مقالات رأى

داعش سيناء..المراحل والفكر

طباعة
 كل يوم يمر يسمع المصريون أخبارا سيئة عن قتل دواعش سيناء لجندى أو ضابط مصرى فى الجيش أو الشرطة أو قتلهم لزعيم قبيلة سيناوية أو طردهم للمسيحيين أو زرعهم للمتفجرات دون أن يعلم الكثير من المصريين عن هذا التنظيم شيئا وقد مر هذا التنظيم بمراحل متعددة وأنا اليوم أناقش فكره فى المراحل المختلفة وهو من التنظيمات الغربية التى تغير اسمها وقيادتها وولائها عبر عدة مراحل هى كالآتى:
 
 المرحلة الأولى: هى المرحلة التى سمى فيها نفسه باسم «التوحيد والجهاد» وبدأ تكوينه عام 2003 ودافعه الأول الرد على اجتياح الجيش الإسرائيلى لخان يونس، والمجازر التى تمت فيها وكان هدف التنظيم وقتها ضرب السياح الإسرائيليين فى سيناء، وأسس التنظيم طبيب أسنان اسمه خالد مساعد، وقام التنظيم بعد تكوينه بثلاثة تفجيرات فى سيناء هى: نويبع وطابا ودهب، وبعدها قبض على 500 من أتباع التنظيم ولم يقبض على قادته، ثم قاموا بتفجير شرم الشيخ وهو الأعنف فى تاريخ مصر، وقد جيشت الداخلية المصرية كل إمكانياتها للقضاء على التنظيم ونجحت فى اصطياد كل قادة التنظيم ثم بدأت عملية فكرية عميقة لمعالجة فكر المعتقلين الذين ينتمون إلى ضفاف التنظيم وتم إخراجهم فى عهد مبارك، وتركت الذين أخذوا أحكام مشددة أو إعدامات فى السجون، وكان هذا خطأ كبيرا إذ إنهم تعمقوا فى فكر التكفير على يد بعض أساتذته فى سجن أبى زعبل.
 
 والمرحلة الثانية: هى مرحلة «مبايعة القاعدة والولاء المطلق لها» والتى أعقبت ثورة 25 يناير حيث هرب كل قادة التنظيم ومعهم تكفيريون آخرون من السجون وذهبوا إلى منطقة رفح والشيخ زويد حيث أقاموا ثلاثة معسكرات مستغلين حالة الفراغ الأمنى الكاملة فى سيناء، وفيها تجمعت كل الفصائل السيناوية وانتظمت فى عقد واحد وأسمت نفسها «أنصار بيت المقدس» وقد بايع التنظيم د.أيمن الظواهرى وانضم إليه المئات، وجلبوا كل الأسلحة المتطورة منها أسلحة مضادة للطائرات والمدرعات وألغام مضادة للمجنزرات.
 
 أما المرحلة الثالثة: حيث تركت القاعدة وخلعت بيعتها لأيمن الظواهرى وأعلنت ولاءها الكامل لداعش وبايعت البغدادى وأسمت نفسها «داعش ولاية سيناء».
 
 وفى كل هذه المراحل المتباينة كان فكرها الأساسى هو «فكر التكفير والتفجير» ولكن المرحلة الأولى «التوحيد والجهاد«كانت ِأقلها فى التكفير والتفجير،أما الثانية فتزيد عنها تكفيرا وتفجيرا،أما الثالثة فهى الأخطر والأفظع تكفيرا والأشرس تفجيرا.
 
 وفى كل مراحل التنظيم كان فكر التكفير هو القاسم المشترك والعمود الأساسى لفكر التنظيم، وكان التنظيم فى كل مراحله الثلاثة يكفر كل الحكام المصريين بدء من مبارك الذى شهد عهده نشأة التنظيم ومرورا بطنطاوى ومرسى والسيسى، وهم يعتبرون أن هؤلاء الحكام جميعا فضلا عن كل الحكام العرب كفارا لأنهم لا يطبقون الشريعة ولا يحكمون بما أنزل الله بحسب فكرهم لأن تصورهم عن الشريعة قاصر جدا ولا يجاوز موضع نعالهم، ويصدق فيهم بحق قول الشيخ محمد الغزالى: «هناك أقوام يقرأون الإسلام من نعله، والإسلام يقرأ من رأسه»، وأعتقد أن تنظيم القاعدة وداعش هم أعظم من يصدق عليهم هذا الأمر.
 
 كما أن التنظيم فى مراحله الثلاث يكفر كل أجهزة الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى ويعتبرها من أعوان الطاغوت، ولكنه فى مرحلته الأولى لم يكن يصطدم فكريا ولا واقعيا بالجيش المصرى وكان كل عدائه مع الشرطة المصرية.
 
