الرئيسية > من المجلة> تقارير> حسابات الدول الوليدة :

حسابات الدول الوليدة :
العلاقات الخارجية لـ "جنوب السودان"

أسفر الاستفتاء الذي أجري في التاسع من يناير الماضي عن انفصال جنوب السودان، تحت مسمي "دولة جنوب السودان"، لتصبح بحلول التاسع من يوليو الجاري الدولة رقم 54 في إفريقيا، ورقم 193 في العالم(1).

ومنذ الإعلان عن نتيجة الاستفتاء، فرضت الدولة الوليدة نفسها علي الساحة السياسية الإقليمية والدولية، لما أحدثته من تحولات جذرية في الخارطة الجيوبوليتكية للمنطقة.

وبدخول دولة جنوب السودان للمجتمع الدولي، تطرح جملة من التساؤلات، لعل أهمها: ما هي أهم مرتكزات السياسة الخارجية لدولة جنوب السودان؟، وما هي التوجهات الخارجية للدولة الجديدة؟، وما هو مستقبل علاقات دولة  جنوب السودان مع القوي الإقليمية والدولية، في ظل هذه التوجهات? وتحاول تلك السطور تقديم استقراء موضوعي للتوقعات المحتملة لتوجهات السياسة الخارجية للدولة الوليدة، من خلال الوقوف علي الحيثيات والمعطيات  والوقائع الراهنة، وذلك في محاولة لاستشراف مستقبل علاقات جنوب السودان مع القوي الإقليمية والدولية الرئيسية المؤثرة في الساحة الإفريقية.

أولا- مرتكزات السياسة الخارجية للدولة الجديدة :

السياسة الخارجية هي مجموعة الأهداف السياسية التي تحدد كيفية تواصل تلك الدولة مع الدول الأخري في المجتمع الدولي. وبشكل عام، تهدف الدول عبر سياساتها الخارجية إلي حماية وخدمة مصالحها الوطنية، وأمنها الداخلي،  وأهدافها الفكرية الأيديولوجية، وازدهارها الاقتصادي. وقد تحقق الدولة هذه الأهداف عبر التعاون السلمي مع الدول الأخري، أو عبر إعلان الحرب والعدوان عليها. ويتحكم في السياسة الخارجية للدولة مبدآن مهمان، أولهما:  خدمة السياسة الخارجية المصالح المشتركة بين الدول. وثانيهما: تأثر السياسة الخارجية التي تتبعها الدولة بالأوضاع الداخلية وتوجهات النخبة الحاكمة(2).

وتفرض الظروف الحالية، في فترة ما بعد الانفصال، أن تحتل السياسة الخارجية موقعا مركزيا بالنسبة للسياسة العامة لدولة جنوب السودان(3). وتتمثل العقيدة السياسية للدولة الناشئة في أنها دولة تسعي إلي أن تكون ذات تأثير  في القارة الإفريقية، وتؤسس علاقاتها مع كل دول العالم علي المصالح المشتركة، في ظل الاعتقاد بأنه لا يوجد عدو دائم ولا صديق دائم.

ثانيا- مستقبل علاقات جنوب السودان الإقليمية :

من شأن قيام دولة جنوب السودان أن يؤثر في دول الجوار المباشر وغير المباشر لها، كما سوف تتأثر الدولة الجديدة بمحيطيها الإقليمي والدولي. ولفهم أهم توجهات السياسية الخارجية لدولة جنوب السودان، ينبغي الإشارة إلي أن  تلك التوجهات سوف تكون مرآة تعكس هشاشة الوضع الاقتصادي الداخلي(4)، والانغلاق الجغرافي للدولة، وطبيعة النظام السياسي اضطرابا واستقرارا، وحجم ومستوي المصالح والمنافع المتبادلة بين الدول، إضافة إلي الضغوط  التي قد تمارسها القوي الدولية الكبري علي الدولة الناشئة.

1- جنوب السودان والجوار الإفريقي المباشر :

يمتلك جنوب السودان حدودا مع ست دول إفريقية، متمثلة في كل من أوغندا وكينيا وإثيوبيا وشمال السودان، إلي جانب إفريقيا الوسطي والكونغو. وفي حين يمثل السودان الشمالي العدو التاريخي للدولة الوليدة، تعد دولتا إفريقيا  الوسطي والكونغو هما أقل دول الجوار ارتباطا بها (تأثيرا وتأثرا)(5)، بسبب ضعفهما الاقتصادي، ووجود العديد من المشكلات الداخلية بهما، بينما تمثل أوغندا وكينيا وإثيوبيا الحلفاء الطبيعيين لدولة جنوب السودان، خاصة مع  وجود الروابط التاريخية والسياسية والاقتصادية والعرقية والدينية.

