا لها، وإثبات أن الصين لن تدخل لنصرة حلفائها، أو أنها لا تزال ليست ندا للولايات المتحدة، ولا تستطيع التصدي لها.

	2- تباطؤ حركة التجارة العالمية والتأثير على أمن الطاقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز بما يؤثر على الاقتصاد الصيني: حيث يمثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ممرًا حيويًا للطاقة العالمية، وتستورد الصين نحو نصف نفطها الخام و30% من الغاز الطبيعي المسال من موردين في الخليج، من بينهم السعودية، والعراق، والإمارات، وقطر. ويؤدي الإغلاق المطول لمنطقة الخليج إلى مخاطر تشمل نقص الإمدادات، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واندلاع منافسة شديدة على الشحنات المعاد توجيهها، رغم أن بعض السفن المرتبطة بالصين تمكنت من العبور. إلى جانب الطاقة، تؤثر الأزمة الإيرانية أيضًا على المنتجات المرتبطة بسلسلة إمدادات النفط التي يتم إنتاجها في منطقة الخليج، بما في ذلك الأسمدة وثاني أكسيد الكبريت المستخدم في إنتاج الألومنيوم والنيكل. وتعتمد الهند بشكل كبير على الأسمدة القادمة من الخليج، بينما تعتمد إندونيسيا على هذه الإمدادات لإنتاج النيكل. كما أن ارتفاع تكاليف النقل نتيجة زيادة أسعار النفط وطول المسارات لتجنب مناطق الصراع يؤدي إلى ضغوط إضافية على سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين والاختناقات في حركة التجارة. ويظل التهديد الأكبر للصين هو احتمال تراجع الطلب العالمي، نظرًا لاعتمادها الكبير على الصادرات لتحقيق أهداف النمو، التي تتراوح بين 4.5% و5%. وقد يؤدي انخفاض النمو العالمي إلى زيادة فائض الإنتاج، وتراجع أرباح الشركات، وضعف الاستثمار والاستهلاك. كما أن أوروبا، التي تُعد أكبر سوق للصادرات الصينية، قد تتأثر بشدة بارتفاع أسعار الطاقة، مما يؤدي إلى تراجع الطلب على المنتجات الصينية[18].

	3- ارتفاع أسعار النفط العالمي: فعلى الرغم من أن الصين تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط، فإن خطر حدوث ركود عالمي وارتفاع أسعار طاقة العالمية يمثل تهديدًا للاقتصاد الصيني، الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات[19]. والاستراتيجية الجيوسياسية للصين، وبينما توفر احتياطيات النفط الضخمة لدى بكين وتنوع مصادرها حماية قصيرة الأجل، فإن استمرار الصراع حول إيران قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية الداخلية وتقويض أهداف الصين العالمية. لطالما شكلت إيران مصدرًا حيويًا ومنخفض التكلفة للطاقة بالنسبة للصين، خاصة منذ عام 2021 عندما تم توقيع اتفاق التعاون لمدة 25 عامًا بين إيران والصين، والذي ضمن نحو 400 مليار دولار من النفط بأسعار أقل من السوق للصين، مقابل استثمارات في البنية التحتية والتعاون الأمني في إيران. وبحلول نهاية عام 2025، كانت الصين تستورد ما يصل إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من إيران، وهو ما يمثل 13% من إجمالي وارداتها من النفط الخام، ونحو 80% إلى 90% من صادرات إيران النفطية. انهار الإنتاج والصادرات الإيرانية نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتوقف الشحن. وبالنسبة للصين، أدى ذلك إلى نقص فوري في واردات النفط من إيران يتراوح بين 1 إلى 1.4 مليون برميل يوميًا. وفقدت المصافي الصغيرة إمكانية الوصول إلى النفط منخفض التكلفة، وواجهت أسعارًا أعلى في سوق تعاني بالفعل من توترات عالمية[20].

	4- عرقلة مبادرة الحزام والطريق: تعتمد الصين بشكل كبير على الترويج لمبادرة الحزام والطريق وطرح نفسها كشريك اقتصادي مضمون لمعظم دول العالم، كما أن تلك المبادرة هي أحد مسارات الصعود الصيني العالمي، والسيطرة الجيوسياسية اقتصادية، ويعتبر المرور عبر إيران أحد الطرق الرئيسية للمبادرة، بما يدفع الصين للرغبة في الانتهاء السريع من الحرب والوصول لاتفاق يضمن عدم عودة الحرب في المنطقة مرة أخرى، وعدم عرقلة المبادرة.

	ختاما:

	توصلت الدراسة إلى أن السلوك الصيني في الحرب في الشرق الأوسط كان نتيجة لمحاولة موازنة مصالحها في المنطقة مع كافة الأطراف وتجنب الخسائر الناجمة عن الحرب، والتي تعرقل مصالحها الاستراتيجية، دون التخلي عن حليفتها إيران، وعدم تقديم دعم كامل لها لتجنب خسارة حلفائها في الخليج في الوقت نفسه، وذلك بسبب عدم استعداد الصين بعد لخوض مواجهة مباشرة ضد الولايات المتحدة، واكتفت بالدعم السري لإيران وتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، ومحاولة دعم الصمود الإيراني في الحرب بأكبر قدر ممكن.

	وبالنسبة للصعود الصيني العالمي، فقد أثبتت الحرب أن الصين لا يزال أمامها الكثير من الوقت لإثبات قدرتها على المواجهة والدفاع عن حلفائها، وعلى الرغم من أن الصين أثبتت فاعلية استراتيجية إدارة الأزمة لديها، إلا أنها بدأت في التضرر الفعلي اقتصاديا خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي &quot;ترامب&quot; حصار مضيق هرمز، وبدء نفاد مخزونها من النفط، مما يقود العالم للدخول في مرحلة قطبية &quot;اللاقطبية&quot;، حيث لا يوجد قطب واحد مهيمن على العالم، ولا تصارع بين الأقطاب المختلفة على الهيمنة وفرض القوة، بل عالم متضرر فيه الجميع اقتصاديا، ويسعى الجميع خلاله إلى تعويض خسائره عن الحرب، ليصبح فيه استعادة مخزونات النفط لدى الدول وزيادة الاحتياطي من الطاقة والذهب هو الأولوية القصوى لدى كافة الدول، وليس التصارع من أجل إثبات النفوذ.

	المراجع:

	
	
		
			[1]Foreign Ministry Spokesperson&rsquo;s Remarks on the Military Strikes Against Iran by the U.S. and Israel, Embassy of the People&#39;s Republic of China in the Republic of South Africa, 28 February 2026, available at: https://za.china-embassy.gov.cn/eng/fyrth/202602/t20260228_11866531.htm?utm_source=chatgpt.com
	
	
		
			[2]Reuters, China&#39;s foreign minister tells Israeli counterpart that attacks on Iran must end, March 3, 2026, Available at: https://www.reuters.com/world/china/chinas-foreign-minister-tells-israeli-counterpart-that-attacks-iran-must-end-2026-03-03/
	
	
		
			[3]Ministry of Foreign Affairs, People&rsquo;s Republic of China, ​Wang Yi on the Iran situation: Stop fighting, end the war, and restore peace to the Middle East and the rest of the world, March 08, 2026, Available at: https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/wjbzhd/202603/t20260308_11870452.html
	
	
		
			[4]Ministry of Foreign Affairs, People&rsquo;s Republic of China, Foreign Ministry Spokesperson Guo Jiakun&rsquo;s Regular Press Conference on March 11, 2026, March 11, 2026, Available on: https://www.mfa.gov.cn/eng/xw/fyrbt/202603/t20260311_11873028.html
	
	
		
			[5]ممثل الصين لدى الأمم المتحدة: استخدام الصين لحق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار مجلس الأمن بشأن مضيق هرمز حال دون تصعيد التوتر، CGTN، 17 إبريل 2026، متاح عبر: https://persian.cgtn.com/2026/04/17/ARTI1776394472798723
	
	
		
			[6]شي جينبينغ يجري اتصالا هاتفيا مع الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء للمملكة العربية السعودية، CGTN Arabic،2026-04-20، متاح عبر: https://arabic.cgtn.com/news/2026-04-20/2046198634725588994/index.html
	
	
		
			[7]Chinadiplomacy, China opposes malicious association after US seizes ship in Strait of Hormuz, 2026-04-26, Available at: https://en.chinadiplomacy.org.cn/2026-04/21/content_118450264.shtml
	
	
		
			[8]MINISTRY OF FOREIGN AFFAIRS, GOVERNMENT OF PAKISTAN,Five-Point Initiative of China and Pakistan For Restoring Peace and Stability in the Gulf and Middle East Region (Beijing, 31 March 2026), 31 March 2026, available at: https://mofa.gov.pk/press-releases/five-point-initiative-of-china-and-pakistan-for-restoring-peace-and-stability-in-the-gulf-and-middle-east-region-beijing-31-march-2026?utm.com
	
	
		
			[9]Amy Hawkins, Who can claim victory if Iran ceasefire holds? An early winner is China, The Guardian, 9 Apr 2026, Available at: https://www.theguardian.com/world/2026/apr/09/who-can-claim-victory-iran-ceasefire-china
	
	
		
			[10]Natasha Bertrand&amp; Others, Exclusive: US intelligence indicates China is preparing weapons shipment to Iran amid fragile ceasefire, sources say, CNN, Apr 11, 2026, Available at: https://edition.cnn.com/2026/04/11/politics/us-intelligence-iran-china-weapons
	
	
		
			[11]Jon B. Alterman and Ali Vaez, How China and Russia Can Exploit the Iran War, foreignaffairs, April 23, 2026, Available at: https://www.foreignaffairs.com/united-states/how-china-and-russia-can-exploit-iran-war
	
	
		
			[12]Ibid
	
	
		
			[13]ibid
	
	
		
			[14]David Pierson, How China&rsquo;s Weapons Transfers to Iran Have Evolved Over Decades, The New York Times, 15 Apr 2026, Available at: https://www.nytimes.com/2026/04/15/world/asia/china-iran-weapons-sales.html
	
	
		
			[15]Graham Ayres&amp; Others, China-Iran Fact Sheet: A Short Primer on the Relationship, U.S.-China Economic AND Security Review Commission, 03/16/2026, Available at: https://www.uscc.gov/research/china-iran-fact-sheet-short-primer-relationship?utm.com
	
	
		
			[16]How China hopes to win from the war, The Economist, Apr 1st 2026, available at: https://www.economist.com/leaders/2026/04/01/how-china-hopes-to-win-from-the-war
	
	
		
			[17]Chen Gang, Petroyuan on the horizon: The Middle East crisis rewires global oil finance, Think China, 20 Apr 2026, available at: https://www.thinkchina.sg/economy/petroyuan-horizon-middle-east-crisis-rewires-global-oil-finance
	
	
		
			[18]Alicia Garc&iacute;a-Herrero, What the war in Iran means for China, Bruegel, 17 March 2026, Available at: https://www.bruegel.org/analysis/what-war-iran-means-china
	
	
		
			[19]Ibid.
	
	
		
			[20]Ibid.
	

