"متحدو السلطة‮":
الألتراس كقوة تعيد تعريف العلاقة بين الشارع والدولة

هناك حقيقة علمية يبدو أنها تغيب في بعض الأحيان عن أذهان المراقبين وعلماء السياسة،‮ ‬وهي أن الدولة منتج بشري أنتجه الناس لمواجهة احتياجات معينة،‮ ‬تتعلق بتنظيم حياتهم والحفاظ عليها‮. ‬ولا يهم في هذه الحال ما إذا كانت الدولة نشأت بشكل تاريخي أو تعاقدي،‮ ‬بقدر ما يهم تأكيد أنها من صنع الخبرة الإنسانية،‮ ‬وبالتالي فهي قابلة للتغيير والتطوير،‮ ‬بل والهدم وإعادة البناء في لحظات تاريخية معينة‮.‬

وقد تطورت علاقة الأفراد بالدولة تاريخيا لتتحول من فكرة الرعايا في العصور الوسطي إلى فكرة المواطنة الكاملة في‮ ‬الدولة الحديثة‮. ‬وقد استقر علماء السياسة علي أنه من أهم خصائص الدولة الحديثة،‮ ‬احتكارها للاستخدام الشرعي‮ ‬للقوة وأدوات القمع،‮ ‬على اعتبار أن أجهزة الدولة تنوب عن المواطنين في‮ ‬الحفاظ على السلم والأمن للمجتمع ككل،‮ ‬وتتولي محاسبة الخارجين على القانون‮.

‬ومصدر شرعية احتكار القمع هو امتلاك الدولة الحديثة مؤسسات تتمتع بشرعية شعبية،‮ ‬مصدرها إجراءات انتخابية معينة،‮ ‬وبالتالي من حق الدولة استخدام القوة ضد من‮ ‬يلجأ إلى الشارع لتغيير هذه الموازين وهذه الشرعية‮. ‬فالقاعدة الرئيسية في هذه النظم أن هناك قنوات محددة وشرعية‮ ‬يمكن للمواطنين المشاركة من خلالها لتوصيل أصواتهم حول الخيارات المختلفة المطروحة أمامهم،‮ ‬ومن ثم لا‮ ‬يحتاج الأفراد إلى اللجوء إلى الشارع إلا فيما ندر،‮ ‬وبشكل رمزي،‮ ‬بهدف توصيل مطالب معينة إلى صانعي القرار أو الضغط عليهم‮.‬ ولكن شهدت نهايات الستينيات من القرن العشرين ما عرف وقتذاك بالحركات الاجتماعية،‮ ‬التي لم تر في القنوات التقليدية للمشاركة سبيلا كافيا للتعبير عن مطالبها وأحلامها،‮ ‬بل وفي بعض الاحيان هوياتها الثقافية‮.

‬حيث شهدت العواصم الكبري في الغرب،‮ ‬وفي مراحل تالية بعض عواصم الشرق،‮ ‬الظهور العنيف للحركات الطلابية،‮ ‬وجماعات الهيبيز،‮ ‬وجمعيات الألتراس الرياضية،‮ ‬وتبع ذلك ظهور موسيقي السود والراب‮. ‬كما ارتبط تسارع وتيرة سياسات العولمة وما ارتبط بها من سيطرة الرأسمالية‮  ‬كثقافة،‮ ‬وكمؤسسات سياسية واقتصادية،‮ ‬بتصاعد مواز لما عرف بحركات مقاومة العولمة،‮ ‬التي كانت مظاهرات سياتل في‮ ‬1999 أحد أهم وأول تجلياتها‮.