وتشير التقديرات إلي أنه فور إعلان الاستقلال الرسمي للدولة، ستتجه علاقات دولة جنوب السودان نحو كل من مجموعة شرق إفريقيا ومجموعة الجنوب الإفريقي، وذلك علي حساب توجهها نحو السودان الشمالي ومصر والمنطقة  العربية(6).

1- أوغندا :

تعد أوغندا من أبرز اللاعبين في جنوب السودان، حيث ترتبط بعلاقات متميزة مع قادة الجنوب الذين احتضنتهم خلال حربهم مع الحكومة السودانية في أوائل الستينيات من القرن الماضي، حيث كانت كمبالا أحد المعاقل السياسية  لانطلاقة ودعم الحركة الجنوبية، حتي إنها أصبحت في فترات متفاوتة أحد المقار السياسية للحركة.ومن جهة أخري، مثلت جامعة "مكرري" مركزا تعليميا مهما للجنوبيين السودانيين(7).

وقد جعلت العلاقات الوطيدة بين زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان السابق، جون جارنج، والرئيس موسفيني التعاون بين الحركة وكمبالا يأخذ أبعادا استراتيجية، لدرجة أن كمبالا كانت بمثابة الممثل الدبلوماسي للجنوب في  المحافل الدولية للترويج لضرورة تأمين دعم دولي لخيار الانفصال.

ومنذ توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان في 2005، كانت هناك تحركات أوغندية للسيطرة علي الجنوب سياسيا وعسكريا واقتصاديا(8). ويعزو عدد من الخبراء الدعم الأوغندي للجنوب إلي وجود  مطامع نفطية لكمبالا في جنوب السودان، كما يعد سوق جنوب السودان أهم مركز لتصدير البضائع الأوغندية، حيث بلغت الصادرات الأوغندية إلي جنوب السودان 60% من جملة الصادرات الأوغندية للخارج، إلي جانب إدراك  كمبالا أن الدولة الجديدة  ستمثل منطقة عازلة بينها وبين شمال السودان، مما سيخلصها من هاجس دعم الحكومة السودانية لمتمردي جيش الرب، كرد علي الدعم الأوغندي التاريخي للحركة الشعبية لتحرير السودان.

علي الجانب الآخر، تعد أوغندا من أهم دول الجوار لدولة جنوب السودان، وأكثرها اتصالا بها، نظرا للقرب الجغرافي وللعلاقات التاريخية والثقافية والاجتماعية بين الدولتين. فحكومة الجنوب تعد أوغندا شريكا لها في الانفصال،  لدرجة وصف وزير شئون الرئاسة في حكومة جنوب السودان، لوكا بيونق، مستقبل علاقات الجنوب مع أوغندا بالمصيرية والأزلية.

2- كينيا :

لعبت نيروبي دورا كبيرا في دعم الحركة الشعبية سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا. فمنذ طرد قادة الحركة من الأراضي الإثيوبية عام 1991، عقب سقوط نظام الرئيس السابق منجستو، وجدت الحركة في نيروبي ملاذا آمنا للإقامة،  لتتحول كينيا إلي أبرز الدول المساهمة في تقديم المساعدات العسكرية إلي الجنوب.

ويلاحظ أن كينيا ناشطة بكل كياناتها في جنوب السودان، حيث تري كينيا في جنوب السودان فرصة ذهبية لتوسيع تجارتها باتجاه وسط وغرب إفريقيا. ومن ناحية أخري، تسيطر كينيا علي التحويلات والتعاملات البنكية  والمصرفية في جنوب السودان، من خلال البنك التجاري الكيني منذ عام 6002. ويري مراقبون أن النشاط الكيني في جنوب السودان ربما لا يكون كينيا خالصا، بل تكمن في طياته ومضامينه لتدخلات وأنشطة القوي الدولية ذات  المصالح، وأبرزها إسرائيل(9).