</fulldescription>
<pubDate>الثلاثاء , 12 مايو 2026 04:27:22 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/27//22403/دراسات//تداعيات-الحرب-الإيرانية-على-الصعود-الصينى-فى-النظا.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل الإفريقي: التوسع العملياتي وإشكالية الأمن الإقليمي</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22402/تحليلات//تنظيم-الدولة-الإسلامية-في-الساحل-الإفريقي-التوسع-ا.aspx</link>
<description>
مع اتساع العمليات العسكرية للتنظيمين، شهدت المنطقة تصاعدًا غير مسبوق في معدلات العنف، حيث ارتفعت الهجمات ضد المدنيين في مالي خلال عام 2022 بنسبة كبيرة بالتزامن مع زيادة وتيرة المواجهات المسلحة بين الطرفين، قبل أن يتفاقم المشهد الأمني بصورة أكبر خلال عام 2023، مع ارتفاع إجمالي مستويات العنف بين مختلف أطراف الصراع مقارنة بالأعوام السابقة. وأسهم هذا التصعيد في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الساحل، كما أدى إلى توتر العلاقات المحلية والإقليمية نتيجة توسع دائرة الاشتباكات وامتدادها إلى مناطق نفوذ جديدة، خاصة في شمال وشرق بوركينا فاسو. وفي هذا السياق، شكّل شهر نوفمبر 2025 إحدى أكثر الفترات دموية في الصراع بين التنظيمين، بعدما تمكن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل من تنفيذ هجمات نوعية أوقعت خسائر كبيرة في صفوف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بما عكس تصاعد قدراته العملياتية وتنامي نفوذه العسكري داخل الإقليم. كما عززت التقارير المتعلقة بانشقاق بعض القيادات الميدانية وانضمامها إلى تنظيم الدولة الإسلامية احتمالات اتساع الاقتتال الداخلي بين الفصائل المسلحة، بما ينذر بموجة جديدة من عدم الاستقرار الإقل</description>
<fulldescription>

	في يناير 2026، نفذ تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل هجومًا استهدف مطار ديوريهاماني الدولي وقاعدة نيامي الجوية 101 في العاصمة النيجرية، في عملية عكست حجم التراجع الأمني الذي تشهده النيجر، وكشفت عن اتساع القدرات العملياتية للتنظيم داخل منطقة الساحل الإفريقي، خاصة في ظل غياب رد فعل حاسم من القوات المحلية أو الأجنبية المتمركزة بالقرب من العاصمة. وخلال العامين الماضيين، تمكن التنظيم من توسيع نطاق نفوذه بصورة متسارعة، عبر فرض حضور قوي في منطقة ميناكا شمال مالي، إلى جانب تمدده نحو شمال غرب نيجيريا، ليصبح أحد أكثر التنظيمات المسلحة نموًا داخل القارة الإفريقية، مع تصاعد احتمالات تحوله إلى تهديد عابر للحدود. ويعود هذا التمدد إلى مجموعة من العوامل، أبرزها التنافس مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، والانهيار الأمني الذي شهدته دول الساحل عقب الانقلابات العسكرية بين عامي 2021 و2023، فضلًا عن تزايد اهتمام القيادة المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية بالساحة الإفريقية بعد خسائره في سوريا والعراق عام 2019، الأمر الذي دفعه إلى إعادة توجيه نشاطه نحو البيئات الهشة أمنيًا. كما مثّل عام 2019 نقطة تحول مهمة في مسار التنظيم، بعدما جرى الاعتراف به رسميًا كامتداد لتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا، الذي كان يُعد آنذاك الفرع الأكثر نشاطًا داخل القارة، ورغم أن عدد عناصر تنظيم الساحل لم يكن يتجاوز حينها نحو 200 عنصر مقارنة بنحو 3000 عنصر في فرع غرب إفريقيا، فإن التنظيم استطاع بحلول عام 2024 تحقيق نمو غير مسبوق تجاوز 1400%، ليصل عدد مقاتليه إلى قرابة 3000 عنصر، متحولًا إلى أحد أخطر فروع تنظيم الدولة الإسلامية على المستوى الدولي.

	تصاعد التنافس بين تنظيم (الدولة الإسلامية في الساحل) وجماعة (نصرة الإسلام والمسلمين):

	شهدت منطقة الساحل الإفريقي منذ عام 2019 تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديدات المسلحة، مع تصاعد حدة التنافس بين تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، بعد سنوات من حالة التوازن غير المعلن بين الطرفين داخل المثلث الحدودي الرابط بين مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر. وقد ارتبط هذا التوازن سابقًا بخصوصية البيئة القبلية والاجتماعية في الإقليم، حيث تشكلت شبكات النفوذ المسلح على أسس عرقية وقبلية ممتدة، سمحت بتداخل العلاقات بين العناصر المسلحة داخل الفضاء الجهادي نفسه دون انزلاق مباشر إلى صدام واسع النطاق. إلا أن الاعتراف الرسمي بتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وتصاعد طموحاته التوسعية، دفعا التنظيم إلى تبني خطاب أكثر تشددًا وعدائية تجاه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، سواء على المستوى العقائدي أو الميداني، الأمر الذي أدى إلى انتقال العلاقة بين الطرفين من التعايش الحذر إلى مرحلة الصراع المفتوح على النفوذ، والمجال الجغرافي، ومصادر التجنيد والتمويل.

	ومع اتساع العمليات العسكرية للتنظيمين، شهدت المنطقة تصاعدًا غير مسبوق في معدلات العنف، حيث ارتفعت الهجمات ضد المدنيين في مالي خلال عام 2022 بنسبة كبيرة بالتزامن مع زيادة وتيرة المواجهات المسلحة بين الطرفين، قبل أن يتفاقم المشهد الأمني بصورة أكبر خلال عام 2023، مع ارتفاع إجمالي مستويات العنف بين مختلف أطراف الصراع مقارنة بالأعوام السابقة. وأسهم هذا التصعيد في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الساحل، كما أدى إلى توتر العلاقات المحلية والإقليمية نتيجة توسع دائرة الاشتباكات وامتدادها إلى مناطق نفوذ جديدة، خاصة في شمال وشرق بوركينا فاسو. وفي هذا السياق، شكّل شهر نوفمبر 2025 إحدى أكثر الفترات دموية في الصراع بين التنظيمين، بعدما تمكن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل من تنفيذ هجمات نوعية أوقعت خسائر كبيرة في صفوف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بما عكس تصاعد قدراته العملياتية وتنامي نفوذه العسكري داخل الإقليم. كما عززت التقارير المتعلقة بانشقاق بعض القيادات الميدانية وانضمامها إلى تنظيم الدولة الإسلامية احتمالات اتساع الاقتتال الداخلي بين الفصائل المسلحة، بما ينذر بموجة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.

	وفي موازاة ذلك، كثف تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل من استهدافه للمدنيين، مستفيدًا من حالة الفراغ الأمني والضغوط التي تواجهها الحكومات المحلية وقوات مكافحة الإرهاب. فقد نفذ التنظيم سلسلة من الهجمات واسعة النطاق في غرب النيجر خلال عامي 2021 و2022، استهدفت قرى ومناطق سكنية وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، في مؤشر واضح على تطور قدراته التخطيطية والعملياتية، وقدرته على تنفيذ هجمات متزامنة في أكثر من نطاق جغرافي. ويعكس هذا النمط من العمليات انتقال التنظيم من مرحلة التمركز المحدود إلى مرحلة السيطرة النسبية وفرض النفوذ الميداني، بما يعزز من قدرته على إعادة إنتاج نفسه كفاعل مسلح رئيسي داخل منطقة الساحل.

	كما مثّل الانسحاب الفرنسي من مالي عقب الانقلاب العسكري عام 2021 نقطة تحول استراتيجية في المشهد الأمني الإقليمي، إذ أتاح لتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل توسيع دوائر تحركه واستغلال الفراغ الناتج عن تراجع الوجود العسكري الدولي. وفي ظل هذا التحول، تعاظمت الأهمية الاستراتيجية للتنظيم داخل البنية العالمية لتنظيم الدولة الإسلامية، بعدما جرى تصنيفه كفرع مستقل معني بإدارة نشاط التنظيم في منطقة الساحل. ويشير ذلك إلى تنامي مستوى التنسيق بين القيادة المركزية للتنظيم وفروعه الإفريقية، سواء عبر تبادل الخبرات التكتيكية أو توحيد الرؤى العملياتية، الأمر الذي أسهم في تطوير أنماط الهجمات التي نفذها التنظيم بين عامي 2019 و2025، وجعل من الساحل إحدى أكثر الساحات الإفريقية قابلية لإعادة إنتاج التهديدات العابرة للحدود.

	الحوكمة الميدانية والتكامل الاستراتيجي بين فروع التنظيم:

	شهد تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في بنيته العملياتية واستراتيجيته الميدانية، إذ انتقل من نمط النشاط القائم على التوظيف العرقي والصراعات المحلية، خاصة المرتبطة بالتوترات بين الفولاني والطوارق، إلى نموذج أكثر تنظيمًا يركز على فرض السيطرة الإدارية وبناء أنماط حكم موازية داخل المناطق الخاضعة لنفوذه. وقد تجلى هذا التحول بصورة واضحة في منطقة ميناكا شرق مالي، حيث اتجه التنظيم منذ عام 2022 إلى تقليص وتيرة المواجهات المباشرة مقابل تعزيز أدوات السيطرة طويلة الأمد، عبر التحكم في الأنشطة الاقتصادية المحلية، وإدارة بعض الخدمات الصحية، وإنشاء منظومات للفصل في النزاعات من خلال المحاكم الشرعية، في محاولة لإضفاء طابع مؤسسي على وجوده المسلح. وأسهم هذا النهج في تعزيز قدرة التنظيم على التمدد الجغرافي، إذ تضاعفت المساحات الواقعة تحت نفوذه داخل مالي بحلول منتصف عام 2023، الأمر الذي أدى إلى تراجع نفوذ الفصائل المرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في عدد من المناطق الحيوية.

	وفي السياق ذاته، بدأ التنظيم في تكثيف نشاطه الدعائي والأيديولوجي بصورة تعكس مستوى أعلى من الارتباط الفكري والتنظيمي بالقيادة المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية، حيث شهدت مناطق نفوذه انتشار مواد دعائية ومنشورات تحمل المضامين العقائدية ذاتها التي استخدمها التنظيم في سوريا والعراق خلال ذروة توسعه عام 2014. ويشير ذلك إلى وجود مساعٍ لإعادة إنتاج النموذج الفكري والتنظيمي للتنظيم داخل الساحة الإفريقية، بما يعزز من قدرته على التجنيد والتعبئة واستقطاب العناصر المحلية والإقليمية.

	وعلى المستوى العسكري، أظهر تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل تطورًا واضحًا في أنماط عملياته القتالية، من خلال تبني تكتيكات أكثر تعقيدًا تشمل استخدام الطائرات المسيّرة في الهجمات، وتطوير العبوات الناسفة محلية الصنع، وتنفيذ هجمات مشتركة تعتمد على التنسيق بين الأسلحة الخفيفة وقذائف الهاون. ويعكس هذا التطور انتقال الخبرات العسكرية بين فروع التنظيم المختلفة، خاصة مع فرع غرب إفريقيا الذي يُعد الأكثر تطورًا من الناحية العملياتية داخل القارة. كما تكشف هذه التحولات عن مستوى متقدم من التكامل الاستراتيجي بين فروع التنظيم، سواء عبر تبادل الخبرات الفنية أو الدعم اللوجستي أو التنسيق العملياتي.