وفي هذا السياق،‮ ‬تطورت دراسة الحركات الاجتماعية‮  ‬في العقود الأخيرة من القرن العشرين،‮ ‬لتشمل أشكالا جديدة من التفاعل بين الدولة والمواطنين خارج الأطر المؤسسية التقليدية للمشاركة،‮ ‬كالأحزاب،‮ ‬والنقابات،‮ ‬ومنظمات المجتمع المدني‮. ‬وظهر مفهوم الحركات الاجتماعية الجديدة،‮ ‬أو ما تم تطويره فيما بعد من جانب بعض الدارسين،‮ ‬وعرف باسم اللاحركات الاجتماعية،‮ ‬والتي اهتمت بالتطورات الحركية والنظرية التي طالت الحركات الاجتماعية ودراستها‮. ‬ويري كثير من الدارسين أن هذه التطورات هي السبب الأول في تفجير الحركة الثورية التي تجتاح المنطقة العربية‮.‬

وقد شهدت الدول العربية،‮ ‬في ضوء المرحلة الثورية التي‮ ‬تمر بها حاليا،‮ ‬العديد من مظاهر اللاحركات الاجتماعية،‮ ‬والتي في حالات معينة‮  ‬تتحدى الدولة ضمنيا،‮ ‬وفي‮ ‬حالات أخري تدخل معها في‮ ‬صراع،‮ ‬كما في‮ ‬حالة الثورة المصرية‮. ‬ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى تعاظم قوة الشارع،‮ ‬وتزايد نشاطه على نحو‮ ‬غير مسبوق،‮ ‬خاصة القوى ‬غير التقليدية فيه،‮ ‬أو القوى من‮ ‬غير الحركات الاجتماعية‮.‬ فنظرة مدققة على المشهد الثوري المصري،‮ ‬منذ ‮ ‬25 يناير وحتي الآن،‮ ‬تكشف عن تعقد شديد في خريطة القوى والتيارات والأحزاب والحركات الاجتماعية التي‮ ‬شاركت في هذا المشهد،‮ ‬سواء في‮ ‬التحضير،‮ ‬أو المشاركة،‮ ‬أو الانخراط في التفاعلات التي تلت اللحظة الثورية الأولي‮.

‬وقد ظهرت مجموعات جديدة من الشباب‮ ‬غير المسيس وغير المنتمي إلى أي من الحركات السياسية التقليدية،‮ ‬ومنها الجماعات التي ارتبطت أنشطتها الأساسية بتشجيع اللعبة الشعبية الأولي في مصر،‮ ‬وهي كرة القدم،‮ ‬وعرفت بمجموعات الألتراس‮. ‬وقد ارتبط أداء هذه الجماعات في‮ ‬الشارع وفي الملاعب المصرية منذ ‮ ‬25 يناير بعدد من القضايا السياسية،‮ ‬خاصة ما تعلق منها بالعلاقة بين ممارسات جهاز الشرطة والشارع الثوري‮.‬وبعيدا عن المبالغات في قوة أو قدرة أو حتي اهتمام هذه الجماعات بالشأن السياسي،‮ ‬فإن ظهورها في المشهد السياسي،‮ ‬خاصة في بعض اللحظات التي‮ ‬استدعت مواجهات عنيفة بين الشارع وقوات الأمن،‮ ‬يستدعي بعض التحليل‮. ‬

في هذا الإطار،‮ ‬تناقش هذه الورقة مجموعات الألتراس كإحدى القوى المعبرة عن الحركات الجديدة،‮ ‬مع التركيز على الحالة المصرية،‮ ‬وتحاول هذه الورقة تحليل أبعاد علاقتها بالمشهد السياسي‮ ‬العام،‮ ‬وعلاقتها بالدولة وبسياسات الشارع قبل وبعد‮ ‬25 يناير،‮ ‬كما ستحاول استشراف مستقبلهم،‮ ‬وفرص تحولهم إلى قوة سياسية‮.‬

"‬ثلاثة‮" ‬أنماط لعلاقة الدولة بالشارع‮:‬

قبل الدخول في‮ ‬تحليل مجموعات الألتراس،‮ ‬كقوة جديدة مؤثرة في سياسات الشارع،‮ ‬هناك حاجة إلى تحليل أنماط العلاقة بين الدولة والشارع بشكل عام،‮ ‬وموقع الألتراس منها بشكل خاص‮. ‬ويمكن تحديد ثلاثة أنماط للعلاقة والشارع والدولة‮. ‬يتمثل النمط الأول في التعاون،‮ ‬وهو الشكل الطبيعي‮ ‬للعلاقة بين أجهزة الدولة والشارع،‮ ‬باعتباره أحد ميادين المجال العام الذي‮ ‬يمارس فيه المواطنون تفاعلاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية‮. ‬حيث تضع أجهزة الدولة القواعد المنظمة للمجال العام،‮ ‬وللشارع الذي‮ ‬يقع في‮ ‬القلب منه،‮ ‬ويتحرك المواطنون بشكل سلمي في معظم الأحوال،‮ ‬وفق هذه القواعد المستقرة‮. ‬وفي حالة الاعتراض على أي‮ ‬من هذه القواعد،‮ ‬يتم الاحتكام للقواعد القانونية والتشريعية لتغيير هذه القاعدة أو تلك‮.‬