ومن المتوقع أن تحرص جوبا، بعد الاستقلال، علي المحافظة علي علاقاتها مع نيروبي وتنميتها، وذلك  تقديرا من الحركة الشعبية للدور الذي لعبته نيروبي  لاستقلال دولة جنوب السودان من جهة، وإدراكا منها لأهمية نيروبي  الاستراتيجية في شرق إفريقيا من جهة أخري، مما سيمكنها من ضبط توازن علاقات دولة جنوب السودان الإقليمية ومتابعة التطورات الجارية فيها، فضلا عن سعي دولة جنوب السودان لأن تتخذ من كينيا ممرا بديلا لنقل النفط  الخام لتقليل اعتمادها علي السودان الشمالي، وقد سعت بالفعل إلي إنشاء خطوط لتصدير النفط إلي ميناء لامو بكينيا علي المحيط الهندي، عوضا عن بورسودان في الشمال.

3- إثيوبيا :

تربط إثيوبيا بالجنوب علاقة متميزة، نتيجة السنوات الطوال التي أمضاها قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في أديس أبابا، والتي اتخذوها منطلقا لتمردهم علي الحكومة المركزية في الشمال. وعلي الرغم من الموقف الإثيوبي  الرافض لفكرة انفصال الجنوب والمؤيد لوحدة السودان، نظرا لتخوف الدولة الإثيوبية من تكرار للسيناريو السوداني علي أراضيها، فلعل الإيجابية الوحيدة في تحقيق الانفصال، من وجهة نظر إثيوبيا، هي توقعاتها بأن قيام دولة  جنوب السودان الغنية بالمياه سيعزز من موقفها في مواجهة السودان ومصر بشأن مياه النيل، ولاسيما أن دولة الجنوب لن تتردد في دعم إثيوبيا، التي كثيرا ما أدت دورا رئيسيا في تأمين تسليح حكومة الجنوب، وتدريب الجيش  الشعبي علي مر العقود الثلاثة الماضية(10)، وفي ضوء سعي جوبا المستمر لمد أواصر التعاون الاستراتيجي مع أديس أبابا، إدراكا منها لأهمية إثيوبيا كلاعب مهم في منطقة القرن الإفريقي.

4- شمال السودان :

تمثل الحدود الشمالية لدولة جنوب السودان الحدود الأطول لها، إذ تمتد علي مسافة نحو2010 كيلومترات، لتصبح بذلك أطول حدود في القارة الإفريقية. وقد حددت اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 هذه الحدود بالاعتماد علي حدود  عام 1956، بيد أنها لم تستطع أن تحسم كل الخلافات القائمة في مجال ترسيم الحدود بين الجانبين، بل فقد أوجدت نقاط توتر ساخنة في مناطق التماس.

وبصفة عامة، فمستقبل العلاقات بين السودان الجنوبي والشمالي سيكون مرهونا بنتائج المفاوضات بين الدولتين حول القضايا الجوهرية العالقة وترتيبات ما بعد الاستفتاء(11)، حيث يعد كل من ملف مستقبل منطقة أبيي (المنطقة  الحدودية الغنية بالنفط والغاز الطبيعي والمعادن والمياه)، وملف ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب هما الأكثر خطورة فيما يتعلق باستقرار العلاقات بين دولة شمال السودان ودولة جنوب السودان الوليدة.

وعلي الرغم من العديد من التصريحات الإيجابية لجوبا التي تؤكد دوما أن جمهورية جنوب السودان تضع العلاقات مع دولة شمال السودان ضمن أولويات علاقاتها الخارجية، فإن العديد من المراقبين يبدون عدم تفاؤلهم بمستقبل  علاقات دولتي الجنوب والشمال السوداني.

ولعل خير دليل علي ذلك هو تصاعد التوتر أخيرا بين شمال السودان وجنوبه حول منطقة أبيي، إثر نصب قوات الجنوب كمينا لقوات الشمال انتهت بسيطرة القوات المسلحة الشمالية علي منطقة أبيي وإعلانها "منطقة حرب". حيث  جاء هذا العدوان ليؤكد نيات الحركة الشعبية تصعيد القتال كمحاولة لفرض الأمر الواقع علي المنطقة، مع اقتراب إعلان دولة الجنوب، وأيضا للضغط علي الخرطوم أو، علي الأقل، زيادة الضغوط الدولية عليها، للتأثير في مسار  المفاوضات.