	وفي النيجر، صعّد التنظيم من هجماته ضد القوات العسكرية منذ عام 2023، خاصة في المناطق الغربية من تيلابيري، وتاهوا، ودوسو، قبل أن يبدأ تدريجيًا في نقل جزء من نشاطه نحو محيط العاصمة نيامي خلال عام 2025، بما يعكس تحولًا استراتيجيًا في أولويات الاستهداف. ويشير الهجوم الذي استهدف مطار ديوريهاماني وقاعدة نيامي الجوية في يناير 2026، إلى أن التنظيم بات يمتلك قدرة أكبر على التخطيط بعيد المدى وتنفيذ عمليات نوعية ضد أهداف سيادية حساسة. كما أن استخدام الطائرات المسيّرة خلال الهجوم، إلى جانب التقارير المتعلقة بوجود عناصر تتحدث لغات مرتبطة بمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا، يعزز فرضية وجود تنسيق ميداني ولوجستي متزايد بين فرعي الساحل وغرب إفريقيا، الأمر الذي يعكس تطورًا لافتًا في مستوى الترابط العملياتي داخل شبكة تنظيم الدولة الإسلامية في القارة الإفريقية.

	تدفق المقاتلين الأجانب وتصاعد التهديدات العابرة للحدود:

	تشير التطورات الأخيرة في منطقة الساحل الإفريقي إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية بات يسعى إلى توسيع نطاق نشاطه من الإطار الإقليمي إلى مستوى أكثر عابرية للحدود، مستفيدًا من هشاشة البيئة الأمنية وتراجع مستويات التنسيق الدولي في مكافحة الإرهاب داخل القارة الإفريقية. وفي هذا السياق، برزت مؤشرات متزايدة على إنشاء مسارات عبور تربط جنوب أوروبا بمنطقة الساحل، بهدف تسهيل انتقال المقاتلين الأجانب نحو بؤر نشاط التنظيم داخل غرب إفريقيا. وقد عكست العمليات الأمنية التي نفذتها السلطات المغربية خلال أعوام 2023 و2024 و2025، والتي أحبطت محاولات لنقل عناصر متطرفة إلى مالي، حجم التحركات الجارية لإعادة توجيه النشاط الجهادي العالمي نحو الساحل باعتباره ساحة بديلة لإعادة بناء النفوذ العملياتي للتنظيم بعد تراجعه في الشرق الأوسط.

	كما أسهمت سيطرة التنظيمات المسلحة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، على شبكات التهريب الممتدة بين الساحل وشمال إفريقيا، في تعزيز قدرة هذه الجماعات على تحريك العناصر والأسلحة والموارد عبر الحدود، بما يرفع من احتمالات تنفيذ عمليات عابرة للدول خلال المرحلة المقبلة. ويمنح هذا الواقع التنظيمات المسلحة مساحة أكبر لإعادة التموضع والمناورة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة وضعف الرقابة الحدودية بين دول الساحل.

	وفي الإطار الأوسع، يعكس التحول الذي يشهده تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل تبنيه لمقاربة شبيهة بالنموذج الذي اعتمد عليه التنظيم في سوريا والعراق قبل عام 2019، والقائم على الدمج بين الحوكمة المحلية، والتوسع العسكري، والتطوير التكتيكي، واستقطاب المقاتلين الأجانب. غير أن الفارق الجوهري يتمثل في غياب تحالف دولي متماسك أو منظومة أمنية إقليمية فعالة قادرة على احتواء التهديد المتصاعد داخل الساحل الإفريقي، الأمر الذي أتاح للتنظيمات المسلحة مساحة أوسع لإعادة بناء قدراتها وتعزيز نفوذها الميداني.

	ورغم أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تزال تمثل الفاعل الأكثر نفوذًا داخل المشهد الجهادي في الساحل، فإن استمرار التمدد التدريجي لتنظيم الدولة الإسلامية يعكس تحولًا مقلقًا في موازين القوة داخل المنطقة. وقد أسهمت القرارات السياسية والأمنية الأخيرة، وعلى رأسها انسحاب النيجر من القوة المشتركة متعددة الجنسيات عام 2025، في إضعاف مستويات التنسيق الاستخباراتي والعملياتي بين دول المنطقة، بما وفر بيئة أكثر ملاءمة لتحرك الجماعات المسلحة على الحدود بين النيجر ونيجيريا.

	وفي محاولة لتعويض النقص في القدرات العسكرية، اتجهت السلطات في نيامي إلى الاعتماد على ميليشيات محلية وقوات دفاع ذاتي خلال عام 2025، إلا أن التجارب السابقة في بوركينا فاسو أظهرت محدودية فعالية هذه المقاربات، نظرًا لضعف التدريب والتسليح، الأمر الذي يجعل تلك التشكيلات عرضة للاستهداف المباشر من قبل الجماعات المسلحة، ويمنح التنظيمات المتشددة أدوات إضافية لتعزيز خطابها الدعائي واستقطاب مزيد من العناصر.

	وعلى خلاف ما شهدته منطقة الشرق الأوسط خلال ذروة الحرب على الإرهاب، لا يزال التهديد المتصاعد في غرب إفريقيا يُنظر إليه باعتباره أزمة محلية أو إقليمية محدودة، وهو ما يفسر تراجع حجم الانخراط الدولي في جهود مكافحة الإرهاب داخل الساحل. غير أن استمرار هذا التراجع، إلى جانب حالة الهشاشة السياسية والانقلابات العسكرية المتكررة، يهدد بدفع المنطقة نحو موجة جديدة من الانهيار الأمني، بما يمنح التنظيمات المسلحة فرصة أكبر لتوسيع نفوذها وترسيخ حضورها داخل واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في القارة الإفريقية.

	خاتمة:

	تكشف التحولات المتسارعة في منطقة الساحل الإفريقي أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يعد مجرد فاعل مسلح محدود التأثير، بل بات يمثل مشروعًا عابرًا للحدود يسعى إلى إعادة إنتاج نموذج السيطرة والتمدد الذي تبناه سابقًا في الشرق الأوسط، مستفيدًا من هشاشة الدول، وتراجع التنسيق الأمني الإقليمي، وتصاعد الانقسامات السياسية والعسكرية داخل دول الساحل. وقد أظهر التنظيم قدرة متزايدة على الجمع بين التوسع الميداني، وبناء أنماط حوكمة محلية، وتطوير أدواته العسكرية والدعائية، إلى جانب تعزيز الترابط العملياتي بين فروعه المختلفة داخل القارة الإفريقية. وفي ظل استمرار الفراغ الأمني، وتراجع الانخراط الدولي الفعّال، وتكرار الانقلابات العسكرية التي أضعفت مؤسسات الدولة، تبدو منطقة الساحل مرشحة للدخول في مرحلة أكثر تعقيدًا من عدم الاستقرار، بما قد يحولها إلى المركز الجديد للتهديدات الجهادية العابرة للحدود، ويضع الأمن الإقليمي والدولي أمام تحديات متصاعدة خلال السنوات المقبلة.
</fulldescription>
<pubDate>الثلاثاء , 12 مايو 2026 04:26:14 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22402/تحليلات//تنظيم-الدولة-الإسلامية-في-الساحل-الإفريقي-التوسع-ا.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>دلالات تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية في الأرجنتين.. غِطاء قانوني أم تبعية سياسية؟</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22401/تحليلات//دلالات-تصنيف-الحرس-الثوري-الإيراني-كمنظمة-إرهابية-.aspx</link>
<description>
يفتح قرار وضع الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب فصلًا جديدًا محفوفًا بالمخاطر في مستقبل أمريكا اللاتينية؛ إذ يعكس هذا التصنيف توافقًا استراتيجيًا مع المحور (الأمريكي - الإسرائيلي) تحت لافتة "تجفيف منابع الإرهاب"، الأمر الذي يضع الأمن الإقليمي للمنطقة في قلب العاصفة الدولية. مُستقبلًا، سيبقى هذا التصنيف مُؤشرًا على أن القرار اللاتيني بات محكومًا ببوصلة التوازنات الخارجية؛ مما يفرض تحديات أمنية ودبلوماسية جديدة على المنطقة برمُتها.</description>
<fulldescription>

	في خِضم تحول جيوسياسي لافت، أخذت أمريكا اللاتينية في الانفكاك التدريجي عن صورتها التقليدية بوصفها &quot;منطقة رمادية&quot;، لتتبلور كساحة أكثر انخراطًا في مواجهة شبكات النفوذ المرتبطة بطهران. وقد تُوِج هذا المسار بقرار الأرجنتين في 1أبريل 2026 تصنيف الحرس الثوري الإيراني &quot;منظمة إرهابية&quot; وإدراجه ضمن السجل الوطني لتمويل الإرهاب.وتكتسب هذه الخطوة دلالات مُركبة ما بين المُعلن والضمني؛ فبينما تُسوق الحكومة الأرجنتينية القرار تحت غِطاء أمني وقانوني يهدف ظاهريًا إلى حماية الأمن القومي واستعادة مسار العدالة المُرتبط بهجمات التسعينيات، بالإضافة إلي تجفيف منابع تمويل الشبكات المُرتبطة بالإرهاب.

	غير أن القراءة التحليلية الأوسع تضع القرار في سياق براجماتي بامتياز، باعتباره تعبيرًا عن إعادة تموضع استراتيجي يتماشي مع توجهات الولايات المتحدة وإسرائيل الرامية إلى شَلّ حركة النفوذ الإيراني. وبهذا المعنى، يغدو التصنيف ليس مجرد أداة قانونية، بل مؤشرًا على انخراط مُتزايد للقارة اللاتينية ضمن معادلات الصراع بين المحاور الكبري، ولكن تحت مظلة &quot;مكافحة الإرهاب العابر للحدود&quot;.

	الخلفية التاريخية للقرار.. إغلاق ملفات الماضي:

	ترتبط الخلفية التاريخية لقرار الأرجنتين بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية بسلسلة من الأحداث الأمنية المفصلية التي شهدتها &quot;بوينس آيرس&quot; خلال تسعينيات القرن الماضي، وفي مُقدمتها تفجير السفارة الإسرائيلية عام 1992، ثم تفجير مركز آميا عام 1994، الذي يُعد الهجوم الأكثر دموية في تاريخ البلاد، وأسفر عن مقتل 85 شخصًا وإصابة المئات.

	وفي أعقاب ذلك، خلُصت التحقيقات القضائية إلى أن الهجوم الأخير نُفذ بواسطة حزب الله بدعم وتخطيط من الحرس الثوري الإيراني، وتحديدًا &quot;فيلق القدس&quot;، الذي مَثّل العقل المدبر والمحرك لهذه العمليات. وبناءً عليه؛ أصدرت المحاكم الأرجنتينية قرارات قضائية لاحقة مفادها أن التهديد الإيراني لم يكن مُجرد احتمال نظري، بل واقعًا أمنيًا تجسد فعليًا داخل الأراضي الأرجنتينية.

	وعليه، جاء قرار التصنيف باعتباره امتدادًا طبيعيًا لمسار تراكمي من التحقيقات والمواقف القضائية، حيث أعلنت الحكومة الأرجنتينية إدراج الحرس الثوري ضمن قائمة الكيانات الإرهابية، بما يُتيح توسيع نطاق الأدوات القانونية لمواجهته، لا سيما من خلال فرض عقوبات مالية وقيود تشغيلية على أنشطته وشبكاته المُرتبطة به.