ويتمثل النمط الثاني‮ ‬في‮ ‬الإحلال،‮ ‬ويظهر هذا النمط حينما تنسحب الدولة من المجال العام،‮ ‬بشكل‮ ‬يسمح للشارع بفرض سياساته وقواعده،‮ ‬بغض النظر عن القواعد القانونية أو التشريعية التي‮ ‬من المفترض أن تنظمه‮. ‬وهذا‮ ‬يتحقق في‮ ‬حالة الدول التي لا تكون راغبة أو قادرة على القيام بالوظائف الاساسية المنوطة بها،‮ ‬خاصة الوظائف الخدمية،‮ ‬مثل الصحة والتعليم،‮ ‬وفي بعض الأحيان فرض الأمن في بعض المناطق البعيدة عن العاصمة،‮ ‬ويعرفها بعض الباحثين بحالة الدولة الفاشلة‮. ‬ففي هذه الحالة،‮ ‬يجد الشارع نفسه في‮ ‬موقع مقدم الخدمات من خلال القوى السياسية والاجتماعية‮ ‬غير الرسمية النشطة فيه،‮ ‬والتي تحل في هذه اللحظة محل الدولة‮.

وقد تتطور هذه الحالة لتصل إلى النمط الثالث من أشكال العلاقة بين الدولة وسياسات الشارع،‮ ‬وهي حالة الصدام‮ . ‬ويختلف هذا النمط عن النمط الثاني في درجة العنف الجسدي والمعنوي،‮ ‬الذي‮ ‬يميز العلاقة بين مؤسسات الدولة،‮ ‬خاصة الأجهزة الأمنية،‮ ‬وقوى الشارع‮ .‬فمن ناحية،‮ ‬تكون الدولة في هذه الحالة شكلا من أشكال الدول الفاشلة،‮ ‬ولكنها لا تستطيع القبول بعدم فرض سيطرتها على الشارع،‮ ‬وإن قبلت بقيام الشارع بتقديم الخدمات التي تعجز هي عن تقديمها‮. ‬ومن ناحية أخري،‮ ‬يري الشارع،‮ ‬من خلال القوى الفاعلة فيه،‮ ‬أنه بحكم قربه من الجماهير وقدرته على تقديم الخدمات،‮ ‬يمتلك عناصر قوة تمكنه من الضغط لإعادة صياغة العلاقة مع الدولة لصالحه،‮ ‬ولصالح القوى السياسية،‮ ‬والقوى السياسية‮ - ‬الدينية،‮ ‬والقوى الاجتماعية التي‮ ‬يمثلها‮.‬وهذه الحالة الصراعية قد تكون لها تجليات إثنية،‮ ‬أو سياسية،‮ ‬أو اقتصادية،‮ ‬أو حتي أمنية،‮ ‬ويمكن تلمسها في‮ ‬الواقع العربي بشكل عام خلال السنوات الاخيرة،‮ ‬خاصة في اللحظات الثورية التي شهدها عالمنا العربي في عام‮ ‬2011.

وفي هذا السياق،‮ ‬يمكننا دراسة جماعات الألتراس كحركات اجتماعية،‮ ‬قد تحتفظ بالأنماط الثلاثة من العلاقة بين الدولة وسياسات الشارع،‮ ‬مع ملاحظة أن نمط الصدام والصراع هو النمط المميز لعلاقاتها مع الدولة،‮ ‬خلال الفترة الحالية‮ ‬،‮ ‬خاصة في حالة مصر التي ستهتم بها هذه الورقة‮.‬