 ولكن مرحلته الثانية التى انتمى فيها لفكر القاعدة بدأ يكفر الجيش المصرى، ثم بدأ بعد ذلك فى استهدافه وذلك بعد مقتل بعض أفراده فى حصار وزارة الدفاع فى العباسية والذى كان يشارك فيه مجموعات تكفيرية كثيرة تنضوى تحت لواء «حازمون».
 
 وبدأ هذا الصدام فى عهد د.مرسى بأسوأ مذبحة وهى التى أطلق عليها «مذبحة رفح الأولى»، ثم بدأ أكثر شراسة فى التكفير والتفجير بعد 30 يونيه وخلع د.مرسى واستهداف الجيش لهذه المجموعات وتصديه لها، ثم زادت حدة تكفير التنظيم للجيش المصرى وكل الجيوش العربية بعد المواجهة المفتوحة التى تمت بينهما بعد انضوائه لداعش من جهة واستهدافه المستمر لوحدات الجيش المصرى.
 
 والتنظيم فى كل مرحله يكفر البرلمان لأنه يشرع من دون الله من وجهة نظره دون أن يدرك أن الله قد أباح للبشر التشريع فى خمسة أمور:
 
 التشريع فيما لا نص فيه وهى مساحة العفو التشريعى كما يطلق عليهما بعض العلماء، وهى أوسع المساحات لأن آيات القرآن فى الأحكام لا تزيد على 80 آية فقط.
 
 التشريع فى كل المباح وهى أكبر مساحة فى الكون.
 
 التشريع بالقياس، فلولا القياس وهو عمل العلماء والمشرعين ما استطاع أحد أن يحرم الحشيش والأفيون والهيروين لأنها ليست مذكورة بنصوصها فى النصوص الشرعية من القرآن أو السنة.
 
 التشريع بالمصلحة المرسلة، وهى المصالح التى تفيد البلاد والعباد وليس عليها نص يوجبها أو يمنعها مثل قوانين الإسكان وقوانين تنظيم الجامعات وقوانين إدارة العمل فى الحكم المحلى ونحوه، والأمثلة عليها لا تحصى.
 
 تقنين الشريعة فى صورة قوانين ملزمة أمام القاضى حتى لا يشق عليه الأمر فى الاجتهاد فى كل مسألة كما كان يحدث من قبل.
 
 التشريع بالاختيارات الفقيهة، فمن حق المشرع البشرى أن يختار من بين الآراء الفقهية المتعددة ما يناسب البلاد والناس والأعراف مثل اختيار المشرع المصرى أن الحلف بالطلاق هو يمين وليس طلاقا، وأن الطلاق بالثلاثة يقع واحدا، واختياراته فى الخلع ونحوها مما يناسب الأسرة المصرية ويصلحها.
 
 أما التنظيم وغيره من التنظيمات التكفيرية فتظن أن البشر لا حق لهم فى التشريع مطلقا.. والحقيقة أن الله هو الذى أعطى للبشر حق التشريع بضابط واحد هو ألا يحل هذا التشريع حراما ولا يحرم حلالا ولا يصطدم بثوابت الإسلام.
 
 وحق البشر فى التشريع هو الذى يعطى الإسلام حيويته ومرونته وصلاحيته لكل العصور بعكس ما يتصور هؤلاء الذين لا يفهمون من الدين إلا القشور.
 
 ويكفر التنظيم الصوفية جميعا ويكفر كذلك الشيعة جميعا كما يكفر الأحزاب السياسية، وبعضهم يكفر الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية مثل حزب النهضة فى تونس وحزب الحرية والعدالة فى مصر.. وكذلك حزب النور وغيرها.
 
 ولعل هذه الإضافة هى بصمة دخول التنظيم فى الإطار الداعشى العالمى لأن القاعدة لا تكفر هذه الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، قد ترفض«القاعدة» الحزبية لأنها ترى أن الحرب والقتال هى الطريقة الأوحد لقيام الدولة التى يريدونها ولكنهم لا يكفرون هذه الأحزاب وتعتبرها القاعدة الآن اجتهادات لا تكفر أصحابها، ولكن داعش الأكثر غلوا وتكفيرا وتفجيرا لديها مساحات واسعة للتكفير تفوق غيرها بمراحل.
 
 ومن أشهر تعبيراتى التى أطلقتها على فكر «داعش» سواء فى سيناء أو غيرها هو أنها «سوبر تكفير»، أما القياسات الباطلة الثلاثة التى أخطأت فيها داعش سيناء وكذلك داعش العراق وسوريا فلن يتسع المجال لبسطها الآن.
 
--------------------------------
* نقلا عن الشروق المصرية، 10-3-2017.
طباعة

تعريف الكاتب