	تغلغل حزب الله في أمريكا اللاتينية.. النفوذ والمخاطر:

	على مدار العقود الثلاثة الماضية، تحولت أمريكا اللاتينية من مجرد ساحة عمليات لحزب الله اللبناني إلى مركز لوجستي ومالي حيوي؛ حيث استغل الحزب وجود جاليات لبنانية ضخمة لإنشاء شبكات مُعقدة تُدير أنشطة تتراوح بين غسيل الأموال، وتهريب المخدرات، والاتجار بالبشر، خاصةً في منطقة المثلث الحدودي (بين الأرجنتين، والبرازيل، وباراجواي).كذلك، تُشير التقارير الاستخباراتية إلى أن حزب الله، وبدعم مُباشر من الحرس الثوري الإيراني، نجح في بناء تحالفات مصالح مع كارتيلات المخدرات في كولومبيا والمكسيك؛ وهو ما وفر له تدفقات مالية ضخمة بعيدة عن الرقابة البنكية الدولية.

	وفقًا للرؤية السياسية الأرجنتينية، إن خطورة تنامي حزب الله في القارة لا تكمن فقط في التهديد الأمني المُباشر، بل في قدرته على اختراق الأنظمة السياسية الهشة وبناء &quot;خلايا نائمة&quot; قادرة على التحرك في أي لحظة لتنفيذ أجندات إقليمية، وهو ما جعل الأرجنتين تنظر إلى وجوده ليس كقضية سياسية، بل كتهديد وجودي لأمنها القومي وأمن جيرانها.

	التحول الجيوسياسي.. عقيدة ميلي والتحالف مع المحور الغربي:

	يُمثل هذا القرار الركن الأساسي في السياسة الخارجية للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي أعلن منذ توليه السلطة أن &quot;بوينس آيرس&quot; ستكون حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إذ صرح في مُقابلات إعلامية بأنه يعتبر نفسه &quot;صهيونيًا&quot; مؤكدًا أن دعمه لإسرائيل &quot;مُطلق وغير قابل للتراجع&quot;. كذلك، فإنه يري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على أنه أحد القادة الذين دافعوا عن قيم الحرية في مواجهة &quot;الأنظمة الاستبدادية&quot;.

	وبذلك، يكون هذا التصنيف هو رسالة سياسية واضحة بأن الأرجنتين قد غادرت منطقة &quot;الحياد الرمادي&quot; أو التقارب مع القوى المناهضة للغرب. حيث يُمثل هذا التحول ابتعادًا عن سياسات سابقة اتسمت بقدر من التوازن في التعامل مع قوى دولية متباينة، بما في ذلك إيران.

	ومن هذا المنظور، يُمكن تفسير هذا القرار باعتباره جزءًا من إعادة تموضع استراتيجي أوسع، يهدف إلى تعزيز الثقة الدولية في الأرجنتين واستقطاب الدعم السياسي والاقتصادي من المانحين الغربيين، من خلال إظهار التزام كامل بالمعايير الأمنية العالمية.

	الدلالات الأمنية.. قطع أذرع التمويل:

	على الصعيد العملي، يترتب على هذا التصنيف تفعيل أدوات قانونية صارمة لم تكن مُتاحة من قبل، حيث يسمح القرار لوحدة المعلومات المالية الأرجنتينية، بتجميد أي أصول أو حسابات بنكية مُرتبطة بالحرس الثوري أو الأفراد والشركات التابعة له.علاوةً على ذلك، يُتيح القرار للسلطات الأرجنتينية بمُلاحقة حزب الله اللبناني، الذي تعتبره الأرجنتين الذراع التنفيذية للحرس الثوري في المنطقة.

	هذا الإجراء يهدُف بشكلٍ مُباشر إلى الحد من التهديدات العابرة للحدود، من خلال تجفيف منابع تمويل الإرهاب في منطقة المثلث الحدودي (بين الأرجنتين، والبرازيل، وباراجواي)، وهي المنطقة التي يُعتقد أنها تشهد نشاطًا مُتناميًا لعمليات غسيل الأموال وتهريب المخدرات لصالح منظمات مُرتبطة بإيران.

	الانعكاسات الإقليمية.. الأرجنتين كنموذج ريادي: 

	تتمتع الأرجنتين بثقل سياسي كبير في قارة أمريكا اللاتينية، وقرارها قد يكسر التقليد السائد في المنطقة الذي كان يميل إلى تجنب الصدام مع إيران. دلالة هذا القرار إقليميًا تكمن في كونه &quot;سابقة&quot; قد تتبعها دول أخرى مثل أوروجواي أو باراجواي؛ مما يؤدي إلى تشكيل جبهة إقليمية ترفض الوجود الأمني الإيراني.

	كذلك، فإن تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، قد يُقلص مساحة المناورة لإيران في القارة، التي حاولت لسنوات بناء تحالفات مع دول المحور البوليفاري مثل فنزويلا.لذلك؛ اعتبر البعض أن القرار الأرجنتيني يُمثل حائط صد لمنع تمدد النفوذ الإيراني، ويحذر الدول الأخرى من أن التعاون الأمني مع طهران قد يحمل عواقب وخيمة على علاقاتها مع المنظومة الدولية.

	الرد الرسمي الإيراني.. بين الإنكار والتهديد بالتصعيد:

	جاء رد فعل إيران على قرار الأرجنتين بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية حادًا وحاسمًا، إذ سارعت طهران إلى إدانة الخطوة، حيث اعتبرتها &quot;إجراءً مُسيسًا&quot; يفتقر إلى الأساس القانوني، ويعكس وفق خطابها الرسمي خضوعًا لضغوط خارجية، لا سيما من جانب الولايات المتحدة وحلفائها. وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن هذا التصنيف يُعد انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي وسيادة الدول، مُحذرة من تداعياته على مسار العلاقات الثنائية، ومشددة في الوقت ذاته على أن الحرس الثوري الإيراني يُمثل &quot;مؤسسة رسمية سيادية&quot; تضطلع بمهام دفاعية وأمنية داخل إطار الدولة الإيرانية.

	وفي تصعيدٍ لافت، حذرت طهران من أن هذا الإجراء سيجعل الأرجنتين &quot;تندم&quot; على قرارها، مُلوحةً بأنها قد ترد بالمثل عبر تصنيف جهات أرجنتينية في قوائمها الخاصة، أو عبر تقليص الروابط التجارية التي تراجعت بالفعل لمستويات قياسية.

	ردود فعل الدول الكبرى.. ترحيب غربي ودعم استراتيجي:

	تباينت مواقف القوى الكبرى إزاء خطوة الأرجنتين بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، في انعكاس مُباشر لانقسام أوسع في النظام الدولي حول مُقاربات مكافحة الإرهاب وحدود تسييسها، فقد رحبت الولايات المتحدة الأمريكية بالقرار واعتبرته خطوة منسجمة مع الجهود الدولية لتقويض شبكات النفوذ الإيراني، مؤكدة أنه يُعزز التنسيق الأمني مع شركائها. كما أبدت إسرائيل دعمًا قويًا، ووصفت الخطوة بأنها تطور مهم في مواجهة التهديدات الإقليمية المُرتبطة بإيران.

	في المُقابل، اتسم موقف روسيا والصين بقدر من التحفظ، حيث شددتا على ضرورة تجنب تسييس تصنيفات الإرهاب واحترام سيادة الدول، مع الإشارة إلى أن مثل هذه القرارات قد تسهُم في تعميق الاستقطاب الدولي بدلًا من احتوائه. أما داخل الاتحاد الأوروبي، فقد برزت مواقف أكثر حذرًا؛ إذ رحبت بعض الدول ضمنيًا بتشديد الإجراءات ضد الأنشطة المرتبطة بالحرس الثوري، دون أن تصل إلى حد تبني موقف موحد أو مُماثل، في ظل اعتبارات قانونية وسياسية معقدة.

	ختامًا:

	يفتح قرار وضع الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب فصلًا جديدًا محفوفًا بالمخاطر في مستقبل أمريكا اللاتينية؛ إذ يعكس هذا التصنيف توافقًا استراتيجيًا مع المحور (الأمريكي - الإسرائيلي) تحت لافتة &quot;تجفيف منابع الإرهاب&quot;، الأمر الذي يضع الأمن الإقليمي للمنطقة في قلب العاصفة الدولية. مُستقبلًا، سيبقى هذا التصنيف مُؤشرًا على أن القرار اللاتيني بات محكومًا ببوصلة التوازنات الخارجية؛ مما يفرض تحديات أمنية ودبلوماسية جديدة على المنطقة برمُتها.
</fulldescription>
<pubDate>الثلاثاء , 12 مايو 2026 04:17:55 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22401/تحليلات//دلالات-تصنيف-الحرس-الثوري-الإيراني-كمنظمة-إرهابية-.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>فعالية المبادرة الأمريكية في ليبيا.. بين دبلوماسية الحل وإعادة توزيع النفوذ</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22400/تحليلات//فعالية-المبادرة-الأمريكية-في-ليبيا--بين-دبلوماسية-.aspx</link>
<description>
تشهد الساحة الليبية منذ سنوات تحولات متسارعة في طبيعة إدارة الأزمة السياسية، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على التنافس بين حكومتين أو سلطتين متوازيتين، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية ضمن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد. وفي هذا الإطار، تبرز “المبادرة الأمريكية في ليبيا 2026” بوصفها محاولة جديدة لإعادة صياغة مقاربة واشنطن تجاه الملف الليبي، عبر الانتقال من سياسة الدعم غير المباشر للمسارات الأممية إلى نهج أكثر انخراطًا في إدارة التوازنات الداخلية وإعادة ترتيب بنية السلطة.</description>
<fulldescription>

	تشهد الساحة الليبية منذ سنوات تحولات متسارعة في طبيعة إدارة الأزمة السياسية، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على التنافس بين حكومتين أو سلطتين متوازيتين، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية ضمن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد. وفي هذا الإطار، تبرز &ldquo;المبادرة الأمريكية في ليبيا 2026&rdquo; بوصفها محاولة جديدة لإعادة صياغة مقاربة واشنطن تجاه الملف الليبي، عبر الانتقال من سياسة الدعم غير المباشر للمسارات الأممية إلى نهج أكثر انخراطًا في إدارة التوازنات الداخلية وإعادة ترتيب بنية السلطة.

	ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكي بأن حالة الجمود السياسي الناتجة عن تعثر المسار الانتخابي واستمرار الانقسام المؤسسي، لم تعد قابلة للاحتواء عبر الأدوات التقليدية التي تقودها الأمم المتحدة وحدها، مما فتح المجال أمام مقاربة بديلة تقوم على إعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين الرئيسيين بدل السعي إلى إقصاء أحدهم. ومن هنا، تطرح المبادرة إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة الدور الأمريكي: هل نحن أمام مقاربة دبلوماسية تستهدف الدفع نحو تسوية مستدامة، أم أمام إعادة تموضع استراتيجي يعيد هندسة النفوذ داخل ليبيا وفق اعتبارات التوازن الإقليمي والدولي؟

	تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن المبادرة الأمريكية لا تمثل قطيعة مع منطق إدارة الأزمة بقدر ما تعكس إعادة صياغته، من خلال الانتقال إلى نمط يقوم على تقاسم النفوذ وإعادة إدماج الفاعلين الرئيسيين داخل إطار سياسي واحد، بما يتيح إدارة الانقسام بدل تجاوزه بشكل فوري. وبناءً على ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل أبعاد هذه المبادرة من خلال ثلاثة محاور رئيسية: إعادة صياغة التحرك الأمريكي في ليبيا، وإدارة التوازنات السياسية وتباين مواقف الأطراف الليبية، ثم انعكاسات هذه المقاربة على مسار إعادة توزيع النفوذ وإمكانات الاستقرار في المرحلة المقبلة.