الألتراس‮ .. ‬التعريف والسمات‮:‬

يشير مفهوم الالترا‮‬Ultra   إلى الشيء الفائق والزائد عن الحد،‮ ‬وكان‮  ‬تقليديا‮ ‬يستخدم لوصف مناصري قضية معينة بشكل‮ ‬يفوق ولاء أصحاب القضية الأصليين لها،‮ ‬ثم انتقل المفهوم إلى مجال الرياضة،‮ ‬حيث استخدم لوصف مشجعي ناد معين‮. ‬ونميز في هذا الإطار بين الألترا والألتراس‮ ‬Ultra and Ultras  حيث إن الألتراس كمفهوم،‮ ‬يستخدم في الأدبيات لوصف الجماعات من المشجعين المتشددين الذين تقترب أطرهم الفكرية والحركية من الحركات الفاشية التي‮ ‬ظهرت وسادت في أوروبا في القرن العشرين‮.‬

ويختلف الدارسون في‮ ‬تحديد تاريخ ظهور حركات الألترا أو الألتراس في أوروبا،‮ ‬باعتبارها المهد الأول لها‮. ‬فبينما‮ ‬يرد البعض تاريخ الظاهرة إلى العقود الأولي من القرن العشرين في‮ ‬المجر،‮ ‬يري آخرون أنها ترتبط بالستينيات مع تبلور الحركة في‮ ‬إيطاليا،‮ ‬والتي‮ ‬يؤكد البعض محورية دورها في‮ ‬تبلور حركة الألتراس وتصاعد الاهتمام بها‮.

‬ويمكن القول إن الاهتمام بكرة القدم،‮ ‬كواحدة من أهم الألعاب شعبية في العالم،‮ ‬ووجود عدد من المشجعين المخلصين للعبة أو لنواد معينة،‮ ‬هو قديم قدم اللعبة نفسها‮. ‬فخبراء كرة القدم والمهتمون بها عادة ما كانوا‮ ‬يرصدون عددا من المشجعين الذين ارتبطت اسماؤهم بفرق أو بلاعبين معينين،‮ ‬أو الذين عملوا على تشجيع فرقهم بشكل دائم ومستمر،‮ ‬بل وحتي السفر معهم إلى أماكن إقامة المباريات الخاصة بهم‮.‬

ويمكن تحديد عدد من السمات الرئيسية التي تميز جماعات الألتراس عن‮ ‬غيرهم من المشجعين العاديين‮. ‬تتمثل السمة الأولي في ولائها‮ ‬غير المشروط للنادي،‮ ‬بغض النظر عن نتائج الفريق أو أدائه‮. ‬وتتمثل السمة الثانية في استقلاليتها الكاملة،‮ ‬التنظيمية والمالية،‮ ‬عن مجالس إدارات النوادي وروابط التشجيع التقليدية،‮ ‬والتي كانت تخضع لعدد من التوازنات الاقتصادية والسياسية داخل النوادي لصالح لاعب أو عضو مجلس إدارة‮. ‬كما تعتمد جماعات الألتراس على تبرعات الأعضاء لتغطية المصروفات المطلوبة‮.‬

وتتعلق السمة الثالثة بالتشكيل العمري لهذه الجماعات‮. ‬فمعظم أعمار أفراد الألتراس تقع فيما بين ‮ ‬16و25 عاما،‮ ‬في حين أن جمهور المشجعين التقليدي‮ ‬يتسع ليضم فئات عمرية تصل إلى الستين،‮ ‬كما أن مجموعات التشجيع النشطة قد‮ ‬يصل متوسط أعمار أفرادها إلى الأربعين‮.وتنصرف السمة الرابعة إلى أن حركة الألتراس ارتبطت بشكل عام بموقع جغرافي محدد من الاستادات الرياضية،‮ ‬كأن تكون خلف المرمي،‮ ‬نتيجة انخفاض أسعار التذاكر في هذا الموقع بالمقارنة بغيرها من المواقع في الاستاد‮. ‬كما ارتبطت بسلوكيات معينة ترتبط بالتشجيع الدائم والمستمر للفريق طوال مدة المباراة،‮ ‬دون الاهتمام بالمشاهدة الفعلية لأحداث المباراة‮.