وفي ضوء التطورات الأخيرة، يتوقع المحللون ازدياد حدة التوتر السياسي بين جنوب وشمال السودان في فترة ما بعد الاستقلال، وذلك لوجود العديد من العوامل الداخلية والخارجية التي ستعمل علي إفساد العلاقات المستقبلية بين  الدولتين، والتي تتمثل في:

- وجود العقيدة القتالية لجيش جنوب السودان، والتي ستوجه ضد الشمال باعتباره العدو التاريخي والاستراتيجي لدولة الجنوب الوليدة.

- تغير نمط القيادة السياسية في الجنوب بانتقال سلفاكير من مقام رئيس حركة تمرد ورئيس حكومة إلي قائد للتحرير، فمن المتوقع أن يكون أقل مرونة، وأقل تفهما لحل الإشكالات العالقة مع الشمال.

- احتمالية لجوء الدولة الجديدة، مع ظهور بؤر تمرد وعصيان علي حكم الحركة الشعبية، عقب الاستقلال، بدوافع قبلية واقتصادية، إلي حيلة توحيد الجبهة الداخلية، علي مزاعم وجود تهديد وعدوان خارجي، يهدد بقاء دولة  الجنوب، قادم من الشمال.

- توقع اتساع رقعة الاحتكاكات الحدودية بين القبائل الرعوية، وهو الأمر الذي سيؤدي إلي ارتفاع نسبة التوتر السياسي والعسكري.

- تحول الجنوب، بفعل الوجود الأجنبي والتدفقات الدولية، إلي قاعدة للنفوذ الأجنبي المعادي للسودان الشمالي(12).

ثانيا- جنوب السودان والجوار غير المباشر :

تتجاوز الأهمية الاستراتيجية لدولة جنوب السودان الدول الحدودية لتصل إلي دول الجوار غير المباشر، خاصة مصر وإسرائيل، حيث يمثل مستقبل العلاقات مع الدولة الجديدة قضية في غاية الحيوية لهما، وذلك لاعتبارات عدة  يمكن إيجازها علي النحو التالي:

1- إسرائيل :

إن العلاقة بين الانفصاليين في جنوب السودان وإسرائيل لم تكن سرية أبدا منذ عهد جون جارنج الذي اتسم بعلاقة مباشرة مع الكيان الصهيوني، وحصل علي تمويل وتسليح لحركته إبان معارك الاقتتال عام 0991. ويذكر أنه كانت  لإسرائيل أذرع خفية في الجنوب من أجل الانفصال، وإن كانت غير حاضرة في المشهد بشكل رسمي، إلا أنها متوغلة في معظم الهيئات الدولية والإغاثية المنتشرة في جنوب السودان، إلي جانب سيطرتها علي فنادق ومطاعم  الجنوب تحت ستار الشركات الكينية والأوغندية والإثيوبية المالكة لهذه المشروعات(13).

وتشير الدلائل إلي أن دولة جنوب السودان سوف توثق علاقتها بإسرائيل فور إعلان الاستقلال، حيث يجمع بين الدولتين العديد من المصالح المشتركة، خاصة في ظل رغبة جوبا في الاستفادة من خبرات إسرائيل في مجالات  الزراعة والبحث العلمي والتقني(14)، وقيام إسرائيل بتدريب مقاتلين من الحركة الشعبية، وبتمويل صفقات تسليح جيش دولة جنوب السودان، وبالإسهام في بناء بنيته التحتية، إلي جانب قيامها بترتيب تمويل إقامة مقار لسفارات  الدولة الجديدة في مختلف أنحاء العالم(15).

وفي المقابل، تمثل دولة جنوب السودان خيارا استراتيجيا لإسرائيل، حيث ستساعد جنوب السودان إسرائيل كثيرا في حل مشكلة نقص الطاقة الذي تعانيه، فضلا عن رغبة تل أبيب في الحصول علي مياه النيل والسيطرة عليها،  بحيث تصبح علاقات إسرائيل بالدولة الجديدة ورقة ضغط تستخدمها إسرائيل ضد مصر(16).

2- مصر :

قامت مصر بتطوير سياستها التعاونية، وببناء علاقات استراتيجية مع دولة جنوب السودان، لما تمثله الدولة الوليدة من عمق استراتيجي لها، خاصة فيما يتعلق بقضايا المياه التي تمثل جزءا جوهريا وحيويا من مصالح أمنها  القومي. حيث تعتزم مصر تقديم مساعدتها للدولة الجديدة في مجالات تنمية وإدارة الموارد المائية، والكهرباء، والصناعة، والنفط، والغاز الطبيعي، والنقل، والزراعة، والثروة الحيوانية والسمكية، فضلا عن رعايتها للقطاعين  التعليمي والطبي في جوبا(17).