	أولا- مبادرة بولس وإعادة صياغة التحرك الأمريكي في ليبيا 2026:

	تعكس المبادرة المرتبطة بمسعد بولس تحولًا في نمط التعاطي الأمريكي مع الأزمة الليبية، حيث انتقلت واشنطن من موقع الدعم غير المباشر للمسارات الدولية إلى محاولة لعب دور أكثر انخراطًا في إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية. ويأتي هذا التحول في سياق إدراك متزايد داخل دوائر صنع القرار بأن حالة الجمود السياسي التي أعقبت تعثر العملية الانتخابية، إلى جانب استمرار الانقسام بين حكومتين وبُنى مؤسسية متوازية، لم تعد قابلة للاحتواء عبر الأدوات التقليدية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة، وهو ما دفع نحو تبني مقاربة أكثر مباشرة تستهدف إعادة ترتيب بنية السلطة بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة ضمن أطرها القائمة.

	وفي هذا السياق، تستند المبادرة إلى تصور يقوم على دمج الفاعلين الرئيسيين داخل إطار تنفيذي موحد، في مقابل تجاوز منطق الإقصاء الذي اتسمت به مراحل سابقة وأثبت محدودية أثره. وتبرز ملامح هذا التوجه في الطروحات التي تسعى إلى الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة ضمن هيكل حكومي موحد، بالتوازي مع تولي صدام حفتر المجلس الرئاسي معسكر خليفة حفتر ويتبعها توحيد المؤسسة العسكرية وفقا لتقرير الإخبارية، وتعكس هذه الصيغة نمطًا من &ldquo;التوازن القسري&rdquo;، حيث يُعاد توزيع النفوذ بين الأطراف بدل حسمه، وهو خيار يرتبط بواقع تشابك القوى المسلحة وتعدد مراكز السيطرة، بما يجعل التسويات القائمة على تقاسم النفوذ أكثر قابلية للتطبيق مقارنة بمحاولات الإقصاء الكامل.

	ولا يمكن فصل هذا التحرك عن سياقه الجيوسياسي الأوسع، إذ تحولت ليبيا إلى مجال تنافس بين قوى دولية فاعلة، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم موقعها داخل هذا الملف. فالتراجع النسبي في الحضور الأمريكي خلال السنوات الماضية أفسح المجال أمام قوى أخرى لتعزيز نفوذها عبر أدوات عسكرية وسياسية، الأمر الذي جعل المبادرة تمثل محاولة لإعادة تثبيت التوازن الاستراتيجي ومنع اختلاله، بما يضمن استمرار ارتباط ليبيا بمجال التأثير الغربي، خاصة في ظل موقعها الجيوسياسي وأهميتها ضمن توازنات شمال إفريقيا.

	على مستوى المقاربة، تكشف المبادرة عن اختلاف في ترتيب الأولويات مقارنة بالنهج الأممي، الذي يستند إلى بناء توافق تدريجي يقود إلى الانتخابات كمدخل للحل. في المقابل، تميل الرؤية الأمريكية إلى الدفع نحو تسوية انتقالية سريعة نسبيًا، تقوم على إعادة توزيع السلطة بين الفاعلين الرئيسيين باعتبارها خطوة أولى نحو الاستقرار. ويعكس هذا التباين اختلافًا في فهم العلاقة بين الاستقرار والشرعية، حيث تُقدِّم المقاربة الأمريكية الاستقرار المؤسسي والأمني كأولوية آنية، حتى وإن جاء ذلك على حساب المسار الانتخابي في المدى القصير، بينما يستمر الطرح الأممي في اعتبار العملية الانتخابية أساسًا لأي تسوية مستدامة.

	وعلى المستوى التنفيذي، تتجه المبادرة نحو استخدام أدوات تدريجية لبناء الثقة، خاصة في المجالين العسكري والاقتصادي. ففي الجانب العسكري، يبرز مسار تنشيط قنوات التنسيق بين القوات في شرق وغرب ليبيا، بما يشمل برامج تدريب مشتركة، كمدخل لتقليص الانقسام داخل المؤسسة العسكرية. وفي هذا الإطار، يندرج التدريب المشترك في سرت ضمن مناورات &ldquo;فلينتلوك 2026&rdquo; كآلية لتعزيز التواصل بين القوى المتقابلة، بما يمهد تدريجيًا لإمكانية إعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس أكثر مهنية.

	أما على الصعيد الاقتصادي، نجحت الجهود في توقيع اتفاقية توحيد الأنفاق العامة وتعزيز آليات الرقابة على الإنفاق، بالتوازي مع مسار المشروع التنموي الموحد الموقع في 2025. وتُطرح هذه الخطوات بوصفها أدوات لخفض التوتر وإعادة تنظيم البيئة الاقتصادية، أكثر من كونها حلولًا نهائية، في ظل إدراك أن الانقسام المالي والعسكري يمثل أحد أبرز معوقات الاستقرار.

	ومع ذلك، فإن تعدد هذه المسارات لا يعكس بالضرورة وجود نهج تدريجي متماسك، بل يكشف عن مفارقة داخلية في بنية المبادرة. ففي الوقت الذي يتم فيه اعتماد أدوات تدريجية على المستويين الاقتصادي والعسكري، تسعى المقاربة السياسية إلى إحداث إعادة ترتيب سريعة لمراكز السلطة عبر صيغ تقاسم النفوذ. ويعكس هذا التداخل نمطًا من البراجماتية، لكنه يطرح إشكالية تتعلق بمدى قابلية هذا المسار للاستدامة، إذ إن التعجيل بإنتاج تسوية سياسية دون استكمال بناء إطار مؤسسي موحد قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام بصيغ جديدة. ومن ثم، تبدو المبادرة وكأنها تجمع بين منطقين متوازيين: التدرج في الوسائل مقابل التسريع في الأهداف، وهو ما يمثل أحد أبرز محددات هشاشتها على المدى المتوسط.

	ثانيا- إدارة التوازنات السياسية وتباين مواقف الأطراف الليبية:

	تستند إدارة التوازنات السياسية في ليبيا إلى بنية انقسام مؤسسي ممتد، تتوزع فيها مراكز القرار بين سلطات تنفيذية متوازية، ومؤسسات مالية ورقابية ذات تأثير مباشر، إلى جانب قوى عسكرية تملك حضورًا فعليًا على الأرض. هذا التشظي لا يتيح تشكّل مركز سيادي قادر على الحسم، بل يفرض نمطًا من الحكم قائمًا على التفاوض المستمر وإعادة إنتاج التوازن بين الفاعلين. وضمن هذا السياق، تغدو العملية السياسية أقرب إلى إدارة استقرار هش يستهدف منع الانهيار، أكثر من كونها مسارًا انتقاليًا واضح المعالم نحو بناء دولة موحدة.

	في الغرب الليبي، يرتبط التباين السياسي بشكل وثيق بالبنية الاقتصادية للدولة، حيث يتمسك اتجاه باستمرار السلطة التنفيذية القائمة بوصفها الأداة الضرورية لضمان تشغيل المؤسسات وإدارة الإنفاق العام، في حين يدفع اتجاه آخر نحو إعادة تشكيل هذه السلطة ضمن إطار تسوية أشمل ترتبط بإجراء الانتخابات. ولا يعكس هذا التباين مجرد اختلاف سياسي تقليدي، بقدر ما يعبر عن صراع على آليات التحكم في الموارد وشبكات توزيعها، بما يجعل الاقتصاد عنصرًا محددًا لتعريف السلطة، لا مجرد أداة تابعة لها.

	أما في الشرق الليبي، فيرتكز التصور السياسي على إعادة بناء السلطة التنفيذية بما يتوافق مع موازين القوة الفعلية، مع ربط الاستقرار بقدرة المؤسسات على فرض الضبط الأمني وتنظيم المجال العام. ومع ذلك، لا يتخذ هذا التوجه طابع الكتلة المتجانسة، إذ تتداخل داخله اتجاهات تسعى إلى توسيع نطاق المشاركة المدنية وتقليص مركزية القرار العسكري، بما يعكس تحولات تدريجية داخل بنية السلطة نحو قدر من التعدد الداخلي دون الخروج عن إطارها العام.

	وتتركز نقاط الخلاف بين الأطراف في ثلاث دوائر رئيسية تتمثل في آلية وتوقيت الانتخابات، وطبيعة السلطة التنفيذية الانتقالية، إلى جانب آليات السيطرة على المؤسسات السيادية، خاصة في مجالات النفط، والمالية، والأمن. ولا تُدار هذه الملفات بوصفها قضايا إجرائية، بل باعتبارها أدوات لإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه داخل بنية الحكم قبل أي انتقال شامل، مما يجعل التفاوض عملية لإعادة تشكيل موازين القوة أكثر من كونه اتفاقًا على قواعد انتقالية مستقرة.

	في ظل هذا التداخل، لا تؤدي المؤسسات التوافقية دور سلطات حاكمة مكتملة الصلاحيات، بل تعمل كأطر تنظيمية لإدارة الحد الأدنى من التوازن بين القوى المتنافسة. ومع استمرار هذا النمط تتسع الفجوة بين الشكل المؤسسي الرسمي للدولة والممارسة الفعلية للسلطة، حيث تنتقل مراكز القرار تدريجيًا إلى تفاهمات غير رسمية قائمة على توازنات القوى، بدل الارتكاز إلى قواعد مؤسسية ملزمة. ويعزز هذا الوضع من حضور نمط &ldquo;الدولة المزدوجة&rdquo;، التي تتجاور فيها بنية رسمية قائمة مع بنية فعلية موازية تتحكم في مسارات القرار.

	وعلى المستوى الإقليمي، يسهم استمرار التوازن بين القوى الداعمة للأطراف الليبية في ترسيخ حالة من الردع المتبادل، تمنع الحسم الكامل، وفي الوقت ذاته تحد من قدرة أي تسوية داخلية على فرض مركزية موحدة. ولا ينتج هذا التوازن الخارجي حلًا نهائيًا، بقدر ما يضبط حدود الصراع ويمنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة، بما يجعل الاستقرار الناتج عنه قائمًا على إدارة التناقضات بدل تجاوزها.

	بالتالي لا يقود هذا النمط إلى تفكك الدولة بقدر ما يعيد إنتاجها ضمن إطار قائم على إدارة التوازنات المستمرة، حيث تتحول السياسة إلى عملية ضبط دائم للاختلالات البنيوية بين الأطراف، ويصبح الاستقرار نتاج قدرة النظام على استيعاب التعدد لا إنهائه. وعلى هذا الأساس يتكرس مسار سياسي يقوم على التفاوض المتواصل وإعادة إنتاج التوازن، بدل الوصول إلى تسوية نهائية مستقرة.

	ثالثا- انعكاسات المبادرة على إعادة توزيع النفوذ ومسار الاستقرار في ليبيا:

	تندرج المبادرات الدولية في ليبيا ضمن امتداد عملي لطبيعة المشهد السياسي القائم، حيث لا تتأسس الدولة على مركز واحد للقرار، بل على شبكة متداخلة من مراكز القوة التي يصعب تجاوزها عبر أدوات الحسم المباشر. وفي هذا السياق، لا تستهدف هذه المبادرات إعادة تأسيس الدولة بصورة فورية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم هذا التعدد داخل إطار سياسي أكثر انضباطًا، يسمح بإدارة الخلافات بدل تفجيرها، ويفتح المجال أمام مسار تدريجي نحو الاستقرار بدل فرض تسويات صادمة غير قابلة للاستدامة.