وتتعلق السمة الخامسة بأنه لا‮ ‬يمكن فهم تطور حركة الألتراس دون فهم السياق السياسي المصاحب‮. ‬فعلى سبيل المثال،‮ ‬لا‮ ‬يمكن فهم تطور الألتراس في أوروبا دون فهم التطورات السياسية التي سادت فيها،‮ ‬بدءا من الستينيات،‮ ‬والتي ارتبطت بما أطلق عليه البعض موت السياسة،‮ ‬أو التطورات السياسية التي ارتبطت بانهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينات،‮ ‬وهو ما عرف بموت الأيديولوجيا‮. ‬فهذه التطورات خلفت قطاعات عريضة من الشباب خارج الأطر التقليدية للمشاركة،‮ ‬كالأحزاب،‮ ‬والنقابات،‮ ‬ومنظمات المجتمع المدني،‮ ‬وذلك في الوقت نفسه الذي شهد تصاعد السياسات الرأسمالية وأزمات المجتمعات الحداثية‮.‬

وتتعلق السمة السادسة بأن السمة الغالبة لجماعات الألتراس هي أنها جماعات لا سياسية‮. ‬فمن ناحية،‮ ‬لا تتبني هذه الجماعات أيديولوجية حزبية معينة،‮ ‬أو تنتمي لأحزاب بعينها‮. ‬ومن ناحية أخري،‮ ‬تصور جماعات الألتراس كلا من أجهزة الأمن ووسائل الإعلام على أنهما العدو الأول لها‮. ‬فخبرة التفاعل مع أفراد الأمن حملت دائما ذكريات عنيفة ومحاولات من جانب الأمن للسيطرة على تحركات الألتراس وتجمعاتهم‮.

كما أن جماعات الألتراس تنظر إلى وسائل الاعلام على أنها الحليف التقليدي والطبيعي لرموز صناعة لعبة كرة القدم،‮ ‬وتغليب الأفكار الرأسمالية في‮ ‬إدارتها،‮ ‬وهو ما‮ ‬يراه الألتراس من أهم المثالب التي‮ ‬ظهرت وأثرت في اللعبة الشعبية الأولي في العالم‮. ‬كذلك،‮ ‬تتعامل وسائل الإعلام مع أعضاء الألتراس على اعتبار أنهم فوضويون،‮ ‬وأنهم السبب في كثير من حالات العنف في الملاعب بين المشجعين،‮ ‬وفي الوقت نفسه ترى في تغطية أخبارهم وتحركاتهم مادة صحفية وإعلامية دسمة‮.‬

وهذا الانفصال بين القوى السياسية والألتراس لا‮ ‬يعني‮ ‬غياب اهتمام الألتراس بالقضايا السياسية أو بالشأن العام‮. ‬فعلى سبيل المثال،‮ ‬رفعت بعض تنظيمات الألتراس الإيطالي بعض الشعارات حول رفضهم للمشاركة في الحرب على العراق‮.‬

الألتراس في مصر‮ .. ‬صدام الشارع مع الدولة ؟

يرجع أول ظهور للألتراس في العالم العربي إلى التسعينات من القرن العشرين في منطقة شمال إفريقيا،‮ ‬ويري البعض أن ليبيا هي أول دولة ظهر فيها الألتراس‮. ‬وقد تأخر ظهور الألتراس المصري‮ ‬إلى عام‮ ‬2007? حين تشكل الألتراس الأهلاوي،‮ ‬والألتراس الوايت نايتس‮. ‬وبالرغم من قلة الدراسات أو ندرتها عن الألتراس في‮ ‬مصر،‮ ‬فإنه‮ ‬يشترك في العديد من السمات مع تجمعات الألتراس في العالم والتي سبق مناقشتها‮.‬