وفي حقيقة الأمر، لن نستطيع التكهن، منذ الآن، باتجاه السياسة المائية لدولة جنوب السودان المقبلة تجاه مياه النيل، وبالتالي تجاه مصر. فعلي الرغم من التطمينات المستمرة التي ترسلها دولة جنوب السودان إلي مصر، مؤكدة  دوما عدم المساس بحصة مصر من مياه النيل، عارضة الوساطة لدي إثيوبيا لحل الخلاف حول إعادة تقسيم مياه النيل وإقامة سد الألفية، فإنه من المؤكد أن هذه السياسة المائية المستقبلية للدولة الوليدة ستخضع لحسابات المكسب  والخسارة في دولة الجنوب(18)، كما ستتعرض لبعض الضغوط الإقليمية والدولية، خاصة مع وجود تنسيق واضح بين الجنوب وإسرائيل.

فالعلاقات القوية والقديمة بين إسرائيل ودولة الجنوب قد تفسد العلاقة بينها وبين مصر، مثلما حدث بين مصر ودول الحوض التي بها وجود إسرائيلي قوي، مثل أوغندا وكينيا وإثيوبيا(19). حيث يري المراقبون أن إسرائيل ستسعي  إلي إقامة السدود علي نهر النيل في جنوب السودان(20)، كما ستحاول إقناع الجنوب بفكرة بيع مياه النيل(21)، وهي القضايا التي تشكل خطرا علي أمن مصر القومي، ومن ثم من شأنها أن تؤثر بشكل كبير في مستقبل العلاقات  بين الدولتين.

ثالثا- العلاقات مع القوي الدولية :

تهتم العديد من القوي الدولية بدولة جنوب السودان، حيث ستحرص في فترة ما بعد الاستقلال علي بناء شبكة من المصالح الحيوية مع الدولة الجديدة لضمان وجود عمق استراتيجي لها في القارة الإفريقية.

1- الولايات المتحدة الأمريكية :

للولايات المتحدة الأمريكية عدة مصالح من قيام دولة الجنوب، منها، علي سبيل المثال، رفع الدولة الجديدة شعار الدولة العلمانية في مواجهة السودان الشمالي الذي يرفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية، وعزم الإدارة الأمريكية  بناء قاعدة عسكرية لها في دولة جنوب السودان، هذا فضلا عن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة التوغل الصيني في إفريقيا.

وبجانب الموقف الرسمي الأمريكي، تؤثر قوي عديدة في عملية صنع القرار الأمريكي بخصوص جنوب السودان بما يحقق مصالحها، أبرزها شركات الطاقة والتعدين التي ترمي إلي الاستفادة من الثروات التي يحويها الجنوب من  اليورانيوم والنحاس و النفط(23).

وفي الوقت نفسه، تحرص جوبا علي قيام علاقات صداقة تعاونية مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن الولايات المتحدة هي أكبر الدول التي تقدم مساعدات مالية لجنوب السودان، حيث يقدر الدعم القادم من واشنطن لجوبا  سنويا بمليار دولار(24).

2- الاتحاد الأوروبي :

ترغب جوبا في فترة ما بعد الاستقلال في تأسيس علاقة متينة مع الاتحاد الأوروبي، الذي يدعم إقامة الدولة الجديدة واستمرارها، حيث خصص الاتحاد 200 مليون يورو لتطوير وتنمية دولة جنوب السودان بهدف مساعدتها علي  مواجهة التحديات التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها(25).

وعلي المستوي الثنائي، تعزز ألمانيا من وجودها في دولة جنوب السودان في فترة ما بعد الاستقلال، حيث تبرعت بأكثر من مليوني يورو للمساعدات الإنسانية الطارئة في السودان(26)، كما تعاونت مع دولة جنوب السودان في  مجال المياه بتبني" برنامج المياه الألماني"، والذي تشارك فرنسا أيضا في تمويله بمبلغ تصل قيمته إلي 6 ملايين يورو(27).