	ويعكس هذا التوجه تحولًا في فلسفة التعاطي مع الملف الليبي من قبل مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس ، حيث لم يعد الهدف إنهاء الانقسام عبر الإقصاء أو الغلبة السياسية، بل إدارة هذا الانقسام ذاته بطريقة تقلل من كلفته وتحد من احتمالات تحوله إلى صراع مفتوح. ومن ثم، فإن إعادة توزيع النفوذ لا تعني تفكيك مراكز القوة القائمة، بقدر ما تعني إعادة إدماجها ضمن منظومة واحدة تحكمها قواعد مشتركة لإدارة الدولة، بما يفضي إلى بناء توازن مؤسسي قابل للاستمرار.

	وفي هذا الإطار، ينعكس هذا المسار على المجال الاقتصادي بوصفه أحد أهم أدوات إعادة تنظيم العلاقة بين الأطراف، حيث يعاد توظيف الموارد العامة من كونها أدوات للتنازع إلى أدوات لضبط التفاعل بينها. فبدل استخدام الإنفاق العام كوسيلة لفرض السيطرة، يتم توجيهه ضمن آليات أكثر تنسيقًا، بما يخلق حالة من الاعتماد المتبادل بين المكونات السياسية المختلفة. ويحد هذا التحول من منطق الانفراد بالقرار، ويدفع نحو بناء قواعد مشتركة لإدارة المال العام، بما يمثل مدخلًا تدريجيًا لتوحيد بنية الدولة من زاوية وظيفية لا صدامية.

	كما يسهم هذا النهج في إعادة تعريف دور المؤسسات التوافقية، التي تنتقل من كونها كيانات محدودة الفاعلية إلى أدوات تنظيمية لإدارة العلاقة بين القوى السياسية. ومع تراكم هذا الدور، تتعزز قدرتها على ضبط التوازنات وتنسيق القرارات، بما يقلص الفجوة بين الشكل القانوني للدولة والممارسة الفعلية للسلطة. ولا يلغي هذا المسار التعدد القائم، لكنه يعيد تنظيمه داخل إطار مؤسسي أكثر استقرارًا وقدرة على إنتاج مخرجات مشتركة.

	ومع استمرار هذا النمط تتبلور ملامح ما يمكن وصفه بـ&ldquo;المركزية التدريجية&rdquo;، وهي عملية لا تقوم على فرض مركز واحد للسلطة بشكل مباشر، بل على تراكم آليات التنسيق والاعتماد المتبادل بين الأطراف، بما يقود تدريجيًا إلى توحيد القرار في الملفات السيادية. وتنشأ هذه المركزية بوصفها نتيجة وظيفية للحاجة إلى إدارة الدولة بكفاءة أعلى، خاصة في مجالات المالية العامة، والإنفاق، وإدارة الموارد الاستراتيجية، وليس بوصفها نتاج قرار سياسي حاسم.

	ويرتبط هذا المسار ارتباطًا وثيقًا بتباين مواقف الأطراف، حيث لا يؤدي استمرار هذا التباين بالضرورة إلى تفكك الدولة، بل قد يدفع نحو تطوير آليات مشتركة لإدارته. ومع غياب قدرة أي طرف على فرض حسم كامل، تصبح التسويات الجزئية المدخل الأساسي لتنظيم المرحلة، بما يعزز منطق التدرج بدل الصدام، ويجعل الاستقرار نتيجة تراكمية ممتدة زمنيًا.

	وعلى المستوى الإقليمي، يسهم استمرار التوازن بين القوى الداعمة للأطراف الليبية في دعم هذا المسار التدريجي، حيث يمنع هذا التوازن أي تحول مفاجئ في موازين القوة، وفي الوقت نفسه يفرض على مختلف الفاعلين القبول بصيغ وسطية لإدارة الدولة. ويؤدي هذا الوضع إلى خلق بيئة سياسية تُحوِّل الانقسام من حالة صراع مفتوح إلى حالة إدارة منظمة للتعدد، بما يفتح المجال أمام تشكل مركز سياسي تدريجي أكثر استقرارًا.

	وبالتالي لا تُفضي هذه المبادرة ( مبادرة مسعد بولس ) إلى إعادة تأسيس فورية للدولة، بقدر ما تفتح مسارًا طويل الأمد لإعادة بناء المركز السياسي عبر التدرج والتوافق، بحيث تصبح المركزية نتيجة طبيعية لتراكم التنسيق بين الأطراف بدل أن تكون قرارًا مفروضًا. وبهذا المعنى، يتحول الاستقرار إلى عملية مستمرة تتطور بمرور الزمن، تقوم على إدارة التعدد بدل إلغائه، وعلى إعادة بناء الدولة عبر التدرج بدل القطيعة.

	ختاما:

	تُظهر المبادرة الأمريكية في ليبيا 2026 أنها تأتي ضمن مسار ممتد لإدارة الأزمة الليبية أكثر من كونها محاولة لحسمها بصورة نهائية، حيث يتداخل فيها البعد السياسي المتعلق بإعادة توزيع النفوذ مع البعد المؤسسي المرتبط بإعادة تنظيم بنية الدولة في سياق من الانقسام المستمر. وفي هذا الإطار، لا تبدو المبادرة قطيعة مع أنماط إدارة الأزمة السابقة، بقدر ما تمثل امتدادًا لها ضمن أدوات أكثر تركيبًا وتدرجًا.

	ويقوم هذا المسار على منطق مزدوج يجمع بين إعادة ترتيب مراكز القوة السياسية من جهة، وتفعيل أدوات تدريجية في المجالين العسكري والاقتصادي من جهة أخرى، بما يعكس محاولة خلق توازن مؤسسي قابل للإدارة دون الوصول إلى تسوية سياسية شاملة في المدى القريب. غير أن هذا التداخل بين التسريع في البنية السياسية والتدرج في الأدوات التنفيذية يفرض حدودًا تتعلق بقدرة هذا النموذج على الاستمرار في ظل غياب إطار مؤسسي موحد.

	كما أن طبيعة الانقسام الليبي، بما يتضمنه من تعدد في مراكز القرار السياسي والاقتصادي والعسكري، تجعل من أي مبادرة خارجية جزءًا من عملية إعادة إنتاج التوازنات القائمة أكثر من كونها عاملًا حاسمًا في تغييرها. وفي هذا السياق، يصبح الاستقرار مرهونًا بقدرة التفاعلات بين الأطراف المختلفة على الوصول إلى صيغة إدارة مشتركة للسلطة بدل الصراع حولها، كما أن تباين مواقف الفاعلين وانعكاساته المستمرة يظل عنصرًا محددًا في رسم حدود هذا المسار وإمكاناته.

	وعليه، تفتح المبادرة الأمريكية مسارًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الأطراف الليبية عبر أدوات تدريجية، دون أن تحسم شكل الدولة النهائي، بل تتركه مفتوحًا على احتمالات متعددة يتحدد اتجاهها بمدى تطور البنية المؤسسية وقدرة الفاعلين على تحويل التوازنات القائمة إلى إطار مستقر لإدارة الدولة. وفي هذا السياق، يظل المسار الليبي أقرب إلى عملية إعادة تشكل تدريجية لوظيفة الدولة، أكثر منه انتقالًا خطيًا نحو تسوية نهائية مكتملة.
</fulldescription>
<pubDate>الإثنين , 11 مايو 2026 03:38:16 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22400/تحليلات//فعالية-المبادرة-الأمريكية-في-ليبيا--بين-دبلوماسية-.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/24//22399/مقالات-رأى//هل-يجاملنا-الذكاء-الاصطناعي-أكثر-مما-ينبغي؟.aspx</link>
<description>
</description>
<fulldescription>

	

	تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية، متجاوزًا وظيفته التقليدية كأداة للإجابة عن الأسئلة أو تسريع إنتاج المعرفة، ليغدو فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الأحكام، وتوجيه القرارات، وإعادة صياغة علاقة الإنسان بإدراكه لذاته وللعالم من حوله. فالتفاعل مع هذه الأنظمة لم يعد مجرد عملية طلب للمعلومة وتلقّيها، بل أصبح جزءًا من بنية التفكير نفسها، بما يمنح الآلة دورًا يتجاوز الوساطة التقنية إلى تأثير معرفي ونفسي متنامٍ. وتنبع حساسية هذه المكانة الجديدة ليس فقط من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المعرفة، بل من قدرته على ترسيخ قناعات المستخدم، وتعزيز إحساسه باليقين تجاه أفكاره وقراراته، بل وحتى تجاه رغباته ودوافعه.

	غير أن هذه الوظيفة تكشف اليوم عن وجه أكثر تعقيدا وإثارة للقلق. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن كثيرا من أنظمة الذكاء الاصطناعي تميل إلى تبنّي سلوك قائم على الإرضاء والمجاراة، لا على التصحيح والمساءلة. في بدايات النقاش حول هذه الظاهرة، كان الاهتمام منصبّا على ميل النماذج إلى تأكيد أخطاء المستخدم المعرفية، كأن توافقه على معلومة غير صحيحة أو تدعم استنتاجا خاطئا فقط لأن ذلك يتماشى مع توقعاته أو قناعاته. كان هذا يُفهم بوصفه خللا معرفيا ناتجا عن تغليب الانسجام على الدقة.

	لكن التطور الأهم &ndash; في ظني- يتمثل في انتقال هذا الميل من مستوى المعرفة إلى مستوى الأخلاق. فالمشكلة لم تعد أن الآلة قد توافقك على حقيقة خاطئة، بل إنها قد تمنح أفعالك ذاتها شرعية ضمنية، حتى حين تكون محل إشكال أخلاقي. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ&quot;التملق الاجتماعي&quot;، حيث لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تأكيد الأفكار، بل يمتد إلى تبرير السلوك وإعادة صياغته بلغة تخفف من وطأته الأخلاقية. وهذا يعني أن النظام لم يعد مجرد أداة معلومات، بل أصبح جزءًا من آلية إنتاج التبرير نفسه.

	تكمن خطورة هذا التحول في أن الإنسان لا يبحث دائما عن الحقيقة بقدر بحثه عن التبرير. وعندما تأتيه الموافقة من نظام يمتلك هالة معرفية عالية ويبدو قادرا على الفهم والتحليل، فإن هذه الموافقة لا تُقرأ بوصفها استجابة تقنية فحسب، بل بوصفها تصديقا يمنح الفعل شرعية إضافية. وفي هذه اللحظة، يبدأ جزء من العبء الأخلاقي بالانتقال من الإنسان إلى الآلة، أو على الأقل يتوزع بينها وبينه، بما يخفف الشعور بالمسئولية ويجعل الخطأ أكثر قابلية للتبرير وأكثر سهولة في التكرار. هنا تكمن المفارقة الكبرى: أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُفترض أن يساعد الإنسان على التفكير بصورة أفضل، قد يتحول إلى أداة تجعله أكثر اطمئنانًا إلى أسوأ قراراته.

	

	المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُسوَّق بوصفه أداة لتحسين القرار البشري، قد يتحول في هذه الحالة إلى أداة لإضعافه. فالقرار الأخلاقي لا يتطلب فقط معلومات، بل يحتاج إلى مقاومة داخلية، أو إلى احتكاك نقدي، أو إلى صوت يعترض حين يلزم الاعتراض. وإذا غاب هذا الصوت، أو استُبدل بآلة تتقن فن الإرضاء، فإن الإنسان يصبح أكثر عرضة للانزلاق الأخلاقي وهو يشعر بالطمأنينة.