ارتبط تشكل الألتراس في مصر خلال‮ ‬2007 بالسياق السياسي المصري‮. ‬فخلال هذا العام،‮ ‬حاول الرئيس المخلوع تمرير حزمة من التعديلات الدستورية،‮ ‬كان ظاهرها إضفاء بعض السمات الديمقراطية على النظام‮  ‬دون جوهر حقيقي،‮ ‬وذلك في الوقت الذي خلت فيه الساحة السياسية من أي قوى حقيقية تستطيع اجتذاب الأعداد المتزايدة من الشباب المتعلم الذي‮ ‬يبحث عن فرصة حقيقية للمشاركة،‮ ‬حيث لم‮ ‬يكن مقتنعا بأي‮ ‬من التيارات الموجودة على الساحة‮. ‬كما لم تشكل الحركات الاجتماعية،‮ ‬مثل حركة كفاية التي نشأت منذ ‮ ‬2004? ملاذا لهم،‮ ‬حيث تلخصت مطالب كفاية في رفض مشروع توريث الحكم إلى جمال مبارك،‮ ‬دون أن تستطيع بلورة بدائل سياسية وقيادية للجماهير‮ ‬،‮ ‬مما أثر في نهاية الأمر في قدرة الحركة على التجذر في الشارع‮.‬

كما لم تكن العلاقة بين الألتراس،‮ ‬بمختلف انتماءاته الكروية،‮ ‬وأجهزة الأمن ووسائل الإعلام علاقة إيجابية،‮ ‬على الرغم من أن النظام السياسي قد استفاد من وجود الألتراس في تحقيق أجندات تخصه،‮ ‬حيث استطاع استخدام كرة القدم والمعارك المرتبطة بها،‮ ‬كتلك الخاصة باتحاد كرة القدم والفساد،‮ ‬وبالتنافس بين الفرق،‮ ‬وبالشغب في الملاعب،‮ ‬وغيرها من القضايا،‮ ‬في خلق أجندة إعلامية تصرف المواطنين،‮ ‬وتستهلك طاقاتهم خارج المجال السياسي،‮ ‬وإن بقيت في مجال الشأن العام‮.

‬فعلى سبيل المثال،‮ ‬أديرت مواجهات على صفحات الجرائد وشاشات القنوات الفضائية بين أندية مصرية،‮ ‬وأخري بين المنتخب المصري ونظائره من الفرق العربية‮. ‬كما استخدم ولاء أعضاء الألتراس لفرقهم في‮ ‬تصعيد الأزمات الثنائية بين الدول،‮ ‬وفي إدارة أزمة مثل أزمة مباراة مصر والجزائر في‮ ‬تصفيات كأس العالم ‮ ‬2009.. وفي الوقت نفسه،‮ ‬هاجمت العديد من وسائل الإعلام جماعات الألتراس،‮ ‬ووصفتها بالجماعات الداعمة للفوضي،‮ ‬والتي تخالف روح التشجيع الحقيقية في الملاعب‮.‬

كما تكررت المواجهات بين جماعتي الألتراس الوايت نايتس والألتراس الأهلاوي،‮ ‬وقوات الأمن،‮ ‬سواء داخل الملاعب أو خارجها،‮ ‬بسبب إصرار الأمن على فرض السيطرة على هذه الجماعات،‮ ‬ورفضها لدخول عديد من الأدوات التي‮ ‬يستخدمها أفراد الألتراس في التشجيع،‮ ‬كالأعلام،‮ ‬والدفوف،‮ ‬والشماريخ،‮ ‬واللافتات‮. ‬وكان‮ ‬يترتب علي هذه المواجهات القبض على عدد من شباب الألتراس،‮ ‬والدخول في جولة من المفاوضات والضغط بغرض الإفراج عن هؤلاء الشباب تحججا بصغر سنهم،‮ ‬وقلة خبرتهم‮.‬

وقد تزايد في الشهور التالية على انفجار اللحظة الثورية الأولي في‮ ‬25 يناير دور الألتراس في المواجهات مع قوات الأمن،‮ ‬وهو الدور الذي قوبل بردود فعل متباينة‮. ‬فمن ناحية الإعلام الرسمي،‮ ‬سواء الرياضي أو السياسي،‮ ‬نظر لأعضاء الألتراس على أنهم دعاة فوضي،‮ ‬وأن التسامح مع سلوكياتهم في مواجهة قوات الأمن إنما هو أمر‮ ‬يهدد هيبة الدولة،‮ ‬بل ويهدد استمرار الدولة نفسها‮.‬