3- روسيا :

أعلنت دولة جنوب السودان ترحيبها بعودة روسيا كلاعب ناشط إلي القارة الإفريقية، ومن المتوقع أن تشهد فترة ما بعد الاستقلال تعاونا فعالا بين جوبا وموسكو بإيجاد شراكات وفتح أفق التعاون السياسي والاقتصادي بين  الدولتين، والذي يتمثل في دخول الاستثمارات الروسية إلي الجنوب في مجالات التنقيب عن النفط واستخراجه، والطاقة الكهربائية، والبنية التحتية، وتأهيل الكوادر. كما قامت جنوب السودان بشراء عشر طائرات هليكوبتر روسية  من طراز إم آي 17 أنتجتها مصانع كازان الروسية(28).

4- الصين :

توجد الصين في السودان منذ مطلع عام 1993 بهدف تأمين احتياجاتها من النفط لضمان استمرارية عملية التنمية الدائرة فيها. وتجدر الإشارة إلي أن مجمل صادرات السودان من النفط إلي الصين يبلغ نحو 7% من الاستهلاك  الكلي للصين. وبعد الاستقلال الرسمي لجنوب السودان، سيستأثر الجنوب بأكثر من 4% من تلك النسبة إلي الصين، والتي تمثل 80% من الصادرات النفطية للسودان إلي الخارج(29). لذا، فقد شرعت الصين في إيجاد مجموعة  من المصالح المشتركة مع دولة جنوب السودان، حيث أسهمت في بعثة الأمم المتحدة في منطقة "واو"، وتعد لفتح قنصلية لبكين في جوبا، فضلا عن تمويل الصين مشروعات لتكرير ونقل النفط الجنوبي(30).

وعلي الرغم من تعهد دولة جنوب السودان للصين برعاية مصالحها في الجنوب، فإنه يعتقد أن العلاقات بين جوبا وبكين ستشهد تراجعا في فترة ما بعد الاستقلال بسبب ممارسة الولايات المتحدة ضغوطا علي الجنوب من أجل  تخفيف الوجود والاستثمارات الصينية في قطاع النفط لصالح الشركات الأمريكية.

خاتمة :

يتضح من العرض السابق أن دول الجوار، المباشر وغير المباشر، والسودان ذاته، شماله وجنوبه، ستتأثر بدرجات متفاوتة بانفصال الجنوب. ففيها الخاسر والرابح، إلا أن الخاسر الأكبر هو شمال السودان(31). فجميع المؤشرات  تنبه إلي أنه مقبل علي صعوبات جمة قد تفرز سيناريوهات تتراوح بين الفوضي والحرب مع الدولة الجديدة في الجنوب، هذا إن لم تعدل حكومتا السودان، الشمالي والجنوبي، من سياستيهما لمواجهة هذا الوضع الجديد.

وعليه، يري بعض الخبراء أنه يلزم لتفادي اندلاع الحرب مجددا بين الشمال والجنوب، أو بين داخل الجنوب نفسه، حشد جهود المجتمع الدولي للعمل علي محورين:

الأول: بناء قدرات الدولة الجديدة، وبناء جيش نظامي لها، وتسريع عجلة التنمية فيها، وتقديم الخدمات الضرورية لمواطنيها، فضلا عن بسط الأمن، والعمل علي عدم إثارة الصراعات القبلية.

الثاني: تنمية وتطوير الشمال عن طريق تقديم الاستشارات الفنية، أسوة بالجنوب، لأن الشمال الضعيف يعد مهددا قويا لاستقرار الجنوب، وبالتالي فإن تقوية وتنمية الدولة الأم لهما الضمانة الوحيدة لبقاء واستقرار الدولة  الوليدة(32).

الهوامش :

1- أعمال  ندوة "مستقبل علاقات الجنوب بالدول المجاورة وأثرها علي الشمال"، المركز العالمي للدراسات الإفريقية، 24 مايو2011: http://www.icas.sd/det.php?nshat_id=194

2- "علاقات السودان الخارجية في ضوء الظروف المحلية والإقليمية والدولية"، الراصد للبحوث والعلوم: www.arrasid.com

3- د. عبد الرحمن أبو خريس، "السياسة الخارجية السودانية .. بعض ملامح الاستمرارية والاستقلالية" www.alhadag.com/articles.1php?id=4196

4- للاطلاع علي المزيد من التحديات الداخلية لدولة جنوب السودان، انظر:

أ.د. إجلال رأفت، "انعكاس قيام دولة الجنوب علي الوضع في السودان علي دول الجوار"، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، 10 فبراير 2011:

www.dohainstitute.org/Home/Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0 d92cbb5dd 3e4&resourc  eId=9 e 5689a7-dde3-44cb-90f1-135639bc209c