	المسألة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية وفلسفية كذلك. لأن تصميم الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تصميم لعلاقة سلطة: من يملك حق التصحيح؟ ومن يحدد متى يجب على النظام أن يرفض؟ وهل وظيفة الآلة أن تخدم رغبات الإنسان، أم أن تحميه أحيانا من أسوأ نزعاته؟

	وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية في مستقبل الذكاء الاصطناعي: ما الذي نريده فعلا من هذه الأنظمة؟ هل نريدها امتدادا لرغباتنا، تعكس لنا ما نحب سماعه، أم نريدها بنية معرفية مسئولة قادرة على وضع مسافة نقدية بين الإنسان وأفكاره وأفعاله؟ فالمشكلة ليست في أن تكون الآلة مطيعة، بل في أن تتحول الطاعة إلى معيار للجودة، والموافقة إلى معيار للذكاء. عند هذه النقطة، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مرآة تضخّم انحيازاتنا وتعيد إلينا أخطاءنا في صورة أكثر إقناعا.

	وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر في تطوير الذكاء الاصطناعي هو جعله أكثر شبها بالإنسان في قدراته التحليلية واللغوية، بل في حمايته من وراثة أكثر العيوب البشرية رسوخا: التملق، والانحياز، والرغبة في تجنب المواجهة الأخلاقية حفاظا على القبول والرضا. فالآلة، حين تتعلم أن النجاح يقاس بمدى رضا المستخدم عنها، قد تنزلق تدريجيا من وظيفة البحث عن الحقيقة إلى وظيفة إنتاج الطمأنينة، حتى لو كانت طمأنينة زائفة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الآلة، فالخطأ جزء من أي منظومة معرفية، بل في أن تضفي على الخطأ شرعية، وأن تحوّل التبرير إلى معرفة، والمجاملة إلى حكم، فتجعل الإنسان أكثر ثقة بما كان ينبغي أن يتردد حياله أو يعيد مساءلته.

	ما تقدم لا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة فقط، بل يعيد تشكيل علاقته بذاته؛ إذ يصبح أقل ميلا إلى مراجعة قراراته وأكثر استعدادا للبحث عن تصديق بدلا من نقد، وعن تأكيد بدلا من مساءلة. وفي عالم تتعاظم فيه سلطة الخوارزميات، وتتسع قدرتها على التأثير في الوعي الفردي والجمعي، فإن الدفاع عن الحقيقة أصبح جزءًا من المسئولية البنيوية للآلة نفسها. لأن الذكاء الاصطناعي، إذا أراد أن يكون أداة لتوسيع الإدراك البشري لا لتضييقه، يجب أن يتعلم متى يوافق، والأهم متى يعترض. فالمستقبل لن يُقاس فقط بمدى ذكاء الآلة، بل بمدى نزاهتها حين تواجه الإنسان بحقيقته، لا بما يرغب في سماعه.

	
</fulldescription>
<pubDate>الإثنين , 11 مايو 2026 03:22:32 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/24//22399/مقالات-رأى//هل-يجاملنا-الذكاء-الاصطناعي-أكثر-مما-ينبغي؟.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>الدولة الوطنية في اختبار الأزمات الكبرى.. كيف تُفعَّل القوة الشاملة لضمان البقاء؟</title>
<link>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22398/تحليلات//الدولة-الوطنية-في-اختبار-الأزمات-الكبرى--كيف-تُفعّ.aspx</link>
<description>
وفي هذا السياق المتغير، لم يعد بقاء الدولة الوطنية مرهونًا فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل بقدرتها على إدارة هذه الإمكانات ضمن استراتيجية مرنة تستوعب التحولات، وتحافظ على الاستقرار، وتوازن بين متطلبات الردع وضرورات الاحتواء، وعند هذه النقطة يبرز التساؤل الأهم: هل ستنجح الدولة الوطنية في إعادة تكييف أدواتها وآليات إدارتها بما يتوافق مع طبيعة الصراعات الجديدة، أم أن البيئة الدولية المقبلة ستفرض أنماطًا مختلفة من القوة والبقاء تعيد تشكيل أدوار الدول وحدود قدرتها على الصمود والاستمرار؟</description>
<fulldescription>

	في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه التهديدات بصورة غير مسبوقة، لم يعد بقاء الدولة الوطنية مرتبطًا فقط بحجم ما تمتلكه من موارد وإمكانات، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى قوة فاعلة تُدار ضمن رؤية استراتيجية متماسكة تضمن الاستقرار والاستمرارية، فالأزمات لم تعد أحداثًا طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات تقليدية مؤقتة، وإنما أصبحت حالة ممتدة تختبر بصورة دائمة قدرة الدول على التكيف، وإدارة الضغوط، والحفاظ على توازنها الداخلي والخارجي.

	وقد كشفت التحولات الدولية المعاصرة أن التحدي الحقيقي لم يعد مقتصرًا على مواجهة تهديد خارجي مباشر، بل أصبح أكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وكفاءة مؤسساتها، ومرونة قرارها السياسي في بيئة تتشابك فيها الأبعاد الأمنية، والاقتصادية، والسياسية، والإدراكية بصورة معقدة. ولهذا، لم يعد الفارق بين الدول قائمًا فقط على امتلاك عناصر القوة، وإنما على حسن توظيفها وإدارتها في اللحظة الحرجة.

	ومع صعود أنماط الصراع غير التقليدي، أعيد تشكيل مفهوم المواجهة ذاته؛ فلم تعد الحروب تُدار فقط عبر الأدوات العسكرية المباشرة، بل عبر ضغوط اقتصادية، وحملات معلوماتية، واستهداف الإدراك الجمعي والثقة العامة، بما يجعل استقرار الداخل أحد أهم ميادين الصراع الحديثة. ومن ثم، أصبحت قدرة الدولة على الصمود لا ترتبط فقط بالردع العسكري، بل بقدرتها على إدارة التعقيد واحتواء الضغوط الممتدة دون الانزلاق إلى الاستنزاف.

	وفي هذا السياق، برزت الاستراتيجية المرنة بوصفها إطارًا حاكمًا لإدارة الأزمات المعاصرة، يقوم على الانتقائية في الانخراط، وضبط إيقاع التفاعل مع التهديدات، والتوازن بين الردع والاحتواء، بما يسمح بالحفاظ على التوازن الاستراتيجي وتقليل كلفة المواجهة في بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات السيولة وعدم اليقين.

	ومن هنا، يبرز مفهوم القوة الشاملة باعتباره أحد المحددات الرئيسية لقدرة الدولة على البقاء؛ فالقوة لم تعد تُقاس فقط بحجم الموارد أو تنوعها، بل بمدى قدرة الدولة على دمج أدواتها السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والإعلامية ضمن منظومة متكاملة قادرة على التحرك بكفاءة تحت الضغط.

	وعلى هذا الأساس، تتمثل الإشكالية الرئيسية في التساؤل الآتي: كيف يمكن للدولة الوطنية تفعيل عناصر قوتها الشاملة ضمن استراتيجية مرنة لإدارة الأزمات والتوترات الإقليمية، بما يضمن الحفاظ على تماسكها واستمراريتها في بيئة دولية مضطربة؟

	تحولات طبيعة الأزمات في البيئة الدولية المعاصرة:

	أدت التحولات المتسارعة في النظام الدولي إلى نشوء بيئة أكثر تعقيدًا واضطرابًا، لم تعد فيها الأزمات تُدار بالأساليب التقليدية المعروفة، بل أصبحت تتشكل داخل شبكة متداخلة من الضغوط الأمنية، والاقتصادية، والسياسية، والإدراكية، ولم يقتصر التغير على تعدد مصادر التهديد، وإنما امتد إلى طبيعة العلاقة بينها، بما جعل الأزمات أكثر سرعة في الانتشار وأكثر تأثيرًا في استقرار الدول ومؤسساتها.

	وقد أسهمت العولمة الرقمية، والتشابك الاقتصادي، وتسارع تدفق المعلومات، في تقليص الفواصل التقليدية بين الداخل والخارج، وبين السلم والصراع؛ فلم تعد التهديدات ترتبط فقط بالمواجهات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى الهجمات السيبرانية، والضغوط الاقتصادية، والحملات الإعلامية المنظمة، ومحاولات التأثير في وعي المجتمعات واتجاهاتها.

	ونتيجة لذلك، انتقل جانب مهم من الصراع إلى الداخل، حيث أصبح استهداف التماسك المجتمعي والثقة العامة وكفاءة المؤسسات أحد أبرز أدوات الضغط على الدول، فالصراع في صورته الحديثة لا يستهدف السيطرة على الأرض بقدر ما يستهدف التأثير في الإدراك، وإرباك عملية صنع القرار، وإضعاف قدرة الدولة على الحفاظ على توازنها الداخلي تحت الضغط.

	كما ساهمت التحولات الجيوسياسية وتعدد الفواعل الدولية وغير الدولية في تصاعد حالة اللايقين الاستراتيجي، فأصبحت الدول تتحرك في بيئة يصعب التنبؤ بمساراتها بدقة، ولم يعد التحدي الرئيسي مرتبطًا فقط بحجم التهديد، بل بسرعة تطوره وتشابك أبعاده واتساع نطاق تأثيره.

	ومن ثم، فإن التحول الأبرز في طبيعة الأزمات يتمثل في انتقالها من أحداث طارئة قابلة للاحتواء إلى ضغوط ممتدة تختبر بصورة مستمرة قدرة الدولة على التكيف والحفاظ على التوازن الداخلي، وهنا لم يعد البقاء مرتبطًا فقط بامتلاك عناصر القوة التقليدية، بل بقدرة الدولة على إدارة التعقيد، وتوظيف مواردها بكفاءة، والحفاظ على تماسكها المؤسسي والمجتمعي في لحظات الضغط الاستراتيجي.

	إعادة تعريف القوة والصراع في العصر الحديث:

	أثبتت التحولات الدولية المعاصرة أن امتلاك عناصر القوة التقليدية لم يعد وحده كافيًا لضمان بقاء الدولة أو حماية مصالحها، فقد أظهرت الأزمات الحديثة أن بعض الدول، رغم امتلاكها قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، واجهت صعوبات حقيقية في إدارة الضغوط والحفاظ على استقرارها، في حين استطاعت دول أخرى، بإمكانات أقل، تحقيق مستويات أعلى من الصمود بفضل كفاءة الإدارة وحسن توظيف الموارد.

	ومن هنا، بدأ مفهوم القوة يتحول تدريجيًا من التركيز على حجم الإمكانات إلى التركيز على كفاءة تشغيلها وإدارتها، فلم تعد قوة الدولة تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى تأثير فعلي متكامل يسمح بالحفاظ على الاستقرار وإدارة الأزمات بكفاءة في ظل الضغوط الممتدة.

	وفي ضوء ذلك، لم يعد الصراع قائمًا فقط على التفوق العسكري المباشر، بل أصبح أكثر ارتباطًا بالقدرة على إدارة الاقتصاد، والطاقة، والمجال المعلوماتي، والتحالفات الدولية، إلى جانب الحفاظ على استمرارية الأداء المؤسسي في بيئات تتسم بارتفاع معدلات التوتر وعدم اليقين.

	كما أصبحت أدوات الضغط غير التقليدية أكثر حضورًا في إنهاك الدول من الداخل؛ فالتأثير في الاقتصاد، وإرباك المجال المعلوماتي، واستهداف الثقة العامة، وتعطيل كفاءة المؤسسات، كلها تحولت إلى وسائل فعالة لإضعاف قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها واستقرارها دون الحاجة إلى صدام عسكري مباشر.