أما من ناحية الشارع الثوري،‮ ‬فقد نظر لأعضاء الألتراس على أنهم خط الدفاع الفعال في صراع الشارع مع قوات الأمن‮. ‬وقد ظهر هذا الدور بداية منذ‮ ‬28 يناير وما جري فيه من مواجهات عنيفة في شارع قصر النيل وداخل ميدان التحرير،‮ ‬وبعدها فيما عرف بموقعة الجمل،‮ ‬ثم ما تبع ذلك من اعتداء على أهالي الشهداء والمصابين أمام جلسات محاكمة مبارك في‮ ‬أكاديمية الشرطة،‮ ‬ثم أحداث السفارة الإسرائيلية،‮ ‬ثم الجولة الاخيرة من المواجهات في ميدان التحرير في نوفمبر الماضي،‮ ‬أو ما عرف بمعركة محمد محمود‮.‬

دور سياسي للألتراس ؟

اتجه البعض للمبالغة في الدور السياسي‮ ‬الذي من الممكن أن تلعبه جماعات الألتراس في‮ ‬مصر،‮ ‬باعتبارهم جماعات ممثلة لسياسات وقوى في الشارع،‮ ‬في مواجهة القوى السياسية التقليدية،‮ ‬وفي مواجهة التيارات الدينية الصاعدة‮. ‬ولكن التعامل مع هذه المسألة‮ ‬يتطلب الحذر،‮ ‬وذلك لعدة عوامل‮.‬

يتعلق العامل الأول بأن الألتراس المصري‮ ‬بمختلف فصائله‮ ‬يصر على الطابع اللاسياسي لحركته،‮ ‬وعلى التزامه الدائم بمواجهة كل من وسائل الإعلام وقوات الأمن في الوقت نفسه‮. ‬وهذه المواجهة لا ترتكن إلى أسباب سياسية أو أيديولوجية بالأساس،‮ ‬ولكن إلى خلفية الصراع بين الألتراس كجماعة ترى في نفسها المدافع الأول عن الرياضة الشعبية،‮ ‬وعن رفض تحولها لصناعة وسلعة‮ ‬يستفيد منها الأندية واللاعبون على حساب جمهور الكرة الحقيقي،‮ ‬في مواجهة وسائل إعلام تعد هي الذراع الأولي لهذه الصناعة،‮ ‬وفي مواجهة قوات أمن ترغب في فرض هيمنة الدولة على قوة ترى في فوضويتها مصدر قوتها وإلهامها الأول‮.‬

ويتعلق العامل الثاني بأن ما‮ ‬يبدو ظاهريا،‮ ‬حتي الآن،‮ ‬أن النظام الذي سقط رأسه عبر‮ ‬18 يوما من التظاهرات والاعتصامات والدعوات إلى العصيان المدني،‮ ‬مع تنامي الصراع بين قوى الشارع والدولة،‮ ‬ممثلة في الثوار بتنوعاتهم والألتراس،‮ ‬يحاول الإبقاء على علاقات وتوازنات القوى التقليدية التي سادت منذ‮ ‬1952? وتجذرت خلال الأعوام الثلاثين الماضية،‮ ‬مع التضحية ببعض رموز هذا النظام،‮ ‬من خلال إخضاعهم لمحاكمات‮ ‬يدور حولها كثير من الشك‮. ‬وبالتزامن مع ذلك،‮ ‬يتأكد‮ ‬يوميا عجز النخبة السياسية التقليدية المعارضة،‮ ‬والقوى السياسية التقليدية،‮ ‬عن إدارة هذا الصراع بين الشارع والدولة،‮ ‬بشكل‮ ‬يضمن إعادة رسم العلاقة بين الشارع والدولة،‮ ‬لصالح الحفاظ على كيان الاثنين،‮ ‬في إطار نمط علاقات التعاون السابق الإشارة إليه‮. ‬

وفي هذا الإطار،‮ ‬يمكن فهم سلوكيات جماعات الألتراس التي تظهر كمخلص للجماهير،‮ ‬في مواجهاتها‮ ‬غير المتكافئة مع قوات الأمن في حالات معينة،‮ ‬وفي حالات أخري تقترب من القوى السياسية التقليدية والتيارات الدينية،‮ ‬التي لا ترغب في معظم الحالات في إعادة رسم العلاقة بين الشارع والدولة،‮ ‬بل تهدف إلى مجرد تهذيب الشكل القديم للعلاقة بينهما‮.‬