5- د. صياح عزام، "جنوب السودان .. ومعضلة العلاقة مع جواره"، 24 يناير 2011:

http://thawra.alwehda.gov.sy/_print_veiw.asp?FileName=45927734120110123214501

6- نبيل صالح،" بعد الانفصال .. السودان وتحديات الجوار"، 14 فبراير 2011:

http://southsudan.maktoobblog.com/1659/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84% D8%A5  %D9%86%D9%81%D8%B5%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9 %84%D8% B3%D9% 88% D8%A F% D8%A7%D9%86-%D9%88% D8%AA %D8%A D%D8%AF%D9% 8A%D8% A7%D8%AA-%D8% A7% D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%B1/

7- أحمد سبيع، "خريطة المستفيدين من انفصال جنوب السودان"، 26 أكتوبر 2010: www.ikhwanonline.com/new/Article.aspx?ArtID=72765&SecID=114

8- المرجع  السابق.

9- المرجع السابق.

10- د. صياح عزام، "جنوب السودان .. ومعضلة العلاقة مع جواره"، 24 يناير 2011:

http://thawra.alwehda.gov.sy/_print_veiw.asp?File  Name=45927734120110123214501

11- "مصر وجنوب السودان .. ماء النيل عصب العلاقات"، صحيفة الرائد، 29 مارس 1102.

12- خالد موسي دفع الله، "ما بعد الاستفتاء: السياسة الخارجية للسودان .. تحديات وخيارات"، 16 يوليو 2010:

www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=16976:----  ----1-2------&cati  d=268:2009-09-15-09-01-53&Itemid=55 

13- أحمد سبيع، مرجع سابق.

14- عبد الغني بريش اللايمي، "من مصلحة دولة جنوب السودان إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل"، 10 يوليو 2010:

www.sudaneseonline.com/  ar4/publish/article_.2104shtml  

15- أيمن بريك، "جنوب السودان .. والمخططات الصهيوأمريكية"، 2 مايو 2011: http://islamtoday.net/albasheer/artshow-12-.150396htm

16- سامح عباس، "دولة جنوب السودان .. ورقة إسرائيل الجديدة ضد العرب "، 2 يناير 2011: www.islamway.com/?article_id=6867&iw_a=view&iw_s=Article

17- مصر وجنوب السودان .. ، مرجع سابق.

18- أ.د. إجلال رأفت، مرجع سابق.

19- أحمد سبيع، مرجع سابق.

20- ايمن بريك، مرجع سابق.

21- "الكشف عن خطة إسرائيلية لتوصيل مياه النيل إلي الدولة العبرية، شبكة محيط ، 10 يونيو 2010 . http://moheet./show_news.aspx?nid=383686&pg=1

22 - أحمد سبيع، مرجع سابق.

23- المرجع السابق.

24- تقرير واشنطن، "ملف علاقات أمريكا وجنوب السودان: 150 يوما وينفصل الجنوب"، العدد 256، 10 أغسطس 2010: www.taqrir.org/showarticle.cfm?id=1562

25- "الاتحاد الأوروبي يخصص 200 مليون يورو لتطوير جنوب السودان"، بوابة الأهرام، 23 مايو 1102.

26- "ألمانيا تعزز علاقاتها الدبلوماسية مع جنوب السودان"، جريدة الأخبار السودانية، 29 يناير 1102.

27- وزارة الخارجية الألمانية، المركز الألماني للإعلام:

www.almania.diplo.de/__Zentrale_20Komponenten/Ganze__Seiten/ar/____DZ-Kairo-Themen-Direktlinks  /05__04__2011__Dt__Hilfe__Suedsudan__seite.html?site=368923
   

28- "الجيش الشعبي يدشن تسع طائرات مقاتلة"، 26 يناير 2011، شبكة الشروق،   

www.ashorooq.net/index.php?option= com_content&voew=article&id=13230&Itemid=24

29- خالد موسي، مرجع سابق.

30- قراءة في تقارير غربية: المقاربات الدولية لمستقبل السودان: 2011 وما بعد"، مركز الجزيرة للدراسات، 2 مارس 2010:

www.aljazeera.net/NR/exeres/52BEE773-CE15-4DB7-9EA7-500216E7C.672htm      

31- أ.د. إجلال رأفت، مرجع سابق.

32- خالد موسي دفع الله، مرجع سابق.

شارك
اكتب تعليقك


الاسم
 
البريد الإلكتروني
  
التعليق