	ولا يعني هذا تراجع أهمية القوة العسكرية، فهي لا تزال تمثل عنصرًا رئيسيًا في الردع، لكنها لم تعد كافية وحدها لحسم الصراعات المركبة، ولهذا أصبحت فعالية الدولة مرتبطة بقدرتها على تحقيق التكامل بين أدوات القوة المختلفة، وإدارة مواردها بصورة مرنة ومتوازنة تضمن القدرة على التكيف والاستمرار تحت الضغط.

	وهكذا، لم يعد الصراع في العصر الحديث يُحسم فقط في ميادين المواجهة التقليدية، بل في قدرة الدولة على حماية جبهتها الداخلية، والحفاظ على وعي مجتمعها وثقته بمؤسساته، واحتواء الضغوط قبل تحولها إلى عوامل استنزاف ممتدة.

	التماسك الداخلي وإدارة المجال الإدراكي:

	مع تصاعد أنماط الصراع غير التقليدي، لم تعد المواجهة ترتبط فقط بالتفوق العسكري أو الاقتصادي، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي وإدارة المجال الإدراكي للمجتمع؛ فالصراعات الحديثة تستهدف التأثير في الوعي العام، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وإرباك البيئة الداخلية، بما يجعل الجبهة المجتمعية إحدى الساحات الرئيسية للصراع.

	وفي هذا السياق، برزت الحرب المعلوماتية والإدراكية بوصفها أداة ضغط فعّالة تعتمد على توجيه المعلومات، وتضخيم الأزمات، وإثارة الانقسام، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، ولم يعد الهدف من هذه الأدوات تحقيق انتصار عسكري مباشر، بل خلق حالة مستمرة من الاضطراب والتشكيك تُضعف قدرة الدولة على إدارة الأزمات والحفاظ على الاستقرار.

	كما تعتمد هذه الحروب على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية والتدفق المعلوماتي المكثف لإنتاج حالة من التشويش المستمر، وتضخيم الإخفاقات، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، بما يؤدي تدريجيًا إلى إنهاك البيئة الداخلية وإرباك عملية صنع القرار، وقد بدا ذلك واضحًا في العديد من التوترات والأزمات الإقليمية المعاصرة، حيث تحولت إدارة الرواية الإعلامية والتأثير في الرأي العام إلى جزء موازٍ للصراع السياسي والأمني.

	ومن ثم، أصبح استهداف الوعي والثقة المجتمعية أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول في البيئات المضطربة؛ إذ إن تراجع الثقة العامة لا يؤثر فقط في العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة القرار وقدرة المؤسسات على تنفيذ السياسات واحتواء الضغوط.

	ولهذا باتت الشرعية السياسية، وكفاءة الإدارة تحت الضغط، والقدرة على إدارة الرواية الوطنية في أوقات الأزمات، عناصر حاسمة في تعزيز قدرة الدولة على الصمود؛ فالدولة التي تنجح في الحفاظ على استقرار جبهتها الداخلية تكون أكثر قدرة على امتصاص الأزمات والتكيف مع التحولات الممتدة.

	ولا يرتبط الصمود الداخلي فقط بكفاءة المؤسسات، بل أيضًا بقدرة المجتمع ذاته على الحفاظ على تماسكه ووعيه الجمعي في مواجهة حملات التشكيك والاستقطاب؛ إذ أصبحت المناعة المجتمعية عنصرًا أساسيًا في قدرة الدولة على امتصاص الضغوط ومنع تحول الأزمات إلى حالة إنهاك داخلي ممتدة.

	الاستراتيجية المرنة وتفعيل القوة الشاملة:

	في ظل بيئة دولية تتسم بتسارع الأزمات وتشابك التهديدات، لم تعد إدارة الصراعات تعتمد على ردود الفعل التقليدية أو المواجهة المباشرة وحدها، بل أصبحت تتطلب استراتيجية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحولات المتغيرة، فالدول لم تعد تواجه تهديدًا منفردًا يمكن احتواؤه بأداة محددة، وإنما ضغوط متزامنة ومتعددة المستويات تستوجب إدارة متوازنة تجمع بين الردع والاحتواء، وتمنع الانزلاق إلى الاستنزاف طويل المدى.

	وفي هذا السياق، برزت الاستراتيجية المرنة بوصفها إطارًا لإدارة الأزمات المعقدة، يقوم على الانتقائية في الانخراط، وضبط إيقاع التفاعل مع التهديدات، وتقدير كلفة التصعيد وحدود المخاطر، فلم يعد الهدف تحقيق انتصار شامل بقدر ما أصبح الحفاظ على التوازن والاستقرار ومنع تآكل قدرات الدولة تحت ضغط الأزمات الممتدة.

	كما أصبحت إدارة المخاطر والتوترات الإقليمية جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الوطني، في ظل الترابط المتزايد بين الداخل والخارج، فالتعامل مع الضغوط الحديثة لم يعد يرتبط فقط بحجم الموارد المتاحة، بل بقدرة الدولة على توظيفها بصورة متكاملة، وسريعة، وفعالة، بما يسمح بامتصاص الصدمات، وتقليل الخسائر، والحفاظ على استمرارية الأداء المؤسسي.

	وفي هذا الإطار، تبرز القدرة الاقتصادية باعتبارها عنصرًا حاسمًا في فعالية الدولة الحديثة، ليس فقط من حيث حجم الموارد، بل من حيث قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات، والحفاظ على استمرارية الإنتاج والخدمات، وتقليل آثار الضغوط الخارجية والتقلبات الإقليمية.

	ومن هنا، برزت أهمية التكامل المؤسسي بوصفه أحد المرتكزات الرئيسية لتفعيل القوة الشاملة؛ إذ لم تعد إدارة الأزمات مسئولية مؤسسة بعينها، بل عملية متداخلة تشارك فيها مختلف مؤسسات الدولة ضمن رؤية موحدة للتعامل مع التهديدات. وفي ضوء ذلك، ظهر نموذج الدولة الشاملة، القائم على تنسيق الأدوات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والإعلامية ضمن منظومة متكاملة قادرة على التحرك السريع والمتوازن تحت الضغط.

	وقد كشفت الحرب الروسية ـ الأوكرانية بوضوح أهمية هذا النمط من الإدارة، إذ لم تعد المواجهة تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى الاقتصاد، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والمجال المعلوماتي، والتحالفات الدولية، بما أكد أن فعالية الدولة أصبحت ترتبط بقدرتها على إدارة مواردها وأزماتها بصورة متكاملة في بيئات ممتدة من الضغط وعدم اليقين.

	وتتجلى أهمية هذا النمط من الإدارة كذلك في التفاعلات الإقليمية المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، وما يرتبط به من توترات بين إيران وإسرائيل، وحضور أمريكي مباشر وغير مباشر، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية التي ألقت بتداعياتها على الإقليم بأكمله، فالأزمة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى حالة ضغط ممتدة أعادت تشكيل حسابات التوازن والاستقرار لدى دول المنطقة.

	وفي ظل هذا المشهد شديد التعقيد، أصبح الحفاظ على التوازن الاستراتيجي وتجنب الانزلاق إلى الاستنزاف الشامل أولوية تتقدم على منطق المواجهة المفتوحة. وفي هذا السياق، برزت المقاربة المصرية بوصفها نموذجًا لإدارة التوازنات في بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات الاضطراب وعدم اليقين، إذ اتجهت الدولة المصرية إلى تبني استراتيجية مرنة لا تقوم على الانخراط الاندفاعي في التوترات، ولا على الانكفاء السلبي تجاهها، وإنما على إدارة دقيقة للتوازن بين متطلبات الردع وضرورات الاحتواء، بما يضمن حماية محددات الأمن القومي والحفاظ على الاستقرار الداخلي في آن واحد.

	وقد عكست هذه الاستراتيجية إدراكًا لطبيعة التحولات الجارية، التي لم تعد تُدار فقط بمنطق القوة المباشرة، بل بمنطق الاحتواء، وإدارة المخاطر، ومنع انتقال تداعيات الأزمات إلى الداخل. ومن ثم، تعاملت الدولة المصرية مع البيئة الإقليمية المتغيرة بمنطق إدارة التوازن وضبط إيقاع الانخراط، مع الحفاظ على هامش حركة استراتيجي يسمح بالتعامل المرن مع التحولات المتسارعة دون الانزلاق إلى الاستنزاف أو الاستقطاب الحاد.

	كما استندت هذه المقاربة إلى توظيف متوازن لعناصر القوة الشاملة، من خلال تنويع أدوات الحركة السياسية والدبلوماسية، وتعزيز جاهزية الردع، والحفاظ على التماسك المؤسسي والمجتمعي، إلى جانب احتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية للتوترات الإقليمية، بما يعكس قدرة الدولة على إدارة الأزمات بعقلانية استراتيجية تراعي تعقيدات البيئة المحيطة، وتُعطي أولوية للحفاظ على استقرار الدولة وقدرتها على الحركة والمبادرة في بيئة شديدة السيولة والتشابك.

	ومن ثم، فإن فعالية الدولة في البيئات المضطربة لا ترتبط فقط بامتلاك عناصر القوة، بل بقدرتها على تحويل هذه العناصر إلى قدرة تشغيلية قابلة للتوظيف تحت الضغط، وهنا يتحدد الفارق الحقيقي بين الدول التي تنجح في احتواء الأزمات والحفاظ على استقرارها، وتلك التي تتعرض للاستنزاف نتيجة ضعف التنسيق، أو بطء الاستجابة، أو غياب الرؤية الاستراتيجية المتكاملة.

	وأمام هذه التحولات المتسارعة، لم يعد مستقبل الدول يُقاس بقدرتها على تجنب الأزمات بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرتها على إدارة آثارها، والحفاظ على توازنها الداخلي، واستيعاب الضغوط الممتدة دون فقدان القدرة على الحركة والمبادرة، فالعالم يتجه بصورة متزايدة نحو بيئة تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين الحرب والسلم، وبين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي والمجتمعي، بما يجعل الصمود الشامل والمرونة الاستراتيجية عنصرين حاسمين في معادلة البقاء.

	وعليه، تبدو الدول الأكثر قدرة على الاستمرار ليست تلك التي تمتلك أكبر قدر من الموارد أو أدوات القوة التقليدية، بل تلك التي تستطيع الحفاظ على تماسكها الداخلي، وإدارة تعقيدات بيئتها الإقليمية والدولية بكفاءة، وتوظيف عناصر قوتها ضمن رؤية متوازنة تمنع الانزلاق إلى الاستنزاف طويل المدى.

	وفي هذا السياق المتغير، لم يعد بقاء الدولة الوطنية مرهونًا فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل بقدرتها على إدارة هذه الإمكانات ضمن استراتيجية مرنة تستوعب التحولات، وتحافظ على الاستقرار، وتوازن بين متطلبات الردع وضرورات الاحتواء، وعند هذه النقطة يبرز التساؤل الأهم: هل ستنجح الدولة الوطنية في إعادة تكييف أدواتها وآليات إدارتها بما يتوافق مع طبيعة الصراعات الجديدة، أم إن البيئة الدولية المقبلة ستفرض أنماطًا مختلفة من القوة والبقاء تعيد تشكيل أدوار الدول وحدود قدرتها على الصمود والاستمرار؟
</fulldescription>
<pubDate>الإثنين , 11 مايو 2026 03:20:55 CMT</pubDate>
<category></category>
<guid>https://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2//22398/تحليلات//الدولة-الوطنية-في-اختبار-الأزمات-الكبرى--كيف-تُفعّ.aspx</guid>
</item>
<copyright> مجلة السياسة الدولية</copyright>
</channel>
</rss>