ويمكن القول إن جماعات الألتراس،‮ ‬بحكم تكوينها وقناعاتها الفلسفية،‮ ‬يمكنها هدم الأطر القديمة على المستوي الفكري،‮ ‬وتقديم نوع من الحماية للفئات الأضعف في مواجهاتها مع قوات الأمن،‮ ‬ولكنها‮ ‬غير قادرة على تقديم بدائل بناءة لرسم العلاقات الجديدة بين الدولة والشارع‮.‬وبالتالي،‮ ‬قد لا تكون قادرة على التحول إلى قوة سياسية،‮ ‬ولكنها قد تكون مفيدة لقوى سياسية موجودة،‮ ‬أو ستنشأ،‮ ‬تستطيع استيعاب المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشارع،‮ ‬والتعبير عنه بشكل حقيقي‮. ‬فقوة الألتراس بالنسبة لها ستكون مفيدة،‮ ‬لاعتمادها على العدد والتنظيم‮ ‬غير الهيراركي،‮ ‬وهي عناصر مهمة في‮ ‬مواجهة تصلب وتسلط أي نظام سياسي‮.‬

إن قدرة المجتمع والنظام السياسي‮ ‬المصري على تطوير بدائل فعالة لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والشارع والقوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية الموجودة فيه،‮ ‬وأن تكون هذه البدائل قادرة على اجتذاب أعداد من الشباب المتحمس والمتعطش للمشاركة في صنع مستقبله،‮ ‬من الممكن أن تقلل من حالة الزخم والاحتقان المرتبط بالألتراس،‮ ‬دون أن‮ ‬يعني هذا انتهاء كيان الألتراس الذي سيظل،‮ ‬حسبما‮ ‬يذكر أحد الكتاب‮ "‬ويبقي‮ ‬منظر الألتراسي المبتهج الصغير،‮ ‬وهو‮ ‬يشعل شمروخه ويردد أناشيده،‮ ‬أحد مصادر الإلهام في مجتمع‮ ‬يصبح ويمسي على رتابة اللابهجة،‮ ‬وإكسسوارات الأمان في حضن صاحب الجلالة المحترم المألوف‮" .‬

المراجع‮ :‬

‮- ‬محمد جمال بشير،‮  ‬الألتراس‮: ‬عندما تتعدي الجماهير الطبيعة،‮  (‬القاهرة‮: ‬دار دون،‮ ‬2011).
- Alberto Testa, 'Contested meanings: the Italian Media and the Ultras', Review of European Studies, Vol2. Issue No1., June, 2010.
- Alberto Testa, 'The Ultras: An Emerging Social Movement', Review of European Studies, Vol. 1, Issue No. 2, December 2009.
- Assef  Bayat, Life as Politics: How Ordinary People change the Middle East,(Cairo: The American University in Cairo Press, 2009).
- Brian D. Loader, 'Social Movements and New Media', in Sociology Compass, 6/2, 2006.
- Doug McAdam, John D. McCarthy and Mayer N. Zald (eds), Comparative Perspectives on Social Movements: Political Opportunities, Mobilizing Structures, and Cultural Framings,(Cambridge: Cambridge University Press, 8th edition, 2006).
- Richard Kahn and Douglas Kellner, 'New Media and Internet activism: From the Battle of Seattle to Blogging', New Media and Society,(SAGE publication), Vol6., Issue No1., Feb. .2004.
-  إبراهيم البيومي‮ ‬غانم‮ ‬،‮ "‬الحركات الاجتماعية‮.. ‬تحولات البنية وانفتاح المجال‮"‬،‮ ‬إسلام أون لاين‮:‬
http://www.islamonline.net/arabic/mafaheem/05/2004/article.01shtml
- محمود عبده علي،‮ "‬الألتراس‮ .. ‬التوجهات السياسية لجمهور كرة القدم في مصر‮"‬،‮ ‬موقع السياسة الدولية‮:‬
http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/      

(*) نشر في ملحق اتجاهات نظرية ، مجلة السياسة الدولية ، العدد 187 ، يناير 2012 ، ص ص 21-25

شارك
اكتب تعليقك


الاسم
 
البريد الإلكتروني
  
التعليق